(368)
(479)
(30)
خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مسجد الحبيب أحمد بن محمد المحضار، في منطقة القويرة، بوادي دوعن، حضرموت، 10 صفر الخير 1448هـ بعنوان:
اجتماعات المكلفين على ظهر الأرض وعظيم وخطير نتائجها يوم الجمع الأكبر
يبين في الخطبة أن لكل اجتماعٍ في الدنيا أثرًا ونتيجةً تظهر يوم القيامة، فمجالس الغفلة والمعصية تورث الحسرة والعداوة، بينما مجالس الذكر والعلم والتعاون على الخير تغشاها الرحمة وتحفّها الملائكة ويرفع الله أهلها. كما تدعو إلى مراقبة ما يدور في المجالس، واختيار الصحبة الصالحة، وإحياء الاجتماعات بذكر الله والصلاة على النبي ﷺ، رجاءَ الاجتماع تحت لوائه وفي ظل العرش وعلى الحوض وفي دار الكرامة.
من الخطبة: مجامع المنافع الدائمة
الحمد لله، الحمد لله جامعِ الناس ليوم لا ريب فيه، فمُبْرِزٌ ومُظْهِرٌ أثر المجامع التي كانت قبل ذلك اليوم، في كل من كلَّفهم سبحانه وتعالى في كل اجتماع اجتمعوا عليه.
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يُعْلِي درجاتِ مَن اجتمع على ذكره وشُكره وامتثال أمره ومُعْلِيه، وقامعِ من اجتمع على عصيانه ومخالفة أمره ومُخْزِيه.
وأشهدُ أن سيدنا ونبينا وقُرّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، جمع الله المكارم والمزايا والفضائل والمحاسن فيه، وجعله أكرم الأولين والآخرين عليه، وجمع به شمل الأمة بعد الشّتات، وجمع به القلوب على الإيمان واليقين بعد الشرك والكفر والتفرُّقات.
اللهم أدِم صلواتك على عبدك المختار سيدنا محمد جامع الفضائل وخاتم الرسائل، وعلى آله وأهل بيته الأطهار الأفاضل، وعلى أصحابه المهاجرين والأنصار الأماثل، وعلى من والاهُم واتّبعهم بإحسان في كُلِّ ما هو قاصد وناوٍ ومعتقد وفاعل وقائل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين معادن الشرف والكرامة والفواضل، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المُقرّبين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم؛ إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أما بعد عباد الله: أَجْمِعُوا قلوبكم على تفهم المعاني، وعلى كلام من أنزل القرآن والمثاني، وعلى إرشادات سيد أهل القُرب والتداني.
أيها المؤمنون: إن يوم الجمع الأكبر تتبيّن فيه آثار ونتائج اجتماعات المُكلفين التي مرت بهم في العمر الأقصر أيام كانوا في عالم الدنيا، في عالم التكليف بالأوامر والنواهي من الإله الذي هو أعظم من نهى وأمر ﷻ، ولا يبقى اجتماع بين اثنين فثلاثة فأكثر، إلا وظهر له في يوم المحشر خبر وأثر.
ولقد قال الحق في معنى هذا الأمر الكبير: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، جلّ جلاله وتعالى في علاه.
وأشار إلى ذلكُم عبده وحبيبه ورسوله ومصطفاه، وقال: "ما تصاحب اثنان في ساعة من ليل أو نهار إلا سألهما الله عن صحبتهما هل أقاما حق الله فيها".
أيها المؤمنون: الاجتماعات على ظهر الأرض لها نتائج في يوم العرض، مختلفة والله، متباينة والله، عظيمة الفرق بينها والله.
أيها المؤمنون: أما اجتماعات الذين لا يذكرون الله ولا يُصلّون على رسوله ﷺ في مجامعهم ومجالسهم؛ فخذ خبرها عن الصادق المصدوق، أكرمِ مخلوق، يقول لك: "ما جلسَ قومٌ مجلسًا لم يًذكروا اللهَ فيهِ ، ولمْ يُصلُّوا فيه على النبيِّ ﷺ ، إلا كانَ عليهِم حسرة يومُ القيامةِ"، وفي اللفظ الآخر: "إلا كان عليهم تِرَة"، وفي اللفظ الثالث: "كأنَّما تَفرَّقوا عنْ جِيفةِ حِمارٍ".
هذه قيمة الاجتماعات التي لا يُذكر الله فيها ولا يُصلى على رسوله ﷺ، سُميت بأي اسم، وكانت في أي منطقة، وكانت على أي مستوى، هذا قدرها، هذا حالها، هذا شأنها؛ حسرات على أهلها يوم يجمع الله الأولين والآخرين.
ولكن مجالس المؤمنين هي التي يترتب عليها أنواع الثواب والقُربة، وأنواع العطايا والرتبة، في يوم الوقوف بين يدي الحي القيوم.
مجامع المؤمنين الذين إذا اجتمعوا ذكروا ربهم، وذكروا رسوله وصلوا عليه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ وفي أصنافهم يقول ﷺ: "ما اجتمَعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللَّهِ يتلونَ كتابَ اللَّهِ ، ويتدارسونَهُ فيما بينَهم إلَّا نزلَت عليهِم السَّكينةُ ، وغشِيَتهُمُ الرَّحمةُ ، وحفَّتهُمُ الملائكَةُ ، وذكرَهُمُ اللَّهُ فيمَن عندَهُ".
وكذلك يقول كما جاء في رواية مسلم في صحيحه وغيره: "ما قعد قَومٌ يَذكُرونَ اللهَ"، أو:" لا يَقعُدُ قَومٌ يَذكُرونَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ إلَّا حَفَّتهُمُ المَلائِكةُ، وغَشيَتهُمُ الرَّحمةُ، ونَزَلَت عليهمِ السَّكينةُ، وذَكَرَهمُ اللهُ فيمَن عِندَه".
وفي الصحيحين عنه ﷺ وفي غيرهما: "إنَّ للَّهِ ملائِكَةً سيارين" -وفي رواية: "سيَّاحينَ"، وفي رواية: "طوافين"- "فإذا وَجدوا أقوامًا يذكُرونَ اللَّهَ تَنادوا: هلمُّوا إلى بُغيتِكُم، فيَجيئونَ فيحفُّونَ بِهِم إلى السَّماءِ الدُّنيا"، إلى آخر الحديث.
وفي آخره يقول الله للملائكة: "أشهدُكُم أنِّي قد غَفرتُ لَهُم". فيقول أحد الملائكة: يا ربنا إلا فُلان، فإنه عبد خطاء، ما جاء للذكر، وإنما جاء لحاجة فجلس معهم، قال: "فيقولُ: وله قد غفرت، همُ القومُ لا يَشقى بهم جليسهم".
أيها المؤمنون: وإذا كان الاجتماع على الذكر والعلم وعلى التعاون على إقامة أمر رب السماء والأرض على الأرض، في الأجساد والأعضاء والبيوت والمنازل والأسواق والمعاملات، كانت محفوفة بعنايات الرحمن وعظيم تفضُّله لمن يجتمعون على ذكره والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الرفيعِ القدر لدى الرب جل جلاله وتعالى في علاه.
وصحّ في الحديث وقد سئل نبينا عن أي الأعمال أفضل، قال: "إيمانٌ بالله لا شكَّ فيه، وجهادٌ لا غُلُ فيه"، قيل: ثم أي؟ قال: "صلة الرحم"، قيل: ثم أي؟ قال: "أمر بالمعروف ونهي عن المنكر".
وقد جاء في رواية أبي يعلى أن نبينا صاحب الرسالة سُئل: أي الأعمال أبغض إلى الله؟ قال: "الإشراك بالله"، قيل: ثم مَهْ؟ قال: "قطيعة الرحم"، قيل: ثم مَهْ؟ قال: "الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف".
فجعل بعد الشرك بالله قطيعة الرحم، ثم أمر الفساد المستشري في الأمة أن يتحول المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، ثم يبتري ويتهيأ قوم لأن يأمروا بالمنكر وينهوا عن المعروف والعياذ بالله، جل جلاله وتعالى في علاه.
أيها المؤمنون بالله ﷻ ، ولم يزل في مجامع الذاكرين مراتب وقدر رافع، حدّث عنه من جاءنا بالشرائع ﷺ، ومنهما يكون جامعًا لعدد من المؤمنين تتعدد قبائلهم وتتعدد مواطنهم ومساكنهم.
"لَيَبعَثَنَّ اللهُ أقوامًا يَومَ القيامةِ في وُجوهِهمُ النُّورُ على مَنابِرِ اللُّؤلُؤِ، يَغبِطُهمُ الناسُ، ليسوا بأنبياءَ ولا شُهَداءَ. قال: فجَثا أعرابيٌّ على رُكبَتَيْه فقال: يا رَسولَ اللهِ، جَلِّهم لنا نَعرِفْهم. قال: همُ المُتَحابُّونَ في اللهِ مِن قَبائِلَ شَتَّى وبِلادٍ شَتَّى، يَجتَمِعونَ على ذِكرِ اللهِ يَذكُرونَه".
ومن هنا تعلم ترتيب أهل الخير في مختلف بلاد المسلمين، أن يُرتِّبوا في خلال السنوات والأشهر مجامع يجتمع عليها المؤمنون من بلاد شتى وقبائل شتى، فيذكرون الله ويُذَكِّرون به، ويتدبرون أوامره ونواهيه؛ فأنْعِمْ بها من مجامع ما أجل قدرها وأرفع منزلتها لدى العلي الأعلى.
هذه مجامع الفوائد الباقية، والمنافع الدائمة، والنتائج الطّيِّبة الأبدية.
أيها المؤمنون بالله: فانظروا إلى مجامعكم قَلَّت أو كثرت، وإن للمؤمن اجتماعًا مع الواحد والاثنين، بل مع أهله ومع ولده، بل ومع أهل عمله، ومن يزامله ويرافقه في طريق وغير ذلك، وكلها إذا اكتست بنور الذكر، والتعاون على الطاعة والأمانة وأداء الحقوق؛ كانت درجات يُرفع بها أصحابها، ومواهب يهبهم إياها مالكهم جل وعلا، وفوائد يستفيدونها في الحياة وعند الممات وفي البرزخ ويوم الجمع الأكبر.
أيها المؤمنون: نتائج الاجتماعات في الدنيا وما يدور فيها وما ينتج عنها، في يوم القيامة تظهر آثارها.
أما اللاتي اجتُمِع فيها على إيذاء وعدوان وظلم وسفك دماء واستحلال أعراض أو أموال؛ فهي مجامع الخيبة والخزي يوم الطامة، والحسرة والندامة، والشدة والسوء في ذلك اليوم: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي) فكان اجتماعه حسرة وويل عليه، وسبب في وقوعه في الهلاك المؤبّد (لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا).
أيها المؤمنون: واجتماعات الذكر والطاعة والتعاون على ما فيه الصلاح ونصرة المظلوم والتواصي بالحق والصبر تظهر ثمارها ونتائجها.
فمنهم:
كما أنّ مجامع أهل الكفر والفساد والطغيان والعصيان والشر والإيذاء تتحوّل إلى حسرات عليهم، فإنهم في زُمَرهم في القيامة تظهر حقيقة ما كانوا عليه. اجتماعات أجساد وصورة على معصية الذي خلق، تتحول إلى بغضاء وعداوة وسب وشتم والعياذ بالله! (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)، (ولَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ).
أيها المؤمنون، يقول الله سبحانه وتعالى إذا اجتمعوا في ذاك اليوم وكانت اجتماعاتهم ظلمانية في الدنيا (يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
وهكذا يتواردون إلى النار في صورة اجتماع، ولكن يلعن بعضهم بعضًا (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا).
لكن الاجتماعات الطيبة، اجتماعات ظل العرش، واجتماعات الحوض، واجتماعات لواء الحمد، واجتماعات الجنة، (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ) -كنا خائفين من الله أيام كنا في الدنيا- (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ).
يا بَرُّ يا رحيم، مُنَّ علينا وقِنا عذاب السموم، واجعل اجتماعاتنا في الدنيا على الخير والذكر والهدى مقبولة عندك، وأرِنا ثمراتها الطيبة في البرازخ ويوم القيامة وفي دار الكرامة.
فيا ربِّ واجمعنا وأحبابًا لنا
في دارك الفردوس أطيب موضعِ
والله يقول وقوله الحق المبين: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
وقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا).
وقال تعالى: (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وثبتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا من خزيه وعذابه الأليم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله، جامع قلوب أهل الوجهة عليه على حقائق معرفته وإجلاله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يصبّ على المجتمعين على ذكره صَيِّبَ نواله وإفضاله.
وأشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، طهَّرهُ وشرّفه في جميع صفاته وخصاله.
اللهم أدِم صلواتك على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، عبدك المصطفى الأمين سيدنا محمد، وعلى آله وأهل بيته الطاهرين، وعلى صحابته الأكرمين، ومن تبعهم بإحسان من الصادقين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم والتابعين، وعلى ملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله.
فاتقوا الله وخذوا من الجمعة سِرَّهَا ونورها، واجعلوا مجامعكم على تقوى الله حيث ما كنتم، وأينما كنتم، تجْنُون ثمرات الاجتماعات عظيمَ انتفاعات ورفيعَ درجات عند الممات، وفي البرزخ وفي يوم الميقات يَوْمَ الْجَمْعِ الْأَكْبَرِ.
وفي الجنان اجتماعات بعد أن ضمتهم جنة الله، فإنهم فيها كما وصف الله ﷻ، (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ).
ولقد وُصِف كثير من أخيار الأمة، جمعتهم بعض البلدان وجمعتهم بعض الاجتماعات، فإذا قيل: كيف هم؟ وما وصفهم؟ قيل: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ)، هذا وهم في الدنيا قبل الآخرة، فكيف حالهم في ذلك اليوم! (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ).
ثم إن لأهل كل درجة اجتماعات، ولكل أهل الجنة اجتماعات بالأنبياء، واجتماعات بسيد الأنبياء، ولهم اجتماع في ساحة النظر إلى وجه الله الكريم.
وتلكم المجامع نتائج اجتماعات اجتمعوها في الدنيا، فاتقوا الله في مجامعكم، واقصدوا المجامع التي ترفع قدركم وشأنكم، وراقبوه فيما يدور بينكم، ما بين كل اثنين أو ثلاثة أو أكثر كما نبّهنا العلي الأكبر: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا).
يا من جمعتنا في الجمعة الكريمة من بلاد شتى وقبائل شتى، اجمعنا يوم القيامة تحت لواء حبيبك، واجمعنا في ظل عرشك، واجمعنا على حوضه المورود، وبارك اللهم في من تسبّب في هذه الاجتماعات، وأعلِ درجات المؤسسين واجمعنا بهم في دار الكرامة، وأنت راض عنا.
ألا من خير ما يجمعكم في أشرف وأنبل وأعلى المجامع يوم الجمع الأكبر كثرة صلاتكم على المصطفى، فإنه القائل: "إنَّ أولى النَّاسِ بي يَومَ القيامةِ أَكْثرُهُم عليَّ صلاةً".
ولقد وجه الله إلينا خطابًا وابتدأ بنفسه وثنّى بالملائكة وأيه بالمؤمنين، فقال مخبرًا وآمرًا لهم تكريمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
اللهم صل وسلم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، البشير النذير، السراج المنير، عبدك المختار سيدنا محمد، وعلى صاحبه وأنيسه في الغار، مؤازره في حالي السعة والضيق، خليفة رسول الله سيدنا أبي بكر الصديق.
وعلى الناطق بالصواب حليف المحراب، المنيب الأواب أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب.
وعلى محيي الليالي بتلاوة القرآن، وباذل الأموال في طلب رضا المنان، من استحيت منه ملائكةُ الرحمنِ، أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان.
وعلى أخ النبي المصطفى وابن عمه، ووليه وباب مدينة علمه، إمام أهل المشارق والمغارب، ليث بني غالب، أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب.
وعلى الحسن والحسين، سيدي شباب أهل الجنة في الجنة، وريحانتي نبيك بنصّ السنة.
وعلى أمهما الحوراء فاطمة البتول الزهراء، وإخوانها وأخواتها بنات رسول الله ﷺ.
وعلى خديجة الكبرى، وعائشة الرضا، وعلى أمهات المؤمنين، وعلى الحمزة والعباس، وأهل بيت نبيك الذين طهرتهم من الدنس والأرجاس.
وعلى أهل بيعة العقبة، وأهل بدر وأهل أحد، وأهل بيعة الرضوان، وعلى سائر أصحاب النبي الكريم، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أذلّ الشرك والمشركين، اللهم اجمع شمل المسلمين، اللهم ألِّف ذات بين المسلمين.
اللهم بارك في مجامعنا، واجعلها مقبولة عندك، واجمع لنا فيها من الخيرات والمواهب والمنن والتوفيق والنور والفضل والصلاح والنقاء والصفاء والفلاح، ما أنت أهله يا أكرم الأكرمين، يا أول الأولين، يا آخر الآخرين، يا ذا القوة المتين، يا راحم المساكين، يا أرحم الراحمين.
ارحمنا والمسلمين، وأنجِز لنا رحمة من عندك نسعد بها في الدنيا والآخرة، ونُثبَت بها في أهل الوجوه الناضرة، التي هي إليك ناظرة.
يا خير مجيب، يا أكرم مستجيب، يا أقرب كل قريب، يا كريم يا مجيب، يا أرحمَ الراحمين.
أجب دعاءنا، ولَبِّ نداءنا، وحقِّق رجاءنا، واغفر أخطاءنا، وتولَّ سرنا وعلانيتنا، وكُن لنا في دنيانا وآخرتنا بما أنت أهله يا خير مسؤول ويا أكرم مأمول.
اغفر لنا وآبائنا ومُتقدمينا في مساجدنا هذه ومنازلنا، وجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، أحياءهم والأموات ومن يأتي إلى يوم الميقات، يا غافر الذنوب والخطيئات.
لا تصرفنا من الجمعة إلا وقد جمعت لنا الخيرات، وجمعتَ قلوبنا على الإنابة والإخبات، والخير والمسرات والمبرات.
يا مجيب الدعوات، يا عالم الظواهر والخفيّات، يا بارئ الأرضين والسماوات، أنقذ المسلمين والمسلمات، تدارك المؤمنين والمؤمنات، فرّج على الأمة في جميع الجهات، أدِم لنا في يمننا وشامنا وشرقنا وغربنا أمنًا من عندك وطمأنينة من عندك وسكينة من عندك وتوفيقًا من عندك، وجمعًا للشمل على ما تحب وترضى ولطفًا فيما يجري به القضاء، يا لطيف اللطفاء أنت حسبنا وكفى.
رُدّ عنا كيد الكائدين وشرّ أهل الشر من الخلائق اجمعين، واجعلنا في حصنك الحصين وحرزك المتين يا رب العالمين.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
(رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا).
(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).
عباد الله، إن الله أمر بثلاث ونهى عن ثلاث: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر.
11 صفَر 1448