(9)
(616)
(394)
(4)
محاضرة الحبيب عمر بن حامد الجيلاني والحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 28 جمادى الثانية 1447هـ في دار المصطفى، بعنوان:
العلم والحقيقة.. ما مصدرهما؟ وكيف يحصلان ؟ وأحوال الخلق وعجائب قدرة وإرادة الرحمن
تضمنت المحاضرة:
الحمد لله على المَنِّ الإلهي الذي لا يَزَال، والفيض الرحماني الذي لم يزل سحابه هطَّال. لك الحمد يا مولى الموال، لك الحمد يا جزيل النوال، لك الحمد يا معطي العطايا الجزال، لك الحمد يا من خصَّصتَ بني آدم، وكرَّمتهم بإكرامات، مَن عرف حقَّها منهم؛ قضيتَ له بعز الأبد وكرامة الأبد وسعادة الأبد؛ بحقائق نعيم لا ينفد ولا يُعَدّ ولا يُحَدّ. سبحانك يا واحد يا أحد، يا فرد يا صمد. وجعلتَ الشَّرفَ الأفخر للأمة أن جعلت نبيها حبيبك محمدًا.. نبي الهدى بحر الندى، مُبيد العِدَا، مُجلِي الصَّدى، عليه صلاة الله ثم سلامه صلاة وتسليمًا إلى آخر المدى.
جمعنا الله وإياكم تحت ذاك اللواء، تجتمع هذه الصفوة من خيرة خلق الله، أنبياء ورسل وصدِّيقون وشهداء ومُقَرَّبُونَ ومحبوبون للإله، ممن أراد الله أن يُسكنهم جنته خالدين فيها، وفيها : "...، مالا عينٌ رأَتْ، ولا أُذُنٌ سمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلْبِ بَشَرٍ".
هذا الصنف جميعهم تحت لواء الحمد يجتمعون، فاجعلنا معهم يا رب العالمين، واجعلنا منهم يا أكرم الأكرمين، واجعلنا فيهم يا أرحم الراحمين.
لن يرجع مَن في وقتنا ولا مَن مضى ولا مَن يأتي بعدنا إلى حكومة ولا إلى حزب ولا إلى طائفة ولا إلى جماعة، يرجع الكل إلى مَن خلَق، الواحد الأحد!
كما سمعتم خطابه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون:115]! أخلقناكم لتلعبوا بالأهواء في أرضنا التي مهَّدناها لكم فنِعمَ الماهدون؟! (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) [الذاريات: 48]، (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) [النبأ: 6]؟!
أمَهَّد الأرضَ لنا إنسيٌّ أم جِنِّيُّ؟ أم حضارة؟ أم شرق أم غرب؟ أم حكومة أم شعب أم دول؟ مَن مهَّدَ الأرض؟! (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ أَرُونِيَ مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) [فاطر:40]؟
أروني ماذا خلقوا من الأرض؟ نريد نعرف القارة اللي خلقها غير الله؟ في شيء؟ نريد نعرف البُقْعَة اللي خلقها غير الله؟ كلها خلق الله تبارك وتعالى! (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ) [الأحقاف:4].
كتاب نزل من عند الإله الذي خلَق، أو أَثَارَة من عِلم تتصل بالنبوة وبالرسالة، فإنه لا يحكي الحقيقة إلا هذا الطريق وإلا هذا المرجع وإلا هذا الباب وحده!. وإلا من أين يأتي الإنسان بالحقيقة؟ من أين؟ من مجرد تجارب؟ من فكر يتخالف مع فكر آخر؟!
ومع ما سمعتم في القرن الذي مضى بدأ الهُزء بالفكر الإنساني باسم العلم، ويقولون يجب على الإنسان في تطوره وتقدمه أن يكون علميًا. وكيف يكون علميًا؟ ما فُسِّر ذلك في بلاد الإسلام إلا أن تكون تابعًا لأحد معسكري الشرق أو الغرب!. هؤلاء العلميون!
والعلم ما معناه؟ نعرف أن العلم: إدراك الأمر على ما هو عليه في الواقع.
هل معنى العلم أن تتبع رأسمالية أو اشتراكية؟ والعلماء فلان وفلان من الغرب وفلان وفلان من الشرق!. أسألكم: أمتفقون أم مختلفون؟ مختلفون.
فكيف العلم يختلف؟!. الجهل يختلف، والجهل عن العلم يختلف ومع بعضه البعض يختلف.
أما العلم علم! هو ذا واحد، حقيقة واحدة، لا يوجد ثاني وثالث!، هذه الحقيقة التي صدع بها آدم وحمَلَها أولادُه ورأسهم شيث بن آدم، وحملَها مَن خَلَفَهُ إلى إدريس، وحملَها مَن خَلَفَهُ إلى نوح، وحملها مَن خلَفَه إلى إبراهيم، وحملَها إسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف والأسباط وأيوب وسليمان وداؤود ويونس، وإلى موسى وهارون، وإلى عيسى بن مريم، وجاء الرأس، كرَّم الله الناس بسيد الناس، وسيد الجنِّ والأملاكِ والبشرِ "وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله يوم القيامة ولا فخر".
تحت لوائه اجمعنا يا رب، وأعذنا من هذه الزخارف.
بداية من قابيل.. وراح وراء شهواته وصنع له زخرفًا من القول وما حصَّل إلا الخسران والندامة -والعياذ بالله تبارك وتعالى- كما ذكر الله، وما تبعه من أقاويل وأباطيل الشياطين من الإنس والجن تحت راية إبليس إلى يومنا هذا.
ولكن الحق الواحد الذي لا يختلف، هو الذي سمعتم الدعوة إليه: "لا إله إلا الله"، ما يختلف عليها أهل الحق في الأرض من يوم خلق الله الأرض إلى أن تقوم الساعة، ولا يختلف عليها أهل السماء. بل وأهل السماء من أولهم إلى آخرهم يعلمون أن حقيقة الحقائق ما هو مكتوب على قوائم العرش: "لا إله إلا الله محمد رسول الله". هذا الحق، هذا العلم، هذه الحقيقة.
وأوحى الله إلى أعلم الخلق بالحقيقة؛ يُرَقّيه في مراقيها الشريفة العظيمة الجليلة: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) [محمد:19]. ويَثبُت أهل الحق على الحق -ثبَّتنا الله وإياكم- (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) [إبراهيم:27].
وهم أهل العيش الصافي الهني في الدنيا، وهم أهل الحياة الطيبة في العقبى.
ما عيش صافي هَنِي إلا مع أهل القلوب..
ما عيش صافي هَنِي إلا مع أهل القلوب.. تمرُّ أوقاتهم في الذكر والشكر وأعمال خالصة من غير شوب. هؤلاء أهل العيشة، هؤلاء أهل حقيقة: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) [النحل:97]. صدَق ربي، ولا شك في قول ربي: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ)، فاحرص على العمل الصالح المربوط بالإيمان -زادنا الله إيمانًا وتوفيقًا للأعمال الصالحات- (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)..
وإذا أراد أن يُحييَه حياة طيِّبة لو اجتمعت قوى الأرض على أن تُكدِّر حياته ما قدروا، الجبار قال: (لَنُحْيِيَنَّهُ)، جاء بلام التوكيد ونون التوكيد ونون العظمة (فَلَنُحْيِيَنَّهُ)!، تفهم مَن هذا الذي يتكلم؟ مَن ذا الذي يقول هذا القول؟
فوالله: الأنبياء وأهل القلوب المخلصة عاشوا أصفى وأهنأ عيشة وحياة في الدنيا، ما قدر أعداؤهم ولا محاربوهم أن يخرجوهم عنها، ولا أن يُكَدِّروا عليهم صفوهم مع الله.
يقول الله لسيدنا موسى: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) [طه:41]، (وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي) [طه:39]. فما قدر فرعون أن يُكَدِّر عليه صفوه مع الله، ووقَع بين يديه وهو طفل صغير فلم تستطع يَدُ فرعون وجنده أن يمتدوا إلى رجله ولا يده ولا عينه ولا أنفه ولا جبهته ولا شعرة من شعره؛ لأنه تحت عناية العلي الكبير!.
وسُخِّر قصره فرعون ليُنفق عليه وعلى أهله، على والدته وأخته في البيت هناك، من وسط هذا القصر المتعجرف، من وسط قصر الذي يقول (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي) [الزخرف:51]، (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ) [النازعات:24]، ويقول: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي) [القصص:38]. فيقول الإله الحق: يا أيها المُدَّعي بالألوهية ولست بإلـٰه: اُخدم عبدنا الذي نراعيه؛ لينتهي ملكك على يده.
اخدمه.. فخدمه! أكْرِمْه..فأكرَمَه! لأن القوي قال هكذا، لأن القادر قال هكذا، لأن الذي بيده ملكوت كل شيء قال هكذا، والقول قوله، جل جلاله وتعالى في علاه.
وأخذت الأحداث مأْخَذها حتى فرَّ من تلك البلدة ثم عاد إليها، ولمَّا عاد، بأي تخطيط؟ بأي دولة؟ بأي عسكر؟ وأنت قبل مدة فررت من هذه البلاد خوفًا من ظلم أهلها، والآن تعود إليها برسالة وبدعوة! وتخاطب الرأس حقهم: (هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ) [النازعات:18-19]. حُقَّ لموسى أن يقول؛ لأن موسى صاحب الحقيقة، موسى صاحب الحق، وما عند ذاك إلا باطل وظلم وعدوان.
وهكذا حتى جاءت النهاية وغَرِقَ ذاك في البحر، وقال -سبحانه وتعالى- بعد نكثهم تلك العهود (فَإِذَا هُمْ يَنكُثُونَ) [الأعراف:135]، يقول سبحانه: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ) [الأعراف:137].
وهذا خاص بقصة فرعون وبني إسرائيل؟ لا لا لا، الذين قبلهم كذلك، والذين بعدهم كذلك..
ولمَّا بكى ليلة من الليالي كما جاء في صحيح مسلم، واشتدَّ بكاؤه في بيته في المدينة المنورة، وربُّ العرش يقول: جبريل اخرج إلى عبدي محمد، قل له: يقول لك ربك: ما يبكيك؟ وأنا أعلم -ربي أعلم-.
سيدنا جبريل خرج امتثالاً للأمر، جبريل عبد، والنبي محمد عبد، وسيد العبيد، وأهل السماوات عبيد، وأهل الأرض عبيد (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا) [مريم:93]. هذه حقائق التوحيد.
جاءه، استأذن بعد ذلك، دخل، قال: إن رب العالمين أرسلني إليك يقول لك: ما يبكيك يا محمد وهو أعلم؟ قال: يا جبريل مررتُ على قول إبراهيم في أمته: (فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [إبراهيم:36]، ومررتُ على قول عيسى لربه -جل جلاله-: (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة:117-118]. فتذكرتُ أمتي..، قال لمَّا شفت إبراهيم يقول هذا في أمته وعيسى يقول هذا في أمته، تذكرت أمتي، وما يكون حالهم من بعدي، وفي يوم القيامة كيف الحال؟ فهذا الذي أبكاني. رجع جبريل يقول: يا رب أنت أعلم بما قال عبدك محمد. قال: تذكَّر قول إبراهيم وقول عيسى فذكَر أمته وما يكون حالهم من بعده وفي القيامة. قال: ارجع إليه وقل له: يا محمد "إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوؤكَ فِيهِمْ".
"إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ"، نرجو أن يكون المجمع بما فيه من رضاه، وما يحدث منه -إن شاء الله-؛ من زيادة إيمان في قلوبنا، وتوفيقا للعمل الصالح، وهدايات لأحبابنا.
وأخونا الذي كلمكم من أمريكا الله يهدي جدته قبل أن تموت، الله لا يُميتها إلا على الإسلام والإيمان، والله يهدي جميع أسرته، وينشر الخير في الأمة.
وديارنا الله ينورها بنور الإيمان والعمل الصالح، تخرج منها قدوات الكفار والأشرار وتبقى قدوة محمد المختار، نوَّرَ اللهُم ديارنا بذلك، نوَّر اللهم عقول أزواجنا وأبنائنا وبناتنا بذلك، وسلَك بنا أشرف المسالك.
"إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوؤكَ فِيهِمْ"، وأرنا يا رب سِرَّ إرضاءك له في يوم القيامة فيما به يرضاه بما تؤتي وتعطي، واجعلنا من خواص مَن تُرضيه فيهم ولا تسوؤه فيهم.
لا تسوءه في أحد منا فيزيغ في الدنيا، ولا يَزْلَق عند المرور على الصراط، ولا يُفضَح يوم القيامة، لا تسوء محمدًا في أحد منا يا ربَّ سيدنا محمد.
يا الله: اجعل جميع الحاضرين والسامعين والمشاهدين ومن في ديارهم ممن تُرضي محمدًا فيهم، ولا تسوءه في أحد من رجالنا ولا نسائنا ولا صغارنا ولا كبارنا.
يا الله: بجاهه عليك ومنزلته لديك اجعلنا جميعًا محض رضًا لقلبه، في وجهاتنا، ونياتنا وأعمالنا، وما نلاقيه عند مماتنا، وفي برازخنا، ويوم القيامة؛ حتى نجتمع تحت لواء الحمد، في المقربين يا رب، في الفائزين يا رب، في السابقين يا رب.
ونرى اليد التي تحمل لواءَ الحمد، "ولواءُ الحمد بيدي"، يا ما أحسنها من يد! أكرِمنا بمصافحتها، أكرِمنا بتقبيلها، أكرِمنا بالقرب منها، والشرب منها على الحوض.
ومن يد ابن عمه علي بن أبي طالب، يأذن أن يَسْقِي المؤمنين، ومن يأذن لهم أن يسقوا على حوضه، اسقنا بتلك الأيادي، أيادي البر والتقوى والطاعة والتوحيد والإيمان يا الله، واجعلنا نُصافحها ونَحِل معها في المراتب العلا مع خيار الملا، يا ربنا الأعلى: سألناك فأجب سؤالنا، ورجوناك فلا تقطع رجاءنا ولا تخيب آمالنا، وحَقِّق ما رجونا.
يا الله: يُقبِل علينا رجب ونحن نزداد في الإيمان واليقين والعمل الصالح، في كل ليلة من لياليه. صَحَّ عن سيدنا علي أنه كان يتفرغ للعبادة في أربع ليالٍ في السنة، منها أول ليلة من رجب.
وأنتم تعلمون سيدنا علي من أين يجيب علمه؟ من أين يجيب سلوكه؟ من أين يجيب سيره إلى الله؟ مَن شيخه؟ مَن مُعلمه؟ يا رب صلّ على محمد. يتفرغ في أول ليلة من رجب للعبادة، وله فيها بكيَات ودعوات، فتهلّ علينا الآن بعد ليلتين -إن شاء الله- نكون من أسعد خلق الله فيها، ورجب كله.
كان بعض التابعين كما صحَّ يقول لسيدنا عبد الله بن عمر: أكان رسول الله ﷺ يصوم في رجب؟ قال: نعم ويُشرّفه. يُشَرِّفُه! يُشَرِّف شهر رجب، الشهر الفرد من بين الأشهر الحرم.
بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان، وأعِنّا على الصيام والقيام، وفقنا للأعمال الصالحة يا ذا الجلال والإكرام.
أنعمت فأتمم النعمة، وزد وبارك.
الله يُشرفنا، الله يُكرمنا، الله يُبارك لنا.
ويبارك لنا في حضور علمائنا وصلحائنا، ويأخذ بيد حبيبنا عمر بن حامد الجيلاني في جميع شؤونه، في كل قاصٍ ودانٍ، إلى ما يخدم الشرع المصون وسيرة الأمين المأمون، اللهم زده تأييدًا وتوفيقًا ونصرة، ونفعًا وانتفاعًا.
وكل حاضر وكل سامع أشركه في القيام بالوفاء بالعهد، والاتباع لحبيبك خير عبد؛ حتى نبلغ بذلك غاية المجد، يا حيُّ يا قيوم، يا رحمن يا رحيم.
ولا نُحرَم هذا الخير الكبير الذي تعطيه المحبوبين لك في هذه الدنيا، وما عندك لهم خير (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ) [آل عمران:198]، (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ) [الضحى:4-5]. اِرْضِهِ فينا يا رب، في أهلينا وأولادنا، وفي زمننا وأهل زمننا، وفي يمننا وفي شامنا، خذ بأيدي أهل الخير، وكل من أراد الخير للبلاد والعباد وفقهم وأعنهم وخذ بأيديهم، وادفع عنَّا وعن البلاد والعباد الشر والضير والآفات والعاهات، في الظواهر والخفيات، يا مجيب الدعوات، يا قاضي الحاجات، يا أرحم الراحمين.
وتوجّهوا إلى ربّ العالمين بالصدق والإخلاص:
يا أرحم الراحمين يا أرحم الراحمين *** يا أرحم الراحمين فرِّج على المسلمين
27 جمادى الآخر 1447