حقائق أن ما يجري في الكون من فكر وسلوك متفرع عن ما يستكن في القلوب مترتبا عليه شأن الخير والشر والسعادة والشقاء في الدارين

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 7 ذو القعدة 1447هـ في دار المصطفى، بعنوان:

حقائق أن ما يجري في الكون من فكر وسلوك متفرع عن ما يستكن في القلوب مترتبا عليه شأن الخير والشر والسعادة والشقاء في الدارين.

 

نص المحاضرة مكتوب:

 

الحمد لله، مُشَرِّفنا بخاتم الرسالة الذي دلَّنا على الله خير دلالة. اللهم أدِم صلواتك على السراج المنير والبشير النذير، عبدك المصطفى ذي الخُلق العظيم، الهادي للصراط المستقيم، وعلى آله وصحبه ومن والاه وأحبه وسار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل محبة الله وقُربه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المُقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

استجابة القلوب لله ورسوله ﷺ

وزادنا الله وإيّاكم من فضله ونواله، وجزيل جوده -سبحانه وتعالى- بما هو أهله في كل حالة، وجعل قلوبنا مُلبِّيَة لندائه مستجيبة لدعوته ودعوة خاتم أنبيائه؛ فتَسعْدَ وتظفر بإحيائها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) [الأنفال:24]. 

ويا مُقلِّب القلوب والأبصار ثبِّت قلوبنا على دينك، ويا مُصرِّف القلوب والأبصار صَرِّف قلوبنا على طاعتك، في جميع أحوالنا وتقلُّباتنا، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.

  • وما شؤون جميع حركات الناس وأفكارهم وأعمالهم في الحياة؛ إلا نتيجة لما في القلب،
    • وعليه يكون المدار،
    • وعليه تكون العاقبة والمصير.

 

أساس كل أنواع الغفلات

  • وكل جميع أنواع الغفلات إلى الفساد والكفر والانحرافات؛ أساسها ظلمة في القلب والفؤاد، وحجاب يحجب صاحبه عن إدراك المراد، وعن إدراك مقصود خلقه والإيجاد، وعن عظمة مُكون الأكوان -سبحانه وتعالى- الذي خلقها من العدم وأنعم وأكرم وجاد -جل جلاله-، ومنه المبتدأ وإليه المعاد.
    • وإذا انحرف القلب وانصرف عن معرفة ربه -جل جلاله-، وعن سماع ما أوحى وتكرَّم به من التعليم على ألسُن الأنبياء والمرسلين، صار هذا القلب في موته وفي ظلمته -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
      • فلا تستغرب ما يصدر من أقوال السوء وأفعال السوء وحركات السوء، والانحرافات في السلوك إلى أبعد الغايات -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، حتى لا يقف عند حد فطرة ولا عند حد عقل، ويتجاوز كل ذلك وينحط والعياذ بالله تبارك وتعالى.

 

عاقبة من هدى الله قلبه

  • ولكن مَن نوَّر الله قلبه -اللهم زِد قلوبنا نورًا- ومن هدى الله تعالى قلبه؛ ظَفِر بإدراك عظمة الخلَّاق مَلِك الأملاك، وأنَّ إليه المرجع والمصير لكل كبير وصغير، وأن الحكم حكمه وهو العلي الكبير جل جلاله وتعالى في علاه.
    • والحكم في المكلفين إما خلود في الجنة وإما خلود في النار.

اللهم اجعلنا من أهل جنتك، اللهم اجعلنا من أهل جنتك، أدخِلنا الجنة بغير حساب، ولا سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا عقاب، يا ربَّ الأرباب، يا كريم يا تواب يا الله.

 

إدراك الحقيقة وسر الاستقامة

  • والعُدَّة لذلك: أن تُرزَق من هذا الإدراك والمعرفة:
    • ما تستقيم به فيما تقول، وما تستقيم به فيما تفعل،
    • ما تستقيم به فيما تنوي، ما تستقيم به فيما ترغب، ما تستقيم به فيما تُحِب،
    • ما تستقيم به فيما ترفض، ما تستقيم به فيما تبغض،
    • ما تستقيم به فيما تتحرك وتَسكُن.
      • وهذه الغاية التي ينتهي إليها مَن أكرمهم الحق جل جلاله.
      • وقالوا: الاستقامة أعظم كرامة.
      • الاستقامة أعظم كرامة؛ يُكرِمُ الله بها أحدًا من أهل الأرض ومن أهل السماء.
      • ما فاز أهل السماء إلا بسِرِّ استقامتهم؛ بما آتى الله قلوبهم من:
        • معرفة به، وخضوع لجلاله، وعصمهم عن معصيته،
        • ووصفهم كما قال لنا في كتابه: (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء:26-28]. صلوات الله على نبينا وعليهم أجمعين، وعلى جميع الملائكة المقربين والعباد الصالحين.
  • هذا وصفهم وهذه هي مزيتهم وكرامتهم عند الله تبارك وتعالى.

 

لمن الكرامة في الدنيا والآخرة ؟!

  • فأيقِن يا مَن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله:
    • ألا كرامة على وجه الحقيقة لكافر يموت على الكفر، ولا لفاسق يموت على الفسق -والعياذ بالله-،
    • وإن قال ما قال، وإن زمجر ما زمجر، وإن مَلَك ما مَلَك!
    • والله ما عندهم كرامة، ولا لهم إلا المهانة في الدنيا ويوم القيامة -والعياذ بالله تبارك وتعالى- (وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ) [الحج:18].
    • وقد كتب الهوان على كل من:
      • أصر على الكفر وقد جاءته دعوة الله وبلغته الرسالة عن الله في الدعوة إلى الإيمان،
      • وكل من آثر العصيان وآثر الانحراف في النيات والأقوال والأفعال والنظرات،
      • الانحراف بالأعضاء الذي هو فرع الانحراف بهذا القلب عن سواء السبيل،
        • عما يحبه الملك الجليل -جل جلاله-، عما دلنا عليه وهدانا إليه وعلمنا إياه خير معلم وخير دليل، صفوة الله ومؤتمنه على تبليغ الرسالة التي هي زين الرسالات وخاتم الرسالات وأشمل الرسالات وأعظم الرسالات. رسالة عمت المكلفين من الإنس والجن إلى يوم القيامة بالتكليف، وعمت بقية أجناس الوجود بالتشريف.
  • فالكل يعلم أن محمدًا رسول الله ﷺ، من الجمادات والنباتات والحيوانات والملأ الأعلى، فهو رسول من الله -تبارك وتعالى-، يعتقد رسالته جميع الوجود، ولكن أُرسِل بالتكليف إلى المكلفين من الإنس والجن، مِن كل مَن بلغتهم رسالته عليه الصلاة والسلام ووصلت إليهم دعوته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فويل لمن لم يستجب له (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور:63]، والعياذ بالله جل جلاله وتعالى في علاه.

 

نتيجة مخالفة النبي محمد ﷺ

  • وبذلك أنواع الفتن في الدنيا وأنواع العذاب في الدنيا والآخرة؛ كله ناتجٌ عن مخالفة هذا النبي؛ فيما يُرسَم، فيما يُقَنَّن، فيما يُنَظَّم، فيما يُسَارُ عليه من الأقوال والأفعال والأفكار والمعاملات.
  • ما من سبب للفتن ولا للعذاب إلا مخالفة مَن أُنزِل عليه الكتاب، إلا الخروج عن منهج رب الأرباب الذي أَرسَل به سيد الأحباب صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
    • أمر يقيني قطعي،
    • فالخارجون عن أمر هذا المصطفى مِن كل مَن بلغتهم رسالته: هم المهانون، وهم الأذِلة في الدنيا وفي الآخرة، وهم أهل الندامة الكبرى، يكونون مَن كانوا، أفرادًا أو جماعات.
      • حُكمُ مُكَوِّنُ الأرضين والسماوات وما بينهما والمحيط علمًا بكل شيء،
      • حُكمُ مَن بيده الأمر وإليه المرجع،
      • حُكم العلي الكبير -جل جلاله- وتعالى في علاه.
  • والعِزَّةُ كلها له، ولا عزيز إلا مَن أعز،
    • وإنما أعز أنبياءه وملائكته والمؤمنين من عباده،
    • وأعزهم محمد ﷺ ، صاحب العزة الكبرى (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون:8].

 

ما هو الخير والشر في العالم كله؟

  • ولأجل هذا؛ كل ما يجري على ظهر الأرض من أقوال وأفعال ونيات وحركات، وما يُنَظَّم وما يُرسَم:
    • ما وافق منهج الخالق وتنزيل الإله وبلاغ المصطفى محمد وبيانه ودعوته: فهو الخير في العالم كله.
    • وعزة ربي العزيز، أن كل ما خالف هذا المِنهَاج وسيرة هذا السراج؛ من أنظمة ومن قوانين ومن رسومات ومن أقوال ومن أفعال ومن معاملات، للأفراد أو للهيئات والجماعات، أو للشعوب أو للدول، كل ما خالف ذلك: هو الشر والبلاء والفساد والفتنة، هو الضر، هو بلية العالم، هو المصائب على الأمة.
      • ما من مصيبة من غير هذا السبب قطعًا.. قطعًا.
      • كل الشر والبلاء: مخالفة خير الملأ، الخروج عن منهج الإله الأعلى.
      • تصرُّفات، وأنظمة، وقوانين، وهيئات، وحكومات، وشعوب: وراء الأهواء والشهوات وإبليس، في مخالفات لأمر الملك القدوس -جل جلاله-،
      • هم بلاء العالم، هم مصيبة العالم، هم الشر على الخلق، هم المهيئون لما لا يطاق من العذاب والعياذ بالله تبارك وتعالى.
  • وما من خير إلا فيما وافق منهج الرب -جل جلاله-،
    • ما يجري من العلم النافع والعمل به على الوجه الصحيح، الخَلِي عن الأهواء، الخلي عن الشهوات، الخلي عن سلطة النفوس الأمارة، وسلطة الخيالات الإبليسية، وعن سلطة الهوى المُردي، وعن سلطة زخرف الحياة الدنيا؛ ليكون خالصًا بتأثير تنوير وحي من عند الرب، وبلاغ من الحبيب المُقرّب ﷺ، فيه الهداية وفيه النور.

 

معرفة قدر الإيمان بالله!

  • وكلما صَحَّ الإيمان وعَمِل الإنسان بمقتضاه: زادت الهداية وزاد النور (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) [التغابن:11].
    • (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ)، وإذا هدى قلبك ربك، فنِعْمَ القلب قلبك، ونِعْمَ الهادي الذي هداه، ونِعْمَ الهدى الذي تلقَّاه، لكن على قدر إيمانك به.
  • أتَعرِف قدر إيمانك به؟
    • قدر إيمانك به: تخلُّصك من سلطة شهواتك وأهواءك،
    • وكلام أهل الشرق والغرب،
    • وأن تكون عبداً لهذا الإله،
    • مؤمنًا بأنه الله الخالق البارئ المصور، المُقَدِّمُ والمؤخِّرُ، المُعطِي المانع، الرافع الخافض، الذي بيده ملكوت كل شيء، ولا يَغِيبُ عن علمه شيء، وإليه مرجع كل شيء. وأنه صاحب الحكم بين الخلائق والكل والمكلفين خاصة في يوم القيامة، وحُكمه أخطر ما يكون، وبعدَه جميع النعيم للمنعمين وجميع العذاب للمعذبين أبد الآبدين ودَهرُ الداهرين، بلا انقضاء ولا انقطاع (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) [فاطر:5].

 

جدد عهدك مع إلهك العظيم

  • اطلبوا ما يُرضي ربكم: من نياتكم ومقاصدكم، ومن معاملاتكم مع الصغير والكبير والذكر والأنثى، من معاملاتكم مع الأفراد والجماعات والهيئات.
  • اطلبوا قضاء الوقت فيما يُبعِدُ المَقْت، فيما يُرضي الإله، فيما يتصل بسنة محمد بن عبد الله ﷺ، في بيوتكم وفي مساجدكم وفي وديانكم وفي قُراكم وفي مدنكم.
  • اطلبوا ما يُرضي الإله -جل جلاله-، اطلبوا مجالس النور والخير والعلم،
    • واحضُر إلى مثل هذا المجلس بـ:
      • بعبودية للإله،
      • بتبعية لابن عبد الله،
      • بنقاء عن الأهواء،
      • بإرادة أن تتنوَّر، أن تتطهَّر، أن تتزكَّى، أن تتقرَّب، أن تُرفَع، أن تُرتتضى، أن يُحال بينك وبين موجبات الحسرة والندامة.
      • وأصغِ بكُلَّك، واسمع بكليتك.. أذنك وقلبك وروحك، بكليتك اسمع ما يقال وما تُدعى إليه.
      • جَدِّد عقدك مع هذا الإله، وعهدك مع هذا الإله.
  • وعَاهَدَك من قديم،
    • هذه الروح الموجودة الساكنة الآن في بدنك عُوهِدَت، وخُوطِبَت،
    • بارئ الأرض والسماء قال لها: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)؟!
    • نسيت؟
      • استَبعِث فطرتك ومعاني ما يُلقى إليك، تَجِد شعورًا وإحساسًا أنه قد سَبَقَ العهد وقد سبق الوعد!
      • (شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الأعراف:172-174].

أحسنتَ التفصيل يا رب، فارزقنا الوعي والفهم بدلالة خير دليل (وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). لا تجعل في مجمعنا ومن يسمعنا إلا حَسَن الرجعة إليك، مُحسِن الرجعة إليك، راجعًا إليك بكليته، واغفر لنا ما مضى واحفظنا فيما بقي.

 

سر الهداية لأهل سوابق السعادة

  •  (وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، وقل لهم إنه سر هدايتنا لمن سبَقت لهم سوابق السعادة:
    • يعشقون قربنا ومحبتنا،
    • ويرفضون من أجلنا أهواءهم وشهواتهم،
    • ويتحرَّرون من الرِّقِّ لأهل الشرق والغرب؛ في عبودية لرب المشارق والمغارب.
    • وإن كان تبعية، وإن كان قدوة، وإن كان تعلمًا، وإن كان انتماءً؟ :
      • فإلى سيد أهل المشارق والمغارب،
      • وورثته وتركته وخلفائه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فلهم العِزُّ بذلك، ولهم الشرف بذلك. هؤلاء الذين شرَّفهم ربكم، وفيهم من الجن والإنس أعداد على ظهر الأرض تحققوا بذلك، وبهم حفظ البلاد والعباد، والله يُكثِّرهم، والله ينشر خيرهم في الأمة.

  • والله يجعل فينا المتحققين بهذه الحقائق؛
    • وعبودية للإله الخالق،
    • وتحرُّراً عن الرق لأي شيء من الخلائق، من نفسك إلى جميع ذرات الوجود، مُحَرَّر منها: في عبودية للموجد الحق.
      • عزتك في ذلك وشرفك في ذلك،
      • بها تعرف قصد مجالس الخير والحضور فيها.

 

عظمة الوفود على بيت الله

  • وتعرف إن كان هناك من شرف في الوافدين إلى بيت الله والوافدين إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في موسم الحج، وفيما قبله أو فيما بعده؛ فإنما هو متعلق بقدر ما حلَّ في قلوبهم أو هُيئوا لأن يحل في قلوبهم؛ من خلال تلك الموارد من حيث أنها محل رضوانه.
    • ومن كان منهم أخلَص، ومن كان منهم أصفَى، ومن كان منهم أكثر عبودية: فهو الظافر بأسرار هذه المواسم، والحج والعمرة والزيارة، ودخول الحرم المكي ودخول الحرم النبوي، والوقوف بعرفة، وما يتلو ذلك؛
    • نصيبهم منها على قدر صفاء قلوبهم وإخلاصهم؛
      • لمُشَاهِد سِرِّهم وغيوبهم -جل جلاله- وتعالى في علاه،
      • ورابطتهم بهذا القائد المرتضى من قِبَلِ الله، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

 

خير المجامع التي تُعقد في الأرض!

وبذلك هؤلاء المُخلِصون والصادقون منهم..لا يُساوي مجالسهم ووفادتهم واجتماعهم: مؤتمرات الشرق والغرب ولا ما يُعقد فيها. بل يلحق بها مجالس واجتماعات خَلُصَ القصد فيها لعالم الظواهر والخفيات، ورُوعِيَت من قِبَله بعنايات ورعايات، وكان الإمام فيها على الحِسِّ والمعنى خير البريات، هذه التي تُبَاهى بها الملائكة في السماوات، ويَتَنَادَى إليها الصِّنفُ الذين رُخِّصَ لهم أن يحضروها من السياحين والسيّارين بوصف الأمين في الحديث الصحيح، ويحضرونها.

  • هذه إذا صفَّت وتنقَّت عن كل إرادة لغير الرب، وعن كل تبعية لغير المحمد الأقرب:
    • هي التي تُغبَط في الوجود،
    • وهي تَلْتَحِق بمجالس آل عرفة -الصادقين المخلصين منهم- ومجالس آل الحرم المكي والحرم النبوي وآل بيت المقدس -فرّج الله عنه وعلى أهله ودفع عنه شر الكائدين والمعتدين والظالمين والغاصبين والمفسدين، اللهم آمين-.
    • هذه خير ما يُعقد في الدنيا من مجامع،
      • نتائجها في: اجتماعات طيبة صالحة في البرازخ،
      • ومجامع تحت ظل العرش،
      • ومجامع تحت لواء الحمد،
      • ومجامع على الحوض،
      • تَعقُبُها مجامع في الجنات على حسب الدرجات،
        • وأعلاها وأصفاها: مجمع في ساحة النظر إلى وجه الله الكريم.

 

ما يترتب على المجامع الفاسدة 

  • ومجامع الفسق، ومجامع الشر، ومجامع التآمر على الفساد والإضرار بالخلق، ومجامع الفحشاء، ومجامع المعاصي والذنوب:
    • أفسد المجامع وأظلمها على ظهر الأرض!
    • وتترتب عليها آثار خطيرة في البرازخ.
    • يجتمعون في العذاب بقلوب غير مجتمعة، ويجتمعون في مواقف القيامة متلاعنين، ويجتمعون في النيران الموقدة (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا) [الأعراف:138].
    • لا نصيب لهم في ظل العرش، لا نصيب لهم تحت لواء الحمد، لا نصيب لهم على الحوض المورود!
      • فبئس المجتمعون وبئست المجامع!
      • ويا ما أخبثها! ويا ما أظلمها! ويا ما أقبحها وأفحشها عند كل عاقل مدرك بالحقيقة مؤمن صادق مع رب الخليقة -جل جلاله-!
      • وهم الذين أُمِرنا بالإعراض عنهم والبُعد من مجالسهم: (فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأنعام:68]،
      • (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ..) فإن رضيتم القعود معهم والإصغاء إليهم (..إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ) [النساء:140]، (إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ)، ونهايتكم نهايتهم، ولن يجيركم من الله أحد ونعوذ بالله تبارك وتعالى.

 

لمن نُسَلِّم القيادة في بيوتنا؟

  • يا أهل الجَمْعِ المبارك:
    • اجمعوا قلوبكم على الوجهة إلى الرحمن،
    • استقبلوا الموسم بصدق في السِّرِّ والإعلان مع عالم السر والإعلان.
  • نِعْمَ القيادة للمصطفى سيد الأكوان، نِعْمَ القيادة لمن أُنزِل عليه القرآن.
    • فلا ترتضوا قائدًا يتخلفُ عنه، ولا ينقطع عنه، ولا يخالفه من صغير ولا من كبير.
    • وعَلِّموا ذلك أبناءكم وعَلِّموا ذلك بناتكم.

ما خبر دخول قيادات السوء والفساد واللهو المُخزِي إلى ديار المسلمين! لأنهم قطعوا قيادة سيد المرسلين، قطعوا قيادة الحبيب الأمين، فسحوا المجال لقيادة الفُسَّاق وقيادة الساقطين الهابطين المبعودين عن الله وعن رسوله ﷺ والمُبعِدين -والعياذ بالله تبارك وتعالى- (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) [الأنعام:26].

  • زيِّنوا دياركم بـ:
    • الآداب والسنن، وآثار النبي المؤتمن،
    • وقراءة القرآن،
    • وعقد الجماعات،
    • وتطهير الكلام مما يُغضب الملك العلام.
      • طهِّروا الديار من هذا السوء من القول، من الغيبة والنميمة والكذب، من السخرية والاستهزاء.
      • طهِّروا دياركم من المناظر السيئة القبيحة،
      • طهِّروا قلوبكم وقلوب أهلكم وأولادكم.
    • استجيبوا لنداء الله! (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأانفال:24].

ورُبَّ ميتُ قلبٍ حَيِيَ في رمضان، أو حَيِيَ في شوال، وربما قلبٌ يحيا في ذي القعدة. والويل لمن مرت الأشهر والأعوام ولم يحيَ قلبه حتى مات ميت القلب -والعياذ بالله تعالى-! فهو في يوم القيامة مع مَوات القلوب -والعياذ بالله-، في يوم تُقَلُّبُ فيه القلوب والأبصار.

 

اغتنام ساعات افضال الله

فانظر إلى قلبك، واصدق مع ربك! واغنم ساحة إفضاله وساعات نواله -جل جلاله-، ونحن وإياكم بين يديه ينظر إلى قلوبنا وما فيها ونياتنا ومقاصدنا. فلا تدع في قلب أحدٍ من الحاضرين ولا من السامعين شيئاً لا يرضيك يا الله، طهِّرها عن كل ما لا يرضيك، واجعل لنا هِممًا قوية في قلوبنا لقصد وجهك وإرادتك في جميع أقوالنا وأفعالنا يا ربنا؛ حتى نسعد في الحياة وعند الوفاة، وفي البرزخ ويوم الموافاة، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.

وعجل بتفريج كروب المسلمين، وحوِّل الأحوال إلى أحسَنِها يا رب العالمين ويا أكرم الأكرمين. أحيِ القلوب بعد مَواتها ونقِّها عن قبيح صفاتها، وارزقها الإنابة إليك والصدق معك يا الله.

وتوجهوا جميعًا إليه، وقولوا مقبلين بكُلّياتكم عليه: أصلح قلوبنا وقوالبنا، وظواهرنا وبواطننا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، أصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا. وقولوا جميعًا:

يا أرحم الراحمين *** يا أرحم الراحمين 

يا أرحم الراحمين *** فرِّج على المسلمين

تاريخ النشر الهجري

06 ذو القِعدة 1447

تاريخ النشر الميلادي

23 أبريل 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية