مكانة الأخلاق في تكوين المكلفين وحقيقة فاعليَّتها في معاشهم ومعادهم

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 18 شعبان 1447هـ في دار المصطفى، بعنوان:

مكانة الأخلاق في تكوين المكلفين وحقيقة فاعليَّتها في معاشهم ومعادهم

لتحميل نسخة pdf

 

تضمنت المحاضرة:

  •  أثر الأخلاق في صلاح الأعمال
  •  منهج الأنبياء في التزكية والتشريع
  •  حقيقة الثروة والسعادة
  •  القدوة العظمى ﷺ
  •  فقد العلماء (الحبيب عمر الجيلاني)
  •  مكانة أهل الأخلاق النبوية
  •  مصير الحضارات الخالية من الأخلاق
  •  رثاء الصالحين وبركة جنائزهم (السيد أبي بكر بن علي المشهور بن حفيظ)
  •  الغنى الحقيقي في الميزان النبوي
  •  معالجة العوارض ومعالجة الذوات

 

نص المحاضرة:

 الغاية من خلق الإنسان وبعثة الرسل

الحمد لله الذي (خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)، وخلقَ الإنسانَ وأكرمَ الإنسان، وخلقَ الإنسانَ وخاطبَ الإنسان، وخلقَ الإنسانَ وعلَّمَ الإنسان، واختارَ من الناسِ رُسُلًا بالهدى والبيان؛ لإصلاح الشأن في السِّرِّ والإعلان، وليصلُحَ بصلاح ذات الإنسان ما حواليه من الأكوان، والمراحل التي ينتقل إليها من طَوْرٍ إلى طَوْر، ومن شأنٍ إلى شأن؛ من دُنيا، إلى بَرْزَخ، إلى قيامة، إلى استقرارٍ وأبديَّةٍ في الجِنان أو في النِّيران -أعاذنا الله منها-.

ولكن كلَّ هذه الأحوال الدائرة صلاحًا وفسادًا في الدنيا، ونعيمًا وعذابًا في البرزخ والقيامة، ثمَّ في حياة الأبد؛ مُرتَّبةٌ بقدرة القادر، وإرادة المريد، وتكوين المكوِّن جلَّ جلاله على صفات هذا الإنسان، وأخلاق هذا الإنسان.

أثر الأخلاق في صلاح الأعمال

معاملةُ هذا الإنسان وجميعُ أعمال الإنسان مُترجَمةٌ عن صفاته؛ وصفاتُه أخلاقٌ ذاتُ هيئةٍ راسخةٍ في النفس تصدر عنها الأقوال والأفعال؛ فإن كانت تلك الهيئةُ جميلةً حميدةً فالأقوالُ سديدة والأفعالُ حميدة وكلُّها جميلة، وإذا كانت هيئةُ هذا الإنسان مُختلَّةً منحرفةً فالأقوالُ مُنكَرة وسيِّئة، والأفعالُ قبيحة ومنحرفة -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

على ذلك يترتَّب الأمر، فقَصُرَ فِكْرُ من لم يُدرِك هذه الحقيقة كائنًا من كان، وقَصُرَ نظرُه إلى الحياة وما بعدها.

ومن رحمة الله أرسلَ الرُّسُل، وجاؤوا بالبيان الذي يُبيِّن لنا هذه الحقائق، وأكرمَ من شاء بالاستجابة لدعوته على ألسُن المرسلين؛ ليتَّصفوا ويتخلَّقوا بما يُحبُّه الخلَّاقُ جلَّ جلاله، فتصفو لهم شؤونُ المعاش والمعاد، ويَصلُحون ويَصلُح بهم ما حواليهم في الخافي والبادي، في الحياة والبرزخ ويومِ التَّناد، وأهلُ الصلاح ذلك مأواهم: (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا).

قال الله في شأن حالها وما فيها: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا).

منهج الأنبياء في التزكية والتشريع

فكان عملُ الأنبياء في الأمم تزويدَهم بالإيمان بالإله، وتقويةَ ذلك فيهم، وتقويم أخلاقهم على ما يُحبُّه هذا الإله، وعلى مقتضى الإيمان به؛ فيسري ذلك إلى أقوالهم وأفعالهم.

واهتمُّوا بالأصل من الإيمان والخُلُق، ثمَّ بيَّنوا النتائج في الأفعال والأقوال بنظامٍ ربَّانيٍّ فيه: حلالٌ وحرام، فيه واجبٌ وممنوعٌ مُحرَّم، ومُستحَبٌّ مندوبٌ مسنون، ومكروه، وخلافُ أَوْلى، وشُبُهات، ومُباحات؛ بجَعْل وترتيب خالق الكلِّ، العليمِ بكلِّ شيء جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

فكان ما بُعِثَ به الرُّسُلُ هو الحقَّ والهدى الذي يُنقِذ من الباطل والضلال فكرًا وخُلُقًا وقولًا وفعلًا؛ يُخرِج الناسَ من الفساد في الفكر، وفي الخُلُق، وفي القول، وفي الفعل، ويُقيمهم على الصلاح في كلِّ ذلك إذا استجابوا.

 وقال سيِّدُهم وخاتمُهم خاتمُ المرسلين: "إنَّما بُعِثتُ لأُتمِّمَ مكارمَ الأخلاق" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

حقيقة الثروة والسعادة

فكانت حقيقةُ الثروات والتجارات والأرباح والفوز والسعادة للإنسان؛ صفاء باطنه وتخلُّقه بما يُحِبُّ ربُّه جلَّ جلاله، وما عدا ذلك فليس بشيء؛ فإنَّه إذا لم يستقم باطنُه على صحَّة الإيمان والاعتقاد، وعلى التخلُّق بالمحاسن والمكارم؛ فإنَّه يتلوَّن بلونه الفاسد كل ما حواليه.

إن أُعطيَ مالًا فهو مصدرُ شرٍّ وفساد، وإن أُعطيَ قوَّةً وسلاحًا فهو مصدرُ شرٍّ وفساد، وإن أُعطيَ مُلكًا ونفوذًا في الأرض فهو مصدرُ شرٍّ وفساد. 

ولكن إذا صَلَحَ هذا الإنسان؛ إن أُعطيَ مالًا فهو مصدرُ فائدةٍ ونفعٍ وهدايةٍ وخيرٍ ،وتكاتفٍ وتآلفٍ، وتفقُّدٍ لذوي المسكنة وذوي الحاجة، ووضعِ الشيء من حِلِّه في محلِّه.

ومن ناله منهم فقر؛ فهو في فقره في صلاح، لا اضطرابَ ولا قلقَ ولا جَزَعَ، ولا تفكيرَ في أن يسرق، ولا أن يغُشّ، ولا أن يخون، ولا أن يأخذ المال من غير حِلِّه.

بصلاحه صَلُحَ حالُه غنيًّا وفقيرًا، ويصلُح حالُه صحيحًا ومريضًا، ويصلُح حالُه ظاهرًا مشهورًا وخاملًا مستورًا؛ يصلُح في جميع أحواله بسبب صلاح ذاته وباطنه وبالصفات التي فيه.

القدوة العظمى ﷺ

فإذا تحدَّثنا عن حقيقة الثروة والكرامة والتجارة والشرف للناس على ظهر الأرض؛ فهي في أخلاقهم القائمة على الإيمان بالله، والمُستفادة من أنبياء الله، والمجموعة بكمالها التامِّ من كلِّ الوجوه في ذاتٍ هي ذاتُ محمَّد بن عبد الله بن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد مَناف، الذي خاطبه الإلهُ الحقُّ العظيمُ الكريمُ في القرآن المجيد الفَخيم، وأقسمَ وقال: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ).

نبيٌّ عظيمٌ خُلُقُه الخُلُقُ الذي ** له عظَّمَ الرحمن في سيِّد الكُتبِ

كلَّما رسخَت أخلاقُه هذه في أتباعه وأمَّته؛ فنصيبُهم من السعادات والتجارات والخيرات الحقيقية الأبدية كثير، على قَدْر ما تنتشر فيهم هذه الأخلاق.

فقد العلماء (الحبيب عمر الجيلاني)

ولذا يكون الفَقْدُ لمن توفَّرت فيه هذه الأخلاق؛ فَقْد فيه مآسٍ للأمَّة، يصل إلى ثُلْمةٍ في الإسلام من قِبَل أهل العلم الذين تحقَّقوا بحقائق العلم، "وإذا مات العالِمُ ثُلِمَ في الإسلام ثُلْمةٌ لا يسُدُّها إلَّا خَلَفٌ منه"؛ خَلَفٌ يَخلُفه ويقوم مقامَه، وهذا الذي توفَّر في كثيرٍ من عباد الله تبارك وتعالى بفضله في هذه الأمَّة.

ولكن يجب أن يلتفتَ النظرُ إلى هذه الحقائق، وأنَّنا يجب أن نغنم من حياتنا ترسيخَ الخُلُق الكريم والصفات الحسنة. 

منها مَن فقدناهم في هذه الأسابيع؛ فقدنا الحبيبَ عُمر بن حامد بن عبد الهادي الجيلاني -أعلى اللهُ درجاتِه، وجمعنا به في أعلى الجنَّة-؛ مَجَرَّةً من كريم الأخلاق وحميد الصفات التي رسخَت فيه بتربيةٍ موروثة من الأصل من عند زَيْن الوجود، حتى وصلَت إلى أبيه وشيوخه الذين تلقَّى عنهم واتَّصل بهم، وامتلأ باطنُه بإجلالهم من أجل الله، وإكبارهم من أجل الله، وتعظيمِهم من أجل الله، وولائِهم في ولاء الله، جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

مكانة أهل الأخلاق النبوية

وكان ما يحملُه من هذه الأخلاق في اتِّصاله بوَرَثة حبيب الخلَّاق -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- هي حقائقُ عِزِّه وشرفِه الأبديِّ الدائم القويم القويّ، وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء. 

يقول عنه صاحبُ الرسالة: "إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكم منِّي مجلسًا يوم القيامة: أحاسنُكم أخلاقًا، الموطَّؤون أكنافًا، الذين يَأْلَفون ويُؤْلَفون"، معهم نصيبٌ من صفاتي، من نور أخلاقي، وحملوه وورثوه منِّي؛ فهم في القيامة قريبٌ منِّي، وهم من أحبِّ الناس إليَّ وأقربهم مجلسًا ومنزلةً منِّي في القيامة التي هي الميزان، يحكي ما بعدها ويشير إلى ما وراءها من الأبد، ولا مكانَ أعلى وأعظمَ وأجلَّ وأجملَ من مكان محمَّدٍ صاحبِ المقام المحمود في ذلك اليوم. 

يا من يقوم مقامَ الحمد منفردًا ** للواحد الفَرْد لم يُولَد ولم يَلِدِ

ويُنادى: "ارفع رأسك، وسَلْ تُعْطَ، وقُلْ يُسمَع لقولك، واشفع تُشفَّع". فمن كان قريبًا منه فسعادتُه على قَدْر قُربه منه الأبديَّةُ السَّرمديَّة، سعادةُ الأبد.

مصير الحضارات الخالية من الأخلاق

ولذا نجد أنواعَ الفشل في هذه الحياة لبني آدم انقطاعَهم عن حقائق هذه الأخلاق، سواءً كانوا أفرادًا أو جماعاتٍ أو مؤسَّساتٍ أو هيئاتٍ أو ما يُسمَّى بحضارات. 

وإذا هذه الحضارات فقدَت هذه الأخلاق، فقدَت كريم هذه الصفات؛ فما تُثمر للناس إلَّا كما تشاهدون وكما تُعايشون من تفرقةٍ وحروبٍ وكُرُوبٍ وأنواعٍ من الظلم؛ لأنَّها حضاراتٌ وصل بها الحدُّ في التخلِّي عن هذه الأخلاق إلى أن يُتَّخَذ من هذه الأخلاق أسماءٌ وشعاراتٌ مطروحةٌ بَرَّاقةٌ لا تفعيلَ لها، ولا واقعَ لها في أهل قيادتهم ولا في كُبرائهم، بل يُقيمون أمورَهم على نقيض كلِّ هذه الأخلاق والقِيَم الصالحة. 

وإن تبخْتروا وتلفَّظوا وادَّعَوا؛ فما عندهم من كريم الأخلاق ما يحفظ عليهم صفاءَ المعاش قبل المعاد، فليس لهم إلَّا حتميَّةُ نتائج: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) -والأشد والأخطر: (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ).

يا أيُّها الإنسان المخلوق، إن لم تعرف ربَّك الخالقَ فما أنت بواعٍ، ولا أنت بعالِم، ولا أنت بمُدرِك، أنت الجَهول وإن سمَّاك من على ظهر الأرض في شرقها وغربها "عالِم"، أنت الجَهول وأنت الضالّ وإن سمَّاك الإنسُ والجنُّ أنَّك "هادي"، أنت ضالٌّ إذا جهلتَ ربَّك الذي خلقك، وإلهَك الذي أوجدك، وإذا لم تهتدِ لعظمته ولم تأخذ أحكامَه وتُطبِّقها، فما أبعدَك عن حقيقة الآدميَّة وعن حقيقة الإنسانيَّة وعن الكرامة من أصلها، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

فمن يعيش على ظهر الأرض يُفكِّر أن يُصلِح نفسَه أو أسرتَه أو أهله أو مجتمعَه بغير هذا النور وهذا الخُلُق؛ نقول: اخرُج من البلادة والبَلاهة التي أنت عليها، وهذا التغميش والتعميش الذي أُصِبتَ به من أقاويل زُخرُف القول من إبليس وجيشه وجنده الخاسئ الخاسر، واسمَع خطابَ الربِّ وما أنزل على عبده الأطيَب، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، واطلُب حقائقَ السعادة بحيازتك النصيبَ الوافي من هذه الأخلاق.

رثاء الصالحين وبركة جنائزهم (السيد أبي بكر بن علي المشهور بن حفيظ)

وبعد فَقْدِ هذا الإمام، فقدنا عددًا حتى انتهَوا بفَقْدِ هذا السيِّد أبي بكر وَلَدِ الحبيب عليٍّ المشهور بن محمَّد بن سالم بن حفيظ، وكان يحمل في ذاته من كريم هذه الصفات الموروثات، المُتلقَّاة بالسَّنَد إلى الأصل؛ خضوعًا باطنيًّا، وخشوعًا قلبيًّا، وتذلُّلًا سِرِّيًّا، وإيثارًا لقصد وجه الله جلَّ جلاله، وعملًا في صَمْت، وبُعدًا عن المظاهر، وحُسنَ معاملةٍ للأهل والأقارب، والصغير والبعيد.

حتى يقول لي بعض المدرِّسين: كلما رأيناه انشرحَت صدورُنا، كل ما رأيناه أحسسنا بانبساطٍ من رؤيته، ما ذاك إلَّا لما حوَتْه ذاتُه من هذه الصفات، ما حوَتْه ذاتُه من هذه الأخلاق، أعلى اللهُ درجاتِه وجمعنا به في أعلى جنَّاته. 

باركَ الله في أهلهم وفي أولادهم، بارك الله في آثارهم؛ لأنَّ الحقَّ يرعى مَن أخلصَ لوجهه وصدقَ معه في حياته وبعد وفاته؛ يرعاه في آثاره، يرعاه في أولاده، يرعاه في أصحابه، يرعاه فيمن اتَّصل به جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

وحَسْبُك أنَّه يلقاهُ من عباده المؤمنين مغفورًا له، فبمُجرَّد صِلَة الحضور لجنازته يَغفِر لأهل الجنازة كلِّهم، هذه رعايةُ الله لعبده المؤمن، من صلَّى على مغفورٍ غُفِرَ له، ولو لم يكن من الصلاة بينه وبينه إلَّا أنَّه شَهِدَ جنازتَه وصلَ إليه المددُ من حضرة الواحد الأحد، قال: صلَّيتَ على من غفرتُ له فأغفر لك، جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، وهذه رعايتُه للعبد سبحانه وتعالى. 

الغنى الحقيقي في الميزان النبوي

أتظنُّ أنَّ مَن يدَّعي حقوقَ الإنسان وغيرها، ومن يدَّعي بقاءَ الحقوق في العمل وأنَّها من حكوماتٍ أو مؤسَّسات، فتُحسِن الرعايةَ لمخلوقٍ خيرًا ممَّا يُحسِن الرعايةَ الربُّ الخالقُ إذا صدقَ معه العبد؟ الله، لا إله إلَّا الله.

ولمَّا بيَّنَ لنا ﷺ عن فِكْرِ رجلين كانا ثريَّين من حيث الظاهرُ والمال، ولكنَّ أحدَهما كان مع ثرائه الماليِّ عنده ثراءٌ خُلُقيٌّ ونفسيٌّ وإيمانيّ، والآخرُ ليس كذلك، قال ﷺ: فأوقفَ الأوَّلَ بين يديه وقال: ما عملتَ فيما آتيتُك؟ قال: خِفتُ الفقرَ على أولادي وأهلي فتركتُ لهم المال. قال: أما إنَّ ما كنتَ تخشاه بأهلك وولدك قد أنزلتُه بهم؛ فعاشوا من أفقر خلق الله يتكفَّفون الناس.

وقال للآخر: ما فعلتَ فيما آتيتُك؟ يقول: يا ربِّ أنفقتُ في وجهك ورجوتُ مَنَّك وطَوْلَك لأهلي وولدي، فقال له الحقّ: "أمَا أنّ ما كنتَ ترجوه لأهلك وولدك قد أنزلتُه بهم؛ فعاشوا مِن أغنى الناس ومن أحسن الناس عيشةً في الحياة الدنيا بمعاملةٍ، خُلُقٌ عند هذا وخُلُقٌ عند هذا، أثَّرَ على أولادهم من بعدهم وأثَّرَ على من اتَّصل بهم من بعدهم.

معالجة العوارض ومعالجة الذوات

فإن كانت هناك منافسة، فالمنافسةُ في كريم الخُلُق النبويِّ وتوفير هذه الصفات تُحَلُّ بها حقائقُ المشاكل، ويبقى هذا الفكرُ المنقطع عن هذه الحقيقة كمِثل بعض المعالِجين يريدون أن يعالجوا الأمراضَ فيعالجوا أعراض المرض، والمرض في مَحلُّه، ما الأعراضُ التي يُثيرها مِن وَجَعٍ هنا؟ يجيء لهم بمُسكِّن.. والمرضُ مكانَه، المرض محله ما يُفيد هذا العلاج، لأنَّ هذا يعالج العارضَ ما يعالج نفسَ المرض، وكلُّ علاجات هذه الحضارات وأهل الشرق والغرب للعوارض، للأعراض.

أمَّا الذي يعالج الذات: النبوَّةُ والرِّسالة، الوحيُ الإلهيُّ، مناهجُ الرحمن.. هي التي تعالج ذاتَ الإنسان، وتُصلِح المرضَ من أصله، من ذاته، تُقوِّم هذه الذات، تُصلِح هذه الذات، تُنوِّر هذه الذات؛ بصلاحها يصلُح كلُّ شيء ويصلُح كلُّ ما حواليها، فهذه مناهجُ النبوَّة. 

فالله يرحم من انتقلوا ويجمعنا بهم في دار الكرامة، ويبارك في أهليهم وأولادهم، ويرزقنا الإنابةَ والخشية.

الدعاء

اجعلها ساعةً من ساعات القَبول، أَنِلْنا غاياتِ السُّول، بلِّغنا المأمول، حَنِّن علينا روح سيدنا الرسول.

يا ربِّ بارِك لنا في بقيَّة شعبان، يا ربِّ بلِّغنا رمضان، واجعلنا من خواصِّ أهله عندك، ومن خواصِّ من يقوم إيمانًا واحتسابًا، ويصوم إيمانًا واحتسابًا، ويُحسِن التخلِّي عمَّا تُحِبُّ التخلِّيَ عنه، ويتحفَّظ له التحفُّظَ الذي تُحبُّه، ويقرأ القرآنَ فيه على النحو الذي يُرضيك.

اللهمَّ وفِّر حظَّنا من لياليه، من أوَّل ليلة، وليلةِ القَدْر، وكلِّ ليلةٍ من لياليه، وكلِّ يومٍ من أيَّامه، واجعله من أبرك الرمضانات على أمَّة النبيِّ محمَّد. 

عجِّل بالفَرَج، وارفع الضِّيقَ والحَرَج، وقوِّم كلَّ مُعوَجّ، ووفِّر حظَّنا من أخلاق النبيِّ محمَّد، ومن شمائل النبيِّ محمَّد، ومن مكارم النبيِّ محمَّد، ومن فضائل النبيِّ محمَّد، يا واحدُ يا أحدُ، يا فَرْدُ يا صَمَدُ، والحمد لله ربِّ العالمين.

 

العربية