ركيزة الصدق وعظيم أثرها في الدارين

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ التي ألقاها عبر اتصال مرئي ضمن سلسلة إرشادات السلوك بدار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية، ليلة الجمعة 13 رجب 1447هـ بعنوان: 

ركيزة الصدق وعظيم أثرها في الدارين

  • 1:13 الصدق مع الله
  • 1:47 ما استعدادك للوقوف للعرض على الله؟
  • 4:06 اتقوا النار ولو بشق تمرة!
  • 5:11 كل قول وعمل يكتب في كتابك
  • 7:53 خذ من رجب سر الاتصال بالصدق
  • 9:38 ذكرى الإسراء والمعراج
  • 11:32 الاقتداء بالنبي ﷺ في كثرة الاستغفار
  • 13:38 ارفع همتك وانظر ارتقاءك!
  • 15:15 التوجه لله وحمده بالصدق
  • 18:02 طلب صدق القلوب مع الله ورضوانه
  • 20:19 الدعاء للأمة الإسلامية

 

نص المحاضرة مكتوب:

 

الحمد لله موجد الوجود، ومُواصِل الكرم والجود، ومُهيئ الدرجات العُلا لأهل الوفاء بالعهود. نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهود، ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أكرم أهل الوجود، وسيد أهل الشهود، وإمام أهل الوفاء بالعهود. 

أدم اللهم صلواتك على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، سيدنا محمد صاحب المقام المحمود، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى اليوم الموعود، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم والتابعين، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

الصدق مع الله

واملأ هذه القلوب بأنوار الإيمان واليقين والصدق معك في كل شأن وفي كل حين.

  • "ولا يزال الرجل يَصدُق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً"،
    • والصادق لا عُجَبَ له، كما أن المخلص لا رياء له.
    • والصادق مجتمع بكليته على المقصود،
    • باذل غاية وسعه في إحسان ما يقوم به للملك المعبود، جل جلاله وتعالى في علاه.

 

ما استعدادك للوقوف للعرض على الله؟

وقال الله -تبارك وتعالى- بعد أن ذكر لنا قصة وقوف سيدنا عيسى بن مريم المسيح -عليه سلام الله تبارك وتعالى وصلواته- بين يدي الرب عندما يناديه يوم القيامة: "وَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ". ينادي المنادي على جميع المكلفين: ليقم فلان بن فلان للعرض على الله.. وما تدري إلا واسمك ينادى عليك: ليقم فلان بن فلان للعرض على الله جل جلاله.

وجاء في الخبر أنه نادى سيدنا عيسى بن مريم: ليقم عيسى بن مريم للعرض على الله، فيقف بين يدي الله، فيقول الحق له: (أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ..)؟ قال فتلتصق إحدى ركبتيه بالأخرى من هيبة الجبار، ويقع على ركبته ويقول: (..سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) [المائدة:116-119]، وينادي المَلَك: لقد سعد ابن مريم سعادة لا يشقى بعدها أبداً.

وكذلك ينادى على كل من سُعِد وكل من وُفِق وأُلهم الجواب عند خطاب رب الأرباب -جل جلاله-، مقابلة رب العالمين ما تقول فيها؟ وما مدى استعدادك لها؟ ولا بد منها (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) [الصافات:24].

 

اتقوا النار ولو بشق تمرة!

"ما مِنكُم أحَدٌ إلّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ ليسَ بيْنَهُ وبيْنَهُ تُرْجُمانٌ، فَيَنْظُرُ أيْمَنَ منه فلا يَرى إلّا ما قَدَّمَ مِن عَمَلِهِ، ويَنْظُرُ أشْأَمَ منه فلا يَرى إلّا ما قَدَّمَ، ويَنْظُرُ بيْنَ يَدَيْهِ فلا يَرى إلّا النّارَ تِلْقاءَ وجْهِهِ، فاتَّقُوا النّارَ ولو بشِقِّ تَمْرَةٍ"، يعني: اصدقوا مع هذا الإله، واغتنموا في حياتكم القصيرة كل ما تقدرون عليه، ولو بشق تمرة، وقيام في ليلة، وقراءة آية، وبر لوالدين، وصلة للرحم، واستغفار، واغتنام ليالي رجب وأيام رجب، وتحقيق التوبة والاستغفار، وكل ما شُرِع لكم على يد النبي المختار ﷺ، اغنموا ذلك؛ فلا تدرون في أي عمل توفقون له وتُخلصون فيه فيحصل لكم به رضا الرحمن -جل جلاله وتعالى في علاه-، و: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله بها له رضوانه إلى يوم يلقاه"، وبالعكس كلمة أخرى!
كل قول وعمل يكتب في كتابك

فاضبط وأقم الميزان فيما تتكلم أيها الإنسان، أيها المؤمن بالرحمن، أيها المؤمن بالقرآن الذي يقول لك فيه مولاك: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق:17-18]؛ ما يلفظ من قول؛ أيَّ قول، حتى جاء في الأخبار تُكتب أنَّات المريض، أنينه مكتوب، وقولك: من أين جئت؟ وكيف أنت؟ وكيف حالك؟ كله يُكتب. سلام تسلم به على أحد، ورد ترد به، (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ) [القمر:53-54]، (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) [الكهف:49]؛ ومَثَّلَ سيدنا ابن عباس قال: صغيرة مثل الابتسامة، يجدها قدامه، لماذا ابتسمت؟ بأي قصد؟ على أي حال؟ وما تريد؟ وكبيرة، قال: مثل قهقهة.. ضحك، مكتوبة (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا) [الكهف:49].

فمُقتضى الصدق؛ يحمل المؤمن على أن يستعد لهذا اللقاء الإلهي والوقوف بين يدي عالم الغيب والشهادة الذي هو أعلم بنا من أنفسنا، القائل: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف:80]. وعلمه كفى، ومع ذلك جعل الرسل يكتبون، والصحف تُسَجَّل، والأعضاء تشهد، والأرض تشهد، والزمان الذي عملت فيه خيرا أو شرا يَشهَد، كلها شهود، وكفى به شهيداً -جل جلاله-، (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ۖ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) [الأعراف:6-7]، (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [المجادلة:7].

 

خذ من رجب سر الاتصال بالصدق

خذ من رجب سر الاتصال بالصدق؛ لتكون صادقاً في إسلامك، صادقاً في إيمانك، صادقاً في رتبة الإحسان -بلّغنا الله إياها وحققنا بحقائقها-، ومن بلغها وحُقَّق بها؛ زُجّ به إلى ميدان المعرفة الخاصة والمحبة الخالصة. 

ولا يكون صادقاً في الإسلام من لم يَسْلَم المسلمون من لسانه ويده. بعضهم يدعي الإسلام ولكن سنة يسلم المسلمون من لسانه ويده؟ ستة أشهر؟ لا، شهر؟ لا ، أسبوع واحد يسلم منه المسلمون من لسانه ويده؟ ، بعضهم في اليوم والليلة ما يسلم المسلمون، من لسانه ويده! ما صدَق في إسلامه! ما صدَق في إسلامه! ما صدَق في شهادة "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، ولا صدق في إيقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة ولا صوم رمضان ولا حج البيت على الاستطاعة إذا استطاع.

ما صدق في هذه؟ يسلَم المسلمون من لسانه ويده؟، يقوم الميزان عنده على استقامة؟ (وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) [الرحمن:7-9]؛ ميزانه الذي بيّن لنا به الخير والشر، والحسنات والسيئات، والطاعات والمعاصي، والنور والظلمة، والهدى والضلال؛ كلها بميزان للرحمن -جل جلاله-، أقامه لنا على أيدي الأنبياء والمرسلين.

 

ذكرى الإسراء والمعراج

وخُصِّصنا بسيدهم وخاتمهم ﷺ، الذي حملت به أمه في شهر رجب وولدته في ربيع الأول، وحُمِل في شهر رجب على أشهر الأقوال؛ ليلة الإسراء والمعراج (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الإسراء:1].

اللهم ارزق جميع إخواننا في المسجد الأقصى وما حواليه الصدق معك؛ حتى تؤيدهم وتنصرهم بنصرك العزيز المؤزَّر، وتُخلِّص بيت المقدس من يد عدوان من اعتدى، واجتراء مَن اجترأ، وافتراء مَن افترى، وظُلم مَن ظَلَم، يا حيُّ يا قيُّوم يا أرحم الراحمين.

ثم كان به المعراج ﷺ. وكم حدَّثنا عن المعراج فيما جاء في الصحيحين وغيرهما من كتب السنة عن مشاهد شاهدها في تلك الليلة، وعن نتائج وعن مآلات وعواقب.. لأقوال الناس، لأفعال الناس، لمعاملات الناس. ورأى مثل الكلمة التي تخرج من الإنسان فلا يقدر بعد ذلك على استدراكها، وهي منحرفة وهي خارجة عن سبيل الهدى، ورأى ثوراً يخرج من جحر صغير ثم يريد العودة فلا يستطيع، فقال له سيدنا جبريل: مَثَلُ الكلمة يتكلم بها الرجل من أمتك يندم عليها يريد أن يردها ما يستطيع أن يردها. والحق قد أرشدنا: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا) [الإسراء:53]، ويقول جل جلاله وتعالى في علاه: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة:83].

 

الاقتداء بالنبي ﷺ في كثرة الاستغفار

فأكثرِ الاستغفار؛ صحَّ في الحديث: "مَن لَزِمَ الاستغفار جعل الله له من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب". ويقول ﷺ: "طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً"، وهو القدوة: "توبوا إلى الله فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة" وفي رواية: "مائة مرة" ﷺ.

ما أعظم رُقيُّه واعتلاؤه في الدرجات وكثرة استغفاره -صلوات ربي وسلامه عليه-، وإن كان ليُعَدّ له في المجلس الواحد مائة مرة من قوله: "ربِّ اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم"، ويسمعها منه الجليس ثاني مرة: "ربِّ اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم"، ويسمعها ثالث مرة، إلى مائة مرة يُعد له في المجلس الواحد من قوله: "رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم"!.

هذا أطهر الخلق! وأصفى الخلق وأزكى الخلق ﷺ!. نحن أحوج لنذوق شيئاً من هذا! ، كم مرَّت علينا من ليالي رجب؟ اثنا عشر ليلة، وقابلتكم الليلة الثالثة عشر، أول ليالي البيض في رجب. ما الرتبة التي ارتقيناها في هذا الذوق النبوي؟ "رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم، رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم، رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم".

يُعد له مائة في المجلس الواحد! في اليوم واليومين ما تجيبها مائة، ما تُسمع منك حتى في الأسبوع ما تُسمَع منك مائة! شوف إمامك وقدوتك في المجلس الواحد يُعد له مائة!

ما رابطة قلبه بالله؟ ما أدبه مع الله؟ ما استشعاره لحاجته للتوبة والمغفرة؟ ووصفه الرب: "إنك أنت التواب الرحيم"، ربٌ رحيم جل جلاله وتعالى في علاه.

 

ارفع همتك وانظر ارتقاءك!

ارفع همتك، ووجهتك، ونيتك، وقدرك؛ لا يبقى القلب متعلقاً. هل تمر ليالي رجب وأنت متعلقاً..بطعام، بشراب، بسياسات، بأخبار أهل السياسة.. وذا طلع وذا نزل، أنت قل لي أين؟ طلعت ولا نزلت أنت؟ أنت ما حالك؟ فكر في نفسك، وجّه همتك إلى ما بينك وبين العلي الأعلى، وانظر إلى ارتقائك في مراتب القرب منه، هذا خير لك؛ أن تفكر فيه، وخير لك أن تنتبه منه، وخير لك أن تستعد له، وخير لك أن تُقَدِّم فيه ما ينفعك النفع الكبير.

  • فحقِّقوا الاستغفار في هذه الليالي وفي هذه الأيام،
  • وتعلَّقوا بالصدق مع الملك الغفار عالم الأسرار والجهر -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-،
  • وتوجهوا بكلياتكم إليه، وأقبلوا بالصدق عليه -جل جلاله-، فإنه يحب الصادقين.
    • وقال: "مَن تقرب إلي شبراً تقربتُ إليه ذراعاً، ومَن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة".

هل تجدون أكرم من هذا الرب؟ أجود من هذا الإله؟ أسخى من هذا الخالق؟ -جل جلاله-، هكذا يعامل عباده فله الحمد.

يا ربِّ وفّر حظنا من شهر رجب وليالي رجب وأيام رجب، ووفِّر حظنا من الصدق، ولا يخرج عنا شهر رجب إلا وأدخلتنا في دوائر الصادقين برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

التوجه لله وحمده بالصدق

  • كانوا يخافون الكذب أن يقول في بداية صلواته: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) [الأنعام:79]. وقلبه متوجه إلى الغير!
    • وكانوا يخافون الكذب في قول: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة:5]. وهو يلتفت إلى الغير، أو يرى أن العون بيد الغير! والعياذ بالله تبارك وتعالى.
  • وهكذا يرون الصدق إذا قال "الله أكبر"؛ ألا يبقى في قلبه التفاتٌ لغير الكبير، وأن يوقن أن كل شيء سوى الله فليس بشيء مع الله -جل جلاله وتعالى في علاه-.
    • وهكذا إذا حَمِدَ الله تعالى يحمده بالصدق، مستشعراً عظيم منّته عليه، وسوء أدبه مع هذا الإله، وعدم استحقاقه للمواهب والنِّعَم الموهوبة له من قِبل الله -تبارك وتعالى-، وموقناً أنه ما من نعمة أنعم بها عليه أو على غيره من أهل الأرض والسماء؛ إلا والمنعم بها والمتفضل بها واحد هو الله. 
      • وعلَّمنا ﷺ أن نقول في كل مساء: "اللهم ما أمسى بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك"،
        • هذا يعلمنا معنى خفياً؛ نتأدب به في التعامل مع الأسباب، فلا نُبالغ فيها ولا ننقطع بها عن المسبب رب الأرباب جل جلاله.

ما هو لا بيد الأحزاب ولا بيد الشعوب ولا بيد الدول أن يضمنوا لك خير دنيا أو خير آخرة، ولا أن يجلبوا لك نعمة واحدة ولا أن يدفعوا عنك بلية واحدة؛ ما هو بيدهم، هم مجرد أسباب يسببها، ويسلِّط ذا على ذا، ويسخر ذا لذا، فإذا توجهت إليها كأنها فعالة بنفسها؛ انقطعت وتعبت. 

وهذا الواقع في حال المسلمين، انقطعوا إلى غير الله، وظنوا أن ذا بيرفعهم وذا ينزلهم وذا يطلعهم، وصاروا لا يستحون، هم مسلمون ولكن يتحدثون: نحن سنعمل ونحن سنرفع ونحن سنخفض! الرافع الخافض واحد، والمعطي المانع واحد، مجرد أسباب أنتم.

  • على كٌلٍّ أن يعلم قدره ويعلم حدوده،
    • وأنه إن وُفِّق فتسبب في نفع أو في خير؛ فذلك فضل من الله -تبارك وتعالى-،
    • وإن خُذِل فجرى على يده ضر أو أذى أو شر؛ فويل له ثم ويل له، "إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيها لكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".

 

طلب صدق القلوب مع الله ورضوانه

ولتكن منا قلوب صادقة، والله يُكثرها في الأمة من الحاضرين والسامعين والمشاهدين والمتعلقين، وإنس المؤمنين وجنهم في المشارق والمغارب، يجعل فيهم قلوباً صادقة إليك تتوجه، وتقصدك وحدك لكشف الكروب ودفع الخطوب وصلاح البلاد والعباد والراعي والرعية والصغار والكبار.

 فيَا حي يا قيوم: تداركنا والأمة، واكشف عنا كل غمة، وإذا التفتت القلوب إلى الخلق فاجعل التفات قلوبنا إليك، تعويلنا عليك واعتمادنا عليك.

ربِّ عليك اعتمادي كما إليك استنادي *** صدقاً وأقصى مرادي رضاؤك الدائم الحال

ولا أحلى منه، لا أحلى من رضوان الله، لا في الدنيا ولا في البرزخ ولا في الآخرة ولا في الجنة ولا في الفردوس الأعلى؛ ما شيء أحلى من رضوان الله ولا ألذ من رضوان الله. 

وإذا نادى الله أهل الجنة: "يا أهل الجنة"، قالوا: لبيك ربنا وسعديك، قال: "هل رضيتم؟"، يقولون: يا ربنا كيف لا نرضى؟! وقد بيضت وجوهنا وأعطيتنا كتبنا بأيماننا ونجيتنا من النار وأدخلتنا الجنة وأنعمت علينا فيها؟. يقول: "ألا أعطيكم ما هو أفضل من ذلك؟"، يقولون: يا ربنا وما أفضل من ذلك؟، قال: "أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً"!.

يا ما أعظمها من نعمة! قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:72]. أكبر من هذا كله (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ)، بل مقدار تنعمهم ببقية الأشياء على قدر رضوانه عنهم جل جلاله وتعالى في علاه. يالله رضا يالله رضا ** والعفو عما قد مضى..

ربِّ عليك اعتمادي كما إليك استنادي *** صدقاً وأقصى مرادي رضاؤك الدائم الحال

 

الدعاء للأمة الإسلامية

بارك فينا وفي أحبابنا وإخواننا هؤلاء ومن حضروا، اللهم اجعل قلوبهم حاضرة، واجعل عين رحمتك إليها ناظرة، واجعل سحائب جودك على ساحاتها ماطرة، وأصلح لنا ولهم شؤوننا الباطنة والظاهرة، وتولنا بما أنت أهله في الدنيا والآخرة. يا ربِّ احفظ الحرمين الشريفين، وخلِّص أولى القبلتين، واحفظ اليمن والشام والشرق والغرب للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، وحوّل أحوالهم إلى أحسن الأحوال. 

بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان، واجعلنا من خواص أهل رمضان عندك. واجعل اللهم وجهتنا إليك، واعتمادنا عليك، واستنادنا إليك، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين ولا أقل من ذلك.

يا الله، يا من بيده ملكوت كل شيء، يا عالما بكل شيء، يا مطلعاً على كل شيء، يا مالكاً لكل شيء، بقدرتك على كل شيء وعلمك بكل شيء اغفر لنا كل شيء، وأصلح لنا كل شيء، ولا تسألنا عن شيء، ولا تعذبنا على شيء.

 يا ربِّ وارزقنا الصدق معك في جميع الأحوال، وأقبل بوجهك الكريم علينا، وارزقنا صدق الإقبال، وتولنا بما أنت أهله في الدنيا والمآل، برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين، بجاه حبيبك الأمين محمد ﷺ، والحمد لله رب العالمين.

 

العربية