أعمال أهل الجنة والروابط بين قلوبهم ومسالكهم ومرافقتهم لإمامهم
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 14 ذو القعدة 1447هـ في دار المصطفى، بعنوان:
أعمال أهل الجنة والروابط بين قلوبهم ومسالكهم ومرافقتهم لإمامهم
نص المحاضرة مكتوب:
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) [الملك:2]، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، استوى في علمه البطون والظهور.
أرسل إلينا عبده المختار، بدر البدور، محمد البر الشكور، بالهدى ودين الحق والنور، فأصلَحَ به القلوب وشرح به الصدور، ودفع به أنواع البلايا والشرور. رزقنا الله حسن متابعته في جميع الأمور، وحشرنا في زمرته يوم البعث والنشور، وأكرمنا بمرافقته في الجنات العُلا مع خواص المحبوبين من أهل الخيور، آمين يا الله يا كريم يا غفور.
بساط التعرض لنفحات الله
- وقد بسَط لنا -سبحانه وتعالى- بالفضل والإحسان بساط:
- التعرُّض لنفحاته ورحماته،
- والدعاء والتضرع إليه -جل جلاله-،
- والتذكُّر لآياته وتنزيلاته،
- ولواجباتنا نحوها،
- ولأحوالنا وأحوال الأمة؛
- للاستعداد للموت وما بعد الموت من البرازخ إلى يوم يبعثون، وما يجري في يوم البعث والنشور،
- ثم الاستقرار المؤبد إما في الجنة وإما في النار.
- اجعلنا من أهل جنتك يا كريم يا غفَّار، وأدخلنا الجنة بغير حساب، وأهلينا وأولادنا وذرياتنا وذوينا وطلابنا وأحبابنا وأصحابنا، وبغير عقاب ولا عتاب ولا فتنة ولا توبيخ، يا كريم يا ربَّ الأرباب يا أرحم الراحمين.
ويتقابل من يتقابل فيها فيقولون: (إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) [الطور:28]، اللهم يا بَرُّ يا رحيم مُنَّ علينا وقِنَا عذاب السموم، واجعلنا يا ربِّ ممن تكرمهم أن يتقابلوا في الجنة ويتذكروا ما كان لك من مِنَّة أيام كانوا في الحياة القصيرة، وما أوصلتهم إليه وأوصلته إليهم من نعمك الكبيرة، (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) [الطور:25-28]، جل جلاله وتعالى في علاه.
طريق الوصول إلى جنة الله تعالى
- وحول الوصول إلى هذه الغايات جاءت جميع التشريعات:
- من صلاة، من صيام، من زكاة، من حجٍّ إلى بيت الله الحرام، من بر والدين، من صِلة رحم، من إحسان إلى جيران، من أمانة في المعاملة، من أداء الحقوق لأهلها، من ذكر، من تلاوة، من دعوة إلى الله، من رحمة بخلق الله، من تخلُّقٍ بالأخلاق الفاضلة.
- كلها المقصود منها:
- الظفر بغاية المرافقة لسيد الخلائق في دار الكرامة،
- والوصول إلى جنة الله -تبارك وتعالى- مع الذين سبقت لهم السوابق بالفضل والإحسان.
ولقد انقسم الناس إلى الفرقتين بتقسيم الحكيم العليم، وقبض القبضة وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي.
يا رب العالمين اجعلنا من أهل جنتك، وأهالينا كلهم وأولادنا كلهم، والحاضرين ومن يسمعنا وأهاليهم وأولادهم وقراباتهم، اجعلنا من أهل جنتك يا رب العالمين يا الله.
وهو الذي سماها صاحب الرسالة بـ: تمام النعمة. ولما دعا لبعض أصحابه أن يُتِمّ عليه نعمته، قال: "أتدري ما تمام النعمة؟" قال: ما تمام النعمة يا رسول الله؟ قال: "دخول الجنة". أن تصل إلى هذه الغاية؛ هذا تمام النعمة.
وهم فيها على درجات، وهم فيها على مراتب. و: "أكثرُ أهلِ الجنةِ البُلْهُ"، وعليون لأولي الألباب. ألحقَنا الله بهم بالفضل والإحسان إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وصف أعمال أهل النار
- "إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا فهم بعمل أهل الجنة يعملون، وخلق النار وخلق لها أهلًا فهم بعمل أهل النار يعملون".
- يحبون الكذب، يحبون الغِش، يحبون الأذى، يحبون الضُّر للناس،
- يمشون وراء الغش ووراء الخيانة،
- يميلون إلى المسكرات وإلى المخدرات،
- يريدون أن يتخلَّصوا من الهموم فيزدادون همومًا، يريدون أن يخرجوا من الغموم فيزدادون غمومًا،
- يحبون الكلام الماجن الفارغ واختلاط النساء بالرجال،
- ولا يزدادون بكل ذلك إلا شقاءً معجَّلًا إلى الشقاء المؤبد -والعياذ بالله تبارك وتعالى-: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) [آل عمران:178]، كما قال الله جل جلاله.
تأمل صفات عباد الرحمن
- ولكن الذين يستبقون الخيرات من أهل الجنة، وأهل أعمال أهل الجنة بعمل أهل الجنة يعملون:
- يُصَفُّون قلوبهم، يطهرونها عن الشوائب،
- يُخرجون منهم ومن بواطنهم: آثار الحسد، وآثار الكبر، وآثار الغرور، وآثار محبة الشهرة، وطلب الفانيات بإضاعة الباقيات -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، يتخلصون من هذا ويتنزهون من هذا،
- وحالهم كما وصف ربكم: (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) [الفرقان:63]،
- ما يخرج منهم إلا السلام.
- الجاهلون يخاطبونهم بماذا؟ باللوم، بالسب، بالبذاءة؟، لا هم يقولون سلام،
- (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) [القصص:55]،
- (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) [الفرقان:63]،
- ثم أكَّد هذا المعنى: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) [الفرقان:72]، ما يحبون اللغو، ما يحبون اللهو، ما يحبون الغفلة، (مَرُّوا كِرَامًا) عليهم رضوان الله تبارك وتعالى،
- (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) [الفرقان:63].
حالك مع الصلاة وقيام الليل
(سُجَّدًا وَقِيَامًا)، أيها المؤمن: اخجل على نفسك! إذا ما لك بعد العشاء حتى سُنة بعدية وصلاة وتر في خلال كل ليلة، وإذا ما قُمتَ كل الليل ولا نصف الليل ولا ربع الليل، قارب! قارب! قارب: (يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا).
سمعتم قصة الولد الصبي الذي تعلم عند المعلم: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا) [المزمل:1-3]، جاء إلى أبيه يسأله: من المزمل هذا الذي يخاطبه الله؟ قال: نبينا محمد. قال له: يقوم الليل ونصفه، وأنت ما أراك وأمي تقومون الليل! قال: ذاك النبي يا ولدي ما أحد يكون كما النبي. سكت، ذهب يكمل السورة في اليوم الثاني، مر على قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ) وفي قراءة: (وَنِصْفِهِ وَثُلُثِهِ) (..وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ) [المزمل:20]. جاء إلى أبيه قال: ما هو النبي وحده! وإنما (وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ)؟! قال له: يا ولدي هؤلاء الصحابة ومن يكون مثل الصحابة؟ قال: إذن ما يكون فيك خير! قال: كيف؟ قال: لا تبعت النبي ولا الصحابة، بعد تتَّبِع من؟ إذا أنت وأمي لا تبِعتوا النبي ولا تبِعتوا الصحابة تتابعون من؟ إذن، ما فيكم خير! قال: ها صدقت يا ولدي ومن الليلة أنا لن أترك نصيبي من قيام الليل. قال: وأنا نبهني معكم. قالوا: أنت صغير غير مكلف. قال: وإن كنت صغيرا أنا رأيت أمي لما توقد التنور عندنا تضع حطبا صغيرا تحت الكبير، قلت لها لم؟ قالت: تشعل النار في الصغير أكثر قبلهم! قال: لا إله إلا الله يا ولدي! قال: أيقظني معكم وإلا أخاصمكم عند الله يوم القيامة. وصاروا كلهم يقومون هم وولدهم في الليالي (يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا).
أعمال أهل الجنة وأوصافهم
(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ..) هذه أعمال أهل الجنة (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ..)، يا ويل من لم يعرف قدر الآخرة! يا ويل من لم يبالِ بالآخرة! يا ويل من لم يحذر عذاب الآخرة وفضيحة الآخرة وشدائد الآخرة! (...يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزمر:9].
- وسادة أهل الجنة الأنبياء،
- والحق تعالى يصفهم: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء:90]،
- (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) [ص:46-47]،
- (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاة وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) [الأنبياء:73].
هذه أعمال أهل الجنة، هذه أعمال أهل الجنة، ولا مجال لأعمالها إلا خلال العمر هذا، خلال الحياة هذه، على ظهر الأرض، هذه أعمال أهل الجنة وأوصافهم: القلوب السليمة: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء:88-89]، والتواضع والإنابة والخشية، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
وهكذا، وتشابهوا في هذه الأوصاف؛ الرؤوس المُقربون من النبيين، والملائكة، ومن الصديقين، ومن تبعهم من المؤمنين؛ اشتركوا في خشيته، اشتركوا في محبته، اشتركوا في طاعته، اشتركوا في رجائه، اشتركوا في الخضوع لجلاله، كُلًّا بنصيب، كُلًّا له نصيب وعلى قدر المعرفة، وسيدهم أمامهم صلوات ربي وسلامه عليه، الله يربطنا وإياكم به ربطًا لا ينحل.
توافد الأمة على الحج وزيارة المدينة
ومن الأمة من يتوافد في هذه الأيام على البيت الحرام، والمشاعر العِظَام، وعلى طيبة الطيّبة، وعلى الطيِّب الذي طيَّب الله به طيبة، وطَيَّب به كل طيّب؛ من الأمكنة والأزمنة والذوات في الأرض والسماء. طُيِّبت بهذا الطيّب، الله طيَّبها بهذا الطيّب.
يا من طيَّبت الطيبين بسيد الطيبين: طيِّبنا به أكمل التطييب، واربطنا به ربطًا لا ينحل، في الدنيا والبرزخ والقيامة ودار الكرامة، يا قريب يا مجيب يا أكرم الأكرمين.
بركة دعاء الله وعقد المجالس!
وإذا ارتفع الدعاء إلى الرب -سبحانه وتعالى- وصادف قلباً من الحاضرين أو من السامعين أو ممن سيسمع؛ متوجها إليه، مُتنبها للقيام بأمره، قَبِلَ الدعاء فيه وله.
وإذا قَبِل الدعاء فيه وله؛ ما المستقبل الذي يحصَّله هذا؟ ما المكسب الذي كسَبه هذا؟ ما التجارة التي ربحها هذا؟ ما الخير الذي أُعطِيه هذا؟
خير ما له غاية، ما له نهاية، ما له حد، ما له فناء، ما له زوال!
ما هذه العطايا؟ ما هذه المنح من رب البرايا؟
- ما عُقِدَت المجالس إلا للعطايا النفائس، إلا ليجود الرب -جل جلاله- على الجالس؛
- إذا أقبل واستقبل وتوجَّه، وصدَق مع الخلاق -جل جلاله-، خير مدعو وخير مرجو -جل جلاله وتعالى في علاه-،
- الذي قال لنا يحثنا على هذا المسار وهذا المسلك: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر:60]،
- وقال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) [البقرة:186].
ربُّ العرش الرحمن أقرب إليك من كل شيء، أقرب إليك من حبل الوريد، أقرب إليك من كل شيء في نفسك وخارج نفسك، أقرب قريب الله -جل جلاله وتعالى في علاه- (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16]، ثم يقول لنا: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) [الفرقان:77].
ويضرب لنا المثل عن نبي من الأنبياء وقع بحكمة الله -تبارك وتعالى- في بلاء، وقد خرج من البلدة من قبل أن يأخذ الإذن، إذ وصل إلى بطن حوت والتقمه الحوت، قال: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [الصافات:143-144]. ولن يخرج من هذا المأزق ولا من هذه الشدة، ولكن سر التسبيح، بركة الدعاء والتسبيح: (فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء:87].
ولولا مثل هذه المجالس، وقلوب مُسبِّحة في ظلمات الليالي وفي آناء النهار ما كان حال الأمة هكذا ولا بقي على الأرض أحد! (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ) [النحل:61]، (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) [الشورى:30].
تأخير العذاب لوجود عباد الله
وبيَّن الله هذه الحقيقة حتى في كفار مكة، قال عن الكفار الذين آذوا النبي وأخرجوه: لولا وجود مؤمنين بينهم لعجَّلتُ لهم العذاب (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا..)، تميَّزوا وخرجوا من بين الكفار (..لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [الفتح:25].
وأُخِّر العذاب من أجل هؤلاء الأحباب الأطياب من النساء والرجال، حتى هدى الله كثيراً من أولئك، ورجع كثير منهم، كما قال: (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) [النصر:2]، ورجع كثير منهم إلى رتبة الصحابة عليهم رضوان الله، وإن كانوا على الدرجة التي ذكر الله في القرآن: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ) [الحديد:10]، فما يمكن أن يُقارن من آمن بعد الفتح بمن كان أسلم وآمن قبل الفتح، بالنص، ما يُقارَن هذا بهذا.
واصطفاء من الله -تبارك وتعالى-: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ..)، ونحن جئنا من بعدهم: (..وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [الحشر:8-10].
تطهير القلوب عن الغل للمؤمنين
وفي اتّساع الفهم وإدراك المعنى في كلام الإله -جل جلاله- كان يذكر الإمام أحمد بن زين الحبشي عليه رحمة الله الآية، ويقول في معانيها: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) قال: هذه تشمل من أول مؤمن من النبي والصحابة ومن بعدهم إلى آخر من مات قبل أن تنطق بهذه الكلمة الآن، سبقونا بالإيمان (اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَابِالْإِيمَانِ..) كلهم، وبعد ذلك؟ الباقون الذين هم معك وسيجيئون بعدك؟ (..وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا)، فكل من مات، عليك واجب الترحُّم عليه والاستغفار له، وكل من بقي منهم، عليك واجب تصفي قلبك من الغل عليهم، وما تغل على أحد (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).
(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).
وهذا الأمر بتطهير القلوب عن الغل للمؤمنين؛ هو نفسه الآمِر أمر بحمل الرحمة للخلق أجمعين: (فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ * الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) [البقرة:193-194]، ما تزيد شيئا في أخذ حقك، وإلا سترجع أنت الظالم بعد.
ولا تقاتل إلا ما شَرَع لك في سبيله، ولا يكون لك قصد ولا غرض ولا مطمح ولا أمل ولا منظر إلا: أن تكون كلمته هي العليا، جل جلاله وتعالى في علاه.
لا أشرف من هذه التشريعات!
- مسالك كبيرة عظيمة،
- ما يمكن أن ينتهي فكر من الخلائق إلى أحسن من هذا؛ فكر رائق، بفطرة سليمة وعقل راجح، إلى أوائل هذه التشريعات من الرَّب إلا جاءت على يد الأنبياء.
- لا في أمن الخلق، ولا في استقرار الخلق، ولا في اقتصاد الخلق، ولا في سياسة الخلق، ولا في العلائق بين الخلق، ولا في اجتماعيات الخلق.. ما شيء أشرف من هذه التعليمات، ولا أحسن في علائق الخلائق ببعضهم البعض من شرع الله سبحانه وتعالى.
- والذي يحمل من قام بحقه -حتى للمحاربين المقاتلين من المسلمين- تمني أن يهتدوا للإسلام ويخرجوا من النار إلى الجنة، ومن أدبر منهم تُرِك، وإذا وُجد منهم صبيان اُحتُرِموا، وإذا وُجِد منهم المرأة اُحتُرِمَت، وإذا وُجد منهم المعتزل في ناحية تُرِك.
- أي شرع هذا؟ هل أحد يأتي بسلام أحسن من هذا؟
- هل يأتي أحد بمنهج قويم يخدم البشر أحسن من هذا؟
- (قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) [البقرة:140]؟
- (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة:50]؟
حضارات سفك الدماء ونهايتها
ورأيتموهم في زمانكم والذين قبل، عامة الذين خرجوا عن دين الله تعالى ما الذي جاؤوا به للناس؟ جاؤوا للناس بسفك الدماء والذبح والقتل، وأخذ الحقوق، والاعتداء والعدوان، مكرر وبألوان مكررة، حتى حضاراتهم ما تقوم إلا على سفك دماء! ويجيئون إلى دول وسكان أصليين وشيء غيرهم.. ما الذي حصل؟ قامت على: عدم احترام ولا أدب ولا معرفة لحق الإنسان، وقوَّموا حضارات على هذا، والحضارات التي قامت على هذا ستنتهي إلى ماذا؟ كيف ستكون نهايتها؟ الفضيحة في الدنيا قبل الآخرة! والمصائب والقبائح في الدنيا قبل الآخرة (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة:50].
قيادة النبي محمد ومجاهدة النفس
لا والله، لا يصلُح للقيادة في الغيب والشهادة إلا محمد، محمد الذي وراء قيادته الأنبياء كلهم، صلوات ربي وسلامه عليه، ويوم يحمل اللواء والأنبياء وراءه نكون معهم إن شاء الله.
اِحجز لك مكانا بالاقتداء! اِبعِد من الهوى والغفلة، وتُغلِّب شهوة من الشهوات حقيرة دنية، وتقول: ما قدرت على نفسي!، وربي خلقك تتبع نفسك وهواها أو تجاهدها؟ كيف ما تقدر وهو الذي أمرك ووعدك إذا صدقت يعينك، يعينك على نفسك، يعينك على هواك، يعينك على الدنيا، يعينك على إبليس وأباليس الكون كله، يعينك عليهم! (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأعراف:200].
ولا تكذب على الله لأنه: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا) [الطلاق:7]، (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة:286]، جميع أوامره ونواهيه تستطيع القيام بها، تقدر على القيام بها، وهي في وسعك، وإلا لم يأمر عباده بها جل جلاله وتعالى في علاه.
ولكن إذا أنت وقعت عبدا لغيره، استُعبِدت لغيره ونسيت ألوهيته وربوبيته، فأنت على نفسك.. يقول لهم عدوهم الخبيث إبليس في القيامة: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم..) والحقيقة الآن ظهرت: (..مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ) [إبراهيم:22]، انظروا الأنبياء أولائك رأسهم محمد ومن اتبعهم هم الناجون، أنا وأنتم لا أنفعكم ولا تنفعوني، كلماتنا كلها فارغة كاذبة ما تحتها شيء! (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) [النساء:120].
لكن الذي يقول أنا لها: محمد، يا رب صلِّ عليه واجعلنا في ورثته واجعلنا في أهل متابعته، واجعلنا في خلفائه، واجعلنا في المقتدين به والمهتدين بهديه، يقول لكم ربكم جل جلاله: (إِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) [النور:54].
طلب القرب من النبي محمد ﷺ
اجعل جميع الحاضرين والسامعين ومن في ديارهم مقتدين بنبيك، مطيعين لنبيك، مهتدين بهدي نبيك، ترى أعينهم وجهه في القيامة، يا الله.. يا الله: لا تحرم عينًا من عيوننا رؤية الوجه المنوَّر النبوي، فمن لم يره لم يرَ الجنة، و "الويل لمن لا يراني يوم القيامة"!
يا رب صلِّ على المختار، وادخلنا في حِماه، واسقنا من حُميَّاه، وأسعِدنا بالنظر إلى طلعته البهية ومحياه، آمين يا رب، في الدنيا قبل الآخرة، في اليقظة وفي المنام، وعند الوفاة وفي البرازخ، ويوم الموافاة، وفي مواقف القيامة كلها شرِّفنا بالقرب منه وبرؤيته، ووفِّر حظَّنا من رؤيته في دار الكرامة، ووفِّر حظَّنا من رؤيته في دار المنة والفضل وجناتك، وفي الفراديس العلا مع خيار الملأ.
يا من يستحق الحمد كله
يا الله.. يا الله: أنت الذي خلقتنا وأنت الذي رزقتنا، وجعلتنا في خير أمة، ويسَّرت لنا هذه الوجهات وهذه الطلبات، وفتحت لنا هذه الأبواب؛ لك الحمد، لك الحمد، لك الحمد شكرًا ولك المَنُّ فضلًا، ربنا لا نستطيع أن نحمدك بأنفسنا قط، ولكن لك ومنك وإليك، احمِد نفسك عنا بما أنت أهله.
لك الحمد شكرًا ولك المن فضلًا، لك الحمد عدد ما خلقت وملء ما خلقت، لك الحمد عدد ما رزقت، لك الحمد عدد آياتك وأسمائك وكلماتك، وعدد كل شيء وملء كل شيء، فاحمد نفسك عنا بما أنت أهله يا من يستحق الحمد كله يا الله.
ويا من جعلت مَجْلَى الحمد من خلقك لك وحمدك لخلقك مرتكزًا في الرأس محمد خير الناس، وسميت لواءه في القيامة لواء الحمد، فصلِّ على الحامد المحمود. ووصفت أمته في الأمم السابقة بأنهم الحمَّادون، نحمدك على ما أعطيت وعلى ما تفضَّلت؛ فاربطنا بمحمد ربطاً لا ينحلُّ أبدًا، وتولنا به هاهنا وغداً يا الله.
اسعدوا بدعاء الله
اسعدوا بدعائه، واسعدوا بندائه، واسعدوا بالإلحاح عليه، والتوجه إليه، وقولوا لربكم رب العالمين: يا الله، عبيدك بفنائك، فقراؤك بفنائك، مساكينك بفنائك، سائلوك بفنائك، يا الله: عبيدك بفنائك، فقراؤك بفنائك، سائلوك بفنائك، مساكينك بفنائك، يا راحم المساكين يا أرحم الراحمين يا الله.
وزدنا من فضلك ما أنت أهله، وفرِّج كروب الأمة أجمعين، ادفع البلاء عن الأمة أجمعين، واجمع شمل الأمة أجمعين، واجعلنا في الهداة المهتدين، والحمد لله رب العالمين.
14 ذو القِعدة 1447