نعمة النبوة على أهل الأرض وتمامها ببعثة المصطفى وما يتفرع عنها وما يجب أن تفقهه الأمة

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 19 ذو الحجة 1447هـ في دار المصطفى، بعنوان:

نعمة النبوة على أهل الأرض وتمامها ببعثة المصطفى وما يتفرع عنها وما يجب أن تفقهه الأمة

نص المحاضرة مكتوب:

الحمد لله الذي بيده ملكوت كل شيء، حمدًا يُكرمنا به بالبركة في كل شيء، ويضاعف لنا البركة في أعمارنا وفي اجتماعاتنا وفي لقاءاتنا، وفي ما قسَم لنا من طلب العلم والعمل بالعلم ونشر العلم على الوجه الذي يرضيه، في تبعية كاملة لأحَبِّ المحبوبين وأقرب المقربين، سيد المرسلين وخاتم النبيين، محمد الذي أرسله رحمة للعالمين.

 

مظاهر الرحمة في الوجود

  • وظهرت مظاهر الرحمة من الرحمن الرحيم على يد هذا المصطفى الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم،
    • بمظاهر استعدادات أصلُها في سوابق الآزال،
    • في قلوبٍ وأرواحٍ وأسرارٍ قابلت رحمة الكريم الغفَّار،
      • التي جعل لها معدنًا وهو نبيه المختار محمد ﷺ.

 

عظمة نعمة النبوة والرسالة

فَنُبِّئَ الأنبياء، وخُلِقت العوالم، وأُرسِلَ الرسل، وجاء خاتم الرُّسُل تمام نعمة من الحق تبارك وتعالى، تمَّت بها على أهل الأرض نعمة النبوة والرسالة فيه، وهي أعلى ما منَّ الله به على العباد على ظهر هذه الأرض منذ خلق الأرض إلى أن يرث الأرض ومن عليها.

ما حَصَّلَت الأرض وأهل الأرض نعمة أعظم من نعمة النبوة والرسالة؛ إرسال الحق تعالى وتنبئته لمن يشاء باصطفائه (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) [الحج:75]، فكانت هذه أعظم النعم التي تُلُقيَت على ظهر الأرض منذ كوَّن الله الأرض إلى أن يرث الأرض ومن عليها جل جلاله.

  • وكانت نعمة النبوة في تكامُل وفي تزايد،
    • حتى تمَّت وكَمُلَت ببعثته ﷺ،
    • وقد أنبأنا عن ذلك وقال: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل مَلِكٍ ابتنى دارًا فأحسن بناءها إلا موضع لَبِنَة، فجعل الناس يطيفون بها ويقولون ما أحسنها لولا موضع هذه الَّلبِنَة! قال: فأنا موضع تلك اللبنة"، يا ربِّ صلِّ عليه.

 لما قضى الله ظهوره وبروزه إلى هذا العالم عليه الصلاة والسلام تمَّت نعمة النبوة والرسالة على أهل الوجود، فعَظُمَت مِنَّةُ الله تبارك وتعالى عليهم، فكانت الأمة خير أمة، وكانوا السابقين يوم القيامة، وهم الذين برزوا في الأخير في الزمن "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة" كما أخبر ﷺ. وكانت أصحابه خير أصحاب، وآله خير آل ﷺ، وأمته خير الأُمم (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران:110].

 

أهل الإيمان والعمل الصالح

  • وما يتفرَّع عن النبوة والرسالة من النِّعَم الربانية والمنح الإلهية هي:
    • الإيمان والعمل الصالح،
      • قائمة في: صفات، وأحوال، وأذواق، ووجدان، وشعور،
      • تُتَرجِم عنه أقوال وأفعال. 
    • هذا الإيمان والعمل الصالح الذي تجدون الرحمن في كتابه من أوله إلى آخره يُكَرِّر الثناء على أهله،
    • ويُمَجِّد شأن أهله جل جلاله وتعالى في علاه،
    • ويُبشِّر شأن أهله،
    • ويجعل حقائق خيرات الدنيا والآخرة لأهل الإيمان والعمل الصالح،
    • وموعدهم الجنان والرضوان والعطايا الرِّزان من المَنَّان جل جلاله.
      • وفَّر الله حظَّنا من الإيمان، وفَّر الله حظنا من العمل الصالح.
  • ومن أسرار الإيمان والعمل الصالح:
    • ما يُحَسُّ به ويُشعَرُ ويُتَنَزَّل من السكينة،
    • وقال الله عن أوائلنا الأولين: (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) [الفتح:18].
      • وهذا الذي عَلِمه في قلوبهم انتقل إلى قلوب ورثة وأتباع (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ)،
      • وأنزل السكينة عليهم حتى فاضت على ديارهم وعلى منازلهم وعلى بلدانهم وعلى أوطانهم.

 

ما يتنزل على مواطن الخير والقرب منها

فصارت عند ذا الذوق السليم والفهم الصحيح والعقل الرجيح والميزان الصحيح: تَفْرِقَة بين منازل وبيوت وديار وبلدان الصالحين والأولياء وغيرهم، وهي كذلك عند الله سبحانه وتعالى..

وإذا نظرتَ إلى البلاد وجدتها *** تشقى كما تشقى الرجال وتَسْعَدُ

وجاءنا في الهدي النبوي والبلاغ المصطفوي أنه عندما اختصم ملائكة الرحمة والعذاب في التائب الذي خرج يريد بلدة الأخيار، أنَّ الله جعل الحَكَم بينهم يحكُم أين هو أقرب، إن كان أقرب إلى بلدة الأشرار فلتأخذه ملائكة العذاب، وإن كان أقرب إلى بلدة الأخيار فلتأخذه ملائكة الرحمة.

والحق تعالى يريد أن يرحمه ولا يَقدِرُ الملائكة بعد ذلك أن يغيروا شيئا من مراد الله تبارك وتعالى، ولكنه جعل الحكم منوط بالبلدتين؛ ليُبيِّن لنا الفرق بين موطن وموطن، وموقع وموقع، وقرية وقرية، كلها قرى، ولكن قرية بمن حلَّ فيها، الموطن بحكم السَّاكِن والذي تَوَطَّنَ فيه.

  • لذلك كله؛ كان خير البلاد على ظهر الأرض: حيث ولد ﷺ ونشأ وبُعِث، وحيث هاجر وحيث دُفِن عليه الصلاة والسلام،
    • وما أحد يرى في بقاع الأرض بُقعَا أعظم من هذه البقاع؛ لارتباطها بساكنها ومُشرِّفها ﷺ، الأكمل الأفضل عليه الصلاة والسلام.
  • وانتشرت هذه الخصوصيات التي أشرنا إليها في وراثته في الأرض،
    • فكان منها ما أشار إليها في أحاديثه ودعا لها، مثل الشام واليمن ومواطن من الأرض كان يذكرها،
    • وبُقَعا من البُقَع المخصوصة مخصوصة،
      • حتى يقول ﷺ: أتاني جبريل فقال لي: "صلِّ في هذا الوادي" -وادي العقيق بجانب المدينة المنورة- وقال: "إنه وادٍ مبارك"، "إنه وادٍ مبارك".
      • ويقول الله تبارك وتعالى عن سيدنا إبراهيم عليه السلام ومن معه، وقد أخرجه وهاجر (إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:71]، وهكذا أسرى بحبيبه إلى الشام ﷺ، إلى غير ذلك.
  • فشؤون هذه المواضع وما يَتنَزَّلُ فيها من آثار السكينة التي تُحَس،
    • -ويأذن الله تبارك وتعالى بظهورِها في أوقات، ولتكون أمنًا وطمأنينة-.

 

يقول سيدنا الخليل لمَّا وضع إسماعيل ولده وهو طفل وأمه هاجر في أرض مكة: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) [إبراهيم:37].

وكان في استجابة هذه الدعوة ما قال الله تعالى في كتابه: (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ)؟ ويُتخطف الناس من حولهم؟ ردَّا على التصورات الباطلة الفاسدة (وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا..) قال: (..أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا) [القصص:57]، جل جلاله وتعالى في علاه، كما قال في الآيات: (وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) [العنكبوت:67]، ويقول سبحانه وتعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) [قريش:1-4].

  • ثم حَرَّم ﷺ المدينة كما حَرَّم مكة،
  • ثم سِرَايَةُ هذه المعاني القدسية؛ فيمن ورَث الخليل ومن ورَث الحبيب ﷺ،
    • في منازلهم وديارهم ومساكنهم.

ولمَّا تنازعت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب لقبض العبد التائب بعد إسرافه في القتل، أمرهم الله: أن قيسوا بين الأرضين، إن كان أقرب إلى أرض الأخيار فلتأخذه ملائكة الرحمة، وإن كان أقرب إلى أرض الأشرار فلتأخذه ملائكة العذاب. وكان من حيث المسافة الحسية قريبًا من بلاد الأشرار، ولكن الله يريد أن يرحمه، قال: فأوحى الله إلى هذه أن تبَعَّدِي، وإلى هذه أن تَقَرَّبِي، فلما قاس الملائكة وجدوه أقرب إلى أرض الأخيار بشبرٍ، شبر واحد!

وهذه كلها دلالات ربانية، وإلا الرجل محكوم له بسعادة عند الله وأن الله يتوب عليه، وأنه سبحانه وتعالى في القيامة يأتي إلى تبعاته كلها هذه، ويُرضِي عنه الذين قتلهم ويرحمه سبحانه وتعالى. فلمَّا قضى ذلك، كان في مظهر: القُرب من الأخيار، بعد ذَرْع الملائكة المسافة بين الأرضين، وإلا فهو مرحوم مرحوم، لكن الله أقام هذا ؛ ليُرِيَنا مكانة المحبوبين ومكانة المقربين. وَوُجِدَ أقرب إلى أرض الأخيار بشبرٍ فأخذته ملائكة الرحمة.

فهكذا الشأن، وقد كان متوجهًا إلى بلد الأخيار بالمحبة وبالمودة لهم والتعظيم لهم، وإلا ما كان ينفعه ذلك، لكنه لمَّا قَرُب إلى الأرض وهو محب وهو مُعَظِّم لهم؛ استفاد وانتفع من تلك الأرض.

 

العبرة في قرب القلوب

  • وإلا من لم يعرف قدر الرحمة هذه والمِنَّة والتَّنَزُّل -ولو كان في أفضل البقاع على ظهر الأرض- وانصرف عنها بقلبه ما ينفعه قربه منها.
  • وفي هذا المعنى سمعتم قول قائلهم: رُبَّ طائف بالبيت العتيق ورجل بخراسان أقرب إلى البيت منه!.
    • لماذا أقرب؟ لأنه أقرب إلى رب البيت،
    • ولأنه شأنه مع البيت ومع رب البيت شأن صالح وشأن لائق بالعبد،
    • وهذا طائف وقلبه..! ما استقر فيه الخوف من الله ولا استقر فيه التعظيم لأمر الله جل جلاله، فأين هو؟ فأين هو؟ ما نفعه قرب جسده من البيت!

بذلك كله تجدون من إخوانكم وأحبابكم هؤلاء من يجيئون؛ هذا من سنغافورة، وهذا من أمريكا وهذا من بريطانيا، ويُنازلهم شعور، والكل يقول: الشعور الذي نشعر به في المدينة نشعر به هنا في هذه المدينة! لأن سر صاحب المدينة سرى إليها، في ذريته في عترته في ورثته وفي خلفائه، وفي سننه التي خلَّفها فينا ﷺ، والتي تُعمَر بها القلوب وتُنَوَّر، وبها تَنزِل السكينة من الله، والله يُحييها فينا على وجه الحقيقة، مع التقصير الكبير الذي نحن فيه.

 

تأمل صفات السلف وقصدهم الرحمن

وكان مضى أئمتنا وأئمة الطريقة وأئمة الوادي، وقائلهم يقول: ما من سُنَّةٍ سنَّها رسول الله إلا وأرجو أني قد عملتُ بها. أقوالهم وأفعالهم ومآكلهم ومشاربهم وأزياؤهم ومخاطباتهم ومعاملاتهم على وفق السنة، عليهم الرضوان لله تبارك وتعالى.

وكانت مجموع تلك المكارم والفضائل ما أشار إليه:

وقد دَرَجَ الأسلاف من قبل هؤلاء *** وهمتهم نيلُ المكارم والفضلِ

لقد رفضوا الدنيا الغرور وما سعوا *** لها والذي يأتي يُبَادَرُ بالبذلِ

فقيرهمُ حُرٌّ وذو المال مُنفِقٌ *** رجاء ثواب الله في صالح السُّبْلِ

عليهم الرضوان لله تبارك وتعالى، فما يمكن يُغرون، لا بسلطة ولا بمال ولا بجاه ولا بلباس ولا بعقار ولا بمركوب، ما يُغرون بشيء من هذا..!

لقد رفضوا الدنيا الغرور وما سعوا *** لها والذي يأتي يُبَادَرُ بالبذلِ

فقيرهمُ حُرٌّ.. ما يُؤسر ولا يُستعبد لمال ولا لأصحاب المال، ولا لجاه ولا لأصحاب الجاه، ولا لسلطة ولا لأصحاب السلطة، عبد مُحَرَّر، عبد لواحد، عبد لله سبحانه وتعالى؛ فحرَّره من الرِّقِّ لسواه جل جلاله وتعالى في علاه..

فكان: فقيرهم حُرٌّ وذو المال منفقٌ *** رجاء ثواب الله في صالح السُّبْلِ

لباسهم التقوى وسيماهم الحياء *** وقصدهم الرحمن

يتكلمون وقصدهم الرحمن، يمشون وقصدهم الرحمن، يلبسون وقصدهم الرحمن، يأكلون وقصدهم الرحمن، يتعاملون وقصدهم الرحمن، يقومون في الليل وقصدهم الرحمن، يقرأون القرآن وقصدهم الرحمن، حتى يأكلون وقصدهم الرحمن ويشربون وقصدهم الرحمن جل جلاله.

… *** وقصدهم الرحمن في القول والفعل

مقالهم صدق … *** …

ما يستجيبون لدواعي النفوس ولا يكذبون على خلق ولا على خالق حاشاهم..

مقالهم صدق وأفعالهم هدى *** وأسرارهم منزوعة الغش والغِلّ

عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

وأعظِم بمن قصدوا الرحمن! وأين يكون بجنبهم مَن قصد الجاه؟ ذا قصد الرحمن وذا قصد الجاه! ذا قصد الرحمن وذا قصد السلطة! ذا قصد الرحمن وذا قصد المال! كم الفرق بينهم؟ إيش قصد هذا وإيش قصد هذا؟ هذا قصد الرحمن جل جلاله وهذا قصد الشهرة بين الخلق! هذا قصد الرحمن وذا قصد الثياب! هذا قصد الرحمن وذا قصد السيارة! هذا قصد الرحمن وذا قصد طائرة! وحتى الطائرة عند الرحمن ماذا تساوي؟ كم الفرق بين ذا وذا؟ كم الفرق بين ما قصد ذا وقصد ذا، فرق كبير بينهم!

… *** وقصدهم الرحمن في القول والفعل

فهُمُ القوم الذين هُدوا *** وبفضل الله قد سُعِدوا

ولغير الله ما قصدوا *** ومع القرآن في قَرْن

 

موروثات النبوة تهوي إليها القلوب

ولهذا قال عنهم في أوصافهم:

قومٌ إذا أرخى الظلام سُدُولَهُ *** لم تُلفهم رُهنا للكرى والمضجعِ

بل تَلقهم عُمُدَ الْمَحَارِيبِ قوماً *** لِلَّهِ أَكْرِمْ بِالسُّجُودِ الرُّكَّعِ

يَتْلُونَ آيَاتِ الْقُرْآنِ تَدَبُّرًا *** فيهِ ولا كالْغَافِلِ الْمُتَوَزِّعِ

عليهم رضوان الله تبارك وتعالى..

ثَبَتُوا عَلَى قَدَمِ الرَّسُولِ وَصَحْبِهِ *** وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ فَسَلْ وتَتَبَّعِ

وَمَضَوْا عَلَى قَصْدِ السَّبِيلِ إِلَى الْعُلَا *** قَدَمًا عَلَى قَدَمٍ بِجِدٍّ أَوْزَعِ

 

  • وهذه الموروثات من النبوة:
    • هي حَرَمُ المؤمنين،
    • وهي سبب حفظ المؤمنين،
    • وحراسة المؤمنين،
    • ونصرة المؤمنين،
    • وتأييد المؤمنين،
    • وتهفو إليها القلوب: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ..)، ومن فيه سر إسماعيل وسر هاجر وسر الصالحين من ذرية إسماعيل إلى سيدهم وسيد الكل ﷺ سيدنا الرسول، 
      • فتهوي أفئدة من الناس إليهم ممن سبقت لهم سوابق السعادة،
      • فصارت تهوي إليهم، وإلى مواطنهم، وإلى آثارهم، وإلى كتبهم، وإلى ما خلفوا من تَرِكَات (تَهْوِي إِلَيْهِمْ)،
      • (..وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ)[إبراهيم:37]، الظاهرة والباطنة،
      • وصار موطنهم يُجْبَى إليه ثمرات كل شيء، فضلًا من الله تبارك وتعالى.

 

  • وعلى أهل البلدة وغير أهل البلدة من أهل هذه الملة:
    • أن يَعُوا هذه الحقائق،
    • وأن يُحسِنوا قصد الخالق وحده،
    • ويُخَلِّصوا مقصدهم لغيره من أقوالهم ومن أفعالهم ومن نياتهم ومن معاملاتهم،
      • يقول جل جلاله وتعالى في علاه: (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ..) يعني يؤمن بلقاء الله وأنه يرجع إليه (..فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف:110]، (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) [البينة:5].

 

فالحمد لله على وجود هذه الخيرات، والحمد لله على تمام الحج والحجاج في لطف وفي عافية، والله يتمم لهم المقاصد، ومن قد وصل زِدهُ مواصلة، ومن بقي يوصلهم إلى أوطانهم وبلدانهم سالمين غانمين مقبولين إن شاء الله، ويفتح بهم أبواب الغياث للأمة، والفرج للأمة، والصلاح للأمة، والجمع لشمل الأمة.

زمجرات أهل الباطل

ويكفي المسلمين شر هذه الزَّمجرات الهوجاء الساقطة الباطلة على الباطل، تبَع النفوس، تبَع الأهواء، تبَع التحكُّمات الباطلة، مع ما كان يُظهِر أصحابها وملأوا الدنيا دعايات: نريد العدل، نريد الحقوق، نريد نريد.. والواقع والعمل شيء آخر! لعب في لعب، وهوى في هوى، وشهوة في شهوة، وعبودية للسلطة، وعبودية للتحكم على رقاب خلق الله تعالى وعلى أرض الله تعالى وعلى هذه الثروات! وبكذب وبدجل وبغرور وبفسق وبحيل وبخداع! هذا شغلهم! (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) [البينة:6]، (أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ)! (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) [آل عمران:196-197].

 

اقرأ جريدة ربك!

وعلى الأمة أن تَعِيَ! وإلى متى مستعبدين لأقاويل هؤلاء، ولأضاليل هؤلاء، ولأباطيل هؤلاء، ولخِداع هؤلاء، ولمنشورات هؤلاء! شوفوا المنشور العزيز من الرَّبِّ العزيز الكتاب المُنَزَّل: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [ص:29]، (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [الأنبياء:10]، (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) [القمر:22]؟!

لمَّا بدأت تتعلق قلوب بعض الناس بمظهر الجرائد والصحف، التي بدأت تظهر وتصل إلينا هنا من بعض أثر الاهتمام بأهل الشرق والغرب، وفيها أخبار وأنباء، بدأ يتعلق بها قلوب بعض الناس، كان يقول لهم الحبيب علوي: اقرأ جريدة ربك! ، أنت معلق بالجريدة كل يوم بتتشوَّف، اقرأ جريدة ربك! شف ربك أرسل جريدة لك فيها أخبار حق وصدق وهدى، ما شيء فيها كذب ولا دجل ولا مغالطة، (قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) [الأنعام:73]، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) [الأنعام:87]، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) [النساء:122]، (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ) [العنكبوت:51].

ويجيء هذا المسلم فيُكون مغرورا بما ينشر هؤلاء وهؤلاء، فرحان بنفسه أو بولده أنه أخذ شهادة، أو حصَّل وظيفة وهو هاجر للقرآن! ما هو مبالي، وهو هاجر للقرآن وولده هاجر للقرآن ولا تأمُّل ولا تدبُّر وفرحان بنفسه! وقت الغرور هذا قصير، بعد قليل ينكشف الغطاء وتشوف نفسك وديت نفسك إلى أين! (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) [طه:124]، (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) [الفرقان:30]. من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.

عظِّموا كلام ربكم! كنا نعرف العوام عندنا في مثل البلدة وغيرها من البلاد مِن تعلقهم بالله ما يعرفون يقرأون ولا يكتبون، السور هذي التي يحفظونها القصيرة يظلون يرددونها، وإذا سمعوا حزبا أو أحدا يقرأ قعدوا يتأملون ويسمعون القرآن، حتى أن منهم مَن حَفِظَ القرآن وهو لا يقرأ ولا يكتب! فكان منهم ممن أدركناهم عليهم رضوان الله، قلوب معلقة بكلام الله جل جلاله.

 

خطر التأثر بالمقطوعين عن الله

واليوم بُعْد كبير عن الكتاب، بُعْد كبير عن السنة، وهو مغتر فرحان! متأثر بمنشورات أهل الباطل وبأفكار مقطوعين عن الرب جل جلاله وتعالى في علاه!

وأنت ربك خلقك عبدا له أولهم؟ خلقك مملوكا له أومملوكا لهم هؤلاء؟ (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [الجاثية:18-19]، خلهم يتولون بعضهم البعض (وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأنعام:129]، لكن أنت مؤمن! وليك الله، وليك رسوله! وليك السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وليك المؤمنون الصالحون! يقول جل جلاله وتعالى في علاه: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة:55-56].

 

الرحمة والهداية حتى للمعادين

  • ومع ذلك فهذه النبوة والرسالة خلَّفَت لنا الرحمة نحملها حتى لهؤلاء المعادين،
    • لا نفسح المجال لهم يلعبون بأدياننا ولا يمدون أيديهم بالظلم،
    • ولا نتمنى لهم إلا أن يهتدوا ويخرجوا من النار إلى الجنة،
      • وبمجرد ما يؤمن أحدهم صار أخًا لنا وداخلا في الدائرة. وهم معتدون كما قال الله سبحانه وتعالى! 

(اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ * فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ..)، (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) شريعة الله ورسالة أهل النبوة ما تحمل الأحقاد ولا الأحساد ولا بغض ذات الإنسان أبدًا، تبغض الكفر، تبغض الظلم، تبغض الفسوق والعصيان، ما تبغض الإنسان، وتتمنى هداية الإنسان، وإذا تاب: إخوانكم في الدين (..وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) ولكن: (..وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ..)،  حتى التعبير: أئمة الكفر؟ ما هو كل كافر من طرف، تتشفَّى فيه وتقول: قال الله قاتلوه! إنما المراد: الأئمة الكفار الذين يبثون الشر، أئمة الكفر: الأئمة الكفار الذين يحملون السوء ويحملون الضر، هؤلاء قاتلوهم، ما هو أي كافر تُحَصِّله تقول أنا أتقرب إلى الله بقتلهم! ماهو هكذا! (..فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ..)، ثم يقول الله للمؤمنين: أنتم إذا قمتم من أجلي في أي عمل لا تهابوا غيري (..أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة:9-15].

(وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ) وكم من واحد سيتوب الله عليه! وببركة هذه المجالس كثير من الكفار سيرجعون مؤمنين، وتسمعون، ويَرِد منهم من يرد إلى أماكنكم هذه.

 

الدعاء بختم العام الهجري بخير

فالله يبارك لنا والأمة في الوجهة إليه، ويبارك لنا في موسم الحج هذا العام، ويختم العام لنا بخير.

يا رب: عامنا هذا السابع والأربعين بعد الأربعمائة والألف من هجرة نبيك الأمين اختمه بخير، اختمه لنا بنظر، اختمه لنا بتوبة، اختمه لنا بتوفيق، واختمه لنا بجمع شمل المسلمين، واختمه لنا برفع البلاء عن المؤمنين، واجعل العام المقبل أبرك علينا وأسعد لنا ولأهل "لا إله إلا الله" وللأمة في المشارق والمغارب.

يا الله، يا خير من يُدْعَى، يا أكرم من يُرْجَى، يا من بيده الأمر كله في الظاهر والخفاء، يا عالم السر وأخفى، يا ملك الملوك، يا قوي يا متين: إليك توجهنا بعبدك الأمين، أن تَكشِف الضر عن المؤمنين، وأن تجمع شمل المسلمين، وأن تُصلِح أحوالنا بما أصلحتَ به أحوال الصالحين.

يا ربِّ ضاق الخناق *** من فعل ما لا يُطَاق

فَامْنُنْ بِفَكِّ الغَلَاقِ *** لمن بذنبه رَهِين

واغفر لكل الذنوب *** واستر لكل العيوب

واكشف لكل الكروب *** واكفِ أذى المؤذين

واكفِ أذى المؤذين، واكفِ أذى المؤذين، واكفِ أذى المؤذين 

وانظُر إلى المؤمنين

نظرة تزيل العَنَا *** عنا وتُدْنِي المنى

منا وكل الهَنَا *** نُعطَاه في كل حين

واختم بأحسن ختام *** إذ دنا الانصرام

وحان حين الحِمام *** وزاد رشح الجبين

بوجاهة حبيبك الأمين اقبلنا يا الله على ما فينا، وأقبل بوجهك الكريم علينا، وأصلح شأننا كله، والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

18 ذو الحِجّة 1447

تاريخ النشر الميلادي

04 يونيو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية