أسرار التلبية شعار الحج ومعانيها وآثارها في الأمة
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 21 ذو القعدة 1447هـ في دار المصطفى، بعنوان:
أسرار التلبية شعار الحج ومعانيها وآثارها في الأمة
نص المحاضرة مكتوب:
الحمد لله على كريم تجلّياته، وعظيم نفحاته، وجزيل هِباته، وواسع إمداداته، وعجائب عناياته ببريّاته، وجعل مُرتكز العناية منه: عبده المختار محمد، أحب محبوباته، وأقرب الخلق إليه على الإطلاق، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على دربه بالصدق والإخلاص مع الخلَّاق، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، مركز صِلة الخلائق بالخالق، وهُدَاة الخلق لحميد الطرائق، ومعادن وينابيع الحكم والمعارف والحقائق.
يا رب صلِّ عليهم وعلى آلهم وأصحابهم، وعلى ملائكتك المقربين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلى أهل مجمعنا ومن يسمعنا، وعلى والدينا وذوي الحقوق علينا، معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين.
حقيقة الخسران وحقيقة الفوز!
- من غفل عن هذا الإله، ومن أعرض عنه، ومن تولَّى عن دربه..هم الخاسرون، وعزة الحق الحي القيوم، هم الخاسرون (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [المنافقون:9].
- وإذا تحدثنا عن هذا الخسران، نتحدث عن حقيقة، وعن خسران مؤبد، مؤكد، شديد، شنيع.
- كذلك إذا تحدَّثنا عن الفوز، لا نتحدث بخيالات ولا بظنون، ولا بأفكار مَن خُلِقوا من غير شيء وهم يموتون، ولكن بموازين حيٍّ قيوم، بيده أمر الظهور والبطون، ومجال قُدرته: (إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس:82]، جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.
من يستطيع أن يُغير ميزان الله؟
- وأيُّ ميزان يخالف ميزان الله: ما له من وزن، ما له من حقيقة، ما له من غاية ولا نهاية ولا عاقبة (الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ..) الأشجار القائمة على السُّوق والسابحة في الأرض، نجم سابح في الأرض وشجر..
- (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا)، هل تعلم الحكمة في هذا الترتيب البديع؟ ومن يقدر عليه غير الله؟ ولا يمكن قيام الوجود إلا به.
- قال له: (وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ) [الرحمن:1-7]، كما جعلت لكم هذا، وضعت لكم ميزانا؛ من شأن سعادتكم، من شأن هدايتكم، من شأن رِفعتكم، من شأن كرامتكم.
- فإذا جئتم بميزان آخر.. بدِّلوا ميزان السماء والأرض حتى يمكن يمشي ميزانكم! أنا الذي وزنت هذه الكواكب والنجوم ورتبت هذه الكائنات،
- ووضعت هذا الميزان: حسنات وسيئات، طاعات ومعاصي، خير وشر، صلاح وفساد، هدى وضلال، حق وباطل، نور وظلمة..
- من يستطيع يُغيِّر ميزاني هذا؟ من يستطيع يُغيِّر ميزاني هذا؟
الإيمان بالله والاعتصام به وحال المنقطعين عنه
- (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) [النساء:174-175].
- آمنوا بالله واعتصموا به.
- يا رب اجعل أهل جمعنا كلهم ومن يسمعنا وأهليهم، ممن آمن بك واعتصم بك، يا الله.. يا الله.. يا الله.
- فإنّ مَن فقد الإيمان بالله واعتصم بأي شيء غيره؛ مِن فكرٍ، من ثقافةٍ، من قُوَى.. قوى عسكرية، قوى اقتصادية، قوى للمباني وتشييدها، أي قوى كانت، واعتصم بها؛ من فعل ذلك: هم من أول واحد فعل ذلك إلى من في وقتنا ومن يفعل ذلك بعدنا خاسرون.. والله خاسرون، بانقطاعهم عن الله، بانقطاعهم عن الإله الذي خلق.
- كيف يستطيعون أن يُغيّروا ميزان الخالق بموازينهم؟ كيف يستطيعون أن يقاوموا أمر الجبار بأفكارهم وبعقولهم؟ وولاؤهم ومشيختهم لعدوهم إبليس؟! (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا) -وفي قراءة (جُبْلًا)- (أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) [يس:60-62].
- والذين أضلَّهم ذهبوا إلى أين؟ (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ..)،
- والميزان؟ (الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ كَذَٰلِكَ النُّشُورُ..)، تموتون وإلينا ترجعون.
- وترون هذه الآيات أمامكم، ونرسل الرياح ونُنزِل السحاب ونحيي الأرض بعد موتها، ثم تشكّون فيما يخبركم أنبياؤنا!
- فيما يخبركم رسلنا من رجوعكم إلينا؟ (كَذَٰلِكَ النُّشُورُ).
- دعوا الغفَالة والغفلة والخَبَل في العقل!
حقائق العزة في الدنيا والآخرة
- (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر:6-10]، جل جلاله.
- إن أردتَ حقائق العزة: انظر الكلم الطيب وقُم بالعمل الصالح.
- إيمان وعمل صالح ترتكز عليه؛ سعادة الدارين.
- ودع الخيال، ودع الخَبَال، ودع الوهم الذي لا حقيقة له.
- لا والله.. لا سَعِد ولا تهنأ بالمُلك نمرود ولا فرعون، ولا عاد ولا ثمود، ولا من كذَّب بنوح، ولا مَن كذَّب بالمرسلين على مدى القرون، والله ما سعدوا في الدنيا قبل الآخرة، ومع ذلك: أذهَبوا طيّباتهم في الحياة الدنيا واستمتعوا بها.
- كيف أذهَبوا طيباتهم؟ أذهَبوا طيباتهم: ما كان يستطيعون أن يحوزوه من الطِيبِ ضيّعوه! أذهَبوا بإيثارهم للشهوات، فاستمتعوا بشهوات حقيرة، زائلة، قصيرة، آنية، وقتية، منتهية، مُورِثَة لهموم وغموم في الدنيا، وما أقصرها! وفي الآخرة هموم أكبر وغموم أكبر وخزي أكبر! وأين طيباتهم؟ مساكين! أذهبوها.
- كانوا يستطيعون أن يؤمنوا فما آمنوا بعد أن تصلهم الدعوة والرسالة! كانوا يستطيعون أن يتقوا ما اتقوا، كانوا يستطيعون يعملوا الصلوات وما عملوها، أذهبوا طيباتهم ما جمعوا من الطيبات، أذهبوا طيباتهم في حياتهم!
وهذه طيبات الحياة الدنيا..
- ما طيبات الحياة الدنيا إلا أن: تكسب فيها سعادة الآبد،
- طيبات الحياة الدنيا: أن ترقى فيها رُقِيًّا شأنه لا ينفد.
- هذه طيبات في الحياة الدنيا. هؤلاء لا شيء عندهم منها مساكين! معهم: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ) وأين الطيبات؟ ليست عندهم! (وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) [محمد:12]. هذه نهاياتهم والعياذ بالله تبارك وتعالى.
شرف العبودية لله عز وجل
فما أشرَف لمخلوقٍ في الأرض ولا في السماء، لا أشرف لأحد منهم إلا عبودية الله، وتلبية نداء الحق -جل جلاله وتعالى في علاه-، ما شرف الملائكة بغير هذا، لا والله! لا حملة العرش ولا من دونهم، ما شيء عندهم شرف، غير العبودية لله وتلبية ندائه وتسبيحه وتحميده، لا شيء ثاني، أي شيء ثاني عندهم؟ هذا شرفهم، هذه كراماتهم، هذا عزهم! ، وكل من في السماوات ولا شريف في الأرض إلا مَن اتصل بهذا الشرف!
نتائج الاغترار بالحياة الدنيا!
- كما قال جل جلاله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) [فاطر:5]. وهذا الاغترار بالحياة الدنيا في مظهر كل الذين انقطعوا عن الله، من أجل مال، من أجل سلطة، من أجل وعود، من أي جهة، من أجل شهوات، من أجل أوهام، ذهبوا وضاعوا،
- والنُّذُر وصلَت: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * لَّٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ..)
- هم موجودون في مختلف الأزمنة،
- وكل من بلغتهم منه الدعوة وأصرَّ على هذا المسلك الساقط الهابط: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ..)،
- ولهذا تروا تخطيطاتهم كلها طريق جهنم -والعياذ بالله-: حروب ما لها معنى، اعتداءات ما لها معنى، أخذ حق الغير، تغطرسات، لعب بالأرواح، لعب بالقيم، لعب بالأموال، لعب بالحقوق.. طريق جهنم!
- (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ) كفروا وظلموا، ما اكتفوا بالكفر، فوق الكفر ظلموا! اعتدوا وخانوا الأمانة وصدوا عن سبيل الله تبارك وتعالى!
- (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) فمن يغفر لهم؟ هم يغفرون لأنفسهم؟ أو أحد آخر يجيء يغفر لهم؟ (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ) انظر قرارتهم: طريق جهنم، التخطيطات حقهم هي هذه طريق جهنم ( إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ..)
- والغاية والعاقبة: (..خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) [النساء:178-169].
- فأي طريق هذه!
معنى شعار حجاج البيت: لبيك اللهم لبيك
- يا خيبة من لم يُلبِّ نداء الله! يا خيبة من لم يستجب لمحمد بن عبد الله! الذي ما عُقِدَت المجامع إلا استجابة له وتلبية لنداء ربه!
- هذا الشعار العظيم الذي جعله الله، يؤدونه عن المؤمنين في الشرق والغرب حجاج بيته، من أول ما يُحرم أحدهم بحج أو عمرة: لبيك اللهم لبيك، يعني نحن مجيبون لندائك على الدوام، إجابة بعد إجابة، تلبية بعد تلبية، "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك".
- هذه مفاتيح التحرُّر من الأوهام وأن يستولي عليك أهل الأوهام: "إن الحمد والنعمة لك والملك"،
- إذا ظننتها مع غيره: أنت في وهم، وسيضحكون عليك، وسيلعبون بعقلك وبفكرك وبسلوكك وبأُسرتك وبحالك في الدنيا،
- والمصيبة إن أخذوا الأصل منك وسرقوا عليك رأس المال؛ الإيمان -والعياذ بالله تعالى-!
- تراهم يدعون للإلحاد، يدعون إلى الخمور، يدعون إلى الفساد، يدعون إلى القطيعة، يدعون إلى الظلم؛ إبليس وجنده من شياطين الإنس والجن.
- وهذه دعوة محمد: إلى الصلاح، إلى الفلاح، إلى الأدب، إلى التقوى، إلى إقامة الأوامر الربانية وترك النواهي، إلى إعطاء كل ذي حَقٍّ حقه،
- (فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) [البقرة:193]، هذه دعوة الله ودعوة رسوله ﷺ، رزقنا الله تلبيتها.
- جعل الله هذا الشعار للحجاج: "لبيك اللهم لبيك"، ويُفسّرونه: أنا مُقِيم على إجابتك مرة بعد أخرى. وهذا إذا قالوا: دواليك، أي: مستمر دائما، إذا قالوا: حنانيك، أي: حنانا بعد حنان على طول الدوام، لبيك: تلبية بعدها تلبية على طول، شعارهم: لبيك اللهم لبيك.
عظمة تلبية النبي محمد ﷺ وتمام الدين
وهذا الذي كان يُكرّره إمامهم ونبيهم ﷺ وقائدهم ومعلمهم، من أول ما أحرَم في ذي الحليفة جانب المدينة، إلى أن وصل بعد أيام، إلى مكة المكرمة، وإلى أن طلع إلى مِنى في اليوم الثامن.
وكان قد أثبَت شهر ذي الحجة الحرام ذلك العام بخروج شهر ذي القعدة 29 في ذاك العام، فكان ليلة الخميس أول ليلة بالرؤية، وأثبتها ﷺ، فكان الخميس أول يوم في شهر ذي الحجة، وفي الخميس الثاني طلع إلى مِنى وهو في التلبية.
ومن يوم التاسع يوم الجمعة، تحرك من مِنى ﷺ إلى جانب عرفة، وخرج يغتسل ويُلبِّي، حتى زالت الشمس دخل إلى عرفة وصلى بالناس ﷺ، مائة ألف وأربع وعشرين ألف قلوب مؤمنة مُلبّية للنداء، تلبيتهم وراء تلبية خير ملبٍّ، الإمام الأكبر في الإجابة للنداء ﷺ.
- وما أعجب نظر الله إليهم في ذاك الجمع!
- وشفيعهم مَن؟ ومُقَدَّمهُم مَن؟
- إذا كان الله يقبل أهل الموقف بست من الأولياء أو بأقل أو بأكثر.. فما بالك وهؤلاء معهم في الموقف مَن؟! أكرم الخلق عليه، أحب الخلق إليه! من سيبقى غير مغفور له؟!
- وإذا تسمع اسمع نداء الرب وكريم نزول الوحي في التفاعل مع هؤلاء الخلق، يقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ..)، وقفتم لأجلي في عرفة مع حبيبي (أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) ما أعظمها من شهادة! (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
- فمن الذي يقدر يتكلم على واحد من أصحاب حجة الوداع؟! (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة:8].
وأول نزولها وهو على ناقته في الموقف، ثَقُل الوحي عند نزوله على الناقة فبَرَكَت، حتى فَتَر الوحي قامت، فتلاها طَرِيَّة، وصلت من السماء من عند رب الأرض والسماء، وتأملوا وهو يتلوها وهم يسمعون! (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).
- ما أعجبها وما أطيَبها! وتلاها اللسان النبوي عن الرحمن! أول ما تُلِيَت، أول قراءة لها في الأرض، قرأها ﷺ والجمع يسمعونها في موقف عرفة ﷺ.
وذكَّر وبشَّر وأنذَر وبيَّن المنهاج، ودعا ورجع إلى تضرعه حتى غربت الشمس ﷺ، ورجع وهو يُلبّي، ورفيقه الذي يمشي معه ورديفه سيدنا ابن عباس عليه رضوان الله يقول: لَزِمَ تلبيته. ومعه حِبُّه وابن حِبِّه سيدنا أسامة بن زيد، ووصل إلى مزدلفة وهو يُلبي، وصلى بالناس المغرب والعشاء وأخذ في تلبيته، وقام ﷺ وصلى بالناس الفجر وأخذ في تلبيته: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك".
سرور النبي بعد إجابة الله لدعائه
وأصبح ذاك اليوم في يوم السبت يوم العيد يبتسم ﷺ، لاحظه بعض من حوله قال: يا رسول الله، رأينا ابتسامتك في ساعة ما عوّدتنا فيها؟ قال: "هذا إبليس يحثو التراب على رأسه؛ لِمَا عَلِم من إجابة الله لي في أمتي".
ماذا حصل؟ قال: كنتُ في عرفة وسألتُ الله لمن وقف من أمتي أن يغفر له كل ذنب، الصغائر والكبائر، قال: فأعطاني ذلك إلا التبعات -بقية الحقوق-، قال: وبقيت أفكر، مَن لم يتمكن من أداء الحقوق من أمتي بعد حجته فلم يستطع؟ وأخذت أدعو ربي وأقول: يا رب أنت كفيل بأن ترضي عنه خصومه وتغفر لهم، فقال وهو في مزدلفة نزل عليه: حتى التبعات.. كل من لم يتمكن من أدائها يتحملها عنه جل جلاله، فأصبح يضحك ﷺ قال: وإبليس يحثو التراب على رأسه لِمَا من إجابة الحق تعالى لرسوله فينا معشر أمته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ومشى بالتلبية حتى وصل مِنى، ووقف أمام جمرة العقبة ورفع يده فكبَّر الله: "الله أكبر". وهذه الأيام كلها وهو في تلبيته: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك".
نداء لمن نسي حمد الله!
فيَا مَن نسي حمد الله وهو مسلم مؤمن، وحمد أجهزة أو صانعيها، أو أنظمة أو مخترعيها، أو جهات أو شركات أو مؤسسات: استحِ على نفسك! واعلم أنهم والله أصلهم عدم، ونهايتهم فناء، ووقوفٌ بين يدي العلي الأعظم، وأنهم ما استطاعوا أن يعملوا شيئاً ينفعك أدنى نفع في الحس أو في الدنيا إلا بأمره وإلا بقدرته، فالحمد له!
يا حامد المؤسسات، يا حامد الشركات، يا حامد الأنظمة، يا حامد الدول، يا حامد الخلق: "إن الحمد والنعمة لك"، "اللهم ما أمسى بنا من نعمةٍ أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك".
ولا الكهرباء ولا المراوح ولا المكيفات ولا الميكروفونات ولا الثياب التي علينا ولا الفرش الذي تحتنا ؛ إلا منه، والله منه، والله إنها منه! ولولاه ما كانت ولا كان من يصنعها ولا من يُكَوِّنها! ، "ما أمسى بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك"!
مثَّلنا بهذه النِّعم مع قِصرها في نعمة الإسلام الذي أنتم فيه، ونعمة الإيمان الذي أنتم فيه، ونعمة هذا التجلي، ونعمة هذه الرابطة في السند بمجالسة إلى مجالسة تتصل، من أين جاءت؟ "فمنك وحدك"، فمنك وحدك، منك وحدك! لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك، "إن الحمد والنعمة لك والملك".
يا من يعيش في وهم الملك
يا من يعيش في وَهْم المُلك: مُلك قصير، محدودة أنفاسه، أصحابه يمرضون ويجوعون ويعطشون، وتجري الأمور على غير ما يريدون، ويتعرّضون لمشاكل كثيرة، وينتهون! هذا المُلك الصوري كيف ألهاك وأنساك صاحب المُلك الحقيقي؟! (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الملك:1]، (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ).
تَحرَّرُوا من هذه الورطات في هذه الخيالات، تظنون أن هذا هو المُلك؟ ما أقصره! ما أحقره! ما أقرب فناءه! المُلك مُلكه -جل جلاله وتعالى في علاه- (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ) وهذا المُلك الصّوري؟ (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران:26].
ولا فيه الفخر، لو كان فيه الفخر ما ناله نمرود ولا أي كافر، "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء"، وما كان ملوك بعضهم أنبياء ومقربين وصالحين، وأكثرهم أشرار فجار وكفار، ليس بشيء، ما له قدر عند الله -تبارك وتعالى- وما له وزن.
ما هو المُلك العزيز الشريف؟
- هناك مُلك آخر، له بدايات في الدنيا ونهاياته في دار الكرامة؛
- مُلك القرب من الحق، مُلك المعرفة الخاصة بالله، مُلك المحبة منه والمحبة لهذا المَلِك.
- هذا مُلك عزيز ومُلك شريف.
- له أوائل في الدنيا: رحمات تَنزِل، وعنايات تُحيط، وخيرات تتوالى، وألطاف تَعُم، وحُسن خاتمة، ومقابلة حَسَنَة، ورضوان مؤبّد، ونعيم في البرازخ، وشرَف في القيامة، وخلود في الجنة، وإذا دخل الجنة: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الإنسان:20].
أين كِبر هذا الملك؟ بدايات كِبر الملك أول ما يدخلون الجنة: "إن لكم فيها أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً، وأن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبداً، وأن تَصِحُّوا فلا تسقموا أبدا، وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا".
هذه بداية كبر الملك، مُلك كبير: شباب بلا هرم، صِحة بلا مرض، حياة بلا موت، نعيم بلا بؤس. هذا مُلك كبير! هات لي أي ملك في الدنيا: شباب بلا هرم، كيف شباب بلا هرم؟ حياة بلا موت؟ عند من هذا؟ ولا واحد منهم! نعيم بلا بؤس؟ ولا شيء! وإنما ساعة من هنا وساعة من هنا وساعة كذا.. بؤس لابد منه في الدنيا، الله أكبر! ولا يتأبّدون فيه ولا يسلَمون مِن آفاته.
ولكن ذاك مُلك كبير، بداياته في الدنيا: قُرب، معرفة، محبة.
وبدايات كبر الملك ما ذكرنا في الجنة. ثم نهايات كِبر هذا المُلك: الله يقول: "يا أهل الجنة" ، فيقولون: لبيك ربنا لبيك ربنا، أحبوا "لبيك"، رأوا أثر التلبية: "لبيك ربنا وسعديك، الخير بيديك"، "هل رضيتم؟"، ربنا كيف لا نرضى؟ غفرتَ لنا ونجّيتنا من النار وأدخلتنا الجنة وأعطيتنا، كيف ما نرضى؟ "ألا أعطيكم ما هو أفضل من ذلك؟"، يا ربنا وما أفضل من ذلك؟ -وهذا الجواب الرباني نُحِب نسمعه، الله يُكرمنا بسماعه مع خواص السامعين في ذاك الموقف- يقول: "أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً". تَمَّ المُلك؛ كِبَرُ الملك.
هذا المُلك الكبير، الأنبياء جاءوا يدعونكم لهذا المُلك الكبير، يغركم الملك الحقير هذا! القصير الفاني الهالك! يا عاقل: اِعقِل! يا بصير: أبصِر! يا سميع: اِسمع!
هذا المُلك الكبير دعاكم إليه الأنبياء، وقالوا: ارفضوا النَّزْر الحقير وشيء يُفوِّت عليكم مُلك الأبد ونعيم الأبد، واتركوه (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ) [الشورى:36]، جل جلاله وتعالى في علاه، (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ) [آل عمران:189].
والشعار قائم الحمد لله، كثيرون يُلبّون هناك، والله يُحقِّقهم بحقائق التلبية، ويجعل من تحقيقهم سراية التلبية إلى ديارهم وأهلهم وإلى أهل بلدانهم وإلى أهل أوطانهم وإلى قلوب المسلمين في المشارق والمغارب.
انقطاع القلوب عن الله في أشهر الحج
فإنّ كثيرًا من قلوب المؤمنين انقطعت عن تلبية نداء الله، بل وكثيراً منها لبَّت نداء عدو الله! وهم مسلمون! تدخل أشهر الحج والأشهر الحرم وهو قاطع للرحم، وهو تارك للصلاة، وهو وراء المناظر الخبيثة! يا هذا! لبيت نداء من؟ وهكذا طول وقتك وأنت لعدوك لبيك لبيك لبيك؟ عدوك! عدوك تُلبّيه لم؟ يقول سبحانه وتعالى: (إِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ..) وشوفوا الخطاب بالرحمة والشفقة! (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) [الكهف:50]، تستبدلون ولاء الله ورسوله بموالاة هؤلاء عدوكم؟ -والعياذ بالله تبارك وتعالى-!
وسِرَّ التلبية ينتشر -إن شاء الله -في الأمة، وإذا لبّوا نداء الله؛ لبّى الله دعاءهم ولبّى ما دعوا به، فإنه أكرم الأكرمين وإنه أرحم الراحمين.
الخوف من الوضع العالمي وتلبية الله
(وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) [الشورى:30]. والذين يتحملون بالوضع العالمي -على قولهم- وتخويفاتهم وكذا وكذا، قل: انظر رب العالم، اجعل لك صِلة به وأبشِر. لكن من غيره والله لا نجاة لك، لا في الدنيا ولا في الآخرة! ولكن تعلّق به، ولبِّ نداءه، وعلِّم أولادك يلبّون نداءه، وأسرتك تلبّي نداءه، أبعِد أزياء الكفار والأشرار من وسط الدار وصفاتهم، وكل ما خالف هدي نبيك أبعده، وأقم بيتك على تلبية.
الحاج هناك يقول: "لبيك اللهم لبيك" وجدران البيت عندك تقول: "لبيك اللهم لبيك"، فتكون أنت مشاركاً للحجاج وأنت وسط دارك في أي بقعة في الأرض؛ لأن الدار فيه تلبية، تلبية من قِبل أهل الدار.
أهل الدار لبّوا نداء الله، وما تركوا في البيت شيئاً يخالف سنة محمد ولا منهجه ولا شريعته؛ فصاروا في تلبية، ما هناك ولد بلغ سبع سنين إلا وهو محافظ على الصلوات الخمس، فضلاً عن ابن العشر سنين.
قول السوء غير موجود، مناظر السوء غير موجود، اسم محمد موجود، وأسماء صحابته موجودة، أسماء أهل بيته موجودة، أسماء الصالحين موجودة، وما يُذكَر فاجر بتعظيم، ما يُذكَر فاجر بمحبة، ما يُذكَر كافر بولاء قط (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) [المائدة:55].
تعلموا سر التلبية لله
تعلموا سر هذه التلبية؛ تُشاركون للحجاج في أي مكان كنتم في العالم. ولهذا المعنى كان يقول بعض العارفين في القرون الأولى: رُبَّ طائف بالبيت، ورجلٌ له قلب بعيد في أقصى البلاد هناك في خراسان أقرب إلى البيت وإلى رب البيت منه، أقرب من هذا الطائف، لهذا السر؛ لأن هذا مع رب البيت قلبه، وملبٍّ لنداء رب البيت بقلبه، فكان أقرب من هذا الذي يطوف وهو موزّع الهم والقلب على هنا وهنا.. وهذا مع الله سبحانه وتعالى، "رُبَّ طائف بالبيت ورجل بخراسان أقرب إلى البيت منه، وأقرب إلى رب البيت منه" جل جلاله، فتعلموا تلبية نداء ربكم.
الدعاء بحسن التلبية والاستجابة لله
يا رب: اجعل هذه القلوب مُلبِّية لندائك، مستجيبة لدعائك على لسان خاتم أنبيائك، ارزقنا حُسن متابعته ظاهراً وباطناً، واجعله مقتدانا، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، جل جلالك، فزدنا إيمانا، وزدنا يقيناً، وزدنا تقوى.
يا الله: لا نبيت إلا وقلوبنا مُلبِّية لندائك، مستجيبة لخاتم أنبيائك (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عمران:193-194].
يا بر، يا جواد، يا رب العباد، يا واسع الإمداد، يا من يُعطي بلا حصر ولا تعداد، يا الله.. يا الله: اقبلنا أجمعين، وحجاج بيتك وزائري نبيك.
وفرِّج اللهم الكرب على أهل بيت المقدس وعلى المسلمين في المشارق والمغارب، واجعل القلوب مُلبِّية للنداء، مهتدية بالهدى، فيما خفي وفيما بدا، واجعل قدوتها محمداً، يا الله، وثَبِّتنا على ذلك حتى نلقاك وأنت راضٍ يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.
20 ذو القِعدة 1447