(452)
(628)
(368)
خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع تاربة، بوادي حضرموت، 19 ذو الحجة 1447هـ بعنوان:
الاهتمام بقضية المغفرة وارتباطها بالعبادات وواجب المؤمن في موسم الحج ومراحل العمر
يبيّن في الخطبة أهمية طلب المغفرة وأن تكون همّ المؤمن في عباداته ومواسمه، وأن الحج وسائر الطاعات أبواب للتطهر من الذنوب، كما يؤكد على أثر الموسم في قلوب المؤمنين، والتحذير من الشحناء والتحريش بينهم، ويدعو إلى اغتنام الأعمار بمحاسبة النفس والاستغفار وصلة الأرحام وبر الوالدين، استعدادًا للرجوع إلى الله والنجاة من الحسرة يوم القيامة..
ساعات الحسرة والندامة (من الخطبة)
الحمد لله، الحمد لله بارئِ السماوات والأرض، وجامعِ الأولين والآخرين ليوم العرض.
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يجمع قلوب المؤمنين به على الصدق والإخلاص لوجهه، والخوف مِن المآبِ والرجوع إليه؛ مِن حيثية الذنوب واكتساب السيئات، والرغبة فيما لديه، مُبَرْهَنًا عنها بالإقبال الصادق وكثرة الحسنات.
وأشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمداً عبده ورسوله ﷺ، جامع حميدِ الصفات، وخاتم النبوة والرسالات، صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وصحبه القادات، ومن تبعهم ليوم الميقات.
اللهم صلِّ وسلم على المبعوث بالرحمة، وآله وصحبه وأتباعه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين رافعي الدرجات، وآلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى ملائكتك المقربين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد، عباد الله:
فإني أوصيكم وإياي بتقوى الله، تقوى الله التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ).
أيها المؤمنون بالله جل جلاله وتعالى في علاه، يَطْرُقُ بالَ المؤمن في كل عمل صالح يعمله، وقول حسن يقوله، وسعي يسعى فيه؛ يطرق باله طلبُ المغفرة من الله الكريم الغفار.
فمجيءٌ إلى أداء فرض الصلوات، وإلى أداء الجمعة المفروضة، وحضورٌ لمجالس العلم والذكر، بل وحجٌّ إلى بيت الله الحرام، وزيارةٌ لرسول الله ﷺ، وتزاورٌ في الله، وسعيٌ في مصالح العباد، وصومٌ لرمضان، وأداءٌ للزكَوَات، وبذلٌ للصدقات، إلى غير ذلك مما شرع الله من المقرّبات إليه؛ يقترن به ما يُخَامِرُ ويُنازلُ بالَ المؤمن من طلب المغفرة من الله جل جلاله وتعالى في علاه.
ومعنى ذلك: أنّ طالب المغفرة أدرك خطر الذنوب،
وأيقن أن قضيته الكبرى ومسألته الأهم: أن ينجو من عذاب ربه، وأن يدرك العفو من إلهه، وأن يُخَلَّدَ في دار الكرامة والنعيم.
وهذه القضية إذا أخذت مكانها من عقل المؤمن وشعور المؤمن، حجبته عن أنواع الذنوب والسيئات، وحالت بينه وبين الإصرار على صغير أو كبير من الخطيئات، وحملته على التدارك، بل على الرغبة بعد المغفرة في رفيع الدرجات ونيل المراتب العُلى لدى الملك الأعلى جل جلاله وتعالى في علاه.
ومن لم يأخذ هذه القضية مأخذها من عقله وفكره، فما أيسر وما أسهل أن يتساهل ويتقاعد عن امتثال أمر ربه!
وما أقربَ أن يرتكب ويقتحم ما حرّمه عليه مولاه، في عينٍ بنظرة، أو أذنٍ بسماع، أو كلمةٍ بقول يقوله، أو حركةٍ للأعضاء، أو ما هو أخطر منها من تحرُّكات القلوب في النيات والمقاصد والإرادات!
وحينئذٍ يختبط في مساره، وينحدِر في أفكاره، وتتراكم عليه ظلمات الذنوب بعد الذنوب، ظاهرةً وباطنةً، بعيداً عن سماع خطاب رب الأرباب: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ).
أيها المؤمنون بالله جل جلاله، وفي هذا المضمار نجد الأخبار بعد الآيات تدور في هذا المدار؛ على نيل المغفرة بمختلف الطاعات والعبادات.
فذكر ﷺ المغفرة فيما يتعلق بالوضوء وإحسان الوضوء، والمغفرة في حضور الجماعة وشهود الصلوات في المسجد، وأن له بكل خطوة أن يُحَطَّ عنه خطيئة وأن تُكتب له حسنة، وأن تُرفع له درجة عند الله جل جلاله.
وذكر ﷺ المغفرة في شأن الجمعة وحضورها، وقال ﷺ: "من توضأ يوم الجمعة أو اغتسل، ومسَّ ما عنده من طِيب، ومشى إلى الجمعة ولم يُفرّق بين اثنين، وأنصت إلى الخطبة؛ كان كفارةً له لذنوبه إلى الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام"، غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام.
وهكذا يقول لنا ﷺ: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدم من ذنبه".
"فرض الله عليكم صيامه، وسننتُ لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه".
وهكذا نسمعه يقول ﷺ في شأن الحج، يقول عليه الصلاة والسلام: "من حجّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق؛ خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، "رجعَ كيومِ ولدتهُ أمُّه"، أي لا ذنب عليه ولا خطيئة ولا سيئة.
وهكذا نجده ﷺ يقول في أمر الحاج، فيما رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي وابن خزيمة: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْحَاجِّ، وَلِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ"، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْحَاجِّ، وَلِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ.
ويروي ابن أبي شيبة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: يُغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج بقية ذي الحجة والمحرّم وصفر وعشراً من ربيع الأول.
وهكذا رأينا في دعائه ﷺ وفي خبر عمر رضي الله عنه، تشارُك الحاج وغير الحاج في طلب المغفرة، وتحصيل المغفرة، والوصول إلى هذا الأمر الذي يهمُّ صاحبه، يهمُّ المؤمن ويمتلئ به صدره اهتماماً واعتناءً، خشية ألا يُغفَر له، خشيةً من ذنب واحد لا يغفره الإله الواحد، فيكون خِزياً له يوم اللقاء، وسبباً لوصول الذلة والخزي في وجهه، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
أيها المؤمنون بالله، وكم يشترك الحجاج وغير الحجاج في هذا الموسم من عصابة المؤمنين في شرق الأرض ومغاربها، في معانٍ ووجهاتٍ واهتماماتٍ واعتناءاتٍ بأمور أوجب الإيمانُ بالله عليهم الاعتناءَ بها، والاهتمامَ بها، والتفكيرَ فيها؛ من مغفرة الذنوب، ومن التجاوز عن السيئات، ومن تحمُّل التَّبِعات، ومن الأمن من الخزي يوم الميقات، ومن دخول الجنات.
وأسباب ذلك مما فُرِض من ترك الرفث والفسوق والجدال: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ).
ويأتي الذي تنزَّهَ عن الرفث والفسوق والجدال إلى موطنه بعد الحج عنصراً مطهَّراً عن هذه القاذورات، ينشر الرحمة، وينشر الألفة، وينشر المحبة بين الناس؛ لا رفث، لا لغو، لا فسوق، لا جدال، مع من تعرَّض لجداله، يترك المراء وهو مُحِقّ، فكيف لو كان مُبْطِلاً!
"ومن ترك المِراء وهو مُحِقّ بنى الله له بيتاً في أعلى الجنة، ومن ترك المِراء وهو مُبْطِل بنى الله له بيتاً في أسفل الجنة" أو "في رَبَضِ الجنة" ، كما جاء في الحديث الشريف.
أيها المؤمنون، وبعد الاجتماع في عرفات، والاجتماع على هدي خير البريات في الطواف والسعي والحلق والتقصير وما إلى ذلك، تنفتح أبواب اجتماعات القلوب بِحُكم الإيمان والإسلام، والترفُّع عن دعوات النفوس والأهواء، وما تنشره أبواق إبليس على ألسن شياطين الإنس والجن من التفرقة وإثارة البغضاء والشحناء، والعداوة بين المؤمنين الذين أُمروا أن يتخذوا عدو الله عدواً لهم: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)، وأن يعرفوا حقّ الأخوة بينهم: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ).
أفيُرَدُّ كلامُ الله هذا ويُنقَض الائتمار به لأجل فكر؟ أو لأجل نفس؟ أو لأجل هوى؟ أو لأجل شهوة؟! يُراد نقضُ معنى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ).
إنها فتنة الخبيث الذي لم يجد بعد بعثة رسول الله ﷺ سبيلاً إلى أن يُدخِل أقبح القبائح ـوهي الإشراك بالله تعالى- في قلوب المصلين من أمته إلى آخر الزمان، فإن يطمع في شيء ففي التحريش بينهم! ففي التحريش بينهم.
أيها المؤمنون بالله، يجب -وقد مضى الموسم وعامة أيامه، وقد رجع البعض إلى وطنه من الحجاج والبقية في طريق رجعاتهم، وهم بالموسم يودّعون عاماً من أعوام السنين الهجرية من جملة أعمارهم ليستقبلوا عاماً جديداًـ وجب أن ندرك حظنا ونصيبنا، معاشرَ من حجَّ ومن لم يحج من المؤمنين في شرق الأرض وغربها، ليغنموا هذه الأعمار القصيرة السريعة الانقضاء، المتوالية في الأوقات أياماً وليالي، ليصل كلٌّ إلى أجله والساعة المُعَدَّة لانتقاله من هذا العالم إلى عالم البرزخ، إلى يوم يُبعثون.
وهناك اللقاءات والحكم من رب البريات، وهناك الدخول إلى النار أو الجنات، جعلنا الله من أهل جناته.
أيها المؤمنون بالله تبارك وتعالى: اغنموا الأوقات ومرور الأيام والليالي والساعات، فإنه ليس يتحسر أهل الجنة في الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها.
فكيف بتحسر المتحسرين على ساعة قاطعوا فيها أرحامهم؟
أو على ساعة عقُّوا فيها آباءً أو أمهات؟
أو على ساعة نهبوا فيها حق الغير؟
أو على ساعة اغتابوا فيها المسلم؟
أو على ساعة عصوا الله فيها بأعضائهم أو بقلوبهم؟
إنها ساعات الحسرة والندامة الكبرى!
(وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ).
اللهم اقبل حجّاج بيتك وزائري نبيك، والعاملين بالخير فيما مضى من أيام العشر، والخاتمين هذا العام بالوجهة إليك، اقبل الكل، وأعِد العوائد بجمع القلوب على الوجهة إليك والصدق معك، وامتثال أمرك واجتناب نهيك وزجرك ظاهراً وباطناً يا أكرم الأكرمين.
والله يقول وقوله الحق المبين: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا * وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا).
(وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وثبَّتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا من خزيهِ وعذابه الأليم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين، فاستغفروهُ إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله، يغفر لمن يشاء ويُعذِّب من يشاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له العظمة والكبرياء، وأشهدُ أن سيدنا ونبينا وقرّة أعيننا ونور قلوبنا محمداً عبده ورسوله، سيد المرسلين وخاتم الأنبياء.
اللهم صلِّ وسلم وبارك وكرِّم على عبدك الذي هدانا إلى سبيل السواء، وعلى آله وصحبه ومن اتبع نهجهم في السر والنجوى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل الإيمان والتقوى، وعلى آلهم وصحبهم وأتباعهم وعلى ملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد، عباد الله:
فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله وأحسنوا يرحمكم الله، (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ).
وإنّ مِن تقوى إلهكم أن لا يمُرَّ عليكم هذا الموسم من دون محاسبة، ومن دون مراقبة، ومن دون معاتبة للأنفُس.
ما عاتبَ الحرُّ الكريمُ كنفسهِ ** والمرء يصلحه القرين الصالحُ
وإن الله يقول في حديثه القدسي: "أنا عندَ المُنكسرةِ قلوبُهمْ مِنْ أجلِي".
وهو القائل جل جلاله: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا).
أيها المؤمنون بالله جل جلاله:
إنّ من تقوى إلهكم أن لا يمرّ الموسم على أحدكم وقلبه غافل وذهنه ذاهل؛ عن حُسن طلب المغفرة بالتوبة الصادقة، والمسارعة في الخيرات؛ (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا).
(وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ).
أيها المؤمنون بالله جل جلاله: الفرق بين المؤمن والمنافق؛ إنّ المنافق يرى ذنبه كذباب وقع على أنفه فقال بيده هكذا فأطاره، وإنّ المؤمن يرى ذنبه كجبل فوق رأسه يخشى سقوطه عليه.
هكذا الفوارق، بين مَن آمن بالخالق مِن كل صادق، وبين كل مُكذِّب ومنافق.
ولقد قال الحسن البصري لمن قال له: إني مررتُ على قوم يتجادلون في قضية القضاء والقدر، لو أهمَّتهُم ذنوبهم ما خاضوا فيه.
لو كانوا على إيمان قوي تهمّهم ذنوبهم؛ ما ضيَّعوا فرصة العمر في الخوض فيما لا مجال لهم لإدراك حقيقته.
أيها المؤمنون بالله: مَن أهمّته ذنوبه صدق مع عَلَّام غيوبه، في الأوبة إليه والتذلُّل بين يديه، وترقَّب أسباب المغفرة؛ فأتقنَ الصلاة والوضوء، وأقامها على ما يُحب المولى، ورغب في الجماعة، وسارع إلى صِلة الأرحام، وإلى بر الوالدين، وإلى الإحسان إلى الجيران، وصفَّى قلبه ونقَّاه عن السوء والغش والغل للقريب والبعيد، وأكثر الاستغفار، و "طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً".
اللهم املأ قلوبنا بالإيمان واليقين، واجعلنا في الهداة المهتدين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
واجعلنا فيمن تنشر لهم وعلى أيديهم الخير والجمعَ عليك والألفةَ والأخوةَ والمحبةَ بين القلوب لك ومن أجلك.
اللهم وارفع عنا البلايا والرزايا والآفات، واقبل الحجّاج والزائرين، والساعين في الخير من المؤمنين، وأوصِلهم إلى مواطنهم وأهاليهم سالمين مقبولين، وافتح أبواب الفرج لهذه الأمة، يا كاشف الغُمّة، يا جالي الظلمة، يا دافع النقمة، يا باسط الرحمة، يا حي يا قيوم.
وأكثروا الصلاة والسلام على خير الأنام، فإن أولاكم به يوم القيامة أكثركم عليه صلاةً وسلاماً.
وإن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بالملائكة، وأيَّه بالمؤمنين، فقال مُخبراً وآمراً لهم تكريماً: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
اللهم صلِّ وسلِّم على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، عبدك الهادي إليك والدالّ عليك سيدنا محمد.
وعلى الخليفة من بعده المختار، وصاحبه وأنيسه في الغار، مؤازر رسول الله في حالي السَّعَة والضيق؛ خليفة رسول الله سيدنا أبي بكر الصديق.
وعلى الناطق بالصواب، حليف المحراب، المنيب الأواب، أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب.
وعلى محيي الليالي بتلاوة القرآن، من استحيَت منه ملائكة الرحمن، أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان.
وعلى أخ النبي المصطفى وابن عمه ووليه وباب مدينة علمه، إمام أهل المشارق والمغارب، أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب.
وعلى الحَسن والحُسين سيدي شباب أهل الجنة في الجنة، وريحانتي نبيك بنصّ السنة، وعلى أمهما الحوراء فاطمة البتول الزهراء، وعلى خديجة الكبرى وعائشة الرضا وأمهات المؤمنين وبنات سيد المرسلين، وعلى مريم وآسية، وعلى الحمزة والعباس، وسائر أهل بيت نبيك الذين طهرتهم من الدنس والأرجاس.
وعلى أهل بيعة العقبة وأهل بدر وأهل أُحد وأهل بيعة الرضوان، وعلى سائر الصحب الأكرمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أذلَّ الشرك والمشركين، اللهم أعلِ كلمة المؤمنين، اللهم دَمِّر أعداء الدين.
اللهم بارك لنا في موسم الحج في هذا العام، وبارك لنا في هذه الأشهر الحُرم المتوالية، وارزقنا اللهم الإقبال عليك، وأن لا نظلم أنفسنا في شيء من لياليها ولا أيامها، وارزقنا التعاون على مرضاتك، وصدق الإقبال عليك.
اللهم تدارك هذه الأمة، اللهم أغث هذه الأمة، اللهم اجمع شمل هذه الأمة، اللهم ادفع البلاء عن هذه الأمة، اللهم رُدّ سلطة الفجّار والكفار والأعداء والظالمين والمعتدين والفاسقين والسفهاء عن هذه الأمة.
اللهم ألِّف ذات بين قلوب هذه الأمة، وارزقهم اللهم أن يهبّوا لنصرتك ونصرة نبي الرحمة في كل مهمة، اللهم أعِذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، واجمعنا على ما تُحبه منا وترضى به عنا، في الحس والمعنى، يا أكرم الأكرمين.
اللهم لا صرفتنا من جمعتنا إلا بقلوب مجتمعة عليك، مقبلة بالكلية عليك، متوجّهة بالإخلاص إليك، مقبولة لديك يا أكرم الأكرمين.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا ومشايخنا وذوي الحقوق علينا، ومن تقدَّم في مساجدنا وبلداننا هذه، واجمعنا بهم في دار الكرامة وأنت راضٍ عنا.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب الدعوات، وقاضي الحاجات، وغافر الذنوب والخطيئات.
اللهم اغفر لموتانا وأحيانا، وأصلح ظواهرنا وخفايانا، وتولّنا بما أنت أهله يا مولانا.
اللهم أعِذنا من كل سوء أحاط به علمك في الدارين، وارزقنا سعادة الحياتين، وانظمنا في سلك زمرة سيد الكونين، أرِنا اللهم وجهه في مواطن القيامة وفي دار الكرامة، وشرِّفنا بالحضور معه في ساحة النظر إلى وجهك الكريم.
اللهم تدارك أمته وأغثهم، وفرِّج كروبهم وأصلح شأنهم، واجعلنا في أنفعهم لهم، وأبركهم عليهم، وانفعنا بهم عامة وبخاصتهم خاصة، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطول والإنعام.
ثبتنا على الحق فيما نقول، وثبتنا على الحق فيما نفعل، وثبتنا على الحق فيما نعتقد، واعصمنا من الشرك واغفر لنا ما دون ذلك، واختم لنا بأكمل الحسنى وأنت راضٍ عنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)،
(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).
(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).
(رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا).
نسألك لنا وللأمة من خير ما سألك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، وأنت المستعان وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
عباد الله: إن الله أمر بثلاث ونهى عن ثلاث؛ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعِظكم لعلكم تذكرون.
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ).
19 ذو الحِجّة 1447