أسرار الاصطفاء ومكانة المصطفى وآثار الصلة بها
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ ضمن سلسلة إرشادات السلوك ليلة الجمعة 4 محرم 1448هـ في دار المصطفى، بعنوان:
أسرار الاصطفاء ومكانة المصطفى وآثار الصلة بها
نص المحاضرة مكتوب:
الحمد لله على ما أمد، وعلى ما وهب وأعطى وأعد، وعلى ما تفضَّلَ وجاد وأسعد، لا إله إلا هو، منه المبتدى وإليه المصير، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
أرسل إلينا السراج المنير، البشير النذير، السميع البصير، السائر في خير مسير، الداعي إلى العلي الكبير، سيِّدِ أهل التبصير والتنوير، محمد بن عبد الله، الرحمة المهداة والنعمة المسداة، اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرِّم عليه وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، برحمتك يا أرحم الراحمين وجودك يا أجود الأجودين.
اصطفاء الله لكل ما تعلق بالنبي ﷺ
ولقد وضع ربكم جل جلاله اسمه الكريم عند اسمه على قوائم العرش: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، فلا والله، ما أحبَّ اللهَ مُحِبٌّ إلا أحبَّ محمدًا، ولا عرف اللهَ عارفٌ إلا عرف محمدًا.
انتشار النور من سيدنا محمد
وإنَّ من سِرَايته التي قال عنها الفرزدق: "مَن يعرف الله يعرف أولية ذا"، السِّراية التي سَرَت في زين العابدين، فكيف بالأصل؛ بالذات سيد المرسلين محمد ﷺ! قال:
مَن يعرف الله يعرف أوَّلِيَّة ذا *** فالدين من بيت هذا نالته الأُمَمُ
ومن بيت محمد ﷺ، ومن قلب محمد، ومن لسان محمد؛ انتشر كل هذا النور وكل هذا الدين، وكل ما انطوى عليه، وكل ما تفرَّع عنه من مراتب: إسلام، وإيمان، وإحسان، ومعرفة خاصة، وصديقية كبرى، وولايات؛ انتشرت من أثر قلب محمد، ولسان محمد، وبيت محمد صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
وقال لنا الحق لما ذكره لنا مِنَّتِه علينا: (وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)، (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [آل عمران:164].
- فكم مِن فرق بين: (ضَلَالٍ مُّبِينٍ) وبين مجالي ومجاري: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)!
محبة المصطفى عليه الصلاة والسلام
- فنحن في هذه المجاري المباركة، والمجالي الزاهية؛ نستمطر رحمة الله تبارك وتعالى،
- ونسأله أن يُحقِّقنا بحقائق الإسلام والإيمان والإحسان؛ حتى نجد من محبته جل جلاله وتعالى في علاه ما نُؤثِره على كل ما سواه، وما نحب إلا من أجله.
- وإذا كنا كذلك، فلا أحب إلينا في الكائنات والمخلوقات حسِيّها ومعنويها أولها وآخرها من محمدٍ.. من محمدٍ!
يا رب صلِّ عليه، وشرِّفنا برؤية وجهه في الدنيا والبرزخ والآخرة، في اليقظة والمنام، وأنت راضٍ عنا وهو راضٍ عنا.
طلب التهيؤ لرؤيته ﷺ والترقي فيها
يا الله: إن كان الويل لمن لا يراه يوم القيامة، فاجعلنا من أسعد خلقك برؤيته في الدنيا والبرزخ والقيامة ودار المقامة، اللهم آمين.. اللهم آمين.
- هيِّئ هذه القلوب لأن تراه؛
- تنعكس رؤياها على الأعين والأبصار؛ فتأذن لها أن تراه،
- وتنعكس على الأرواح فتراه،
- وتنعكس على السرائر فتراه.
- ولكلّ رؤية مراتب كثيرة كبيرة متفاوتة، معناها يندرجُ في بعضٍ حتى تأتي إلى مُنتهاها،
- فلا يكون لها منتهى إلا ما يأذن الرحمن جل جلاله في دار الكرامة، من رضوانه الأكبر والنظر إلى وجهه الكريم.
التحقق بنصرة الله ورسوله
- اللهم أكرِمنا بحُسنِ متابعة هذا الحبيب وحُسن نصرته، واجعل جميع ما دار وجرى بيننا في نصرتك ونصرته، وفي محبّتك وفي محبته.
- وما نَعزِمُ عليه من هذه الأعمال وهذه الزيارات، فإنما هو: التجاء إليك، ولياذ بك، واستمطار لرحمتك.
- وإن ابتلَيت خلقك فصرفتَ بعضهم إلى بعض، فإنا إلى بابك منصرفون، وعليك معوّلون، وعليك متوكلون، وبك واثقون بالفضل منك والكرم، فلك الحمد على ذلك.
- فأتمم علينا النعمة، فأتمم علينا النعمة، فأتمم علينا النعمة، وابسط لنا بساط الجود والرحمة، وكُن لنا في كل مهمة.
الدعاء لخير هذا العام
يا الله: اجعل هذا العام الذي أقبل علينا من أبرك الأعوام على أمة حبيبك محمد، ومن أسعد الأعوام لأمة حبيبك محمد، ومن خير الأعوام لأمة نبيك محمد.
اللهم إنا نسألك لنا ولكل فرد من هذه الأمة: خير هذا العام، نوره وبركته وهُداه، نسألك خير هذا العام وخير ما فيه، وخير ما قبله وخير ما بعده، ونعوذ بك من شر هذا العام وشر ما فيه، وشر ما قبله وشر ما بعده، فهَبْ لنا الخيرات وأعِذنا من الشرور والآفات.
تفضيل الله لأكابر الخلق
- وهيِّئ هذه القلوب للرؤية الحسنة البديعة.
- وإنما علَّمكم ﷺ هذا الدعاء عند رؤية المرآة؛ لتذكروا أنه خلقكم على أحسن تقويم.. أوادم.
- وهذه كلها إشارة إلى ملاطفاته سبحانه وتعالى وإلى كرمه على هذا: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء:70].
- وإذا جئتَ إلى هذا الفضل الكثير، التفضيل من الإله الجليل جل جلاله، وجدته يرجع إلى أكابر بني آدم.. من الأولياء من الصديقين، واطلع فوقهم إلى النبيين، ولا أبهى ولا أجمل؛ واطلع إلى سيد المرسلين!
- الله يُشرِّفنا برؤياه، ويرزقنا حسن متابعته واقتفاه، ويُحيي سننه فينا وفي أمته.. صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساءً، إنه أكرم الأكرمين.
حقيقة الاقتداء بالنبي محمد ﷺ
- يا ربّ العالمين: دعا عدوّك أن يقتدي الناس بأعدائك والبعيدين عنك، ودعَوتنا أن نقتدي بنبيك محمد، فلا تجعل في قلوبنا ولا قلوب أهالينا وأهل بيوتنا قلبًا إلا مُلبّيًا لندائك، مقتديًا بخاتم أنبيائك.
- يا الله: والتزيين الباطل الذي زيَّنه الشيطان لقلوب كثير من الرجال والنساء في الاقتداء بمن خالفه ﷺ: امحُ ذلك وأبعد شره وضره عنهم.
- يا الله: وأشرق لهم أنوار زينة الاقتداء بزين الوجود.
- زينة الاقتداء بزين الوجود.. هو زين الوجود كله.
- وإذا أنت اقتديت به.. ما هناك زينة أحسن من زينتك.
- زينة الاقتداء بزين الوجود، تريد تعرف شيئاً من عظمتها؟ (يُحْبِبْكُمُ اللهُ)، هل مِن زينة أكثر من هذه؟! (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ) [آل عمران:31].
فانشروا رايات اتباعه في أنفسكم وأسركم وأهليكم وفي دياركم، وإذا جاءت لكم محبة الله فلا تخافوا سواه، هو الذي يكفيكم كل شيء في الدنيا وفي الآخرة، والطريق إليها: هذه الزينة العجيبة: (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ).
زيِّنَّا بزينة الاتباع لزين الوجود، والاقتداء بزين الوجود، في الغيب وفي الشهود، يا بَرُّ يا ودودُ يا الله.
وافتح بهذه المجامع وهذه الزيارات للأمة أبواب: الفضل والإحسان، والفرج العاجل، واللطف الشامل، والجمع للشمل، والدفع للآفات والعاهات والبليات والكُربات.
يا قريب يا مجيب الدعوات، يا قاضي الحاجات، يا بارئ الأرضين والسماوات: لا تدع في مجمعنا ولا من يسمعنا أحدًا إلا قبِلتهُ في محبتك، وأدخَلتهُ دائرة سيِّدِ أحِبّتك، حتى تحشرنا جميعًا في زمرته، وتُكرِمنا في الدارين برؤيته، وتُسعِدنا في الجنة بمرافقته، يا الله.. يا الله.. يا الله، يا غوثاه، يا ربَّاه، يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.
06 مُحرَّم 1448