شرف تلبية نداء الرحمن وكرامة إجابة دعوته وثبات ( وإن أرادوا فتنةَ أبينا )
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك في دار المصطفى، ليلة الجمعة 14 صفر الخير 1447هـ، بعنوان:
شرف تلبية نداء الرحمن وكرامة إجابة دعوته وثبات ( وإن أرادوا فتنةَ أبينا )
نص المحاضرة مكتوب:
سبحان من بيده ملكوت كُلُّ شيء، سبحان من إليه يرجع كل شيء، سبحان الواحد الأحد القيوم الحيّ، سبحان مَن عَنَت الوجوه لعظمته. له الحمد وله المِنَّة، وله الإفضال وله الإحسان، وله الكرم وله الجود الذي لا حد له ولا غاية. مِن عَدَمٍ خلَقنا، ومن لا شيء أوجدنا، وجعلنا في الآدميين، وجعلنا في أُمَّةِ خاتم النبيين، فنشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تَعظُمُ لنا إشراقات أنوارِها، وتَنبَسِطُ لنا في القلوب حقائق أسرارها، وتَسْرِي سِرَايَاتُها في قلوب كثيرة من الإنس والجن في شرق الأرض وغربها.
ونشهد أنَّ سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وصفوته وخليله، مُختَارُه من العالمين، وصفوته في الخلق أجمعين، حبيبه المحبوب، مفتاح أبواب السعادة والصَّلاحِ للقلوب، الشفيعُ الأعظم عند أَشَدِّ الكروب. أَدِمْ صلواتك يا ربِّ على السراج المنير، والبشير النذير، الذي انبسطت أشِعَّة دلالته عليك في هذا العالَم، فيهتدي به قلب ذا وذاك، ويخرج من بين أُسَرةٍ أنكرت وجودك وأنكرت ألوهيَّتك، مَن يَشْهَد أن لا إله إلا أنت وأنَّ محمدًا عبدك ورسولك، ويَفِدُ إلى موافد الإرث النبوي، ويَصِلُ إلى ميادين السِّر المصطفوي. فسبحانك ما أعظم شأنك! سبحانك ما أجلَّ جودك وامتنانك!. صلِّ يا ربِّ على هذا الحبيب المحبوب للأجسام والأرواح والقلوب، وعلى آله وصحبه ومن إليه منسوب، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
حسن التلبية لنداء الله والاستجابة لدعائه
وشَرِّف هذه القلوب وأسعدها؛ بحُسنِ التلبية لندائك، والإجابة لدعائك، على لسان خاتم أنبيائك وأصفى أصفيائك. اللهم زِدْها حُسنَ إجابة، وصدق استجابة، في اللحظات والأوقات والأنفاس كلها؛ حتى لا يُتَوفَّى أحدٌ من الحاضرين ولا من السامعين المشاهدين إلا على أكمل اليقين والمحبة والرِّضا، يحب لقاءك وأنت أنت! أنت يا رب العرش تحب لقاءه.. آمين.
طلبُنا رفعناه إليك، ووجَّهناه بين يديك، والحالُ لا يخفى عليك، وأنت أعظم مِمَّا رجونا، وأكبر مما أمَّلنا، وأنت إلهنا لا إله لنا غيرك، فافتح لهذه القلوب أبواب الفهم عنك وعن رسولك، وارزقها صدق الإجابة لدعائك، وحُسنَ التلبية لندائك (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ..) [آل عمران: 193-194]. ولا تُخزِ أحدًا من أهلينا ولا من أولادنا ولا من قراباتنا ولا من طُلَّابِنا ولا من أصحابنا، ولا من أهل دورتنا ولا من أهاليهم.
نكون سبباً لإشراق الأنوار
يا الله: ومن له بيننا وهو حاضر أو يسمعنا أهلٌ وأقربون غير مسلمين وغير مؤمنين؛ فاهدهم للإسلام والإيمان، ولا تتوفَّ أحدًا منهم إلا على شهادة الحق يا حق، يا الله.. يا الله: هذا الدعاء ومنك الإجابة، هذا الدعاء ومنك الإجابة، هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان.
يا الله: واجعل قلب كُلَّ واحدٍ مِنَّا وقالبه؛ سببًا لإشراق أنوار الإجابة لدعائك، والتلبية لندائك، في قلوب كثيرين من عبادك، مِن كُلِّ مَن نُجَالِس، ومِن كُلِّ مَن نُقَابِل، ومن كُلِّ مَن نتحدث معه.
يا ناشر الخير والهدى: بحبيبك المصطفى المقتدى؛ اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشَّر، اجعل كلًّا مِنَّا سببًا لنشر الهداية والخير، وغَلْقِ أبواب الضُّرِّ والشر والضَّيْر، يا مجيب الدعوات يا قاضي الحاجات.
حقيقة الحياة الباطنة المعنوية
جامعكم من أُمَّةِ محمد ﷺ في هذا الزمان وفي هذا المكان؛ لِحِكَمٍ تليقُ به وتليق بعظمته -جلَّ جلاله-، وتليق بعظمة رسوله، وتليق بعظمة القرآن الذي أنزله، وتليق بعظمة السُّنَّةِ التي بيَّنت القرآن، وتليق بعظمة قلوب أهل الصِّدِّيقيَّة الذين حووا أسرار الكتاب والسنة، وتليق بعظمة تلك السلسلة والسَّنَد من أهل هذا الوعي عن الواحد الأحد؛ لبّوا فأحسنوا التلبية، وأجابوا فأحسنوا الإجابة، فأحياهم أطيب الحياة، وأعلى الحياة، وأزكى الحياة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال:24].
وكم ممن لم يُدرِك حقيقة الحياة الباطنة المعنوية هذه قبل؛ يُدرِكها الليلة، يَبِيت حيًّا ويُصبِح حيًّا. وهذه الحياة إذا وهبَها الحيُّ القيوم لم يَنزِعها عن عبده؛ فيخرُج من الدنيا وهو حيّ، ويعيش في البرزخ حيّ، ويَفِد القيامة حيّ، ويدخل الجنة في أعلى رفيع من مراتب الحياة (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ..) من الذي يقول (فَلَنُحْيِيَنَّهُ)؟ مَن هذا الذي يقول؟! (..فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:97]، لك الحمد يا رب.
اللهم أحينا يا حيّ، يا محيي يا مميت: أحيِ قلوبنا، وأمِتِ النفوس الأمارة، وادفع عنَّا كل سوء، وأصلح لنا كل شأن، يا كريمُ يا منَّان.
وعي أسرار التلبية الصحيحة لله
علِّم هذه القلوب الارتقاء في التلبية لندائك، والاعتلاء في الإجابة لدعائك. وكم ناديتنا بالفضل على لسان نبيك وسط القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)؛ وكُلُّه تفضُّل وكُلُّه تَنزُّل، وكُلُّه كرم منك، وكلُّه عناية منك بنا، وكلُّه إحسان منك إلينا، وكلُّه جود منك إلينا، لك الحمد.
فيَا الله: انظر إلى هذه القلوب؛ لتعيَ سِرَّ هذه النداءات وتُحسِن التلبية، آمين يا الله. وقد عَلِمنا من آياتك وأخبار نبيِّك؛ أنَّ الذين تُكرمهم بهذه التلبية الصحيحة لك؛ يصيرون محبوبين لك، فتصير أنت تلبي نداءهم، وتجيب دعاءهم،
يحبون لقاءك وتحب لقاءهم
حتى أنك في جلالك وعظمتك وقُدسِك عند حلول موت بعضهم؛ يُدرِكُ وهو في حالِه تَعَبًا أو مَساءةً له؛ لخروج الروح -ولابد له من ذلك-؛ فعبَّرت عن عنايتك به ورأفتك فقلت في حديثك القدسي: "وما ترددتُ في شيء أنا فاعله تردُّدِي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولابد له منه".
ثم إنك بالنسبة لصفوتهم، يتمنّون لقاءك، ولا يكون الموت عندهم إلا بشارةً بالقرب الخاصِّ منك، وبقيَّتهم بعد هذه المَسَاءة منهم تَفتَح لهم وتَكشِف عن أسرار القُربِ وحُسنَ المآب؛ فقبْلَ خروج الروح يحبون لقاءك وتحب لقاءهم!
معاملتك جميلة، حَسَنَة كريمة! أنت الله جلَّ شأنُك، أنت الله عَظُمَ امتنانك، أنت الله، لولاك ما كُنَّا ولا كانت أرض ولا سماء!
إن أرادوا فتنة أبينا!
والله لولا الله ما اهتدينا ** ولا تصدَّقنا ولا صلَّيْنا
فأنزلِنْ سكينةً علينا ** وثَبِّتِ الأقدام إن لاقينا
إن الأُولى قد بغوا علينا ** وإن أرادوا فتنة أبينا
أبينا، أبينا، أبينــــا!
لا نَحمِل لهم إلا إرادة الخير، والإنقاذ، والإسعاد، والإرشاد، والهداية، والفضل، وعجيب الإمداد. وهم فيهم ممن سبَقَت عليه الشقاوة بغرورهم وغيِّهم يُعَادُون ويؤذون ويُريدون نشر الفساد، ويريدون نشر قلة الحياء، يريدون نشر اختلاط الرجال بالنساء على الوجه الذي يَضُرُّ الجميع، ويُفسِدُ الجميع، ويُفسِدُ المعاش، ويُفسِدُ المَعَاد، يُريدون نشر المخدرات والمُسكِرَات، يُريدون التَّخالُف بين العباد، التباعد بين العباد، التباغض بين العباد، التقاتل بين العباد، يُريدون إنكار الحق، يُريدون مخالفة الأنبياء، يُريدون نشر الكفر.. إلى غير ذلك مما يريدون من الفتن. أبينا يا رب، أبينا يا رب..!
إن الأُولى قد بغوا علينا ** وإن أرادوا فتنة أبينا
فثبِّت الأقدام إن لاقينا ** وأنزلَنْ سكينة علينا
يا الله يا أرحم الراحمين..
ولمَّا خاطبوك بهذا الخطاب نفسه في أيام غزوة الخندق ورسولك بينهم، وقد جعلوا بعض الغُبَارِ على رأسه الشريف وجبهته، وهو يشارك في حفر الخندق، ويسمعهم يدعونك بهذا الدعاء يقولون:
والله لولا الله ما اهتدينا ** ولا تصدَّقنا ولا صلينا
فأنزلِنْ سكينةً علينا ** وثَبِّتِ الأقدام إن لاقينا
إن الأُولى قد بغوا علينا ** وإن أرادوا فتنة أبينا
وكان نبيك يُرَدِّد معهم، وكان عليه الصلاة والسلام عندما يصلون إلى قولهم: وإن أرادوا فتنة أبينا؛ رفع صوته الشريف وقال: "أبينا، أبينا، أبينا".
حبيبنا: نحن وراءك، ونحن معك، ونحن في الاقتداء بك، نقول لهم -وإن كان العهد بيننا من حيث الزمان ألف وأربعمائة عام- لكن السُّنَّة هي السُّنَّة، والهَدْي هو الهَدْي، والدين هو الدين، والكفر هو الكفر؛ ونحن نقول لهم خلفك ووراءك وبك وفيك: أبينا، أبينا، أبينا، لا نريد شروركم، ولا نريد الفتن، ولا نريد المحرمات، ولا نريد المُخزِيَات التي تُغرون بها شبابنا وشابَّاتنا وتضحكون بها على عقولهم، وتهوون بهم إلى هاوية شقاء الدنيا والآخرة، وخسران الدنيا والآخرة. نداء ربِّنا خير لنا، خطاب ربِّنا أولى بنا وأجمل لنا: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: 50].
خذ نصيبك من وجهة قلبك!
فخذ نصيبك يا حاضر في مَحْضَر كلُّه تَفضُّل من رَبِّ العرش، وكُلُّه جود من بارئ السماوات والأرض: خذ نصيبك من وجهة قلبك، خذ نصيبك من رُقيَّك فيه؛ حُسنَ التلبية لنداء الحق، وحُسنَ الإجابة لدعوة الحق -جلَّ جلاله-، (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ..) ها هو نداؤه في كُلِّ مُخلِص وصادق من أهل القلوب الطاهرة يتصل بسند إليه يحمل نداءه، هذا نداؤه، هذا نداؤه في الأُمَّة، ينادي للإيمان: (..أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) [آل عمران: 193].
التوبة والاستغفار
(رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ)
مُنزِل الكتاب: وجهتنا إليك، كُلُّ ما كان من سيئات وذنوب من المتكلم والحاضرين والسامعين؛ أنت لها، فإنا نستغفرك وإنا نتوب إليك؛ كَفِّر عنَّا سيئاتنا، اغفر لنا ذنوبنا، فاغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنَّا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار. صَفِّ الصحائف والقلوب الليلة يا رب، تُصبِح صحائفنا بيضاء لا ذنب فيها يا غفَّار يا مُسَامِح يا مُتَجاوِز، يا من بفضله يُبدِّلُ السيئات حسنات، يا الله.. أنت القائل: (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ..) فأَعظِم به من إله! ما يقدر على تبديل السيئة حسنة إلا هو (..فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) [الفرقان: 70].
يا غفور يا رحيم، هَبْ لنا هذا الخير العظيم.. تتبدَّل سيئاتُنا حسنات، ونُحفَظ فيما بقي من الأعمار والأوقات المعدودات. اغفر لنا ما مضى واحفظنا فيما بَقِي، اغفر لنا ما مضى واحفظنا فيما بَقِي، تُبْ علينا، وعلى الحاضرين والسامعين، والمتعلقين من الإنس والجن في شرق الأرض وغربها، يا توَّابُ يا الله.
يا الله.. ما أعظم هذا الاسم! الاسم الذي يدلُّ على الذَّاتِ بجميع الأسماء والصفات: "الله"!
كرامتكم بقول يا الله
خذوا نصيبكم من حلاوة: "يا الله"، وعذوبة "يا الله"، وشرَف "يا الله"، وكرامتكم بقول: "يا الله"، فاجعلوا النداء من أعماق قلوبكم ينتشر في كُلِّ ذرَّةٍ من أجزائكم وكلياتكم تقولون له: يا الله.
ولا أسمَع من ربكم، ولا أقرب من ربكم، ولا أكرم من ربكم، ولا أجود من ربكم، ولا أسخى من ربكم، ولا أعطى من ربكم، ولا أفضل من ربكم.
الدعاء للمسلمين
يا الله: أَغِث أهل غزة، وأهل الضفة الغربية، وأكناف بيت المقدس، أَغِث أهل الشام، أَغِث أهل الإسلام في اليمن، أَغِث أهل الإسلام في السودان، أَغِث أهل الإسلام في الصومال، أغث أهل الإسلام في ليبيا، أَغِث أهل الإسلام في مصر، أَغِث أهل الإسلام في المغرب، أَغِث أهل الإسلام في جميع أقطار الأرض شرقها وغربها.
دعاء وتوجه إلى الله
يا الله.. يا الله.. يا الله ليس لنا أحد غيرك يقبلنا أو يُقرِّبُنا أو يعفو عنَّا أو يسامحنا أو يجود علينا. والذي قد جُدْتَ به علينا حتى جمعنا هذا المجمع؛ ليس من غيرك، "ربنا ما أمسى بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر على ذلك"، وأنت الذي جعلتَ هذا السَّنَد المتين إلى النور المبين، وأنت الذي حنَّنت روح النور المبين؛ حتى يرعى المَجامِع رعاية كبرى ويتولاها ولاية نادرة، بينما تولى من الخيرات الكثيرات المنتشرة في الأمة. لك الحمد، لك الحمد، لك الحمد! ما أمسى بنا من نعمة أو بأحدٍ من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك، عدد ما خلقت وملء ما خلقت، وعدد ما في الأرض والسماء وملء ما في الأرض والسماء، وعدد ما أحصى كتابك وملء ما أحصى كتابك، وعدد كل شيء وملء كل شيء.
وما بقي أيها الحاضر والسامع إلا أنه: ستُدرَجُ أسماء في صُحفِ الملائكة المقربين، فيمن يرفعهم ربك وفيمن يقربهم، وفيمن يكتب لهم خيرات، ويكتب على أيديهم خيرات؛ فتوجَّه لا يحرمك خير ما عنده، ويوفِّر حظك من محبته وودّه، وتدوم على حُسنِ التلبية للنداء والإجابة للدعاء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال:24].
وتَنْتَشِر إن شاء الله أنوار التلبية لنداء الله، والاستجابة لدعائه، في قلوب أهلك، وقلوب أسرتك، وقلوب قرابتك، وقلوب أصدقائك وأصحابك.
يا الله.. يا مُقَلِّب القلوب والأبصار: ثبِّت قلوبنا على حُسنِ التلبية لندائك، وحسن الإجابة لدعائك، نستقيم على ما أحببت مِنَّا بتوفيقك وعنايتك، حسًّا ومعنى؛ حتى تَختِم لكل مِنَّا بأحسن الحسنى.
يا الله: ولا يُعدَم روحٌ مِنَّا عند خروجه من الجسد؛ أن يَطْرَبَ بِطَرَبِ: واطرباه، غدًا ألقى الأحبَّة، محمدًا وحِزْبَه. أكرمنا بذلك.
يا أكرم الأكرمين، يا أرحم الراحمين: جمعتنا هنا فلا تُفَرِّقنا هناك، واجعلنا في أهل ولايتك ورضاك، مع أنبيائك وأصفياك، كل هذه العيون شرِّفها برؤية الطَّلْعَة الغَرَّاء ووجه حبيبك خير الورى، لا تَحرِم هذه العيون يا ربِّ النظر إلى ذلك الوجه الأزهر، في البرزخ ويوم القيامة، وفي دار الكرامة وهو راضٍ عنَّا. وفِّر حظَّنا من النظر إليه، في البرازخ، وفي مواقف القيامة كلها، وعند المرور على الصراط، وعند دخول الجنة، وفي ساحة النظر إلى وجهك الكريم.
يا الله: هذه الطلبات وغيرها، مما تعلَمه من الحاجات ولا نعلمه؛ نسألك إياها، وجميع ما أحاط به علمك من الشرور والآفات والمحذور؛ نستكفيك إيَّاه، ونعوذ بك منه، ونستدفعه بك يا الله، فاحرُسنا وأيِّدنا وسدِّدنا، واجعل لنا عظيم الثبات والعنايات والرعايات، واحفظنا بما حفظتَ به الذكر الحكيم، وانصرنا بما نصرتَ به المرسلين.
قولوا جميعاً: يا الله
ولكل ذلك نسألك ونتوجه إليك، ونقول جميعًا: يا الله .. يا الله، يا الله.. يا الله، يا الله .. يا الله.. يا الله، هو شرَّفك بها، هو شرَّفك بها! فاستلذَّها واستهلها، وقُلها بصدق، وقلها من أعماق قلبك، وقلها بكُلِّ كُلِّيتك؛ قلبك وروحك وسِرِّك وأجزائك، قل: يا الله .. يا الله، يا الله.. يا الله، يا الله.. يا الله، يا الله.. يا الله.
يا حيي يا كريم، قال عنك عبدك نبيك محمد: "إنَّ الله حييٌّ كريم يستحي إذا مدَّ العبد إليه يديه أن يردهما صِفْراً"، فلا رَدَدْتَ لنا يدا، ولا حرمتنا مَددًا، ولا قطعتنا عن الهدى، كُن لنا فيما خفي وفيما بدا، هاهنا وغدًا، وأسعدنا بأعلى ما أسعدتَ به السُّعداء، يا حيُّ يا قيُّوم، يا رحمن يا رحيم، يا أكرم الأكرمين، والحمد لله رب العالمين.
14 صفَر 1447