عظمة إرادة وجه الله والاقتداء بمن انتخبهم وارتضاهم تعالى في علاه
للاستماع إلى المحاضرة
Audio Stream
Audio Stream
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 21 جمادى الثانية 1447هـ في دار المصطفى، بعنوان:
عظمة إرادة وجه الله والاقتداء بمن انتخبهم وارتضاهم تعالى في علاه
- 1:12 آثار السعادة والشقاء الحقيقية
- 3:25 الدعاء لمن فقدنا من أهل الصلاح
- 4:30 صدق الوجهة إلى الله
- 7:29 مصير طاعة أهل الغفلة عن ذكر الله
- 9:28 ذكرى ولادة السيدة فاطمة بضعة سيد المرسلين
- 11:58 لمن القدوة والتبعية؟
- 13:40 مواقف عظيمة للسيدة فاطمة بنت النبي ﷺ
- 18:24 لا خير فينا إن ضيّعنا هؤلاء!
- 19:54 المكانة العظيمة لأهل القرب
- 22:08 طلب إرادة وجه الله
- 24:26 دعاء وتضرع إلى الله
نص المحاضرة مكتوب:
الحمد لله الخالق الفاطر، المُسيِّر المُدَبِّر، المُقَدِّم المُؤَخِّر، الحيّ القيوم الذي لا تأخذه سِنَة ولا نوم. خلق الجنة، وخلق لها أهلًا، فهم بعمل أهل الجنة يعملون، جعلنا الله منهم وأهالينا وأحبابنا وأصحابنا. وخلق النار، وجعل لها أهلًا، فهم بعمل أهل النار يعملون، وبفكرهم يُفكرون، وبنهجهم ينتهجون. نعوذ بالله من النار، ومن غضب الجبار، ومن أعمال أهل النار، ومما يُفضِي إلى الدخول إلى النار، اللَّهم أجرنا من النار يا خيرَ مُجِير، ارحم المُستجير، وكُن لنا بما أنت أهله يا عليُّ يا كبير، يا لطيفُ يا خبير، يا سميع يا بصير، يا حيُّ يا قيوم يا الله.
جمعكم -سبحانه وتعالى-، وأفاض عليكم فائضات مِنَنِه، وينظر إلى ما في قلوبكم، وينظر إلى قلوب مُتعلِّقة بالوجهة إليه -سبحانه وتعالى-، وبمثل هذا المَجْمَع في شرق الأرض وغربها، ويُمِدُّ مَن يشاء، ويُقرِّب مَن يشاء، ويَهدِي مَن يشاء، ويرفع قدر مَن يشاء، كما يَحرِم مَن يشاء، ويُبعِد مَن يشاء، ويُشقي مَن يشاء. أسعدنا يا مُسعِدَ السُّعداء، واكتب السعادة لجميع الحاضرين، ولجميع السامعين والمُشاهدين والمُتعلقين، ومَن في ديارهم ومَن في منازلهم، لا يُسعِد غيرك يا ربَّ السعادة في الغيب والشهادة، في الدُّنيا والآخرة، أسعدنا بما أسعدت به خواص السُّعداء.
آثار السعادة والشقاء الحقيقية
ويَظهَر أثر الشقاء والسعادة بمجلى أدق وأكبر وأخطر؛ عند وقوع الواقعة، وعند جمع الأولين والآخرين في يوم الدين، قال -سبحانه وتعالى-: (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ..) هذه الأخبار الحقيقية العظيمة الخطيرة عن جميع المكلفين من الإنس والجن، هذا مستقبلهم الأكبر وهذه نهاياتهم، وهذا ما هو أمامهم شاءوا أم أبوا (..وَأَمَّا الَّذِينَ سَعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) [هود:104-108]، وغير منقطع، وغير منفصل، وغير مُنتهٍ (هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [ص:39].
الدعاء لمن فقدنا من أهل الصلاح
اللَّهم اجمعنا في جناتك وفي الدرجات العُلا، ومع مَن فقدنا من أحبابنا فيك، وأهل الصلاح والخير فينا ومن قراباتنا، ومن المؤمنين، اللَّهم اجعل قبورهم رياضًا من رياض الجنة، واجعل لهم من عذابك وقاية وجُنَّة، واجمعنا بهم في أعلى الجنة، يا الله، يا الله، يا الله.
فقدنا مِن خيارنا في هذا الأسبوع وفيما قبله، والله يُمتعنا بصُلحاء الزمان في المشارق والمغارب. والليلة أيضًا أكبر بنات الحبيب علي المشهور لَحِقَت بأبيها، أعلى الله درجاتها وجمعنا بها في أعلى الجنَّة. وفي ليلة الجمعة بَشَّر ﷺ أنه مَن مات فيها أو في يومِها حُشِر وعليه طابع الشهداء، ووُقي عذاب القبر وفتنته، والحمد لله على كل حال.
صدق الوجهة إلى الله
الله يجمعنا عليه في صدق الوجهة إليه، وينفعنا بما يدور وما يجري بيننا من هذا التَّذَاكُر، وما وفَّقنا له من الذكر الذي شرعه لنا رسوله، وجاءنا به نبيه المُصطفى مُحمَّد ﷺ، ثم سمعنا ربَّ العرش يقول لهذا السَّاس والرأس خير الناس: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الكهف:28]. هذه الإرادة التي بها ارتقوا، بها ارتفعوا، بها اعتلوا، بها عظُموا، بها عَظُمَت منازلهم، بها عَظُم جزاؤهم في الآخرة: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ).
(يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)، سيِّدنا ومولانا: ألحقنا بالذين صدَقُوا في أنهم يريدون وجهك، لا يريدون سواك يا ربّ، ورَقِّنا في تلك المراقي. مولانا وسيدنا: كُلَّ حاضرٍ معنا وسامعٍ لنا اجعلهم ممَن يريدون وجهك، يا الله.
هذا شرف المخلوق، هذا شرف الإنسان، هذا شرف المُكلَّف من الإنس والجن: أن يسمو ويعتلي بالإرادة؛ فيريدُ وجه ربّ العرش العظيم، يريد وجه الرَّحمن الرَّحيم، يريد وجه الملك القدوس، السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبار -جل جلاله- (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) [السجدة:6]، الإله الحق، يُرِيدُ وجهه.
سيِّدنا، يا مَن القلوب بيده: لا إله إلا أنت، صلِّ على مُحمَّد، ووجِّه وجهتنا إليك، أقسمنا عليك أن تجعلنا ممَن يريد وجهك، بمجمعنا ومجلسنا، وأقوالنا وأفعالنا، وما نسعى به في منازلنا وديارنا، وأهلنا ومجتمعاتنا؛ اجعلنا ممَن يريد وجهك.
قلت لنبيك: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) وأكَّدتَ عليه قلت: (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) [الكهف:28]؛ لا يعجبك سواهم، لا تلتفت إلى مَن عداهم. كما قال له في الآية: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) [التوبة:55]، -والعياذ بالله تعالى-. وأمَّا هؤلاء، قال: (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ)، فما يأتي لك إلا بفكرة خائبة، ولا يأتي لك إلا بمشروع سيء قبيح؛ عاقبته سوء.
مصير طاعة أهل الغفلة عن ذكر الله
- (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا) خلّه وفكره ومشاريعه، خلّه وأنظمته وخيالاته (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف:28]؛ ضائعًا خائبًا فيه -والعياذ بالله تعالى-.
- وهذا مصير كل مَن أُغفِل قلبه عن ذكر الله واتبع هواه. يكونوا أفرادًا أو هيئات أو جماعات أو دولًا أو شعوبًا، كُلُّ مَن أُغفِل قلبه عن ذكر الله واتبع هواه؛ فأمره فُرُط؛ ضائع في ضائع، هباء.. بل مؤدي إلى شدائد وآفات وأتعاب ما تُطاق -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ) [النجم:39-41].
- (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ..) أطاعوهم في المجتمعات؛ خَرَبَت المجتمعات، أطاعوهم في السياسات؛ خَربَت السياسات، أطاعوهم في الاقتصاد؛ خَرُب الاقتصاد وفسد، أطاعوهم في الأفكار؛ فسَدَت الأفكار! (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا).
- وإذا أردتَ القدوة في الفكر والتصوُّر والسلوك والمعاملة؛ فهؤلاء أنبياؤنا، وهؤلاء رسلنا، وهؤلاء أتباعهم الصالحون! (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) [لقمان:15]، يقول جلّ جلاله وتعالى في عُلاه: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام:90].
ذكرى ولادة السيدة فاطمة بضعة سيد المرسلين
وأنتم في ذكرى مثل هذا اليوم في العشرين من شهر جمادى الآخرة كانت ولادة بضعة سيِّد المُرسلين فاطمة الزهراء، قبل بعثته بخمس سنوات، وهو في الخامسة والثلاثين من عمره الكريم، شرع في أشهر في السادسة والثلاثين من عمره الكريم، وبعد خمس سنوات جاء الوحي وجاء التنزيل. وانضافت إلى الخمس السنوات، سنوات جَهَر فيها بالدعوة ﷺ، وأوذي أبوها، وكانت تَحضُر معه. ويوم وُضِع السَّلا على ظهره ما رفعه إلا يد ابنته الطاهرة فاطمة البتول، ونظر ابن مسعود واحترق فؤاده، وما يستطيع أن يَقرُب ويدنو، وراح إلى فاطمة: الحقي أباك! أبوك عند الكعبة ساجد، وعدو الله وضع السَّلا فوق ظهره!، خرجت تجري وتسعى، فرفعت السَّلا، -ولم تزل هي رافعة الأذى عن أبيها ومنهج أبيها، وشرع أبيها، ودين أبيها، ومسلك أبيها، عليها رضوان الله تعالى-، أقبلت عليهم وهي تقول: أتؤذون رجلًا يقول ربي الله! الأمين الصادق بينكم تعاملونه هذه المعاملة! يسجد لربه وتضعون السَّلا عليه! سكتوا ما قدروا يجيبون عليها، بنت صغيرة وعيب عندهم ، وخزوا على أنفسهم. لمَّا أكملت ما على ظهره من السَّلا، رفع رأسه الشريف وأخذ يدعو: "عليك بفلان وعليك بفلان"، راح ضحكهم ومسخرتهم، وَجِمُوا وعَلِمُوا أنَّ الساعة ساعة حق، وأنَّ هذا العبد المُقَرَّب يدعو مَلِكَ الملوك. وكُل الذين سمَّاهم في دعواته تلك قُتِّلُوا صرعى في يوم بدر، فكانوا من أشقى هذه الأُمة -والعياذ بالله-، ومعهم فرعون هذه الأُمة؛ أبو جهل.
نعوذ بالله من غضب الله -سبحانه وتعالى- من القلوب التي ما عرفت عظمة الله، فتعرف عظمة رسله، وتعرف عظمة أنبيائه، وتعرف بمَن تقتدي وبمَن تهتدي!
وكان في تحذيره في الرسالة العصماء يقول: "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُم.."؛ يعني تُضيّعون الأمانة، وتخرجون من سواء السبيل، وتُحوّلون القدوة التي اختارها ربّ العرش بقدوات هم أعداؤكم وهم أولياء عدوكم إبليس، "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُم شِبْرًا بشبْر، وذراعًا بذراع،.."؛ قوة تقليد لهم، ".. حتى لو دخلوا جُحر ضب لدخلتموه"! . بلَّغ وأحسن البلاغ، وأنذر وأحسَن الإنذار، ونصَح وأتمَّ النُّصح. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمَن؟!"، وأمثالهم من الكفار تتبعونهم وتُضيعون التبعيَّة للنبوة، والتبعية للرسالة، والتبعية لأصفياء ربّ الأرض والسماء، حاكم يوم الدين -جل جلاله وتعالى في عُلاه-. حذَّرنا من اتباعهم وقال: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ من بعدي، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، ..".
لمن القدوة والتبعية؟
- وفي سبيل النساء، جاءنا بالنماذج الكريمة:
- ضرب الله لنا المثل في القرآن بمريم وآسيا،
- ثم جاء السابقات من المهاجرات و الأنصاريات،
- وكان رأس الجميع: بيت النبوة؛ خديجة بنت خويلد، وبناتها: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة الزهراء، البضعة التي كانت ذات النبوة والرسالة.
- إذا أقبلت ودخلت عليه قام لها؛ يقوم لفاطمة إذا دخلت، يُقبّلها في جبهتها ويُجلسها في مجلسه ﷺ.
- وحمَلَت لنا سيرته أنه كان لا ينصرف في أي غزوة ولا أي سفر من المدينة حتى يكون آخر عهده بالبيوت بيت فاطمة. وإذا قَدِم من أيِّ سفر، دخل المسجد فصلى ركعتين ثم لا ينصرف إلى شيء من حجره ولا من بيوته ولا بيت أحد آخر إلا بيت فاطمة، ويبدأ ببيت فاطمة، ويودع بيت فاطمة، ويختم به عند سفره ﷺ.
أترونه يعمل هذا من مجرد عاطفة إنسانية بشرية؟ هو أكبر عند الله من هذا، هو أجل عند الله من مثل هذا، هو أرفع قدرًا عند الله، وهو الذي قال في حديثه: "إن الله يرضى لرضا فاطمة ويغضب لغضبها". وكان يُسميها يقول: يا أم أبيها. يناديها: يا أم أبيها. نسبها إلى أمومته هو! ما أعظم درجات أمهات المؤمنين ومنزلتهم! ولكن ذي سمَّاها أم مَن؟ وأين المؤمنين كلهم عنده؟ يقول: يا أم أبيها، عليها الرضوان.
مواقف عظيمة للسيدة فاطمة بنت النبي ﷺ
وخرج في يوم من الأيام في وقت الهاجرة، وإذا بأبي بكر وعُمَر. "ما أخرجكم في هذه الساعة؟"، الناس يعتادون هذه الساعات في ديارهم يرتاحون ويتغدون. قالا: يا رسول الله وجدنا مسَّ الجوع، لا شيء في البيت فخرجنا. تبسَّم، قال: "وأنا وجدتُ بعض ذلك، تعالوا بنا إلى أبي الهيثم". وراح إلى حديقة أبي الهيثم بن التيهان في حوالي المدينة، ولمَّا أقبل ومعه سيدنا أبو بكر وسيدنا عُمَر، رأتهم زوجته ففَرِحَت، وإذا بهم يقصدون حديقتها! امتلأت سرورا،وقالت: مرحبًا بكم. قال: "أين أبو الهيثم؟" -وهو أحد الذين بايعوا تحت العقبة عليه الرضوان-، قالت: ذهب يستعذب لنا الماء وسيحضر الآن يا رسول الله، ادخل أنت ومَن معك مرحبًا بكم. دخل إلى البستان ﷺ، وجلس في ظل شجرة ومعه أبو بكر وعُمَر. أقبل أبو الهيثم حاملا الماء، ينظر إلى الوجوه الثلاثة، فقال :الحمد لله!، ما على وجه الأرض اليوم أضيافًا أكرم مني!، ما أحد أضيف من أضيافي هؤلاء! وجاء يُرَحِّب بالنبي ﷺ، وقدَّم له الماء، وراح حَمَل المُدْيَة، فقال له ﷺ: "لا تذبح ذات اللبن، ولا تذبح كذا .."، فذبح لهم شاة، وأخرج من النخلة بعض البُسْر والرُّطَب وقدمه إليهم، وأمرها أن تخبز، وخبزت وقدَّم لهم اللحم. وحمل ﷺ كسرة من الخبز وعليها رطبات من التمر، قال له: "يا أبا الهيثم، ابعثوا بهذا إلى بيت فاطمة بنت مُحمَّد، فإنَّ لها ثلاثة أيام لم تذق طعاما"!. ثلاثة أيام، بنت سيِّد الوجود! بنت صاحب المقام المحمود! "فإن لها ثلاثة أيام لم تذق طعامًا"!. وحملوا الكسرة إلى بيت فاطمة وهي مُقتديَة به، ومهتدية بهديه.
وخرجت يومًا من البيت كانت خبزت في التنور، فأخرجت كسرة من القرص وجاءت إلى عند أبيها، فقام لها وقبَّلها، ناولته الكسرة، "ما هذا؟" قالت: طعام جاء به علي، فطحنته وعجنته وخبزته، فما طابت نفسي أن أطعَم ولا أن أُطعِم عليًا ولا الحسن ولا الحسين حتى أُطعمك منه. تناولها منها قال: "أمَا إنه أول طعام يَلِجُ بطن أبيك منذ ثلاث"، "أمَا إنه أول طعام يلج بطن أبيك منذ ثلاث يا فاطمة"!.
صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله، صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله..!
إن نسينا هؤلاء القدوات فلا خير فينا، ولا حقيقة لإيماننا وديننا، وهم الذين ببركتهم جاءتنا هذه الخيرات؛ لا مجلس، ولا دار مُصطفى، ولا تريم، ولا أولياء، ولا صالحين.. ببركة هؤلاء، بجهد هؤلاء، بصبر هؤلاء، بجوع هؤلاء، ببكاء هؤلاء، بتهجد هؤلاء، بدموع هؤلاء، بجهد هؤلاء، باجتهاد هؤلاء؛ نشر الله لنا الخيرات وللأمة في المشارق والمغارب. فما أعظمهم عند الرَّبّ! ما أجلَّهم عند الرَّبّ!
نأتي لبناتنا ونسائنا بقدوات غير هؤلاء؟! لا فاطمة، ولا زينب، ولا أم كلثوم، ولا رقية بنات المُصطفى، ولا المهاجرات، ولا الأنصاريات، ولا مريم، ولا آسيا! . نجيب مَن؟ ونتبع مَن؟ ونقتدي بمَن؟ فكرًا أو سلوكًا؟ لا خير فينا إن ضيعنا هؤلاء.. ونروح إلى يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو هندوسية أو ملحدة -والعياذ بالله تبارك وتعالى-! ونجعلها قدوة لبناتنا! قدوة لأولادنا! عبر الجوالات أو غيرها!
يا أحباب! : إذا لم يكن الحشر مع هؤلاء؛ فلا طابت لنا حياة ولا كُنَّا! والعياذ بالله تبارك وتعالى.
لا خير فينا إن ضيّعنا هؤلاء! المكانة العظيمة لأهل القُرْب
ودخل يوم من الأيام ﷺ إلى بيت فاطمة، ومعه سيِّدنا أنس بن مالك خادمه الكريم، فلمَّا دخل، وجد سيِّدنا عليا نائما في ناحية البيت، والسيدة فاطمة استقبلت أباها، فتحت له وقبَّلته في جبهته الكريمة وأخذت بيده إلى مجلسها. يقول سيدنا أنس: فرأيت الحسين جاء يقول: اسقني يا جداه، قال: فنظر النبي إلى غنمة في ناحية البيت، أخذ إناء، وأخذ يَنفُض ضرع الشاة، وأخذ يحلب ثم قدّمه، فتقدَّم الحسن فنحَّاه وسقى الحسين، والسيدة فاطمة تنظر، قالت: أهو أحب إليك؟ قال: لا، لكنه استسقاني أولا. طلب السقيا أولًا؛ يربيهم على الآداب ﷺ وعلى الأخلاق. قال الذي استسقى أولًا نعطيه أولًا ثم نسقي الثاني. وسيدنا أنس ينظر يتعجب، التفت إليه الحبيب ﷺ قال: يا أنس، قال: لبيك يا رسول الله، قال: "إني وهذان وأمهما وذاك النائم في مكان واحد يوم القيامة".
قرِّبنا من هذا المكان، أَدْنِنَا من هذا المكان يا ربّ، اربطنا بأهل ذاك المكان يا ربّ، "إني وهذان وأمهما وذاك النائم في مكان واحد يوم القيامة".
نظر الله إلينا، وإلى أسرنا، وإلى بيوتنا، وإلى أهالينا، ولا جعل لنا قدوة غير الأنبياء والمُرسلين والصديقين والمُقرَّبين، وبنات سيِّد المُرسلين، والمهاجريات والأنصاريات، ومريم وآسية، ومَن أثنى عليهم القرآن، ومَن عظَّم شأنهم القرآن، ومَن مدحهم الله تعالى في القرآن.
وهكذا يجب أن تأخذوا نصيبكم أيها الأحباب من ساعات العطاء المُنساب، والغيث السكَّاب من ربِّ الأرباب. يُقرّب مَن يشاء، يُنوّر مَن يشاء، يُطهِر مَن يشاء، يرفع مَن يشاء، يعفو عمَن يشاء، يغفر لمَن يشاء، ويرضى عمَن شاء. يا الله رضا يا الله رضا ** والعفو عما قد مضى..
وهمة قوية ترتفع بها الأذية والبلية عن اليمن والشام والسودان والصومال وليبيا والشرق والغرب، وعن جميع المسلمين في جميع الأقطار يا رب الأرباب، يا عزيز يا غفار. وزِدْ الحرمين الشريفين أمنا وطمأنينة وخيرا وتعظيما وهيبة.
وخلّص بيت المقدس من العابثين والغاصبين والظالمين والمجرمين، وفرّج كروب المسلمين، واجعل كل قلب في المجمع أو لهم يسمع يريدك. أدخلنا في الدوائر هذه يا ربنا؛ دوائر إرادتك التي إذا أكرمتَ بها عبدًا ذاق حلاوة وصالك، وعجائب إفضالك، وواسع نوالك؛ فذاق ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. لا تحرمنا هذا العطاء يا كبير، لا تحرمنا هذا العطاء يا قدير، لا تحرمنا هذا العطاء يا سميع يا بصير.
طلب إرادة وجه الله
نسألك أن نَبيتَ الليلة وقلوبنا تريدك وحدك، وتقصدك وحدك، وتعبدك وحدك، وتتوجه إليك وحدك، وتتوكل عليك وحدك.. يا الله، وترجوك وحدك، وتخافك وحدك.. يا الله. اجعلنا ممَن يريد وجهك، ممَن يدعونك بالغداة والعشي يريدون وجهك، فينحطُّ نظرك عليهم ونظر حبيبك المُصطفى مُحمَّد.
أكرمنا يا كريم، وفرّج الكرب يا عظيم، وكُن لنا بما أنت أهله في الدنيا والبرزخ والآخرة يا أرحم الراحمين، يا أكرم الأكرمين.
يا الله..يا الله..يا الله، وما لنا غير الله، ولا يرحمنا إلا الله، ولا يكشف ما بنا من ضُر إلا الله، ولا يدفع البلاء عنا إلا الله، ولا يُسعدنا في الدارين إلا الله؛ فتوجهوا إلى الله، واقصدوا وجه الله، وتذللوا بين يدي الله، وقولوا جميعًا: يا الله..يا الله، يا الله..يا الله. إنْ توجه متوجهون إلى شرق أو غرب فإننا نتوجه إليك، ونتذلل بين يديك، ونثق بك، ونتوكل عليك، ونسألك ونستجيرك، ونستغفرك ونستغيثك، فأغثنا يا خير مغيث بالغياث الحثيث، يا الله..يا الله..يا الله.
دعاء وتضرع إلى الله
ونُجَدِّد عهدنا معك وما فيما بيننا وبينك، ونقول جميعًا: "لا إله إلا الله"، بالتعظيم والإجلال ،وعقد الميثاق وتجديد العهد مع الخلاق، قولوا جميعًا: "لا إله إلا الله"، بالصدق معه، والتذلل بين يديه، توجهوا إليه وقولوا: "لا إله إلا الله، مُحمَّد رسول الله"، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، عدد ما خلق، وملء ما خلق، وعدد ما في الأرض والسماء، وعدد ما أحصى كتابه، وملء ما أحصى كتابه، وعدد كل شيء، وملء كل شيء، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. فاقبلنا يا كريم، اقبلنا، وحققنا بحقائقها، واجعلنا من خواص أهلها، واكشف لنا عن أسرارها وعلومها ومعارفها، واجعلنا من أهل لطائفها وأذواقها، وحققنا بحقائقها يا الله، وحققنا بحقائقها يا الله، واجعلنا عليها نحيا وعليها نموت وعليها نُبعث إن شئت بفضلك، مع السابقين والآمنين والمُقربين، يا أرحم الراحمين، والحمد لله ربّ العالمين.
تاريخ النشر الهجري
20 جمادى الآخر 1447
تاريخ النشر الميلادي
11 ديسمبر 2025
مشاركة
اضافة إلى المفضلة
كتابة فائدة متعلقة بالمادة
الأقسام
(6)
(63)
(648)
(1905)
(153)
(41)
العربية