سراية أنوار لا إله إلا الله والغايات الكبرى
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ، ألقاها عبر اتصال مرئي، ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 25 محرم 1448هـ في دار المصطفى، بعنوان:
سراية أنوار لا إله إلا الله والغايات الكبرى
نص المحاضرة مكتوب:
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
الحمد لله الذي جمعكم وأسمعكم، وهيأكم لأن ينفعكم وأن يرفعكم، وهيأكم للاتساع وهيأكم للاطلاع وهيأكم للارتفاع، بفضل منه -سبحانه وتعالى- امتد بسِرِ دعوته التي حملها إلينا مَن شرَّف الله بدعوته البقاع، خير داعٍ وخير هادٍ وخير دالٍّ وخير ساعٍ في أشرف المساع، صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وأصحابه وأهل الاتباع، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل العطايا الكبيرات الوِسَاع، والوجاهات الكبيرة لدى الرَّبِّ القدير -جل جلاله وتعالى في علاه- هاهنا وفي يوم الاجتماع، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين.
خصوصية من ارتضاهم الله لقربه
- أولئك الذين اختصهم بنظره، وبرضوانه، وبقربه، وبمعرفته، وبمحبته، وبامتنانه.
- فالخير فيهم موهوبٌ لهم من باريهم وموجدهم وخالقهم -سبحانه وتعالى-، ولا خير فيمن عداهم، ولا مَن خرج عن دربهم.
- حتى أنَّ مَن سواهم مِن غير المكلفين؛ نصيبهم من اللطف، ونصيبهم من سِرِّ اللطف في التجلي؛ على قدر قربهم من هذه الطائفة، من هؤلاء الأصناف الذين ارتضاهم الرَّبُّ -جل جلاله-، أنبياء ورسل وآل وأصحاب لهم وأتباع، وملائكة مقربون وعباد صالحون.
- ليس لله مرادٌ فيمن سواهم من الذين أعرض عنهم -جل جلاله-،
- فلا شرف لأحد منهم، ولا كرامة لأحد منهم، ولا قدر لأحد منهم، ولا منزلة لأحد منهم.
هل يستوي الذين آمنوا مع المفسدين!
- فَعُوا يا من آمنتم بهذا الإله!
- مَن أحبه ومَن أبغضه، ومَن قرَّبه ومَن أبعده، ومَن أشقاه ومَن أسعده، ومَن أعطاه ومَن منعه، ومَن رضي عنه ومَن سَخِطَ عليه.
- وإياكم أن تساووا بين الفريقين! (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) [الحشر:20].
- (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص:28]؟ من يدعو إلى قطيعة، ومن يدعو إلى كفر، ومن يدعو إلى خمر، ومن يدعو إلى مخدرات، ومن يدعو إلى مناظر محرمات، ومن يدعو إلى تطاول على رب العرش ورب الأرض ورب السماوات -جلَّ جلاله-، ومن يدعو إلى ظلم ومن يدعو إلى عدوان!
- هؤلاء المفسدون في الأرض هل يستوون مع المتقين؟ هل تَقرُب درجتهم من المتقين؟ هل ينالون شيئا من شرف المتقين؟
- (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص:28]؟ الذين همهم الفجور واقتحام الشهوات المحرمة..منكوحات أو مشروبات أو مطعومات، إلى غير ذلك مما حرم الله -جل جلاله-! وهل حرم الله إلا الخبائث؟ هل حرم الله إلا الباطل!
- لا يستوي الذين آمنوا وعملوا الصالحات مع المفسدين!
والمعنى أن المؤمنين الذين قاموا بحق الإيمان والعمل الصالح هم المصلحون في الأرض، إن كان شيء من صلاح على ظهر الأرض فمن طريق هؤلاء، وعلى أيدي هؤلاء! وبسبب هؤلاء!، وبقيتهم ممن خالف هذا المنهج مفسدون في الأرض.
أيُطلب الصلاح من المفسدين؟ أيُطلب استقامة الأمور من المفسدين؟! أم يستوي المفسدون مع هؤلاء؟
إن استووا في نظرك فقد خرجت عن قرآن ربك! قد خرجت عن ميزان إلهك -جل جلاله-! (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص:28]؟ . قال الله: قد وضَحَت لكم الحُجَّة، وقامت بينكم المَحَجَّة (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [ص:29]، ويقول -جل جلاله وتعالى في علاه-: (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُونَ..) لا يستوون! (..أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة:18-19].
اللهم اجعلنا منهم، واجعل أهل الجمع منهم، واجعل من يسمع ويتصل منهم، وأهليهم وأولادهم اجعلنا منهم، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين.
الغايات الكبرى في الفوارق بين الخلائق
- (فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ) [السجدة:18-20].
- وهذه الغايات الكبرى في الفوارق: خلود في الجنة وخلود في النار.
- هذا الفرق الكبير بين الشقي والسعيد، بين الشريف والوضيع، بين الصالح والطالح، بين المصلح والمفسد، بين المؤمن والفاسق؛ خلود وأبد! في جنة أو نار!
- هذا الفرق، هذه غاية الفرق! هذه غاية الفاصل بين القومين بين الفريقين!
- يقول -سبحانه وتعالى-: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) [الشورى:7]،
(لا يتكلمون إلا من أذن الرحمن)
ويقول -جل جلاله- عن اليوم المقبل على الكل ولا ريب فيه ولا شك فيه، يوم القيامة، يوم الطامة، يوم الحسرة والندامة، يوم الصاخة، يوم الوقوف بين يدي الرحمن -جل جلاله وتعالى في علاه-، يقول -سبحانه وتعالى-: (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) [هود:104-105].
أيام المهلة في الدنيا ذا يغالط وذا يكذب وذا يخادع وذا ينشر منشورات وذا يلبِّس تلبيسات، لكن في ذلك اليوم (لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ)، (لَا تَكَلَّمُ) ما هو كل من يريد ان يقول يقول!
يقول -سبحانه وتعالى- في الآية الأخرى حين حشر هؤلاء الناس أجمعين: (لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا..)، (وَقَالَ صَوَابًا)، وما يأذن الرحمن لأحد قبل نبيكم، وهو الذي يقول: "أنا لها"، وهو الذي يقول الصواب، ويطلب الشفاعة ويقال له: "اشفع تُشفَّع" ﷺ، (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ..) حتى هؤلاء المقربون ما يتكلمون فكيف بغيرهم؟ (..إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا * ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا) [النبأ:38-39].
كيف تدخل نور لا إله إلا الله في حياتك؟
- يخرج من هذه الغفلات والترهات والتلبيسات والبطالات والتمويهات التي موَّه بها عدو الله على الناس وتساعده النفوس الأمارة؛ ليخونوا الأمانة! ليخالفوا الديانة! ليخرجوا عن تحقيق الوفاء بعهد الله تبارك وتعالى!
- وترجمة شهادة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.. في مسارهم، في أفكارهم، في نياتهم، في أقوالهم، في أفعالهم!
- يجب أن يدخل معك نور "لا إله إلا الله" في كل نية تنويها،
- يجب أن يدخل معك نور "لا إله إلا الله محمد رسول الله" في كل لباس تلبسه،
- يجب أن يدخل معك نور "لا إله إلا الله محمد رسول الله" في كل لقمة ترفعها إلى فمك،
- يجب أن يدخل معك نور "لا إله إلا الله محمد رسول الله" في كل خطوة تخطوها قدمك ورجلك،
- يجب أن يدخل معك نور "لا إله إلا الله محمد رسول الله" في كل كلمة تخاطب بها صغيرا أو كبيرا وذكرا أو أنثى، تتكلم بها في البيت أو في السوق أو في الشارع أو في المسجد أو حيثما كنت.
- وربك يقول لك: لتمتزج بنور "لا إله إلا الله" في كلماتك كلها:
- (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق:17-18]،
- (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف:80].
- وربك يقول لك: لتمتزج بنور "لا إله إلا الله" في كلماتك كلها:
- بل رفعك إلى أعلى الشهود في دخول نور "لا إله إلا الله محمد رسول الله" في كل نجوى تناجي بها واحدا أو اثنين أو أكثر أو أقل،
- يقول تعالى: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا..)،
- معناه: ما تنطق بكلمة مع اثنين ولا ثلاثة ولا أربع ولا أقل ولا أكثر إلا وأنت مُراقب لي أنا معك، أنا رقيب على قلبك وأسمع ما يقول لسانك (إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا).
- قال وإن خبِّيت عنك الجزاء فهو مستقبَلٌ ولا محيص لك عنه، يقول -سبحانه وتعالى-: (..ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [المجادلة:7]، جل جلاله وتعالى في علاه.
- يقول تعالى: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا..)،
آثار عناية الله وملائكته بمجامع الخير
- فيَا من أُكرمتم بالإيمان بعد الإسلام، وتشوَّقتم إلى الإحسان، وأحببتم أهل العرفان؛
- واجتمعتم في هذه الميادين وهذه المجامع التي هي بساط جود المنان -سبحانه وتعالى- على أهل الإسلام والإيمان،
- عقدها سيد الأكوان، دعانا إليها، وإلى الجلوس فيها، وإلى التداعي إليها،
- وأخبرنا أن مِن الملائكة مَن وظيفتهم أن يتداعوا إليها وأن يحضروها كلما عُقِدَت. فتكون القيادة لأتباعه من أمته، هم القيادة على السياحين والسيارين من الملائكة،
- إذا عَقَد هؤلاء الأتباع لمحمد مجلسا جاء هؤلاء السياحون والسيارة، فقاموا مقام الخدمة؛ تشريف من الله لأهل الطاعة له ولرسوله،
- يقومون مقام الخدمة: يحفونهم بأجنحتهم طبقة فوق طبقة. جاء في روايات الحديث: إلى السماء، طبقة فوق طبقة، دائرة فوق دائرة، صف فوق صف إلى السماء، هذا لكل مجلس من مجالس أمة محمد ﷺ عُقد لذكر الله.
- هكذا دلتنا النصوص، وهكذا جاءت الخصائص للخصوص من تخصيص الملك القدوس جل جلاله.
- ما هذا الشرف لهذه الأمة؟ أتباع من أتباعه على الصدق والإخلاص والإيقان يجتمعون على ذكر الله، يقودون عالما كبيرا من الملائكة!
- يقوم هؤلاء الملائكة في خدمتهم؛ تشريف لهم من إلههم -جل جلاله-!
- يحفونهم بأجنحتهم، ويتابعون خدمة ما يقوم بها غيرهم!.
- ويخاطبون لهم الملك! ويخاطبون لهم الرحمن! ويخاطبون لهم الملك القدوس!
- بل هو يفسح ويفتح الباب: كيف وجدتم عبادي؟ من أين جئتم؟. إذا انفض المجلس: من أين جئتم؟ يقولون: يا ربنا جئنا من عند عباد لك، يسبحونك، يحمدونك، يكبرونك، يهللونك. فيقول ربهم: هل رأوني؟ فيقولون: سبحانك ما رأوك. فيقول: كيف لو رأوني؟! فيقولون: لو رأوك لكانوا أشد لك ذكرا وأشد لك تسبيحا وأشد لك تكبيرا. قال: وماذا يسألون؟ يقولون: الجنة. فيقول: وهل رأوا جنتي؟ فيقولون: ما رأوها. فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها يا رب لكانوا أعظم فيها رغبة وأشد عليها حرصا وأشد لها طلبا. فيقول: ومم يستعيذون؟ فيقولون: من نارك. فيقول لهم: وهل رأوا ناري؟ فيقولون: يا ربنا ما رأوها. فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها لكانوا أعظم منها فرارا وأعظم لها مخافة. فيقول: أُشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأعذتهم مما استعاذوا.
- فضلًا من الله -تبارك وتعالى- ومِنَّة.
- جاءت الزيادة في صحيح مسلم: "وأعطيتهم ما سألوا، وأعذتهم مما استعاذوا".
نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار.
استقبال العام بحسن الوفاء بعهد الله
- نسألك ثبات القلوب على ما تحب، نسألك ثبات الأقدام على سنة نبيك، نسألك الصدق معك،
- وأن تنور بنور "لا إله إلا الله محمد رسول الله" قلوبنا وأجسادنا وديارنا وأهالينا وأولادنا وأعمالنا في الحياة؛
- حتى نستقبل عامنا الذي كدنا نودع الشهر الأول منه، العام الجديد الذي أشرق علينا نستقبله ونقوم فيه بحق الوفاء بعهدك، ونظفر بمحبتك وودك.
يا من وفق أهل الخير للخير وأعانهم عليه وقبله منهم، وفقنا للخير وأعنا عليه واقبله منا، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
امتداد نور "لا إله إلا الله محمد رسول الله"
- هذه الكلمة العظيمة، أعظم كلمة نطق بها إنسي أو جني أو ملَك: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"،
- وعِزَّة الذي خلقنا وخلق كل شيء: ما في الكلمات أعذب منها ولا أطيب منها ولا أرفع منها ولا أشرف منها.
- هي الكلمة الطيبة، وهي القول الطيب "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
- و : "لو أن السماوات السبع والأرضين السبع وضعت في كفة ولا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن لا إله إلا الله".
يا رب اجعلنا من خواص أهلها، واجعلنا من المتحققين بحقائقها.
- تطالبكم يا مؤمنين بها، يا مصدقين بها؛ أن يمتد نورها.
- لا تمنعوا امتداد نورها إلى أقوالكم وأفعالكم ونياتكم.
- يمنع امتداد نورها:
- تعلق القلب بالشهوات المحرمة،
- إرادة غير وجه الله -جل جلاله-، الرضا بالفسوق أو بالكفر أو بالعصيان
- يمنع امتداد نور "لا إله إلا الله".
- لا تمنعوا امتداد نور "لا إله إلا الله"!
- إلى أقوالكم كلها،
- وإلى أفعالكم كلها،
- وإلى أنظاركم كلها،
- وإلى حركاتكم كلها،
- وإلى سكناتكم كلها،
- حتى يمتد نور "لا إله إلا الله" لشؤونكم وأحوالكم.
وكان يقول بعض خيار الأمة: أكثر من "لا إله إلا الله" حتى تصير كلك "لا إله إلا الله"، تصير رأسك "لا إله إلا الله"، وعينك "لا إله إلا الله"، وأذنك "لا إله إلا الله"، وسرك وجهرك: "لا إله إلا الله".
أحينا عليها يا حي، وأمتنا عليها يا مميت، وابعثنا عليها يا باعث، واجعلنا من المتحققين بحقائقها بمحض فضلك وإحسانك.
خطاب الشهادة لكل مؤمن
- أيها المؤمنون:
- تُخاطبكم هذه الشهادة التي وصلت إليكم بخطاب من عالم الغيب والشهادة، وبيان ودعوة من سيد السادة، وقائد القادة، حبيب الرحمن محمد بن عبد الله، خير من قالها من الخلق.
- وقد علّمه إياها ربه، وفتح له من علومها ما لم يفهمه ولم يصل إليه غيره، وقال له: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ..)،
- وليمتد نورها لأتباعك، قال: (..وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) [محمد:19]، جل جلاله تعالى في علاه.
- فقوموا بحق هذه الشهادة، وحق هذه الكلمة،
- وترجموا معانيها في: نياتكم، مقاصدكم، وعباداتكم وعاداتكم، وأفعالكم.
- فإنكم عبيده، فلا تستعبدكم الأنفس، ولا تستعبدكم الأهواء، ولا تستعبدكم شياطين الإنس والجن.. بأفكارهم ولا بدعواتهم، ولا بما يُحسِّنون لكم، ولا بما يدعونكم إليه من سيء الأخلاق وقبيح الفعال.
التحرر الأكبر لكل مخلوق
- كونوا عبيدا له وحده،
- هذا هو التحرر الأكبر لكل مخلوق: أن يتخلَّص من العبودية لغير الخالق الذي خلقه -جل جلاله-،
- فيكون عبدا لله في: وجهته، ونيته، وفكره، وقوله، وفعله، وحركاته وسكناته، عبدا للإله الواحد الأحد الفرد الصمد.
- محررا من عبودية النفس، وعبودية الهوى، وعبودية الدنيا، وعبودية زخارفها، والعبودية لشياطين الإنس أو الجن.
- (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) [يس:60-61].
وعبدة الشيطان ما هم وحدهم هؤلاء الذين تظاهروا بعبادة الشيطان -من أخسِّاء عباد الله على ظهر الأرض-، ولكن: طاعة الشيطان فيما حرم الله، الانقياد للشيطان في معصية الله، وفي الخروج عن أمر الله -تبارك وتعالى-؛ عبادة له! تقديم أمره على أمر الخالق! تقديم أمره على أمر صاحب الرسالة والنبوة! هذه عبادة الشيطان -والعياذ بالله -تبارك وتعالى-! فتخلَّص منها (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) [يس:60-61]، عبادة الواحد الأحد الفرد الصمد جل جلاله وتعالى في علاه.
وقال -سبحانه وتعالى-: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ) أي الشيطان إبليس (وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) [الكهف:50]!
- ومن أعظم الظلم: تتولى إبليس وأولياءه دون ربك الذي خلقك -جل جلاله- وتترك أوامره!
- فليطمئن قلبك بـ "لا إله إلا الله" وسرها ونورها،
- والترجمة لها في مقاصدك، والترجمة لها في نياتك، والترجمة لها في فكرك.
- فكرك ما هو لعبة لشرقي ولا لغربي، ولا لعربي ولا لعجمي!
- أنت عبد مكرم خُوطبت من قِبل الله؛ ليقوم فكرك على نور الله، ووعيك على نور الله، وإدراكك على نور الله، وعلمك على نور الله -سبحانه وتعالى- (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور:40]، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
- والترجمة لها في مقاصدك، والترجمة لها في نياتك، والترجمة لها في فكرك.
- فتنور بنور ربك العلي الأعلى جل وعلا.
- واصدق معه في الإقبال عليه والوجهة إليه.
كيف نقيم حق المجالس؟
- وقم بحق هذه المجالس!
- ما ساقك إليها عبث! ولا أقامها لك عبث!
- ولو لم يُرِد فأردت أن تقوم ما قامت، ولكن أقامها -سبحانه وتعالى- لنا ممتدة من حبل واحد، متصل بالحبيب الماجد ﷺ، حبيب الإله الواحد ﷺ وبارك عليه وعلى آله.
- لنعرف فضل الله علينا،
- ولنقوم بحقها؛ في وجهتنا إليه وأدبنا معه.
- وكم من نظرة تحصل في هذه المجامع، وكم من قلب يخشع، وكم من بعيد يقرب، وكم من شقي يسعد ويرجع مع السعداء -فضلا من الله تبارك وتعالى- إنسًا وجنًا في شرق الأرض وفي غربها؛ لأن رعاية الحق تعالى للعبد المؤمن الخالص.
أثر دعوة سيدنا محمد ﷺ على الوجود
أمَا ترون هذا الخير المنتشر في الوجود، وما يُقبل؛ حتى يدخل الدين كل بيتٍ على ظهر الأرض؛ أثر دعوة سيدنا محمد، وبكياته في ظلم الليالي، وصبره، وتحمله الرمي بالحجارة، وربطه الحجر على بطنه من الجوع، وهجرته من بلده وموطن نشأته. وسبعة وعشرين غزوة، وسبعة وأربعين سرية بعثها ﷺ، وشُقَّت شفته، شُجَّ جبينه، وجُرحت وجنتاه وهو يُمسِكُ الدم في أُحد ويقول: "أخشى إن وقعت قطرة على الأرض أن يعمهم الله بعذاب من عنده"! ﷺ، ثم يقولون له: ادع عليهم، فيقول: "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون" ﷺ.
ومن سر هذا البلاغ والهدي منه انتشر هذا النور كله، وانتشر هذا الخير كله! بُعِث للعربي والعجمي، والأسود والأبيض والأحمر والأصفر، والإنس والجن من شرق الأرض وغربها إلى أن تقوم الساعة.
وبدأ بمكة المكرمة، ومرَّت عليه خمس سنوات، الذين أسلموا معه من الإنس ما جاوزوا الأربعين ﷺ، حتى كَمُل الأربعون بسيدنا عمر وسيدنا حمزة بن عبد المطلب في آخر السنة الخامسة من البعثة النبوية، بعد بعثته ﷺ.
- ولكن مكتوب على يد هذا من قِبل مُرسِله: أن ينتشر هذا النور حتى تقوم هذه المجالس بعد القرون، وحتى يؤمن الكثير، وحتى يَسلِمَ الكثير، وحتى ينتهي الأمر إلى ما وعد الله له؛ من أن لا يبقى بيت بشجر ولا حجر ولا مَدَرٍ إلا ودخله هذا الدين، دين محمد ﷺ.
تنوير مناسباتنا وبيوتنا وأفكارنا
بحمد لله كلنا أمسينا على فطرة الإسلام، وعلى كلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمد ﷺ، وعلى ملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين. فحققنا بهذه الحقائق، يا رب، لا يزيد علينا هوى ولا نفس ولا شيطان، فنلعب بهذا الدين ونُخالف أمر الحبيب الأمين! وتقوم لنا في بيوتنا مخالفات، وفي مناسباتنا مخالفات! للشرع المصون! لهدي الأمين المأمون!
- ما الذي يهوي بنا إلى هذه الهاويات؟!
- يجب أن ننور مجالسنا، ننور مناسباتنا، ننور أفكارنا، ننور استحساناتنا للشيء؛ بنور "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، حتى لا نستحسن إلا ما هو حسن عند الله، ولا نكره إلا ما هو مكروه لله؛ حتى نتخلَّص مِن أن يسترقنا الأغيار ويسترقنا غير الإله الواحد القهار -جل جلاله-!.
- وشرفنا بالعبودية له وبالخضوع لجلاله -جل جلاله-ـ،
- وسيدنا أمامنا يقول: "إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد".
- ونِعم العبد محمد ﷺ!
- وهل عرف شرَف العبدية والعبادة لله أحد مثله؟ صلوات ربي وسلامه عليه!
ملأ الله قلوبنا بمحبته، وشرفنا بنصرته، وحشرنا جميعا في زمرته، وحشرنا جميعا في زمرته، وحشرنا جميعا في زمرته.
طلب تنمية محبة الله في القلوب
- فبسراية أنوار "لا إله إلا الله"،
- قوموا بحق تلك السراية فيما: تنوون، وما تقصدون، وما تقولون، وما تفعلون،
- وخذوا خلعة هذه المجالس،
- ومن أعظم ما تُحدِث في بواطنكم: تنمية المحبة للذي خلق وحبيبه الأصدق.
- تنمية المحبة في القلوب؛ تكثيرها. إن أُكرمت منها بنصيب.
- وكل مؤمن معه نصيب منها،
- ولكن النصيب هذا قابل للزيادة، قابل للقوة، قابل للاتساع، قابل للارتقاء.
- ودونك! ما هناك أشرف لك من هذا ولا أعظم لك من هذا: المحبة التي هي نتيجة المعرفة.
- وكلما عرفت الإله وحبيبه زادت محبتك للإله وزادت محبتك لحبيبه ومصطفاه ﷺ.
زاد الله هذه القلوب محبة.
التوجه إلى الله وطلب أعظم المطالب
يا رب: اقذف في كل قلب من قلوب الحاضرين في دار المصطفى، والحاضرين معنا في معهد الرحمة، والمتابعين لهذه المشاهد في شرق الأرض وغربها، والموالين لهم: املأ قلب كل فرد منهم بمحبتك ومحبة رسولك، محبتك ومحبة رسولك، محبتك ومحبة رسولك؛ حتى نُمسي ونُصبح ونحيا ونموت وأنت ورسولك أحب إلينا مما سواكما.
يا ربنا يا الله، يا ربنا يا الله، يا ربنا يا الله، يا ربنا يا الله: طلب عبيد وقفوا بباب سيدهم، يوقنون ألا ملجأ لهم سواه! يوقنون أنه وحده المعطي ووحده المانع! فيا كريم يا رحمن يا رحيم: اُمنن على هذه القلوب بأنوار المحبة، وأشرق فيها أنوار المحبة، حتى نحيا ونموت وأنت ورسولك أحب أحب أحب إلى قلب كل منا من جميع ما سواكما.
يا الله، يا من يجيب من دعاه، يا من لا يخيب من رجاه، يا غوثاه، يا رباه، يا غاية رغبتاه! يا الله..يا الله!
وخلَّص الأمة من: مهاوي الضلال، والرجس، والفسق، واتباع الفسوق، والرضا بالكفر، واجعلنا لاحقين بقوم أثنيتَ عليهم من الرعيل الأول وقلت: (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) [الحجرات:7]، ألحقنا بالراشدين، واجعلنا من الراشدين يا أكرم الأكرمين.
واجعل سِرَّ هذه المحبة ينبعث في قلوب أهالينا كلهم، وأولادنا كلهم، وأصحابنا كلهم، ونسلَم من شر التلبيس والتدليس ومكر إبليس وجند إبليس، ونكون في حصنك الحصين الأنيس.
يا رب: مع حبيبك المصطفى نحيا ونموت ونُحشر يا أكرم الأكرمين، وعجِّل لنا في الدنيا بصفاء مودته وموالاته ومحبته واتباع سُنته، ورؤية طلعته في اليقظة والمنام، وأكرمنا عند الممات بحضور روحه الطاهرة، وفي البرازخ، وأكرمنا بمرافقته في مواقف القيامة، وأكرمنا بمرافقته في دار الكرامة وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين، واجعل كل ذلك من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب ولا توبيخ ولا عقاب.
يا صاحب القلب الذي يشهد "لا إله إلا الله"! : أحضر قلبك في وقت طلب الرب -جل جلاله-، ولا يُطلب لك خير من هذا المطلب، ولا أشرف، ولا أعوَد عليك بالنفع والسعادة في الدنيا والآخرة!. فاحضُر مع ربك، وتوجه إلى ربك!
يا مقلب القلوب والأبصار: اجعل هذه القلوب متوجهة إليك، ومقبلة بكليتها عليك، وانظر إليها، وانظر إليها، وانظر إليها، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين. وعجل بالفرج للأمة أجمعين، يا قوي يا متين.
يا تواب تُب علينا *** يا تواب تُب علينا
وارحمنا وانظر إلينا *** وارحمنا وانظر إلينا
_________
يا سريع الغوث غوثا منك يُدركنا سريعا ** يهزم العُسر ويأتي بالذي نرجو جميعا
08 صفَر 1448