(4)
(394)
(4)
(615)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ التي ألقاها عبر اتصال مرئي ضمن سلسلة إرشادات السلوك بدار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية، ليلة الجمعة 28 صفر 1447هـ بعنوان:
حقائق الصلة بالله وصبغة الإيمان به وسريان أسرارها في الفكر والمسالك
الحمد لله.. الإله الحق، الخالق، الموجد، الفاطر، البارئ، السميع، البصير، العليم، الخبير، العليِ، القدير، الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه جميع الأمر يصير. نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. ونشهد أنه أرسل إلينا البشير النذير والسراج المنير، عبده المصطفى محمداً خاتماً للنبيين وسيداً للمرسلين ورحمةً للعالمين، وجعلنا به خير أمة، وأتم به علينا النعمة، ودفع به عنَّا النقمة. فصلِّ اللهم وسلم وبارك على حبيبك المختار، نبي الرحمة سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأهل حضرة اقترابه من أحبابه، وآبائه وإخوانه من أنبيائك ورسله وإخوانهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
واجعلنا نُمسي ونُصبح ونحيا ونموت على محبتك ومحبته، وعلى الوفاء بعهدك الذي عاهدتنا عليه، وعلى كسب قوة الصلة بك التي هي أعلى ما يَكْسَب عبدٌ لك في الأرض أو في السماء؛ بالقرب منك، والنيل لحبك، ورضاك، والمعرفة بك. اللهم وفِّر حظَّنا من هذه المواهب يا خير واهب، واسكب علينا سحائب جودها السواكب، وانظمنا في سلك أولئك الأطايب، يا خير مجيب، يا أكرم مستجيب، يا أرحم الراحمين.
وأهل هذا التحقق بحقائق هذا التوحيد والصلة بالملك المجيد -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-، يقيمون أمورهم على المتابعة لحبيبه محمد ﷺ (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [آل عمران:31].
شؤون هذه المتابعة في الإسلام والإيمان والإحسان، وإدراك النصيب من المعرفة فيما يُخَامِر عقل الإنسان وفكره؛ فيما يُنَازِل قلبه وضميره؛ لأن ذلك على حسب اهتماماته وتوجُّهاته ومراداته. ومن كان يريد الله، ومن كان صادق التوجه إلى الله، فلا يَنْبَعِث في قلبه إلا شؤون محبوباته ومحبوبيه -جل جلاله-، وما أحب وما رَضِي وما يُقَرِّب إلى رضاه -جلَّ جلاله-. فبالطبع وبالحَتْمِ واليقين يوالي من والى الله، وينازل تفكيره تعظيم الشعائر، وامتثال الأوامر، واجتناب الزواجر، في شؤونه وأحواله. على هذا تقوم حركته في الحياة، وتقوم مناسباته، وتقوم الانبعاثات التي تنبعث في قلبه وفؤاده وضميره.
"حتى أحبه"، وما أعظمه من كلام من الله الحق، بلغه إلينا سيد الخلق، أصدق أهل الصدق في الخلائق صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) [النجم:3-4]. بلَّغنا هذا عن الإله الحق -جل جلاله وتعالى في علاه-.
ولا حقيقة لإيمان ما يصبغ صاحبه بصبغة الأدب مع الله، بصبغة الصدق مع الله، بصبغة إرادة وجه الله -تبارك وتعالى-؛ أي إيمان هذا؟ وما رتبة هذا الإيمان؟
إن كنت تؤمن بهذا الإله الحق.. تؤثر غيره عليه؟ تُقَدِّم شهواتك؟ تُقَدِّم مرادات نفسك؟ تُقَدِّم ما يطرحه عليك أهل الكفر وأهل الفسوق في الأرض، وينسونك بما طرحوه عليك وأخذوا بذلك وجهتك وعقلك وينسونك عظمة هذا الإله، وينسونك أدبك معه.. فيما تأكل، وفيما تشرب، وفيما تلبس، وفيما تعطي، وفيما تمنع، وفيما تأخذ، وفيما تدع، وفيما تتكلم، وفيما تنظر، وفيما تتحرك، وفيما تسكن!
ولذلك إذا جاءت هذه الغفلات بهذه القطيعة عن أنوار الصدق مع عالم الظواهر والخفيات؛ وجدَت النفس مع إبليس ومن في دائرتهم سبيلاً إلى الإيقاع في الذنوب والمعاصي، وترك الواجبات وفعل المحرمات، وألا يكون الانبساطات ولا الفرح إلا بالفانيات والترهات، أو بشيء من تلك الشهوات الحقيرات التي اختبر الله بها العباد اختباراً. ومن رَضِيَها واسترسل معها، وترك شرف الصلة بهذا الإله -جل جلاله-، فحاله حال الذين انقطعوا عن أنبياء الله وأوليائه في الدنيا والآخرة!
ذكر الله لنا صفوة من أنبيائه في كتابه العزيز في سورة مريم، وأمرنا بذكرهم: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ)، (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ)، (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ)، إلى أن قال: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا) [مريم:59].
وهو بهذا يؤسس لنا أساس: أنَّ المؤمن بي يتعلق بأوليائي وأصفيائي وأنبيائي وأحبابي وأهل الحضرة وأهل القرب مني وأهل حضرتي، ولهذا يقول: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ) [مريم:16]، (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ)[مريم:51]، (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ) مريم:41]، (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ) [مريم:54]، (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ) [مريم:56]. يقول في هذه السورة -سبحانه وتعالى- بعد أن ابتدأ بنشر ذكره لزكريا عليه السلام، يقول: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) [مريم:2-3]. ثم ذكر يحيى، وذكر هؤلاء، ثم بعد أن ذكرهم وذكر سِرَّ صلتهم بهذا الإله، لمَّا عرفوه وهم أعرف الخلائق به.. أنهم أهل السجود وأهل البكاء، مصبوغين بالصبغة. ما الذي يحملهم على البكاء؟ ماذا يبكون؟ يبكون من المعرفة والمحبة والشوق والإجلال والإكبار والتعظيم والخشية -عليهم صلوات الله وتسليماته-.
أتسمع نداء ربك؟ هذا الذي يقوله: اترك من أجلي وسوسات إبليس وما يُنازل نفسك، وصدقني وأنا إلهك فيما أقول، واعمل بذلك، ولا تتخلَّف فيمن تخلَّف ممن أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، ويدخلون النار الموقدة التي تطلع على الأفئدة. هذا المصير الكبير والحق أنذرهم رحمة منه، -وعلى لسان رسله صلوات الله وسلامه عليهم-
ونبينا صاحب الذكرى الذي تنتظرون شهر ذكرى وفادته إلى هذه الأرض، وبروز نوره عليكم، ووجود العهد الجديد في خير أمة، من بعد انقطاع شأن الأمم السابقة، وجاءت ليلة المولد الكريم..
يوم نالت بوضعه ابنة وهب *** من فخار ما لم تنله النساء
وأتت قومها بأفضل مما *** حمَلَت قبل مريم العذراء
ليلة المولد الذي كان للدين *** سرور بيومه وازدهار
يوم نُكِّسَت الأصنام، ويوم خَمِدَت نار فارس، وقت ولادة محمد زين الوجود ﷺ. ما كمثلها ولادة! ما كمثلها ولادة لا قبل ولا بعد! من ذا الذي يريد أن يساويها بغيرها؟ إلا منزوع نور الإيمان من القلب! إلا منزوع حقيقة "لا إله إلا الله" من الفؤاد! هذا العبد المميز، هذا العبد الأعز، هذا العبد الأكرم، هذا العبد الأفضل، هذا العبد الأكمل، لا محبَّة لله إن لم تحبه: (إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران:31]، ولا طاعة لله ما لم تُطعِه. الله قال ذلك، فأنزله في المنزلة التي أنزله الله -سبحانه وتعالى- فيها، عبد الله ورسوله المجتبى المختار، المُقَدَّم على كل رسول وعلى كل عبدٍ وعلى كل مجتبى وعلى كل مصطفى، في الدنيا والآخرة -صلوات ربي وسلامه عليه-، فيجب أن تكون تبعيتنا له.
الله يحفظ علينا حقيقة الصِّلَةِ به والإقبال عليه، وصبغة الإيمان واليقين، التي يجتمع أربابها في المستقبل الطويل، وفي دار الخلد في دار الكرامة، في الدرجات التي أعدَّها الله لهم في الجنات. ولهم الاجتماعات في ساحات النظر إلى وجهه الكريم، بعد أن يسبق ذلك لقاء في ظل العرش، ولقاء أعجب وأطيب تحت لواء الحمد، ولقاء أهنأ وأصفى على الحوض المورود، ولقاءات في المواقف الجامعة؛ على قدر الصِّلَات، على قدر الوجهات، على قدر الروابط، على قدر الصبغة التي صُبِغتَ بها، على قدر مراداتك.. ما تهوى؟ ما تتمنى؟
والحال في أهل هذه الصِّبغة هو الذي عبَّر عنه سيدنا سعد بن معاذ -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- يوم التوجُّه إلى بدر: آمَنَّا بك وصدَّقناك، وشهدنا أنَّ ما جئت به هو الحق، فإنما أمرنا تبع لأمرك، فامضِ حيث شئت، والله لو سرت بنا حتى تبلغ برك الغماد من الحبشة لسرنا معك ما تخلف منا واحد، ولو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وقد تخلَّف عنك أقوام ما نحن بأشد حباً لك منهم، ولو علموا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك. ولعلك خرجت تريد أمراً فأراد الله غيره، فامض لما أمرك الله، فنحن معك، ولعل الله يريك مِنَّا ما تَقَرُّ به عينك يا رسول الله، ما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنَّا لصُبرٌ في الحرب، صُدْقٌ عند اللقاء. فاستنار وجهه كأنه قطعة قمر، وقال: "سيروا وأبشروا ما يسرُّكم، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم".
احمدوا الذي جمعكم في هذه المجامع، مجامع مذكورة في العالم الأعلى، وخيرُها للقلوب يملؤها لكل من استقبل، ولكل من أقبل، ولكل من توجه. وهي دعوته ﷺ، وهي هِمَّتُه، وهي نيَّته، وهي جهاده، وهي بكاؤه في الليالي -صلوات ربي وسلامه عليه-، أبقى الله لنا بكل ذلك هذه السلسلة المتصلة، وهذه الخيرات المتواصلة المتتالية. اللهم لك الحمد شكراً، ولك المن فضلاً.
فيظفَر مَن لبَّى مِنَّا وأجاب وصدَق، بـالحشر معه، والمرافقة له، والدخول في الصفوف الأولى يوم القيامة "في كل قرن من أمتي سابقون"، أي أن هذا العطاء الرباني غير منقطع وغير ممنون، ويَسبِق في كل قرن مَن يَسبِق فيدخل في درجات السابقين. وعسى أنت وأهلك وأولادك منهم، لا يُخلِّفنا الله ولا يقطعنا بشيء من هذه التُّرَّهات ولا بشيء من هذه البطالات؛ حتى يجمعنا جميعاً في دائرة هذا المصطفى محمد.
كان يقول لأنصاره الأوائل: "اصبروا…" إذا لقيتم أثرة في أمور الدنيا وما حامت حولكم، إماراتها وجهاتها لا تبالوا "...، فإني منتظركم على الحوض".
قال: "إني منتظركم على الحوض"، يعني مقتضى إيمانكم بي وجدتم به وظفرتم بكنوز كبرى فلا تبالوا بما فاتكم من الدنيا، خلََوا الإمارات مع غيركم لكن أنا منتظركم على الحوض، واللقاء هناك "إني منتظركم على الحوض".
و والله كما أنه منتظر أولئك بقوله الصادق، فمن صدَق مِنَّا وأقبل بوجهته وكليته، هو ينتظره أيضا كما ينتظر الأوائل في القرن الأول، ينتظر مَن يصل إلى حوضه مِن قرننا هذا ومِن زماننا هذا.
فعسى تكون وأهلك وأولادك من أوائل الواردين على هذا الحوض المورود، الذي نرجو أن يكون فائزا بالسبق إليه هؤلاء الذين فقدناهم في أيامنا هذه وفي ليالينا -عليهم رحمة الله- ومن قبلهم ممن عرفناهم، ومن قبلهم ممن استقام على المنهاج، فيجمع الله الجميع في دائرة هذا الحبيب الشفيع.
وانتقل من بينكم الحبيب محمد بن محسن بن علي البكري الحامد بن الشيخ أبي بكر بن سالم، -عليه رحمة الله وأعلى درجاته-، والسيد أحمد بن حسين بن عبد الله الهدار بن شيخ بن أحمد بن الشيخ أبي بكر بن سالم -عليه رحمة الله-، وأحد العلماء كذلك في إندونيسيا محمد طيفور -عليهم رحمة الله-، وفي الأخير سمعنا عن انتقال جوهرة من الجواهر عندكم حُشيَت بالنور والسِّر أبو الحسن باشعيوث -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-، امتلأ بسر "لا إله إلا الله" من خلال التربية، ومن خلال الاتصال بخواص المتحققين بحقائقها، وبنى أموره من الصغر في سعف قوم..
هُمُ أقوام غذوا في المحبّة مِن صِغَرهُم *** وعاشوا في مخافات وغابوا في فِكَرهم
ومضى عمره في اتباع وانتهاج نهج السلف؛ لأجل مقتداهم الأشرف؛ قصدًا لوجه الله -سبحانه وتعالى- العالم بكل شيء، على بصيرة ونور وسند قويم.
الله يُعلي درجاتهم، الله يجمعنا بهم في أعلى الجنة، الله يُخلفهم بخير خلف في أولادهم وفي ذرياتهم، وفي أهل بلادهم وفي المسلمين، ويهيئنا للاجتماع في الدرجات العلا.
ما نود نفارقهم ولا هم يودون، ولكن هذا أمر الله الذي عرفنا، سر تدبيره وتسييره ومعناه، وأمام عيوننا الوعد الذي وعد؛ أن يجمع أحبابه في المراتب العلا. وما ينقطع سر اتصالهم لا بوفاة ولا بمرض ولا بسفر ولا بشيء من هذه العوارض. فإن ما كان لله الدائم فهو به دائم، وما كان لله الباقي فهو به باقٍ.
المصائب مصائب من يتواصلون ويتعبون لأجل القاصرات الفانيات المنقطعات، فهؤلاء نهايتهم: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67]. لكن شرف الصلات القائمة على قصد وجه الله هي الباقية، وهي الدائمة، وهي التي شأنها يعلو ويَعظُم.
فالله يرحم البلاد والعباد برحمة واسعة هنيئة، ويجعل في قِرى هؤلاء وشفاعتهم فرجاً للمسلمين. وأن يجعل ربيع الأول المقبل من أبرك الشهور على الأمة، ويفتح فيه أبواب الفرج والرحمة والإنقاذ لأهل غزة ولأهل الضفة الغربية، وللمسلمين في سوريا، وفي الشام، وفي العراق، وفي السودان، وفي الصومال، وفي ليبيا، وفي بقية أقطار الأرض، في أفريقيا وفي آسيا، وحيثما كانوا في شرق الأرض وغربها، تدارك أمة حبيبك يا رب. وكثِّر فيهم القلوب المجيبة الملبية لندائك ونداء رسولك يا رب، والمُخَلَّصة من شوائب الالتفات إلى دعوات الفاجرين والكافرين والكاذبين يا رب، رجالاً ونساءًا، صغاراً وكباراً؛ حتى ننصبغ وأهل بيوتنا بصبغتك، ومن أحسن منك صبغة! ونحن لك عابدون، متحققون بحقائق العبادة يا خير معبود، يا أكرم مقصود، يا بَرُّ يا ودود.
يا أرحم الراحمين: نظرة من نظراتك تقوى بها صلتنا بك وبخير برياتك؛ حتى لا يتخلف أحد مِنَّا عن ركبه ولا عن حزبه، ولا يُحرَم الشُّرب من شربه، حتى تُسعدنا بمرافقته، وتمن علينا يا مولانا بحسن متابعته، وشريف نصرته بأرواحنا وأموالنا وهممنا ووجهاتنا ونياتنا، واجعل وجهاتنا في جميع الحالات إليك، وارزقنا صدق الإقبال عليك.
يا الله: غياثا لأمة هذا الحبيب، وفرجًا لأمة هذا الحبيب، نصرُا لأمة هذا الحبيب، جمعًا لشمل أمة هذا الحبيب، دفعًا للبلاء عن أمة هذا الحبيب، اجعلنا في خيار أمة هذا الحبيب، وفي أنفع أمة هذا الحبيب لهذه الأمة، وفي أبرك هذه الأمة على هذه الأمة، وانفعنا بالأمة عامة وبخاصتهم خاصة، وبارك لنا في سر الصلة بك وصبغة الإيمان بك، وقصد وجهك الكريم في جميع شؤوننا وأحوالنا وتقلباتنا.
يا الله .. يا الله: اجعلنا ممن رعتهم عين عنايتك في جميع الأطوار، فلم يمنعهم عن الدخول إلى حضرتك قبيح الأوزار، ولم يحجبهم عن مواهب فيضك سيء الإصرار. يا كريم يا غفار: أنت الغني وهذه أيدي الفقراء، أنت القدير وهذه أيدي الضعاف عاجزون، انت القوي وهذه أيدي الضعفاء، يا حيُّ يا قيُّوم: ارحمنا بضعفنا وعجزنا، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [آل عمران:147].
واجزِ بواسع الخيرات حاضري المجلس من الأعيان والشيبان، وبارك في صغارنا وكبارنا، واجعله مجمعا مذكورا في العالم الأعلى بخير ما تذكر به مجامع الأخيار والصالحين، تنتشر خيراته في العالمين، كما أنت أهله بما أنت أهله، يا مجيب دعوة الداعين، يا من لا يُخيِّب رجاء الراجين، لا تَصرِف مِنَّا أحدا إلا وقد اصطفيت قلبه لقربك، والصدق معك، والوفاء بعهدك، وأن يبقى فيما بقي من عمره في قرب إليك، وفي دنو منك، وفي معرفة بك، وفي قصد لوجهك الكريم.. يا الله؛ حتى تكون خير ساعة لكل واحد منا ساعة يلقاك، يلقاك وأنت راضٍ عنه، يلقاك وهو يحب لقاءك وأنت تحب لقاءه. أكرمنا بذلك، رجالنا ونساءنا، صغارنا وكبارنا، الحاضرين في المجمع في دار المصطفى بتريم، والمشاهدين والسامعين، والمتعلقين والموالين، في المشارق والمغارب، إنسا وجنا، صغارا وكبارا، رجالا ونساءً، أكرم الكل يا كريم بالدخول في دائرة الحبيب العظيم، وثبات على الصراط المستقيم.
أحسن لنا خاتمة ظفر الخير، واجعله منصرفا بذنوبنا وسيئاتنا وكروبنا وآفاتنا، شاهدا لنا لا شاهدا علينا، واجعل ربيع الأول المقبل من أبرك الشهور على أمة بدر البدور، وائذن بفتح أبواب الفرج لهم والغياث وجمع شملهم على ما تحب برحمتك يا أرحم الراحمين وجودك يا أجود الأجودين، والحمد لله رب العالمين.
01 ربيع الأول 1447