منهاج خاتم النبيين الكرماء وحرمة الدماء
خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مسجد جبران، في مسجد الحسين بن طلال، في مأدبا، الأردن، 20 رجب الأصب 1447هـ بعنوان:
منهاج خاتم النبيين الكرماء وحرمة الدماء
نص الخطبة:
الخطبة الأولى :
الحمد لله، الحمد لله العزيز المبدع المنشئ المكوّن الفاطر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القوي العزيز القادر، وأشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمداً عبده ورسوله وحبيبه الزكي الطاهر، بعثه الله تبارك وتعالى بحقن الدماء وحفظ الأموال وصَون الأعراض، وما يوجِب الرفعة والعزة في الدنيا ويوم لقاء الحق ﷻ.
اللهم صلِّ وسلِّم على المبعوث بالرحمة سيدنا محمد المجتبى المختار، وعلى آله وصحبه ومن والاه وسار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، والملائكة المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد،،
عباد الله، فإني أوصيكم وإياي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله، وأحسنوا يرحمكم الله ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
واعلموا أن من اتقى الله عاش قويًّا وسار في بلاد الله آمنًا،
ومن ضيَّع التقوى وأهمل أمرها
تغشّتهُ في العقبى فنون الندامـــةِ
أيها المؤمنون بالله، وأساس تقوى الله اجتناب المحارم التي حرّم والنواهي التي نهى عنها وزجر.
حكم الله العدل يوم القيامة:
يا أيها المؤمنون بالله، وفي محكمة القيامة حيث يُجمَع الأولون والآخرون، والحال كما قال ربكم: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا﴾، ويحكم الحق سبحانه من لا مُعقِّب لحكمه، فلا يُبدأ في الحكم في القيامة قبل أي شيء بالحكم في الدماء والمساءلة عن الدماء، وإيقاف من تورَّط في دم حرام ولو بكلمة فضلاً عما سواها.
شرف الروح عند خالقها ﷻ :
أيها المؤمنون بالله، أرواح بني آدم لها من الكرامة عند الخالق ما نسبها إلى نفسه تشريفاً، وقال للملائكة: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾.
أيها المؤمنون، نظام حمَلَه آدم أبو البشر عليه السلام إلى ظهر الأرض، حُرمَة الإيذاء بالقول فضلاً عن الفعل، فضلاً عن المال، فضلاً عن العرض، فضلاً عن الدم.
ولم يزل ذلك النظام الإلهي إلى أن جاء خاتم النبيين محمد وأقام الأمر كما أحبّ الله الخالق وارتضى، وحرم الدماء والأموال والأعراض تحريماً قاطعاً عظيماً.
وأكد في ذلك وعظَّم الأمر فيما هنالك، وقال في حجة الوداع والناس مجتمعون بمنى: "أيّ يوم هذا؟"، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "أليس اليوم الحرام؟"، قالوا: بلى، قال: "فأي بلد هذا؟"، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "أليس البلد الحرام؟"، قالوا: بلى، قال: "فأي شهر هذا؟"، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "أليس الشهر الحرام؟"، قالوا: بلى، قال: "ألا فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟"، قالوا: بلغت يا رسول الله، قال: "ألا فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض".
عظمة الدماء عند الله :
أيها المؤمنون بالله، عظَّم الله شأن تناول الدماء مِمّن لا يحل تناول دمه، وجعل التطاول على ذلك قتل جميع الخلائق، ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، وذلك أن المجترئ على دم لا يحل في شريعة الله هو المؤجِّج للمخاوف والأخطار والقلق والفوضى، وللنفوس الضعيفة أن تتناول الدماء بعدم اكتراث ولا استشعار مسئولية، (فكأنما قتل الناس جميعاً).
أول حادثة قتل في البشرية:
أيها المؤمنون، وأول حادثة قتل في بني آدم كانت مع الإثنين الذين أمر الله نبيه أن يقصّ علينا نبأهما وخبرهما: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾، وذكر قتل هذا لأخيه بدوافع هذه النفس التي إن لم تُهذّب كانت هلاك صاحبها، وكانت سبب ورود صاحبها إلى النار الموقدة وإلى العذاب الأليم، بل إلى تعب الدنيا والآخرة ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾.
إذا لم تتهذب هذه النفس ولم تتأدّب بأنوار خطاب الله وبلاغ رسوله، فإنه يتولّاها العدو إبليس بأهوائها وشهواتها، فتقتحم كل ما يوجب الهَلَكة وما يوجب الضر والشر في الدنيا والآخرة ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾.
﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾.
قال تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وهكذا يقول رسول الله في حديثه الصحيح: "لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلى يوم القيامة، إلَّا كانَ علَى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها" -ابن آدم الأول قال- "لأنَّهُ كانَ أوَّلَ مَن سَنَّ القَتْلَ" فعليه إثم كل نفس تُقتل ظلمًا إلى أن تقوم الساعة.
كم تحمّل هذا؟ وكله في سبيل أن طوّعت له نفسه!
ما أصعب هذه النفس إن لم تتزكَّ، ما أخطر هذه النفس إن لم تتهذَّب وتتنور بنور الله؛ فترجع من الأَمّارة إلى اللوَّامة إلى المُلهمة إلى المطمئنة إلى الراضية المرضية، أمامها الكمال الإنساني وهي النفس التي تُخاطَب عند موتها وفي آخرتها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.
إقامة الحد على من قتل :
ولم يزل الأمر كذلك لا يجوز قتل إلا من تعمد قتلاً بغير حق، أوجب الله على ولي الأمر أن يُلَبِّي دعوة أولياء المقتول ظُلمًا ليُقيم عليه الحد ليكون ذلك مصدر أمنٍ وطمأنينةٍ في حياة الخلق، لذلك قال الرحمن: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وذلك أن المجتمعات من دون إقامة حد القصاص للمعتدي لا تطمئنّ ولا ينتشر بينها السكينة ولا الأمن، ولكن إذا كان هذا الحد قائمًا قُيِّدَت النفوس المُطَوِّعة للقتل، الغير مبالية بأمر الجبار، فعاش الناس في أمنٍ وطمأنينة ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
إرشاد النبي في حفظ الدم:
أيها المؤمنون بالله تعالى في عُلاه، وبيَّنَ ﷺ أحسن البيان، وقال فيما روى الإمام البخاري في صحيحه: "لا يزال الرجلُ في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصب دمًا حرامًا".
لن يزال المؤمن في فسحةٍ من دينه، قريب من رحمة الله، قريب من مغفرة الله، قريب من أن يتدارك الله أمره وأن يُنجيه من عذابه ما لم يُصِب دمًا حرامًا؛ فإذا أصاب الدم الحرام ضيَّق على نفسه وصَعُب نيله المغفرة، وصعُب نيله المسامحة من الله، وتعرَّض لغضب الجبار ﷻ.
أما في خصوص دماء المؤمنين فلقد قال الجبار الأعلى في كتابه العزيز: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
تستشعر هذا المقال من ذي الجلال؟
(فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ) - أي طرده من رحمته - (وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
فماذا يجني القاتل على نفسه؟
وماذا يجرّ إلى حاله ومآله؟ من الخزي والبعد والطرد والغضب والعذاب والشدَّة!
نعوذ بالله ﷻ من سوء المآل.
إثم قتل أهل الذمة :
أيها المؤمنون بالله، وجاء الحديث في صحيح البخاري يتحدث رسول الله عن دماء غير المسلمين من أهل الذمة والمعاهدين، فيقول: "من قتل معاهَداً أو ذميًّا لم يرح رائحة الجنة".
هذا كلام رسول الله في أصح الكتب لدينا، معاهد أو ذمي غير مسلم تتعمد قتله فلا رائحة للجنة عندك، لا تشم رائحتها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام، فكيف بالمسلم؟ فكيف بالمؤمن؟
وهكذا تجد أحوال الناس إذا زاغوا عن هذا النهج القويم، وترى الأنظمة التي تدّعي في العالَم حفظ الحُرمات وحقوق الإنسان وادعاء العدل وما إلى ذلك، هم الذين تحت أجهزتهم وأجندتهم يدرّبون الذين يغتالون، ويدرّبون الذين يأخذون أرواح الناس تدريباً دقيقاً.
لا والله ما في منهجهم خير، الخير في منهج الله وما بعث به عبده ومصطفاه، ولا استقرار للحياة إلا بمنهج خالق الموت والحياة ﷻ ، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
منهج الاستقامة والعدل :
أيها المؤمنون بالله ﷻ، منهج الله قام على هذه الاستقامة، وصرّح نبي الله ﷺ -ويُروى عند ابن ماجه والبيهقي وأبي يعلى عن رسول الله- قال: "مَن أعانَ على سفك دم رجل مسلمٍ ولو بشَطرِ كلمةٍ لقيَ اللَّهَ مَكْتوبًا بين عينيه آيسٌ من رحمةِ اللَّهِ".
هذه الإعانة بشطر الكلمة -نصف كلمة- فكيف بكلمة؟ فكيف بكلمات؟ فكيف بفعل؟ ما أشنع هذا الأمر!
ويُخشى على من لا يبالي في المشي بالسيارات أو غيرها من الدراجات على غير انتباه وتقيُّد بالنظام أن يكون ممن لا يبالي بسفك الدماء، فقد يتسبب في القتل والعياذ بالله تعالى.
"لن يزال الرجلُ في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصِب دمًا حرامًا".
منهج النبي الرحمة :
أيها المؤمنون بالله، عظِّموا حرمات الله ﷻ، وقد جاء في هدي نبينا المقتدى أنه لم يضرِب بيده صبيًّا ولا امرأةً ولا حُرًّا ولا عبدًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وما بعد هذا القصاص للمقتول، فالحدّ على من وقع في جريمة الزنا وهو مُحصَن -أي عنده زوجة يستطيع التمتع بها- فعمد إلى الجريمة، ثم وإنه مع عمده إلى الجريمة تعدّى وتحدّى وأظهر الأمر، حتى شاهده أربعة شهود مشاهدة معاينة مُحقّقة.
ولذا لم يقم هذا الحد بالشهادة قط من حين بعث رسول الله وأنزل عليه الحكم إلى يومنا هذا، وما قام إلا باعتراف من أراد أن يتطهر ويلقى ربه طاهرًا، مع إعراض النبي عنهم وفسح المجال لهم ليرجعوا عن اعترافهم، فأصرّوا -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى- رجاء التطهير ومقابلة العلي الكبير بالنقاء، والطهر والكفارة لما اقتحموا.
وكان في هديه أنه أقام الحد على من اعترف وهو رجل ولم يسأل عن المرأة، وأقام في الحادثة الأخرى الحد على المرأة حين اعترفت وأصرت على الاعتراف بعد الإعراض عنها مرات، حتى قالت: إني حامل من ذلك، قال: "فاذهبي حتى تضعيه"، فلما وضعتها جاءت بالطفل وقالت: ها قد وضعت فطهِّرني يا رسول الله وأقم علي حد الله، قال: "اذهبي حتى ترضعيه"، وذهبت ترضعه حتى جاءت به وفي يده كسرة من الخبز تُري رسول الله أنه استقل بالطعام -عليها رضوان الله- وقال عنها: "تابت توبةً لو قُسِّمَتْ على أربعين لوسعَتْهم"، قال شُراح الحديث: أي من منافقي المدينة أربعين من المنافقين، لوسعتهم توبة هذه الصادقة عليها رضوان الله، وقال: "وهل وجدَتْ خيراً مِن أن جادَتْ بروحها" عليها رضوان الله تبارك وتعالى.
والثالث: ذلكم المقاتل الحربي والمعتدي الصائل الظالم، وفيما سوى ذلك لا سبيل إلى سفك الدم، حتى قال في المقاتل الحربي: "لا تقتلوا امرأة ولا صبي ولا أجيراً ولا معتكفا في صومعة"، وحرّم التمثيل بالقتلى ولو كانوا حربيين كفاراً.
أين هذا من دعاوى من يدّعي الأنظمة على ظهر الأرض؟
نظام محمد هو الطاهر النقي الذي يحتاج إليه مؤمن الأرض وكافرها، وعربها وعجمها، بل وإنسها وجنها، وصغارهم وكبارهم، منهج الرحمن الذي بعث به خاتم النبيين ﷺ.
خاتمة الخطبة الأولى :
املأ اللهم قلوبنا بالإيمان واليقين، وارزقنا حفظ الحُرمات في أنفسنا وأهلينا وأولادنا، وتقواك في سرنا ونجوانا وظاهرنا وباطننا، ولا تكِلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
والله يقول وقوله الحق المبين: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وقال تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وثبتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا من خزيهِ وعذابه الأليم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية :
الحمد لله الذي بيده ملكوت كل شيء، وأشهدُ أن لا إله إلا الله الواحد القيوم الحي، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، خير بريته المصطفى من بني لؤي.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدك المختار سيدنا محمد، من بلغ الرسالة وأدَّى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغُمَّة، وجاهد في الله حق الجهاد حتى أتاه اليقين، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وآبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك وآلهم وصحبهم وتابعيهم وملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
تجنب أذى المؤمنين :
أما بعد،،،
عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله، وتجنَّبوا أعراض المسلمين ودماءهم وأموالهم وما لا يحلُّ لكم، فإن الجبار ﷻ يرقبُ ذلك، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾.
قال ذلك بعد الآية التي قبلها مباشرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾، (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا).
مجرد الأذى ضُر واحتقار المسلم يكفي من الشر، "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر".
أيها المؤمنون اتقوا الله وعظموا شرع الله واعملوا بأمر الله، وإن أول ما يُقضى بين الخلائق في الدماء يوم لقاء الله جل جلاله.
خاتمة الخطبة الثانية :
اللهم طهِّر قلوبنا وأعضاءنا عن المعاصي والذنوب، واجعلنا من أهل التعظيم لحرماتك يا علام الغيوب، وطهِّرنا من جميع الأدناس والعيوب.
وأكثروا الصلاة والسلام على الهادي إلى الهدى والحق وطريق الإله الملك العلام، عبده محمد خير الأنام، فإن أولاكم به يوم القيامة أكثركم عليه صلاة وسلام، وإن الله أمركم بأمرٍ ابتدأ فيه بنفسه وثنّى بالملائكة وأيّه بالمؤمنين، فقال مُخبِرًا وآمرًا لهم تكريما: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللهم أَدِم صلواتك على عبدك المختار سيدنا محمد، وعلى الخليفة من بعده المختار وصاحبه وأنيسه في الغار، أهل الخلافة ومستحقها بالتحقيق خليفة رسول الله سيدنا أبي بكرٍ الصديق.
وعلى الناطق بالصواب حليف المحراب، المنيب الأواب، أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب.
وعلى الناصح لله في السر والإعلان، من استحيت منه ملائكة الرحمن، أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان.
وعلى أخ النبي المصطفى وابن عمه، ووليه وباب مدينة علمه، إمام أهل المشارق والمغارب، أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب.
وعلى الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة في الجنة، وريحانتَيْ نبيك بنص السنة، وعلى أمهم الحوراء فاطمة البتول الزهراء، وأخواتها بنات سيد المرسلين، وعلى أمهات المؤمنين زوجات المصطفى الأمين، وعلى مريم وآسية، وعلى الحمزة والعباس، وسائر أهل بيت نبيك الذين طهرتهم من الدنس والأرجاس، وعلى أهل بيعة العقبة وأهل بدر وأهل أحد وبيعة الرضوان، وعلى سائر الصحب الأكرمين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الدعاء :
اللهم اعصم دماء المسلمين، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم احرس أموال المسلمين، اللهم احفظ أعراض المسلمين، اللهم اجمع شمل المسلمين، اللهم ألِّف ذات بين المؤمنين، اللهم ادفع السوء عنا وعن جميع المؤمنين.
اللهم يا محول الأحوال حول حالنا والمسلمين إلى أحسن حال، فقِّهنا في الدين وعلِّمنا التأويل واهدنا سواء السبيل، واسلك بنا مسلك نبيك المصطفى في النية والقصد والفعل والقيل.
اللهم بارك لنا في خواتيم رجب وذكرى الإسراء والمعراج، وخلِّص اللهم بيت المقدس وطهِّره، اللهم واردد كيد الكائدين في نحورهم، واعصم اللهم دماء المسلمين في غزة والضفة الغربية وأكناف بيت المقدس، وفي لبنان وسوريا وفي الأردن وفي اليمن وفي مشارق الأرض ومغاربها.
اللهم اشف مرضاهم وداو جرحاهم، واقبل اللهم موتاهم في الشهداء لديك.
اللهم حوِّل الأحوال إلى خير حال، اللهم ادفع عنا البلايا والأهوال، اللهم لا صرفتنا من الجمعة إلا والقلوب مجموعة على طاعتك في السر والنجوى، وتقواك في السر والعلن.
اللهم ثبِّتنا على ما تحب وادفع عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، أصلح الأحوال كلها، وادفع الشرور كلها، واغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا وذوي الحقوق علينا والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات أحياهم والأموات إلى يوم الميقات يا غافر الذنوب والخطيئات.
وخُذ بيد ملك البلاد الملك عبد الله إلى سبيل الهدى والصواب والرشاد والسداد، وخذ بيد ولي عهده ومن معهم ممن يعينهم على الخير إلى ما تحب وترضى، وفيه الخير الظاهر والباطن للمؤمنين والمؤمنات.
اللهم رُدّ كيد الكائدين في نحورهم، وكف عن المسلمين جميع شرورهم.
اللهم واختم لنا بأكمل الحسنى وتولنا بما أنت أهله حساً ومعنى، وارزقنا العثور على المطلب الأسنى والمشرب الأهنى.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
نسألك لنا وللأمة من خير ما سألك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
عباد الله، إن الله أمر بثلاث ونهى عن ثلاث: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكُم، ولذكر الله أكبر.
21 رَجب 1447