دروس رمضان وحقائق رَوح العبادات وما يجب تحصيله من ثمراتها
خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الإيمان، بعيديد، مدينة تريم، 10 رمضان 1447هـ بعنوان:
دروس رمضان وحقائق رَوح العبادات وما يجب تحصيله من ثمراتها
نص الخطبة:
الخطبة الأولى:
الحمد لله، الحمد لله مَوْلَانَا الخَالِق العَلِي العَظِيم، المُنْشِئ البَارِئ المُوجِد، الرَّحْمَن المَنَّان الكَرِيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ، الحَيُّ القَيُّومُ، جَامِعُ الخَلَائِقِ فَحَاكِمٌ بَيْنَهُمْ فِي يَوْمِ المِيقَاتِ المَعْلُومِ.
وأشهد أن سيدنا ونبينا وقُرَّةَ أعيننا ونور قلوبنا محمداً عبده ورسوله، وحبيبه السيد المعصوم.
اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرِّم على عبدك المُجْتَبَى المختار سيدنا محمد، القدوة العظمى في كلّ ما يُقرِّب إليك، والسبب الأقوى في كل ما يوصل إليك.
اللهم أَدِمْ صلواتك على المُجْتَبَى المختار سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار على منهجه الأرشد، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، ساداتِ كل مُكَرَّمٍ ومُقَرَّبٍ ومُمَجَّدٍ، أَئِمَّةِ مَنْ عَبَدَ ولله سجد، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم الرُّكَّعِ السُّجَّدِ، وعلى ملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
الوصية بتقوى الله في شهر رمضان
أما بعدُ عباد الله، فإني أوصيكم وإيّاي بتقوى الله..
فما عملتم في حقائق تقوى إلهكم؟ وقد مرّت عليكم أوائل الدروس الرمضانية، وما فُرِضَ عليكم من صيام وسُنَّ لكم من قيام على لسان ويد خير البرية ﷺ.
وما ارتقيتم من مَرَاقِي التقوى في خلال هذه الأيام؟ وماذا استعددتم له فيما يبقى من أيام الشهر المعدودات من الارتقاء في المراقي العِظَامِ، في حياة القلب والروح، وإحياء المشاعر الصالحة، وحياة الإيمان، وحياة الإدراك لعظمة المُهِمة وكِبَرِ المسؤولية، ومعاني الاستعداد للرجوع إلى الرب سبحانه وتعالى، الحاكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون.
حقيقة الصيام وثمراته في النفوس
ماذا تصنعون أيها العباد، بالصيام والقيام والأعمال التي تُوَفَّقُونَ لها في خلال أيام وليالي هذا الشهر؟ فماذا تصنع فيكم؟ وذلكم أنّ كل صائم، وكل قائم، وكل تالٍ لكتاب الله، وكل مواصل للأرحام، وكل بارٍّ للوالدين، وكل مُتصدِّق، وكل ذاكر لله تبارك وتعالى؛ إذا أقام عبادة على نحو صحيح من الإقبال على الله، أثمرت له هذه العبادات كلها، وكل واحدة منها؛ زيادة في الإيمان واليقين، وطُهراً في الجَنَانِ وتصفيته عن كل ما يَشِينُ، وقرباً إلى رب العالمين، وإدراكاً لمُهمته الكبيرة التي خُلِقَ من أجلها، وعَظِيمِ مَآلِهَا ومَآبِهَا وغايتها ومصيرها، وذلكم جنّة الخلد للمتقين، ونارٌ أُعِدَّتْ للكافرين والفاجرين.
فالصوم والعبادة متصلات بحقائق إدراك هذه المعاني الكبيرات الواسعات.
يا أيها المؤمنون، يا من استجبتم لنداء عَالِمِ الظُّهُورِ والبُطُونِ على لسان عبده الأمين المأمون، له الحمد إذ وفَّقكم للإيمان وللقيام بالصيام في الشهر الكريم المبارك.
فاتقوا الله تبارك وتعالى في إقامة هذه العبادات، وإحياء المشاعر، وتنقية الضمائر، وتصفية السَّرَائِرِ، وإدراك المُهِمة الكبيرة للقيام بها في العمر القصير استعداداً للقبور والمَحَاشِرِ، ولدخول جنة الله تبارك وتعالى في العطاء العظيم والنعيم الواسع الوافر.
روح العبادة ومقاصدها
يا من أدركتُم الشهر وأيامه ولياليه، هل غَنِمْتُمْ مِمّا فيه؟ ماذا عمل فيكم الصيام في خلال الأيام الماضيات؟ وما رَقَّاكُمْ به في الأحوال والحالات، والمَدَارِكِ والمشاعر والأحاسيس، والوِجْهَاتِ، والمقاصد والنيات؟!
إنها صِلات بالحي القيوم، وتقويم عبودية من خلال صيامنا، عبَّر عنها الإله الحق فيما رواه عنه نبيه المصطفى الصادق ﷺ عن حال هذا المؤمن في صيامه، قال جل جلاله: «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي».
إنها صِلَة، إنها رابطة، إنها مشاعر عبودية تتولاها ربوبية، «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي»؛ لما قذفتُ في قلبه من الإيمان بي، وما أكرمتهُ به من معرفة عظمتي وجلالي، وإحاطتي به واطِّلاعي عليه، وأنَّ رجوعه إليَّ ومصيره إليَّ ونهايته أن يقف بين يدي.
لأجلي يَدَعُ الطعام والشراب والشهوات؛ فهو المُهَيَّأُ للرقي في التقوى، ولأن يترك من أجلي كل ما حَرَّمْتُ عليه من النِّيَّاتِ، ومن المقاصد، ومن الوِجْهَاتِ، ومن النظرات، ومن المسموعات، ومن المعاملات، ومن الفواحش، ومن جميع المحرمات في الحركات والسَّكَنَاتِ.
إنها دروس تُزَكِّ النفوس، إنها سلالم تُقرِّب إلى الملك القدوس، إنها مشاعر تمتلئ بها جوانح المؤمنين فَيَلَذُّ لهم مناجاة رب العالمين، يطلبون بها رضوانه ومحبته وقُربه.
فتجدهم يَلَذُّ لهم الصيام، ويتمنون أن رمضان يطول ويمتد أياماً فوق الأيام، وتحلو لهم الليالي بأسرار القيام، والذكر للملك العَلَّامِ، والصلاة على خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم.
تطيب لهم على قدر صفائهم ونقاء بواطنهم، وصدق وجهتهم إلى الرب، فيدركون ما في رمضان، وما ينطوي عليه الشهر في أيامه ولياليه؛ من حقائق علاقة عبدٍ بإلهٍ مَعْبُودٍ، ومخلوقٍ بخالقٍ مَقصود، ومصنوعٍ بصانعٍ له حقيقة الوجود.
اغتنام أوقات الشهر الفضيل
أيها المؤمنون بالله جل جلاله، يجب أن يفعل الشهر فينا أفاعيل أنواره، وأن نحظى بحقائق أسراره، وأن تَتَطَهَّرَ مِنا الأفئدة، وأن تتوجّه منا القلوب صادقة مُقبلة بالكُلِّيّة على ربها جل جلاله، عليه وحده معتمدة، وإليه مستندة، ولوجهه الكريم قاصدة.
أيها المؤمنون، ثلثٌ في الشهر مضى، ماذا أَشْرَقَ من قلبك فيه وأضاء؟ وبقي الثلثان، إن أديت العبادات صورة بلا روح ربما أصابك التثاقل والتكاسل والملل والتساهُل، ولكن إن أدَّيتَ العبادات بالروح؛ ازداد فيك النشاط وقويت فيك الهمة على ممر الليالي والأيام والساعات.
وارتبطتَ بالقدوة الذي كان يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، ويجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها من نَفْسِ رمضان، فتكون هِمته في الآخِرِ أقوى، واجتهاده أعظم في أواخر الشهر.
وهكذا حال كل صادق مع الرحمن في صومه وقيامه وقراءته القرآن في السر والجهر؛ تمرّ الأيام ويزداد محبة ورغبة وشوقاً، يُحب قضاء الأوقات في ساحات التقرُّب إلى رب البريات، وساعة تمرّ به في مسجد وفي مجلس ذكر؛ أفضل وأشهى عنده من ساعات الغفلات، وساعات المخاطبات والمحادثات للناس، وساعات المشاهدات للبرامج ولأنواع الشاشات.
يَسْتَحْلِي التقرب إلى الملك العلي، يَسْتَحْلِي سجوداً؛ وُعِدَ عليه أنه لا يسجد سجدة في رمضان إلا جعل الله له بها شجرة في الجنة، يسير الراكب في ظلها سبعون عاماً ما يقطعها، وبكل سجدة كذا وكذا وكذا، يقول الصادق، فيعشق السجود.. أين وصلت في عشق السجدات؟ وهل تحب طولها؟
أداء العبادات إيماناً واحتساباً
إن الذي لا يعرف روح العبادة والصوم والعمل، يبحث عن السرعة في صلاة التراويح ليخرج من المسجد سريعاً.
هذا يتناقض مع درس الصوم، هذا يتناقض مع دروس رمضان، وبركات رمضان، وأنوار رمضان!
إنه الشهر الذي يُقَرِّب، والشهر الذي يُطَيِّب، والشهر الذي تذوق فيه حلاوة القرب من الرب وتتقرب مع من يتقرَّب.
ومن هنا سمعنا قول سيدنا الداعي إلى الإله، عبده ومصطفاه: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا»، إيماناً واحتساباً؛ ليس ضعيف المشاعر والإحساس، إيماناً مُوقِنًا مُحْتَسِبًا، يرجو على ذلك عطايا ما أكبرها، ومِنَنًا ما أبهرها، ومَرَاتِبَ ما أعظمها، ومنحاً يُحَصِّلُهَا كبيرة من الإله ما أكرمها! إنه يصوم إيماناً واحتساباً، ليس له قصد إلا وجه الإله.
ويقوم كذلك إيماناً واحتساباً، لا فاقد الشعور، لا فاقد الإحساس، لا مسترسلاً مع العادة كأنها عادة، إنها عبادة ووصلة بالرب عالم الغيب والشهادة.
فَقُمْ بِحَقِّ الصيام، واعمل على الروح في صومك وقراءتك للقرآن وقيامك وصلواتك، وأَحْضِرْ قلبك في الصلوات الخمس خصوصاً.
وماذا يخصّ رمضان من قوة حضور قلبك في الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء؟ إنها بُسُط اتصال بجزيل النوال، عظيمة واسعة المجال، قال عنها قدوتنا: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ».
اطمئنّ في صلواتك فرائضها ونوافلها، وكلما استطعت طول القيام فَتَذَكَّرْ تَوَرُّمَ الأقدام من خير الأنام.
إذ قام حتى تو
ورِمَت رجلاهُ ** وواصل الصوم وقد أولاهُ ** مولاه أولى الفضل والإفضالِ
اللهم املأ قلوبنا بأنوار اليقين والمعرفة وصدق الإقبال، وبارك لنا في هذه الأيام والليال، وأيقظِ قلوب المؤمنين لِتفقهَ سر هذه المعاملة معك يا ذا الجلال، وارزقنا الإيمان والاحتساب والإنابة مع من أناب، وحُسْنَ تلاوة الكتاب، والاقتداء بسيد الأحباب، واكتب لنا جزيل الأجر والثواب، وأصلح لنا الحال والمَآب، ولا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا يا كريم يا وهاب.
آيات من الذكر الحكيم
والله يقول وقوله الحق المبين: (فَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَأُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ * شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وثبَّتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا من خزيه وعذابه الأليم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية: فضل العشر الأواسط والأواخر
الحمد لله ولي المؤمنين والصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين، وأشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمداً عبده ورسوله، ومصطفاه الأمين.
اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرِّم على النور المبين، خاتم النبيين وسيد المرسلين، عبدك الهادي إليك والدالِّ عليك محمد بن عبد الله سيد أهل اليقين، وعلى آله الطاهرين وأصحابه الغُرِّ الميامين، وتابعيهم على الصدق والإيمان واليقين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم وتابعيهم إلى يوم الدين، وعلى ملائكتك المُقرّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله..
فاتقوا الله، واجعلوا العشر الأواسط أوسع نِطَاقَاً ومجالاً في الوِجْهَةِ والإقبال والهِمة من العشر الأوائل، واخبأوا الهِمّة وصدق الإقبال للعشر الأواخر؛ فهذه طريقة نبيكم الطاهر ومسلكه الفاخر، به تسعدون في الدنيا والبرزخ واليوم الآخر.
غزوة بدر الكبرى ودروس النصر
أيها المؤمنون بالله، في السنة الثانية، وفيها قد فُرِضَ الصوم صادف أيام الحر وشِدَّةِ الرَّمْضَاءِ، خرج نبيكم في مثل هذه الأيام إلى بدر، في أداء للمهمة ونشر للرحمة، وإقامة للحُجّة وإيضاح للمَحَجَّةِ، ومعه الصادقون المخلصون من المهاجرين والأنصار، بِضْعٌ وستون من المهاجرين، وبقيّة الثلاثمائة والبِضْعَةَ عَشَرَ من الأنصار الأكرمين.
ووقفوا مع سيد المرسلين، وبذلوا الوسع والطاقة، وأيَّدهم رب العالمين، ونظر إليهم نظرة وميَّزهم على الخلق؛ حتى قال سيدنا جبريل لسيدنا رسول الله: ما تعدّون مَن حضر بدراً فيكم يا رسول الله؟ قال: هم خيرنا، قال: كذلك من حضر معك بدراً من أهل السماء هم خير أهل السماء. الملائكة الذين نزلوا وتشرفوا بالقيام مع رسول الله محمد صاروا خير أهل السماء لانضوائهم تحت راية سيد أهل الأرض والسماء.
ابْسُطْ بِسَاطَ سنته في دارك ولأهلك وأولادك، وخُذْ بأيديهم، إنه شهر التربية والتزكية والتنقية والترقية، والتطهير والتنوير، وكَنْسِ الضمير عن كل ما لا يليق بالعبد مع الإله الكبير.
وعَوِّدْ أولادك إذا أطاقوا الصيام من بعد السبع أن يتعوَّدوا ما طاقوا باليُسر، ثم لِيَقْوَى أمرك لهم في العشر من السنوات مهما أطاقوا الصيام، ربطاً بالإله ومنهجه ومُصطفاه ودينه وما أوحاه جل جلاله وتعالى في علاه.
أيها المؤمنون تذكّروا أهل بدر وما صدقوا الله، (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
غاية المؤمن في الحياة (قصة الصحابي الحبشي)
أيها المؤمنون، وفي إدراك الغايات الكبيرة والمقاصد من الصيام والقيام والعبادات؛ جاء في الخبر أن حبشياً كَلَّمَ النبي ﷺ وقال له: أنتم فُضِّلْتُمْ علينا باللون والصور، فما لنا في الآخرة يا رسول الله؟ قال: «إن الذي كان أسود في الدنيا إذا دخل الجنة رُئِيَ بياضه من مسافة سنة».
قال: يا رسول الله، إذا آمنت بك وعملت ما أمرتني أكون معك في الجنة؟ قال: «نعم». قال: يا رسول الله، أرى ما ترى فيها وأحضر معك فيها؟ قال: «نعم»، فبكى الحبشي واستعبر حتى فاضت روحه، عليه رضوان الرب.. هذه الغاية! يفكر في النهاية، يفكر في الأبد والخلود، كذلك يُعلّمك صومك، كذلك يُعلِّمك القيام.
ما غايتك في هذه الحياة؟ إن النفس وإبليس وجنده يغرونك أن تجعل الغاية أموالاً، أو وظائف، أو قصوراً، أو سيارات، أو سلطة، أو جاه! ولا ينصحونك والله، ولا يحبونك والله، وإنما يريدون أن تهوي معهم في الهاوية! لكن ربك ورسوله يعلمونك الغايات، يعلمونك المقاصد العليات.
صُمْ إيماناً واحتساباً، قُمْ إيماناً واحتساباً، واجعل غايتك رضاه، وقربه ووَلَاهُ، ومحبته ومعرفته، ومرافقة أنبيائه وسيدهم محمد بن عبد الله.
نِعْمَ المقاصد، نِعْمَ الغايات، يُقَوِّمها رمضان فيمن عرف قدر رمضان، وصام روحاً لا صورة، وقام روحاً لا صورة، وقرأ القرآن روحاً لا صورة.
تتنمى فيه هذه المعاني وهذه الأنوار، وتشرق في قلبه، ويغنم الليالي وما فيها، والأيام وما تحويه من خيرات بَارِيهَا.
ما أجملها وما أكملها وما أفضلها وما أحسنها وما أبهاها! «ولو تعلم أمتي ما في رمضان، لتمنّت أن تكون السنة كلها رمضان».
بارك لنا في رمضان، بارك لنا فيما مضى، وغَنِّمْنَا ما بقي، وزدنا من الفضل ما أنت أهله يا حي يا رحمن، يا ذا الجلال والكرم والطَّوْلِ والإنعام والإحسان.
فضل الصلاة على النبي
واستفتحوا باب العطايا الربانية بكثرة الصلاة على خير البرية؛ فإن رب العرش يُصلّي على من صلى على حبيبه محمد بكل مرة عشر صلوات من رب البريات، وإن أولى الناس بسيدنا المصطفى في القيامة أكثرهم عليه صلاة.
وإن الله لما أمرنا بالصلاة على حبيبه ابتدأ بنفسه وَثَنَّى بملائكته، وَأيَّهَ بالمؤمنين، فقال مُخبراً وآمراً لهم تكريماً وتفخيماً وتعظيماً: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
اللهم صلِّ وسلم على عبدك المجاهد، الصابر المُكَابِدِ، حبيبك المختار محمد أشرف عابد، وأكرم راكع وساجد.
وعلى الخليفة من بعده مؤانسه في حالي السَّعَةِ والضيق، خليفة رسول الله سيدنا أبي بكر الصديق.
وعلى المُنِيبِ الأَوَّابِ، حليف المحراب، أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب.
وعلى مُحْيِي الليالي بتلاوة القرآن، من استحيَت منه ملائكة الرحمن، أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان.
وعلى أخ النبي المصطفى وابن عمه، وَوَلِيِّهِ وباب مدينة علمه، ليث بني غالب، إمام أهل المشارق والمغارب، أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب.
وعلى الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة في الجنة، ورَيْحَانَتَيْ نبيك بنصّ السنة.
وعلى أمهما الحوراء فاطمة البتول الزهراء، وعلى خديجة الكبرى وعائشة الرضا، وعلى الحمزة والعباس وسائر أهل بيتك الذين طُهِّرُوا من الدنس والأرجاس، وعلى أهل بدر وأهل بيعة العقبة، وأهل أحد وأهل بيعة الرضوان، وعلى سائر الصحب الأكرمين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أَعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أَذِلَّ الشرك والمشركين، اللهم أَعْلِ كلمة المؤمنين، اللهم دمِّر أَعْدَاءَ الدِّينِ، اللهم اجمع شمل المسلمين.
اللهم حَقِّقِ المسلمين في المشارق والمغارب بحقيقة الصيام إيماناً واحتساباً، والقيام إيماناً واحتساباً، حتى تتزكّى نفوسهم وتتطهّر أرواحهم، وتَرْقَى بهم هِمَمُهُمْ وتَعْلُوَ بهم مشاعرهم، ويدركون المهمة التي خلقتهم من أجلها، ويستعدّون للقائك بما تحب لهم من القول والفعل في جميع الأمور دقيقها وجليلها يا أكرم الأكرمين.
تدارَك أمّة النبي الأمين، واجعل رمضان لهم مَرْقًى يرقون فيه إلى التحقُّق بحقائق الإيمان واليقين، والصدق معك في كل شأن وحين.
اللهم اعمر قلوبهم واعمر ديارهم بأنوار الهدى والإيمان والمعرفة والصدق والإخلاص، وادفع عنا وعنهم البلايا والآفات في الدنيا ويوم الأخذ بالنواص.
اللهم رُدّ كيد المعتدين والمفسدين والظالمين والمجرمين وأعداء الدين في نحورهم، واكفِ المسلمين جميع شرورهم.
اللهم اجمع شمل الأمة، وأَلِّفْ ذات بين الأمة، واكشف عنهم كل غُمّة، وادفع عنهم كل مُدْلَهِمَّةٍ، وحَوِّلِ الأحوال إلى أحسنها يا مُحوِّل الأحوال.
اللهم وأَلْحِقْنَا بأهل بدر وأَرِنَا وجوههم في القيامة ودار الكرامة، ولا تُخلِّفنا عنهم يا ذا العطايا ويا ذا المِنَحِ ويا ذا الهبات الواسعات، يا مجيب الدعوات يا قاضي الحاجات.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا ومولودينا وذوي الحقوق علينا، ولمن أحسن إلينا، وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، أحيائهم والأموات، ماضيهم وحاضرهم والآتي إلى يوم الميقات.
اللهم اغفر لنا بالمغفرات الواسعات، وسامحنا يا غافر الذنوب والخطيئات، واعفُ عنا إنك تحب العفو يا جزيل الهبات، يا عظيم العطيات.
اجعل باقي شهرنا خيراً لنا من ماضيه، واجعلنا عندك من خواصّ أهليه، وعَامِرِي أيامه ومُحْيِي لياليه.
اللهم شرِّفنا بالقرب منك والدنوّ من حضرتك وتحقيق العبودية لك، وأذقنا حلاوة المناجاة ولذّتها، وحلاوة الرحمة ونعمتها.
اللهم وأذِقنا بَرْدَ عفوك يا عفو يا كريم، وثبِّتنا على الصراط المستقيم.
(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).
(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).
(رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، (وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)
(رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا).
نسألك لنا وللأمة من خير ما سألك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، ونعوذ بك من شر ما استعاذك عبدك نبيك سيدنا محمد، وأنت المستعان وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
عباد الله، إن الله أمر بثلاث ونهى عن ثلاث: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر.
14 رَمضان 1447