(9)
(394)
(616)
(4)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ، ألقاها عبر اتصال مرئي، ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 20 رجب 1447هـ في دار المصطفى، بعنوان:
صلات الأرواح وعلائق القلوب من سر التوحيد والوجهة إلى الحميد المجيد
الحمد لله الذي جعل المكلفين فريقين، وأعدَّ لهم دارين، واختار صفوة من عباده فجعلهم المقربين؛ من نبيين ومرسلين وملائكةٍ وصدِّيقين وعبادٍ صالحين. ذلكم عظيم حكمة الله في الخلق والإيجاد، وعجائبُ ما يكون من الوَهْبِ والإمداد، ومن التقريب والإبعاد، ومن الإشقاء والإسعاد، ومن العطاء والمنع، ومن الخفض والرفع. جل الله الملك الحق القدوس، الحي القيوم، الذي تشهد بعظمته ذرات الوجود أجمع.
فيَا مَن خُصِّصتم ببعثِ أكرم الأنبياء وسيد الأصفياء وإمام المرسلين محمد ﷺ: وأنتم تتذكرون في مثل هذا الشهر وفي غيره؛ أخباره، منها إسراؤه ومعراجه، من أعظم معجزاته وآيات الله التي أبرزها وحدثنا عنها: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ..)، ونِعمَ العبد، عبده بالاختصاص، الكل عبيده، ولكن محمدا عبده بخصوصية تفوق خصوصيات العبيد، عبده بحقيقة تفوق حقائق العبدية والعبودية والعبودة لكل العالمين، عبده على الإطلاق بأشرف المعاني في العَبْدِيَّةِ والعبودية والعبودة لله الخلَّاق، (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) [الإسراء:1].
وكم أرى الله الملأ الأعلى والنبيين والعباد الصالحين من الآيات، وكم أظهر من آياتٍ للعالمين، وخصَّ المقربين بأن أراهم آيات، ولكن محمدا رأى الكبرى (لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ) [النجم:18]، ﷺ.
فكبرى الآيات لخير البريات صلوات ربي وسلامه عليه، أبرز له من حقيقة اصطفائه واجتبائه ما قام به في مقام الشهود الأسنى؛ مقام (أَوْ أَدْنَىٰ)، (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ) [النجم:8-9]، (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ) [النجم:11].
ودنوتَ منه دنوَّ حقٍّ أمرُهُ *** فينا على أفكارنا الإبهامُ
وبلغتَ (أو أدنى) وتلك مزيَّةٌ *** عُظمى وأسرارُ الحبيبِ عِظامُ
فليهنك السر الذي أوتيته *** والقرب والإجلال والإكرام
من حضرةٍ علويةٍ قدسيةٍ *** قد واجهتك تحيةٌ وسلامُ
وكان الحسن البصري إذا ذَكَر حنين الجذع إليه يبكي ويقول: أيها الناس، خشبَةُ..! خشبَةُ تَحِنُّ إلى رسول الله!، ألسنا أولى بالحنين إليه؟ ألسنا أولى بالحنين إليه؟. وأنت آدمي، مؤمن به، مُصَدِّق أنه حبيب ربك! رسول ربك! صفوة ربك! خيرة خلق ربك! أفضل خلق ربك عند ربك: محمد!، كيف ما تحن إليه؟ كيف ما تشتاق إليه؟ إلا إن كنت ميت القلب!.
أحيا الله قلوبنا وقلوب المؤمنين، وحلَّاها في هذه الحياة بأنوار المحبة؛ التي بها يتولع القلب بالذكر، (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28]. وتقوم الصِّلاتُ على أساس هذا الذكر، وهو الذي قامت الإشارات إليه فيما كان في ليلة الإسراء والمعراج.
ومضى يتفقَّدُ في مسراه أماكنَ خُصِّصَت من رب الأرض والسماء بخصوصيات: إفضال، محبة، رضا، إكرام. منها المكان الذي خبأ الله له بُقْعَة من الأرض؛ خبَأ الله لها أن تُشَرَّف وتُزَيَّن بسيد أهل الأرض والسماء، وأن يُهَاجِر إليها حبيبه الأسنى، وأن يُتَوفَّى فيها وأن يُدفَنَ فيها: طيبة الطيبة. ومضى جبريل بالبراق إلى طيبة وقال له: صلِّ هنا، هذا محل هجرتك، وهذه طيبة التي تتشرَّف بك.
ومضى، وأوقف البُرَاق: صلِّ هنا، حيث ناجى الله موسى. ومضى، ومرَّ على موسى وهو قائم يصلي في قبره كما جاء في صحيح مسلم. ومضى، قال: انزل صلِّ هنا، أتدري أين صليت؟ قال: لا، قال: ببيت لحم حيث ولد عيسى، محل مولد عيسى بن مريم. عظَّمه جبريل، وأوقف البراق، وأمر سيد الوجود أن يصلي في ذلك المكان، فصلى في ذلك المكان.
هذه عقيدة صاحب الإسراء؛ أنَّ في الأرض أماكن شُرِّفَت بمحبوبين ومقربين فلها التكريم. أو هذه عقيدة الصوفية؟. هذه عقيدة محمد، هذه عقيدة جبريل عليه السلام!.
في ظهر الأرض أماكن شُرِّفَت يُحَقُّ أن تُقصَد، يحق أن يُتعمَّد إليها، يحق أن يُصلَّى فيها، يحق أن يُدعى الرحمن فيها!. هذه عقيدة جبريل وعقيدة محمد ﷺ، وعقيدة أصحابه الكرام.
محل وُلِد فيه عيسى.. لا قال عَبَد ولا يُوحي إليه ولا تصدَّق، ولا عمل شيئاً، بل تشرف بولادة عيسى! "ببيت لحم حيث ولد عيسى".
فشرَّف الله البقاع بشرف أهلها. والأرض المباركة هذه؛ أرض الشام، جعل الله مظهر بركتها كثرة الأنبياء فيها، موت وولادة الكثير منهم ونشأتهم ووفاتهم، وموت المهاجر الكثير منهم. وموطئ إسراء صاحب الإسراء ﷺ خير الورى صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله. فكان فيها من عجائب النور والفضل الإلهي المخبوء تحت عجائب الإرادة الإلهية. له وفيه حقائق وأنوار وخيرات وأسرار، وكل المواطن التي شُرِّفَت والتي مُيزَت، والتي نظر إليها ربُّ الأرض والسماء وخصَّصها بشيء؛ من مثل دعوة محمد ﷺ، أو مقامه فيها، أو صلاته فيها، صلوات ربي وسلامه عليه.
ثم إلى بيت المقدس، وهنا كان الاجتماع. هذا الذي يجري لأرباب النور والصلاح.. اجتماعات بأرواح مقبلة بكليتها على الكريم الفتَّاح، يُصلُّون له، ويدعونه، ويتوجهون إليه. -وفي الأرض أهل الكفر وأهل الفسوق وأهل الإلحاد وأهل المعاصي وأهل الذنوب، ولكن هؤلاء في أحوالهم هذه العجيبة مع الله تبارك وتعالى.
وما بقي نبي منذ آدم إلى عيسى بن مريم ما بقي نبي ابتعثه الله إلا وجُمِعَت أرواحهم كلهم في تلك الليلة، واجتمعوا في بيت المقدس، وأقام جبريل الصلاة، وتقدَّم الإمام، وإذا بجبريل والأنبياء ومن معهم من الملائكة مأمومون! مأمومون، والإمام الأمين المأمون سيد المرسلين.
وشاهد جنات ونارا وبرزخ *** وأحوال أملاك وأهل النبوة
وصلَّى وصلوا خلفه فإذن هو المقدم *** وهو الرأس لأهل الرئاسة
إذن هو المقدم وهو الرأس لأهل الرئاسة، تشرَّف بتقديمه فإنَّ ربك قدَّمه. وإذا قدَّمته في وجهتك وفكرك وعملك؛ قَبِل ربك منك ذلك؛ لأنه المقدم بتقديمه هو. فإذا اتخذت مُقدَّما غيره؛ خُذِلت وطُرِدت ومُنِعت القبول من حضرة البر الوصول.
وقد أنبأ عن هذا المعنى بصريح عبارته عليه الصلاة والسلام، وجاء في حديثه: "وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي"، لو كان موجوداً عندي في حضرتي على قيد الحياة الدنيا لمَا حصَّل له باب لله يَلِج إلَّا بي، "مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي" ما يستطيع يعبد الله ولا يقوم بحق الله إلا بالمتابعة لمحمد، ولو كان كليم الله موسى، فكيف بغيره؟!
هو الباب..
أنت باب الله أيها المرتجى *** والأمان لمن عليه وقفا
أنت حبل الله من أمسكه *** فاز بالخير وبالعهد وفا
فلا تحرموا أنفسكم طِيبَ هذه الصِّلات الروحية بهذا الجناب الأشرف وأهل تلك الحضرة العلية.
ثم هو في السماء، وفي السماء مرور من سماء إلى سماء؛ بهذا، ثم بهذا، ثم بهذا. وكلام مع هذا، وصلاة مع هذا؛ صِلات أرباب حضرة الله -جل جلاله وتعالى في علاه-، "هذا أبوك آدم ادنُ منه سلم عليه"، ويجيء إلى عند آدم، وآدم يرد عليه السلام ويفرح به، كل مَلك من بوابي السماوات السبع اِهتَزَّ وفَرِح، لمَّا يسْتَطِرِق ويَسْتَفتِح جبريل، يقول: من بالباب؟ يقول: جبريل. فيقول: من معك؟ يقول له: محمد. يقول: أوَ قد أرسل إليه؟ - يعني أهذه الليلة التي عيَّنها الله لوصوله إلينا!، أُرسِل إليه للحضور إلى السماوات بجسده الكريم؟ لأنه عندهم خبر أنه في ليلة سيأتي ويتشرفون به. أوَ قد أرسل إليه؟ أوَ بُعِث إليه؟!.
ليس المقصود النبوة.. النبوة دارين بها ومكتوبة فوق قوائم العرش "محمد رسول الله"، لكن من ليلة حراء وهُم يعرفون أنه أُرسِل. لكن: "أو أُرسِل إليه؟" يعني: هذه الليلة التي وُعِدنا نحن يجيء إلينا؟ ويحضر إلى السماوات ونُشاهده عياناً؟ أوَ قد أرسل إليه؟!، يقول: نعم. فيقولون: مرحباً به. يقول كل مَلَك من ملائكة السماوات السبعة هكذا -اقرأ في الصحيحين- : "مرحباً به، فنِعمَ المجيء جاء".
"نعم المجيء جاء"، وماذا يترقب مَلك كل سماء من مجيء هذا؟ "نعم المجيء"! .
هو في السماء قاعد يعبد الله.. وهو ملاك من الملائكة، لكن "نعم المجيء" فيه سر في مجيء هذا الإنسان، في خير، في بركة، "نعم المجيء جاء"!. يعني يوم ليلة فرحي، ليلة سروري.. أنا أُحَصِّل اليوم شيئا في قُربي من ربي ما حصَّلته من قبل؛ بمجيء هذا، بوصول هذا، برؤيتي لهذا، بمصافحتي لهذا، عبده محمد. أنت قُدك في السماء ومن يوم خُلِقت في عبادة؟!، الليلة ليلة عطاء خاص، نِعمَ المجيء! "مرحباً به، فنِعمَ المجيء جاء".
روحه الكريمة تَطرب بتفضُّلات الله العظيم، في كل لحظة لقلب كل متوجه، وإذا صدَقت ستترنَّم في أنواع من ساعاتك: "مرحباً به، فنِعمَ المجيء جاء".
"مرحباً به، فنِعمَ المجيء جاء"، وبمجيئه كنا خير أمة، وبمجيئه كنا أفضل أمة، وبمجيئه اعتلى لنا القدر. مَن توفَّى مِنَّا على الإيمان به ومحبته ما يتقدَّم قبله في القيامة إلى الجنة لا مُقرَّب ولا صِدِّيق ولا نبي من الأمم السابقة كلها، حتى يدخل هذا، لِمَ؟ لأنه من أمة محمد! لأنه من أمة محمد.
فقُل للذين لا يفقهون مراتب الذوات العلية عند الرب، ويظنون الأمور جارية على الأعمال، -والأعمال هي من فروع الذوات- ، ولكن قل لي: ما مقابل عمل آخر واحد ينجو من هذه الأمة مقابل أعمال النبيين والصديقين من الأمم السابقة؟ العمل ما يساويهم، في العمل، ما يساويهم شيئا!
ولِمَ يتقدم عليهم؟ "من أجل عين تُكرَم ألف عين"، من أجل محبة الله لواحد اسمه "محمد"، فالتقدم ما صار بالعمل!، لو كان بالعمل فالأنبياء قبلنا فيهم من هم أكثر أعمالا، لكن واحد في هذه الأمة من أقلهم عملا يمشي على الصراط قبل الأمم السابقة، يدخل الجنة قبلهم، وراءك أصحاب أعمال أكبر من أعمالك، وراءك صديقين ومقربين من الأمم السابقة، لكن ما يتقدَّمون، لم؟ الحق تعالى أكرم ذوات وأحبَّها وكرَّم من أجلها..وكرَّم من أجله. وقال في تكريمه من أجل هذه الذَّات: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:107]، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
وكانت الليلة الحافلة الزاهية، الزاهرة بالعطاء الوفير، ومرَّ نبينا ﷺ على السماوات السبع ومن فيها من الملائكة والأنبياء، ووجد عليه الصلاة والسلام سيدنا إبراهيم مُسندا ظهره إلى البيت المعمور، ودخل البيت المعمور، وصلوا كلهم خلفه مأمومين، وصلى بهم ﷺ، حتى وصل سدرة المنتهى. وصعد، وتأخر جبريل، قال: يا جبريل؟ اصعد! قال: لا أستطيع. قال: "أفي مثل هذا الموطن يترك الخليل خليله؟"، قال: يا محمد، وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ. أنا ما أستطيع أتجاوز هذا المكان، أنت دُعيت ونُوديت فاطلع، إن تقدَّمتُ احترقتُ، وأنت إن تقدَّمتَ اخترقتَ.
وصعد ﷺ، حتى جاوز السبع الطِّباق، ووصل إلى حضرة الإطلاق، نازلته من الحضرة الإلهية، غوامر النفحات القُربِيَّة، وأولته جزيل العطيات، وأكرمته بجزيل الهِبَات، بعد أن أثنى على تلك الحضرة بـ: التحيات المباركات والصلوات الطيبات. فيَا لها من نفحات غامرات، وتجليات عاليات، في حضرات باهرات، تشهدُ فيها الذَّاتُ للذات، وتتلقَّى عواطف الرحمات، وسوابغَ الفيوضات، بأيدي الخضوع والإخبات. رُتُبٌ تَسْقُطُ الأمانيُّ حسرة دونها ما وراءهُنَّ وراءُ. عَقَلَ الحبيب ﷺ في تلك الحضرة مِن سِرِّها ما عَقَل، واتصل من علمها ما اتصل، وأوحى إليه ربُّه ما أوحى (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ) [النجم:11]، وما هي إلا منحة خصصت بها حضرة الامتنان هذا الإنسان، وأولته من عواطفها الرحيمة ما يَعجِزُ عن حمله الثقلان، فلا يطمع طامع في الاطلاع على مستورها، والإحاطة بشهود نورها؛ فإنها حضرة جلَّت عن نظر الناظرين، ورتبةٌ عزَّت على غير سيد المرسلين.
فهنيئاً لتلك الحضرة المحمدية؛ ما واجهها من عطايا الحضرة الأحدية، وبلوغها إلى ذلك المقام العظيم!
وبِتَّ ترقى إلى أن نلتَ منزلة *** من (قَابَ قَوْسَيْنِ) لم تُدرك ولم تُرَمِ
وقدَّمتك جميع الأنبياء بها *** والرُّسُل تقديم مخدومٍ على خَدَمِ
وأنت تخترق السبع الطباق بهم *** في مَوْكِبٍ كنت فيه صاحب العَلَمِ
حتى إذا لم تدع شأوا لمُستَبِقٍ *** من الدنو ولا مرقى لمُستَنِمِ
خفضتَ كل مقام بالإضافة إذ *** نوديت بالرفع مثل المفرد العَلَمِ
صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله..
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا *** من العناية ركناً غير منهدم
لما دعا الله داعينا لطاعته *** بأكرم الرسل، كنا أكرم الأُمَمِ
فإن الله إذا أراد أن يُكرِم مؤمناً بعجائب تفضُّله على المستغفرين؛ فتح نسمة من نسمة استغفار حبيبه للمؤمنين، فخصَّت هذا المستغفر للمؤمنين بخصوصية من ذلك الاستغفار؛ فواجهه الغفَّار بعجائب..!، استغفاره وحده ومثل الأرض من مثله ومعه آلاف السنين ما يصلون إلى هذا المعنى من الاستغفار؛ أنه استغفار من حضرة حبيب الغفَّار، الذي عرف من معنى المغفرة وعظمة الله ما لم يعرفه مستغفر غيره في الأرض ولا في السماء!، والرب أكرمنا بذلك.
متى ما تهيأت فالنسمة تجيء، لأنه قد قال له: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) [محمد:19]. فكم استغفر لنا في لياليه؟ ولا ليلة واحدة ولا ليلتين، كل ليلة وهو يستغفر للمؤمنين!.
مرة قال لسيدتنا عائشة -عملت عمالاً عجبه منها-، قال: "اللهم اغفر لعائشة بنت أبي بكر ما قدَّمت وما أخرَّت، وما أسرَّت وما أعلنت، وما أظهرت وما أبطنت"، عندما سمعته بهذا الدعاء ابتهجت وامتلأت فرحاً، قال: "أسَرُرتِ؟"، قالت: كيف لا أفرح يا رسول الله وأنت تدعو لي بهذا الدعاء!، قال: "وإنها لدعوتي لأمتي كل ليلة". كل ليلة هو يستغفر للأمة ﷺ.
وأنت استغفر، وإذا جاءتك العناية من الله؛ نسيم سيهب من استغفاره هذا ليصل إلى عندك، ويقابلك الغفار، بمقابلة تليق بمقامه عند ربه جل جلاله.
الله يحققنا بالاستغفار، ولا يخرج رجب إلا ونحن في حال أطيب، وشَرِبنا من خير مَشْرَب، وخُلعِت علينا خِلَع الأدب، وصدقنا مع الإله الرب.
يا رب.. يا رب: بارك لنا في خاتمة رجب، وبارك لنا في شعبان، وبلغنا رمضان، بلغنا رمضان، بلغنا رمضان، واجعلنا من خواص أهل رمضان عندك، في عافية وسلامة وصلاح وفلاح، للبلاد والعباد وللأمة. أصلحنا وأصلح من في صلاحه صلاح المسلمين، ولا تهلكنا وأهلك من في هلاكه صلاح المسلمين. وأعن كل قائم على أمرٍ في الأمة بالتوفيق والتسديد والتأييد، والأخذ بما تحبه وترضاه، في جميع الأحوال والشؤون.
اللهم أصلحنا واجعلنا صالحين مصلحين، وأصلح كل من في صلاحه صلاح المسلمين، وكل من ينوي الخير لهذه الأمة والنفع لهذه الأمة؛ اقبل منه، وثبته، وأعنه، وخذ بيده. وكل من أراد السوء بهذه الأمة والشر بهذه الأمة؛ فاقطعه، وامنعه، واردعه، واقمعه، بما شئت وكيف شئت يا حي يا قيوم، واجعلنا في أنفع الأمة للأمة، وأبرك الأمة على الأمة، انفعنا بالأمة عامة وبخاصتهم خاصة يا رحمن.
يا الله.. يا الله: ما لنا غيرك، لا تَحرِف قلوبنا إلى غيرك، ولا تصرفها إلى سواك. يا مُقَلِّب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك، وارزقنا شهودك بمرآة حبيبك محمد، وارزقنا شهودك بمرآة حبيبك محمد، وارزقنا شهودك بمرآة حبيبك سيدنا محمد ﷺ، ورَقِّنا في ذلك الشهود، وحققنا بحقائق التوحيد الأعظم، وتولَّنا في كل ما خصَّ وعم، وفي كل ما نقول، وفي كل ما نفعل، وفي كل ما نعتقد، وفي كل ما نقصد، وفي كل ما نتحرك، وفي كل ما نسكن، وفي كل ما نتكلم.
يا مجيب الدعوات، يا قاضي الحاجات، يا دافع الآفات: احفظ الحرمين الشريفين، وخلِّص أولى القبلتين، وضاعف لنا يا مولانا سِرَّ دعوات نبيك للشام واليمن، أصلح ما ظهر وما بطَن، والشرق والغرب وجميع أمة حبيبك محمد، تداركهم بغياثٍ حثيث، تداركهم بغياثٍ حثيث، تداركم بغياثٍ حثيث.
يا بَرُّ يا وصول، يا حي يا قيوم: واجعل كلا منا مقبولاً، جميع المجتمعين وجميع السامعين ومن في ديارهم؛ اقبلنا يا خير قابل، وأنلنا غايات المآمِل، واكشف البلاء عنَّا، وتولنا بما أنت أهله في الحِسِّ والمعنى، يا أرحم الراحمين.
وتوجَّهوا جميعا إليه، وتذلَّلوا بين يديه، وقولوا:
يا أرحم الراحمين يا أرحم الراحمين *** يا أرحم الراحمين فرِّج على المسلمين
عطَاكَ ربي جزيل وكُلُّ فِعلك جميل *** وفيكَ أملنا طويل فجُد على الطامعين
يا ربِّ ضاق الخِنَاق من فِعلِ مالا يُطاق *** فامنُن بفَكِّ الغَلَاق لمن بذنبه رَهين
واغفر لكل الذنوب واستر لكل العيوب *** واكشف لكُلِّ الكروب واكفِ أذى المؤذين
وأختم بأحسن خِتَام إذا دنى الانصرام *** وحَانَ حينُ الحِمَام وزاد رَشحُ الجبين
ثم الصلاة والسلام على شفيع الأنام *** والآلِ نِعمَ الكِرام والصَّحبِ والتابعين
20 رَجب 1447