مرتبة الوجهة إلى الرحمن وإرادة وجهه وعظيم شأنهما

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 29 شوال 1447هـ في دار المصطفى، بعنوان:

مرتبة الوجهة إلى الرحمن وإرادة وجهه وعظيم شأنهما

نص المحاضرة مكتوب:

 

الحمد لله العظيم، المُقبِل بوجهه على من أقبل عليه، تفضُّلًا وتكرُّمًا منه -سبحانه وتعالى- لكل مُتذلِّل بين يديه. 

نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو، وحده لا شريك له، منه مبتدأ الأمر ونهايته إليه، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، أكرم الخلق عليه وأحبهم إليه. 

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك الهادي إليك، والدَّالِّ عليك، سيدنا محمد، أَوْجَهِ وجهٍ إليك توجَّه، وأَنْبَلِ قلبٍ لسرِّ خطابك تنبَّه، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار، ومن والاهم فيك وعلى منهاجهم سار، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلى أهل مجمعنا، ومن يسمعنا، وعلينا وأهلينا وأولادنا وذوي الحقوق علينا، فيهم ومعهم برحمتك يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين.

 

ثمرات صدق وجهة المؤمن

  • وقد جاء في الأثر أنه لا يقول المؤمن: "يا أرحم الراحمين" ثلاث مرات، إلا ناداه ملَكٌ: "إنَّ أرحم الراحمين قد أقبل عليك فَسَلْ".
    • يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين: اجعل وجهتنا في جميع الحالات إليك، وأقبل بوجهك الكريم علينا، إنك أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

  • وهذه الوجهات؛ عناوين وإشارات إلى الإرادات الربانيات في السوابق،
    • والتي تنتهي بها اللواحق.
  • والسوابق عليها كل الأعمال تُخْتَم.

اللهم اجعل سابقتنا خيرًا، واختم لنا بخير، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

  • توجُّه المؤمن بصدقه إلى ربه -جل جلاله- هو الغاية التي يُثمرها له الإيمان.
    • إذا قَوِيَ ورَسَخ، وصَحَّ وثبَت في القلب والجَنَان؛ يُثمِرُ الصدق والوجهة إلى الرحمن جل جلاله وتعالى في علاه.
  • ولقد قال الله -تبارك وتعالى- في شأن هذه الوجهات: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا) [البقرة:148].
    • وكُلما صدق المؤمن مع الله -تبارك وتعالى- فصحَّت وجهته إليه، لم يجد الهوى مدخلًا عليه، ولم يجد الشيطان سلطانًا عليه (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [النحل:99].

 

دليل عدم صحة الوجهة للرحمن

  • أهل الوجهة الصادقة إلى عالِمِ الظهور والبطون -جل جلاله- ليس للشيطان عليهم سلطان،
  • (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ) [النحل:100].

فكلما غلَب الهوى والشهوات إنسانًا، وصار يتكلّم بما لا يتقي الله فيه، ويفتح عينه بما لا يتقي الله فيه، ويتصرَّف بمخالفة شرع باريه -جل جلاله-، فهذا دليل واضح أنه لم تَصح وجهته إلى الرحمن، لم يتوجَّه بقلبه إلى الرحمن بعد، وما عنده من الإيمان إلا أطراف، وما عنده من الإيمان إلا صورة، يوشك أن تضمحل إذا لم يتداركه الله بعنايته، إذا لم يتداركه الله برحمته -والعياذ بالله سبحانه وتعالى- (لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [غافر:3].

نتيجة قبول العبادات

  • ولكن أهل الوجهة إلى الله -جل جلاله- يُقيمون الميزان؛
    • لضبط أقوالهم، ولضبط نظراتهم وأسماعهم، ولضبط جوارحهم،
    • بل لضبط القلب الذي به الوجهة إلى الرب.
      • وهو المراد بالوجه في قول المؤمن، وقول الخليل إبراهيم، وقول النبي المصطفى خاتم النبيين، وأقوال المُقربين إذا قالوا: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) [الأنعام:79]، -جل جلاله- (فطَر): خلَق السماوات والأرض.

 

  • فما المراد إلا ذلك القلب ووجهته إلى الرحمن -جل جلاله وتعالى في علاه-،
    • وهي النتيجة من أنواع العبادات.
      • كلما صحَّت العبادة وقُبِلَت؛ قَوِيَت الوجهة إلى الرب جل جلاله وتعالى في علاه.

 

الفرق بين إرادة وجه الله وإرادة غيره

  • نقرأ هذه المعاني في أمر الله لنبيه محمد أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة، وقال -سبحانه وتعالى-: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ..)
    • ليلهم ونهارهم في وجهة إلى الرحمن، في تذلُّل، في إدراك لعجزهم وضعفهم، في اعتماد عليه، في استناد إليه، في تذلُّل بين يديه، في الطلب منه، في الرَّغَب.
    • ومع ذلك تُوِّجُوا بتاج الإرادة، قال -سبحانه وتعالى-: (..يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)، [الكهف:28]، (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)!
      • فنِعْمَ الإرادة!
      • أرادوا وجه الرحمن، أرادوا وجه المَلِكِ المَنَّان، أرادوا وجه خالق الأكوان، أرادوا وجه الذي بيده ملكوت كل شيء -جل جلاله-،
      • فأي إرادة تسمو إراداتهم؟!

وإذا سقط أكثر الناس في إرادة المال، وإرادة الجاه، وإرادة السلطة، وإرادة الشهوة، وإرادة الظهور بين الخلق، وإرادة لعب، وإرادة هُزُؤٍ، وإرادة لهوٍ، وإرادة غفلة.. إلى غير ذلك، وهؤلاء يريدون وجه الله! كم الفرق بين الإرادة هذه والإرادة هذه؟ وما نتيجة إرادة غير الله؟ وما نتيجة إرادة وجه الله جل جلاله-؟ وما الثمرة؟ وما النهاية؟ وما العاقبة؟ وما الجزاء؟

 

قرب الرب من أهل الوجهة

  • والذين يريدون وجهه؛ يتولى جزاءهم -جل جلاله-، ويتولى عطاءهم، ويتولى إسعادهم، ويتولى إمدادهم.
    • وهو الذي يقول في شأن الوجهة: "من تقرب إليَّ شبرًا تقربتُ إليه ذراعًا، ومن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولةً".
    • فنِعْمَ الرب الأكرم الأطيب، حَسَن المعاملة لكل من خضع وخشع، ولأنبيائه اتَّبَع، ولوجهته وجَّه إليه في ذلك المقام الأرفع.

اللهم اجعل وجهتنا في جميع الحالات إليك، اجعل وجهتنا في جميع الحالات إليك، يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

كيف نصدُق ونترقى في وجهتنا؟

  • وهي من أعظم ما يُستفاد، ويُستَزادُ، ويُتزوَّدُ به للقاء الرب -جل جلاله-؛ من خلال هذه الحياة وهذا العمر وما يمر بالإنسان على ظهر هذه الأرض.
    • خير ما يُحَصِّل، وخير ما ينال، وخير ما يَصِل إليه: أن تَصْدُق وجهته إلى الحي القيوم -جل جلاله وتعالى في علاه-، ويتوجَّه بكليته إلى الله -سبحانه وتعالى-،
    • هو الذي يهمُّه شرع الله، وحسن تنفيذ أوامر الله، وحسن الاجتناب لما نهى الله عنه ولما كَرِهه الله، قولًا وفعلاً، وحركةً وسكونًا، وأخذًا وعطاءًا، وحالًا ومقالًا ووجهةً، ويَحْذَر من كُلِّ ما يَكْرَه ربه سبحانه وتعالى.

 

  • هذا المتوجه إلى الله -جل جلاله-: الصادق إن كبَّر، والصادق إن سبَّح، والصادق إن هلَّل، يقولها بصدقِ وجهته إلى الرب -جل جلاله-
    • إن قال: "لا إله إلا الله"، فهو مُتحقّق بـ "لا إله إلا الله"، فقد ترك ما سواه -سبحانه وتعالى-، وصار مُتحققًا بمعنى: لا معبود إلا الله، بل مُتحققًا بمعنى: لا مقصود إلا الله.
    • بل إذا صحَّت الوجهة ارتقى إلى مقام من معنى "لا إله إلا الله": لا موجود إلا الله؛ لا موجود بذاته؛ فكل موجود سواه؛ فبإيجاده يقبل العدم، لكن هو صاحب الوجود الذاتي الذي لا يَقْبَل العدم -جل جلاله- "لا موجود إلا الله".

 

  • وإذا رسخ قدمه في الوجهة إلى الله وثبت، وحَسُنَ تطهُّره من كل ما يكره الله:
    • ارتقى في معاني: "لا إله إلا الله" وقد تحَقَّق بمعنى: "لا معبود إلا الله"، و: "لا مقصود إلا الله"، و: "لا موجود إلا الله" ؛ إلى حُسْنِ الترجمة عن هذه المعاني بمعنى: "لا مشهود إلا الله"، لا مشهود إلا الله، فلا يشهد إلا مولاه..

الله لا تشهد سواه ولا ترى *** إلَّاه في مُلْكٍ وفي ملكوتِ

 فالمُلك ملكه، والملكوت ملكوته، والأمر له من قبل ومن بعد (مَا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) [هود:58]. وما لكوكب، وما لشمس، وما لقمر، وما لأرض، وما لسماء، ولا لجبل، ولا لبحر، ولا لروح، ولا لجسد، أن يتحرّك أو يكبر أو يصغر أو يقرب أو يبعد.. إلا بأمره، إلا بإذنه، وإلا بقدرته جل جلاله وتعالى في عُلاه.

 

طلب الدخول في أهل الوجهة

  • فما أجمل أحوال الذين صحَّت وجهتهم إلى الله -جلَّ جلاله-!
    • والكلام عن هذا سهل ويسير،
    • والتفكُّر فيه قد يَقْرُب ويسهل،
    • ولكن ذوقه عظيم، والتحقُّق به أعظم.
      • ويخُصُّ الله به من خَصَّ بمحض الكرم من خواصّ المؤمنين الصادقين مع الله.

فيَا واهب هذه المواهب لمن اختصَّهم من أصفيائه: نرفع أكف فقرنا إليك؛ أن لا تحرمنا هذه المِنَن، ولا تحل بيننا وبين هذا العطاء الأثمن، وأن تدخلنا في أهل تلك المراتب العُلا من الذين عَظُمَت عليهم منك المِنَن. يا خير من جاد وأكرم ومَنَّ، يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين.

يا أول الأولين، ويا آخر الآخرين، ويا ذا القوة المتين، ويا راحم المساكين، ويا أرحم الراحمين، أكرم قلوبنا بالوجهة إليك، واجعل وجهة كل منا في جميع الحالات إليك، واجعلنا ممن يريد وجهك.. إن تكلمنا أو سكتنا، أو سمعنا، أو صلينا، أو قرأنا، أو دخلنا، أو خرجنا، أو قمنا، أو نمنا: اجعل مرادنا وجهك، اجعل مرادنا وجهك، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.

 

العكوف على باب الله في كل زمان ومكان!

  • ومن أراد وجه الله عكف على باب الله،
    • ومن عكف على باب الله:
      • فُتحت له الأبواب،
      • ورُفع عنه الحجاب،
      • وحَلَّ له الاقتراب،
      • وطاب له الشراب، من أحلى شراب؛ شراب محبة الكريم الوهَّاب جل جلاله وتعالى في علاه،

فَذَرَّةٌ مِن كَأْسِهَا المَخْتُومِ *** تَمْلأُ رِيَاضَ القَلْبِ بِالْعُلُومِ

وَتَحْفَظُ الفَهْمَ عَنِ الوُهُومِ *** وَتُطْلِقُ العَقْلَ مِنَ العقَالِ

_____

طوبى لمن طاب لها استعداده.. - بصدق وجهته إلى عالم غيبه وإشهاده جل جلاله - 

طُوبَى لِمَنْ طَابَ لَهَا اسْتِعْدَادُهُ *** وَانْحَلَّ مِنْ رِقِّ السِّوَى قِيَادُهُ

فَجَلَّ في عَيْنِ الحِجَا رَشَادُهُ *** فَذَاقَ مِنْهَا بَلَّةً بِبَالِ

فَبلَّةً مِن كَأْسِهَا المَخْتُومِ *** تَمْلأ رِيَاضَ القَلْبِ بِالْعُلُومِ

وَتَحْفَظُ الفَهْمَ عَنِ الوُهُومِ *** وَتُطْلِقُ العَقْلَ مِنَ العقَالِ

_____

على نفسه فليبكِ مَن ضاع عمره *** وليس له منها نصيبٌ ولا سهمُ!

اللهم وفِّر نصيبنا من المحبة..

 

فَمَا أُرَجِّي اليَوْمَ كَشْفَ كُرْبَة *** إلَّا إِنْ صَفَا لِي مَشْرَبُ المَحَبَّة

وَنِلْتُ مِنْ رَبِّي رِضاً وَقُرْبَة *** يَكُونُ فِيهَا قَطْعُ كُلِّ الأَسْبَابِ

عَلَى بِسَاطِ العِلْمِ وَالعِبَادَة *** وَالغَيْبُ عِنْدِي صَارَ كَالشَّهَادَة

هَذَا لَعَمْرِي مُنْتَهَى السَّعَادَة *** سُبْحَان رَبِّي مَنْ رَجَاهُ مَا خَاب

يَا الله بِذَرَّة مِن مَحَبَّةِ الله *** نَفْنَى بِهَا عَن كُلِّ مَا سِوَى الله

وَلَا نَرَى مِن بَعْدِهَا سِوَى الله *** الوَاحِد المَعْبُود رَبّ الأَرْبَابِ

الوَاحِد المَعْبُود رَبّ الأَرْبَابِ..

_____

يا طالب التحقيق قُمْ وبَادِر *** وانهض على سَاقِ الهِمَم وخَاطِر

 في أي مكان كنت، في أي زمان كنت: لا تتعذَّر بزمان ولا بمكان، إن معك صدق وطُهْرُ جَنَان مع الرحمن فأبشر..

يا طالب التحقيق قُمْ وبَادِر *** وانهض على سَاقِ الهِمَم وخَاطِر

واصبر على قمع الهوى وصابر *** واصدق ولا تبرح ملازم الباب

 

التبعية لخاتم الرسل ﷺ

واعلم بأن الخير كله أَجْمَع *** ضِمْنَ اتباعك للنبي المُشَفَّع

لا في تطهير القلب عن وصف دَنِيٍّ، ولا في تحليته بوصف سَنِيٍّ، ولا في صلاة، ولا في قراءة، ولا في عبادة، ولا في صدقة، ولا في صلة رحم، ولا في سعي في مصالح العباد، ولا في جهاد، ولا في اجتهاد أَصْلٌ؛ إلا والتبعية فيه لخاتم الرسل، إلا والأصل فيه زين الوجود.. صلى الله عليه وسلم 

 

واعلم بأن الخير كله أَجْمَع *** ضِمْنَ اتباعك للنبي المُشَفَّع

صلى عليه الله ما تَشَعْشَعَ فجرٌ *** وما سالَت عيون الشِّعَابِ

فأحْكِم وصلَتَكَ في الاقتداء والاهتداء، فنِعْمَ المقتدى محمد. واسمع قول ربه: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) [آل عمران:31]. ارزقنا اتباعه يا رب، في جميع شؤوننا وأحوالنا، وارزق هذا أهالينا، وارزق هذا أولادنا، وارزق هذا قراباتنا، وارزق ذلك طلابنا، وارزق ذلك أصحابنا يا أرحم الراحمين. وَأَحْيِهِ في أمته يا الله، وأَرِنَاهُ حيًا قويًا في أمته شرقًا وغربًا، عربًا وعجمًا، إنسًا وجِنًّا، يقتدون به ويهتدون بهديه.

تخرج هذه الظلمات من عقول وأوهام الكثير؛ قدوة بفاجر! قدوة بكافر! قدوة بخاسر! قدوة بساقط! قدوة بمن لم ينظر الخلاق إليه منذ خلقه! قدوة بمن هو واحد من حطب جهنم! لا يصلح قدوة لا في عمل، ولا في قول، ولا في خُلُق، ولا في لباس، ولا في مظهر، ولا في جوهر! مُبْعَود مغضوب عليه! كيف تحوَّل قدوة بين ناس يدَّعون الإسلام وناس يدَّعون الإيمان؟ هذا لا يصلح قدوة حتى للئام الكفرة، ويعود يَصْلُح قُدوةً لك وأنت مؤمن؟! وتنسى محمداً، تنسى الاقتداء به؟!

يا مؤمن! : حقِّق إيمانك! يا مؤمن! : وجهتك إلى أيِّ شيءٍ؟ وإلى مَن؟ وتريد مَن؟ وتقصد مَن؟ وتحيا على إرادة مَن؟ وتتوفى يوم تأتيك الوفاة وأنت تريد مَن؟!

فوالله لن تُحشر إلا مع من أحببت وأردت وقصدت! إن كان فاجرًا، وإن كان كافرًا، وإن كان بعيدًا، وإن كان مَرِيدًا، وإن كان نبيًا، وإن كان وليًا، مع مَن معهم تُحشَر إذا تحققت بحقائق الوجهة إلى الرب، معهم وأحببتهم من أجله جل جلاله،

 فالمرءُ يُحشَرُ في حديث المصطفى مَعَ مَنْ أَحَب

واحشرنا في زمرة النبيين وسيدهم محمد الأمين، احشرنا في زمرة المرسلين وإمامهم المجتبى المقتدى، أعظم الخلائق قدرًا عليك وعندك يا أرحم الراحمين. 

نسألك الصبر عند القضاء، والفوز عند اللقاء، ومنازل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء، ومرافقة الأنبياء، نسألك الأمن يوم الوعيد، والجنة يوم الخلود، مع المقربين الشهود، والركع السجود، الموفين لك بالعهود، إنك رحيم ودود، وأنت تفعل ما تريد، يا الله.

 

صحح وجهتك ولا تقصد غير الله!

  • فيَا مَن عنده ذرة إيمان بالله:
    • صحِّح وجهتك! صحِّح إرادتك!
    • وارتفع عن حضيض: الغَيّ، واللَّيّ، والخيال، والضحك، والوسواس!
    • واجعل لك وجهة صادقة إلى هذا الإله، ولا تقصد غير وجهه الكريم، ولا تُرِدْ غير وجهه الكريم -جل جلاله-!
      • فذاك أفضل لك! وهذه ترجمة الإيمان.
  • ولا تغتر بما اشتغلت به قلوب أكثر المسلمين، وبما اغترت به وبما خُدعت به!
  • واستمع نداء المنادي من فوق: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) [البقرة:148]، (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ..) يؤمن بلقاء ربه (..فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف:110].

 

فضل أكابر الأمة

  • وبذلك تقتدي وتهتدي، وتعلَم فضل الأكابر.
    • وأكابر الأمة: السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-،
      • وفيهم من خاصة أهل بيتهم من أهل السبق عليهم صلوات الله وتسليماته مع نبيهم محمد ﷺ.
      • ورزقنا الله محبتهم والثبات على طريقهم -عليهم رضوان الله سبحانه وتعالى- 

أولئك قومٌ قد هدى الله فاقتدِ ** بهم واستقم والزم ولا تتلفَّتِ

  • ووظيفة كل من بعدهم: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [الحشر:10].

 

دعاء وتوجه إلى الله

يَا عَالِمَ السِّرِّ وَالإِعْلَانِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّوم، يَا وَاحِد يَا أَحَد، يَا فَرْد يَا صَمَد، يَا مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، يَا الله: لا يعطي هذه العطايا غيرك، ولا يتفضل بهذه المواهب سواك، يا الله: نطرق باب إحسانك وجودك وواسع امتنانك، يا الله، يَا مَنْ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ: هَذِهِ قُلُوبُنَا بَيْنَ يَدَيْكَ، فَقَلِّبْهَا عَلَى طَاعَتِكَ، وَصَرِّفْهَا فِي مَرْضَاتِكَ، وَثَبِّتْهَا عَلَى دينك، يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ: ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ يَا الله، تكرَّم يا كريم، وما في قلب أحدنا من إرادة سواك زحزحها وأبعِدها وطهِّر قلبه عنها.

يا ربنا، يا ربنا، يا ربنا، يا ربنا، يا ربنا، يا سامع دعاءنا: صَفِّ قلوبنا ونَقِّهَا عن إرادة غيرك وعن قَصْدِ سواك بجميع ما نقول، وجميع ما نفعل، وجميع ما نأتي، وجميع ما نترك، وجميع ما نأخذ، وجميع ما نُعطي، حيثما كنا وأينما كنا.

  •  يا الله: اجعل وجهتنا إليك، وتذلّلنا بين يديك،
    • فإن العزة لمن تذللوا بين يديك بحكم الإيمان،
    • وإن الهوان على كل متكبر وكل طاغٍ.

اللهم ادفع شرهم عنا وعن أهل الإسلام والإيمان. اللهم تدارك الأمة، واكشف الغمة، وعامل بمحض الجود والرحمة، وأَرِنَا في الأمة ما تقر به عين نبي الأمة، نبي الرحمة، الهادي إليك، والدال عليك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، إنه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.

 

العربية