(447)
(628)
(368)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 29 شوال 1447هـ في دار المصطفى، بعنوان:
مرتبة الوجهة إلى الرحمن وإرادة وجهه وعظيم شأنهما
الحمد لله العظيم، المُقبِل بوجهه على من أقبل عليه، تفضُّلًا وتكرُّمًا منه -سبحانه وتعالى- لكل مُتذلِّل بين يديه.
نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو، وحده لا شريك له، منه مبتدأ الأمر ونهايته إليه، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، أكرم الخلق عليه وأحبهم إليه.
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك الهادي إليك، والدَّالِّ عليك، سيدنا محمد، أَوْجَهِ وجهٍ إليك توجَّه، وأَنْبَلِ قلبٍ لسرِّ خطابك تنبَّه، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار، ومن والاهم فيك وعلى منهاجهم سار، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلى أهل مجمعنا، ومن يسمعنا، وعلينا وأهلينا وأولادنا وذوي الحقوق علينا، فيهم ومعهم برحمتك يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل سابقتنا خيرًا، واختم لنا بخير، برحمتك يا أرحم الراحمين.
فكلما غلَب الهوى والشهوات إنسانًا، وصار يتكلّم بما لا يتقي الله فيه، ويفتح عينه بما لا يتقي الله فيه، ويتصرَّف بمخالفة شرع باريه -جل جلاله-، فهذا دليل واضح أنه لم تَصح وجهته إلى الرحمن، لم يتوجَّه بقلبه إلى الرحمن بعد، وما عنده من الإيمان إلا أطراف، وما عنده من الإيمان إلا صورة، يوشك أن تضمحل إذا لم يتداركه الله بعنايته، إذا لم يتداركه الله برحمته -والعياذ بالله سبحانه وتعالى- (لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [غافر:3].
وإذا سقط أكثر الناس في إرادة المال، وإرادة الجاه، وإرادة السلطة، وإرادة الشهوة، وإرادة الظهور بين الخلق، وإرادة لعب، وإرادة هُزُؤٍ، وإرادة لهوٍ، وإرادة غفلة.. إلى غير ذلك، وهؤلاء يريدون وجه الله! كم الفرق بين الإرادة هذه والإرادة هذه؟ وما نتيجة إرادة غير الله؟ وما نتيجة إرادة وجه الله جل جلاله-؟ وما الثمرة؟ وما النهاية؟ وما العاقبة؟ وما الجزاء؟
اللهم اجعل وجهتنا في جميع الحالات إليك، اجعل وجهتنا في جميع الحالات إليك، يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
الله لا تشهد سواه ولا ترى *** إلَّاه في مُلْكٍ وفي ملكوتِ
فالمُلك ملكه، والملكوت ملكوته، والأمر له من قبل ومن بعد (مَا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) [هود:58]. وما لكوكب، وما لشمس، وما لقمر، وما لأرض، وما لسماء، ولا لجبل، ولا لبحر، ولا لروح، ولا لجسد، أن يتحرّك أو يكبر أو يصغر أو يقرب أو يبعد.. إلا بأمره، إلا بإذنه، وإلا بقدرته جل جلاله وتعالى في عُلاه.
فيَا واهب هذه المواهب لمن اختصَّهم من أصفيائه: نرفع أكف فقرنا إليك؛ أن لا تحرمنا هذه المِنَن، ولا تحل بيننا وبين هذا العطاء الأثمن، وأن تدخلنا في أهل تلك المراتب العُلا من الذين عَظُمَت عليهم منك المِنَن. يا خير من جاد وأكرم ومَنَّ، يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين.
يا أول الأولين، ويا آخر الآخرين، ويا ذا القوة المتين، ويا راحم المساكين، ويا أرحم الراحمين، أكرم قلوبنا بالوجهة إليك، واجعل وجهة كل منا في جميع الحالات إليك، واجعلنا ممن يريد وجهك.. إن تكلمنا أو سكتنا، أو سمعنا، أو صلينا، أو قرأنا، أو دخلنا، أو خرجنا، أو قمنا، أو نمنا: اجعل مرادنا وجهك، اجعل مرادنا وجهك، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
فَذَرَّةٌ مِن كَأْسِهَا المَخْتُومِ *** تَمْلأُ رِيَاضَ القَلْبِ بِالْعُلُومِ
وَتَحْفَظُ الفَهْمَ عَنِ الوُهُومِ *** وَتُطْلِقُ العَقْلَ مِنَ العقَالِ
_____
طوبى لمن طاب لها استعداده.. - بصدق وجهته إلى عالم غيبه وإشهاده جل جلاله -
طُوبَى لِمَنْ طَابَ لَهَا اسْتِعْدَادُهُ *** وَانْحَلَّ مِنْ رِقِّ السِّوَى قِيَادُهُ
فَجَلَّ في عَيْنِ الحِجَا رَشَادُهُ *** فَذَاقَ مِنْهَا بَلَّةً بِبَالِ
فَبلَّةً مِن كَأْسِهَا المَخْتُومِ *** تَمْلأ رِيَاضَ القَلْبِ بِالْعُلُومِ
وَتَحْفَظُ الفَهْمَ عَنِ الوُهُومِ *** وَتُطْلِقُ العَقْلَ مِنَ العقَالِ
_____
على نفسه فليبكِ مَن ضاع عمره *** وليس له منها نصيبٌ ولا سهمُ!
اللهم وفِّر نصيبنا من المحبة..
فَمَا أُرَجِّي اليَوْمَ كَشْفَ كُرْبَة *** إلَّا إِنْ صَفَا لِي مَشْرَبُ المَحَبَّة
وَنِلْتُ مِنْ رَبِّي رِضاً وَقُرْبَة *** يَكُونُ فِيهَا قَطْعُ كُلِّ الأَسْبَابِ
عَلَى بِسَاطِ العِلْمِ وَالعِبَادَة *** وَالغَيْبُ عِنْدِي صَارَ كَالشَّهَادَة
هَذَا لَعَمْرِي مُنْتَهَى السَّعَادَة *** سُبْحَان رَبِّي مَنْ رَجَاهُ مَا خَاب
يَا الله بِذَرَّة مِن مَحَبَّةِ الله *** نَفْنَى بِهَا عَن كُلِّ مَا سِوَى الله
وَلَا نَرَى مِن بَعْدِهَا سِوَى الله *** الوَاحِد المَعْبُود رَبّ الأَرْبَابِ
الوَاحِد المَعْبُود رَبّ الأَرْبَابِ..
_____
يا طالب التحقيق قُمْ وبَادِر *** وانهض على سَاقِ الهِمَم وخَاطِر
في أي مكان كنت، في أي زمان كنت: لا تتعذَّر بزمان ولا بمكان، إن معك صدق وطُهْرُ جَنَان مع الرحمن فأبشر..
يا طالب التحقيق قُمْ وبَادِر *** وانهض على سَاقِ الهِمَم وخَاطِر
واصبر على قمع الهوى وصابر *** واصدق ولا تبرح ملازم الباب
واعلم بأن الخير كله أَجْمَع *** ضِمْنَ اتباعك للنبي المُشَفَّع
لا في تطهير القلب عن وصف دَنِيٍّ، ولا في تحليته بوصف سَنِيٍّ، ولا في صلاة، ولا في قراءة، ولا في عبادة، ولا في صدقة، ولا في صلة رحم، ولا في سعي في مصالح العباد، ولا في جهاد، ولا في اجتهاد أَصْلٌ؛ إلا والتبعية فيه لخاتم الرسل، إلا والأصل فيه زين الوجود.. صلى الله عليه وسلم
واعلم بأن الخير كله أَجْمَع *** ضِمْنَ اتباعك للنبي المُشَفَّع
صلى عليه الله ما تَشَعْشَعَ فجرٌ *** وما سالَت عيون الشِّعَابِ
فأحْكِم وصلَتَكَ في الاقتداء والاهتداء، فنِعْمَ المقتدى محمد. واسمع قول ربه: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) [آل عمران:31]. ارزقنا اتباعه يا رب، في جميع شؤوننا وأحوالنا، وارزق هذا أهالينا، وارزق هذا أولادنا، وارزق هذا قراباتنا، وارزق ذلك طلابنا، وارزق ذلك أصحابنا يا أرحم الراحمين. وَأَحْيِهِ في أمته يا الله، وأَرِنَاهُ حيًا قويًا في أمته شرقًا وغربًا، عربًا وعجمًا، إنسًا وجِنًّا، يقتدون به ويهتدون بهديه.
تخرج هذه الظلمات من عقول وأوهام الكثير؛ قدوة بفاجر! قدوة بكافر! قدوة بخاسر! قدوة بساقط! قدوة بمن لم ينظر الخلاق إليه منذ خلقه! قدوة بمن هو واحد من حطب جهنم! لا يصلح قدوة لا في عمل، ولا في قول، ولا في خُلُق، ولا في لباس، ولا في مظهر، ولا في جوهر! مُبْعَود مغضوب عليه! كيف تحوَّل قدوة بين ناس يدَّعون الإسلام وناس يدَّعون الإيمان؟ هذا لا يصلح قدوة حتى للئام الكفرة، ويعود يَصْلُح قُدوةً لك وأنت مؤمن؟! وتنسى محمداً، تنسى الاقتداء به؟!
يا مؤمن! : حقِّق إيمانك! يا مؤمن! : وجهتك إلى أيِّ شيءٍ؟ وإلى مَن؟ وتريد مَن؟ وتقصد مَن؟ وتحيا على إرادة مَن؟ وتتوفى يوم تأتيك الوفاة وأنت تريد مَن؟!
فوالله لن تُحشر إلا مع من أحببت وأردت وقصدت! إن كان فاجرًا، وإن كان كافرًا، وإن كان بعيدًا، وإن كان مَرِيدًا، وإن كان نبيًا، وإن كان وليًا، مع مَن معهم تُحشَر إذا تحققت بحقائق الوجهة إلى الرب، معهم وأحببتهم من أجله جل جلاله،
فالمرءُ يُحشَرُ في حديث المصطفى مَعَ مَنْ أَحَب
واحشرنا في زمرة النبيين وسيدهم محمد الأمين، احشرنا في زمرة المرسلين وإمامهم المجتبى المقتدى، أعظم الخلائق قدرًا عليك وعندك يا أرحم الراحمين.
نسألك الصبر عند القضاء، والفوز عند اللقاء، ومنازل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء، ومرافقة الأنبياء، نسألك الأمن يوم الوعيد، والجنة يوم الخلود، مع المقربين الشهود، والركع السجود، الموفين لك بالعهود، إنك رحيم ودود، وأنت تفعل ما تريد، يا الله.
أولئك قومٌ قد هدى الله فاقتدِ ** بهم واستقم والزم ولا تتلفَّتِ
يَا عَالِمَ السِّرِّ وَالإِعْلَانِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّوم، يَا وَاحِد يَا أَحَد، يَا فَرْد يَا صَمَد، يَا مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، يَا الله: لا يعطي هذه العطايا غيرك، ولا يتفضل بهذه المواهب سواك، يا الله: نطرق باب إحسانك وجودك وواسع امتنانك، يا الله، يَا مَنْ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ: هَذِهِ قُلُوبُنَا بَيْنَ يَدَيْكَ، فَقَلِّبْهَا عَلَى طَاعَتِكَ، وَصَرِّفْهَا فِي مَرْضَاتِكَ، وَثَبِّتْهَا عَلَى دينك، يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ: ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ يَا الله، تكرَّم يا كريم، وما في قلب أحدنا من إرادة سواك زحزحها وأبعِدها وطهِّر قلبه عنها.
يا ربنا، يا ربنا، يا ربنا، يا ربنا، يا ربنا، يا سامع دعاءنا: صَفِّ قلوبنا ونَقِّهَا عن إرادة غيرك وعن قَصْدِ سواك بجميع ما نقول، وجميع ما نفعل، وجميع ما نأتي، وجميع ما نترك، وجميع ما نأخذ، وجميع ما نُعطي، حيثما كنا وأينما كنا.
اللهم ادفع شرهم عنا وعن أهل الإسلام والإيمان. اللهم تدارك الأمة، واكشف الغمة، وعامل بمحض الجود والرحمة، وأَرِنَا في الأمة ما تقر به عين نبي الأمة، نبي الرحمة، الهادي إليك، والدال عليك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، إنه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.
28 شوّال 1447