ما ينصرف إليه البال ويتذكره الذهن ميزان صحة القلب والباطن

للاستماع إلى الخطبة

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الروضة، بحارة الروضة، عيديد، مدينة تريم، 29 ربيع الأول 1448هـ بعنوان: 

ما ينصرف إليه البال ويتذكره الذهن ميزان صحة القلب والباطن

يُبيِّن في الخطبة أهمية مراقبة الخواطر وتزكية الباطن، وأنّ من أمارات التقوى صفاء القلب وتعلُّق الفكر بخالقه جل جلاله ومطالعة صفات كماله، وتذكّر الأنبياء والصالحين وما قدّموه من صِدق ومجاهدة، داعياً إلى الحذر من الخواطر الفاسدة التي تلوّث السرائر، كما يؤكّد أن التوبة الصادقة تبدأ بالندم والانكسار لتُثمِر في القلب نوراً وطمأنينة تقوده إلى دوام الصلة بالله وحُسن الاستعداد للقائه.

لتحميل نسخة pdf 

اقرأ: ميلاد نور في باطنك

نص الخطبة:

  الخطبة الأولى

الحمد لله، الحمد لله الحيِّ القيُّوم القدير، مُقلِّب القلوب والأبصار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المُطَّلِع على الضمائر، الذي استوى في علمه الإسرارُ والإجهار. 

وأشهد أن سيدنا ونبينا وقُرَّة أعيننا ونور قلوبنا محمداً عبده ورسوله، وحبيبه المجتبى المختار.

اللهم صلِّ وسلم على عبدك المجتبى، نور الأنوار، وسِرِّ الأسرار، وعلى آله وأصحابه الأخيار، ومَن والاهم وعلى منهجهم سار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، معادن الأنوار والأسرار، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد، عباد الله: فإنّي أوصيكم وإيّاي بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله، وأحسِنوا يرحمكم الله، إن رحمة الله قريبٌ من المحسنين.

مجالات الفكر والتذكر عند المتقين وصفاء خواطرهم

ألا وإنّ المُتقين تجري ذواكرهم وتذكُّراتهم وأفكارهم وتصوّراتهم في مجالي يُحِبّها الله، وتُقَرِّب إلى الله، وتزيد الإيمان بالله، والمحبة لله، والخشية من الله، والأدب مع الله؛ فتِلكُم هي مسارح أفكارهم وتذكُّراتهم وما يخطر على بالهم.

ألا وإنَّ مَن خرج عن التقوى لم يُبالِ بما يجري في ضميره، وما يطرأ على شعوره، وما يكون في تصوّراته وتخيُّلاته.

ألا فاتقوا الله فيما لكم فيه اختيار، فيما يجري على بالكم، وما يطرق أذهانكم، وما ينازل تصوّراتكم، في سِرِّكم وإجهاركم، في خلواتكم وجَلَواتكم؛ فإنّ ذلك هو مادة القلب وعمل القلب، وإن الله لا ينظر إلا إلى القلوب.

فانظر أين يسرح ذهنك؟ وأين يسري تصوّرك؟ وأين يسبح خيالك؟ وما الذي يطرأ على بالك من وقتٍ بعد وقت، ولحظةٍ بعد لحظة، وساعةٍ بعد ساعة؟! 

إنّ الصحة الباطنية القلبية تقتضي صفاء الخواطر، وأن لا يطرأ على بالك إلا ما تتقرَّب به إلى عالِم سِرِّك ونجواك، وإلا ما تزداد به إيماناً، وما تزداد به محبة، وما تزداد به صدق إقبالٍ على الكبير المتعال، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

تتذكّر أنبيائه، وتتذكّر أصفيائه، وتتذكّر جهادهم واجتهادهم، ويخطر على بالك ما عانوا وما كابدوا، وما صدقوا وما جاهدوا.

وتتذكّر الصالحين وسَيرهم إلى رب العالمين، وتتذكّر الدار الآخرة، والمصير إلى عالم الباطنة والظاهرة.

وتتذكّر أحوالك عند المُساءلة والوقوع بين يدي الرحمن جلَّ جلاله، وتتذكّر انتقالك من هذه الحياة، وتتذكّر ضعفها، وتتذكر قِصَرها، وتتذكر فناءها.

هذه خواطر الأتقياء، هذا ما يرد على بال الأنقياء، هذه مجالات أهل التقوى لله جلَّ جلاله، فيما يتذكّرون وما يسترسلون فيه من فكرٍ وتصورٍ وتخيُّل.

استثمار ذكرى المولد النبوي في تزكية الباطن ومراقبة الضمير

أيها المؤمن بالله جلَّ جلاله: أيخرُج شهر ربيع الأول عليك ولا زلت مريضاً منحرفاً في تصوّراتك وتفكُّراتك وتخيُّلاتك وما يطرأ على بالك؟

اتّقِ الله أيها المؤمن، واخرج من ذكرى ميلاد حبيب الله بميلاد نورٍ في باطنك، يمنعك أن تسترسل مع كلّ خاطر سوء، ومع كل تصوّرٍ فاسد، ومع كلّ دناءة، ومع كل انقطاع عن الله تبارك وتعالى؛ ليصحَّ ويصفوَ باطنك بدوام الذكر لله، وصفاته، وآياته، وعظمته، والرجوع إليه، والمصير إليه.

وذكر محمد عبده ورسوله ﷺ، مُنقذك ومرشدك وهاديك، ودالّك على باريك، مَن صُبِغَ به عليك صبغة الاصطفاء، فكُنتَ في خير أمة، من كان سبباً في رفعة المكانة والقدر لهذه الأمة.

تَذَكَّر بروزه ووجوده، وتذَكَّر نشأته ﷺ وبعثته، وتذكَّر صبره ومجاهدته، وتذكَّر إسراءه ومعراجه، وتذكَّر هِجرته، وتذكَّر غزواته، وتذكَّر أقواله، وتذكَّر أفعاله وأحواله وهديه الكريم، وتذكَّر ما بلَّغ عن الله، وتذكَّر مكانته عند الإله، وتذكَّر ما جاء به عن الله جلَّ جلاله.

وهذا أغلب ما يطرأ على بال الأتقياء الأصفياء في مُختلف أحوالهم في الليل والنهار؛ ذِكر الله، وذكر حبيبه المختار صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ)، فيحذرون مِن كل ما لا يرضي الإله، ولا يرضي رسوله ومصطفاه، فيبتعدون عن ذلك.

احذر أن تسترسل مع خواطر السوء!

أيها المؤمن: صحة باطنك، وعافية ضميرك، استقامة خواطرك، وأن لا تسترسل مِمّا يطرأ في خاطرك إلا فيما يُقرِّب، وفيما يُهذِّب، وفيما يؤدِّب، وفيما يُعرِّف، وفيما يُشرِّف، وفيما يُنوِّر، وفيما يُطهِّر.

أيها المؤمن، اتقِ الله في سريرتك، اتقِ الله في باطنك، إنّ ما يطرأ عليك حديثٌ تُحدِّث به نفسك، يطَّلع عليه إلهك الذي هو أقرب قريبٍ إليك، وأقرب إليك من حبل الوريد، وإذا تمكَّن من باطنك؛ اطَّلع عليه الملائكة من حولك، والكَتَبة والحَفَظة وهم يُسَجِّلون ما فيه.

فما دام لك اختيار، فاصرِف أفكارك وتصوّراتك إلى الأدب مع الإله الغفار في السر والإجهار، وإلى ما يلزمك لتقوم بتأديته وأدائه على الوجه المطلوب، وإلى ما نُهيتَ عنه لتحذر منه وتبتعد، وتجعل بينك وبينه واقيةً من خشية الله، مِن تعظيم الله، مِن إجلال الله تعالى في علاه.

تفكُّر أولي الألباب في ملكوت السماوات والأرض

أيها المؤمنون بالله: هذا دأب الصادقين مع الله، وهو من ثمرات وآثار امتلاء القلوب واحتفالها بذكرى وجود سيدنا رسول الله، وميلاده ونشأته وبعثته، وهجرته وأخباره، وصفاته وأخلاقه وشمائله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

يتعوَّد الذهن الاسترسال في مجالي الصِّفات الحسنات، والمراتب الرفيعات، وذكر صاحب المكانة لدى رب الأرض والسماوات؛ حتى يغلُبَ على البال، وعلى الفكر، وعلى الذِّهن، وعلى الخاطر أحوالُ الأنبياء، وأحوال الأصفياء، وأحوال الصِّلَة بالإله جل وعلا. 

وبذلك وصف الله عباده المؤمنين عندما يخطر على بالهم معاني كلامه وكتابه جلَّ جلاله، وعندما يخطر على بالهم ذكر صفاته العُلى وأسمائه الحسنى، وقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا).

وذكر سبحانه وتعالى مَصرِفَ فِكر أولي الألباب بقوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وهذه مجاري أفكارهم، (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، يُذكِّرهم الأثرُ بالمؤثِّر، يذكِّرهم الكونُ بالمكوِّن، يذكِّرهم الوجودُ بالموجِد، يذكِّرهم الحادثُ بالمُحدِث، الخالق البارئ المصوِّر جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

تصفو ضمائرهم، وتتنوَّر بصائرهم، وتتنقّى سرائرهم، فتكون مُتنزَّلاً لأنوار الإيمان واليقين، والمعرفة الخاصة، والمحبة الخالصة، بعطايا ثمينة من ربكم، تنزِل على تلك القلوب التي ينظر إليها فيجدها به مُعلَّقة، وعن الالتفات إلى غيره مُعتَقة، وفي مَرضاته مُطلَقة.

أيها المؤمنون بالله: استفيدوا من هذا الشهر الكريم وأنتم تودّعون شهر ذكرى نبي الله العظيم، ذكرَ ميلاده وبروزه إلى هذا الوجود، وما قال عمه العباس: 

وأنت لما وُلِدتَ أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفقُ

فنحن في ذلك الضياء وذلك النور وسُبُل الرشاد نخترقُ

فكونوا في ذلك الضياء، وكونوا في ذلك النور، وهذه مجاري ما يخطر على بال الصحابة عليهم رضوان الله وسلامه.

أيها المؤمنون بالله: ما غنيمة العمر إلا صفاء الفؤاد مع رب العباد، واستقامة الفِكرة على ما يرضى الملك الجواد، اللهم انظر إلى بصائرنا ونوِّرها، وانظر إلى سرائرنا وطهِّرها، وارزقنا التذكُّر لما تُحِب أن يُتذكَّر، مع مَن أنابَ إليك ومع أولي الألباب، (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ)، (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)؛ التذكُّرَ الذي يفيد ويقرِّب ويرفع القدر والمراتب، اللهم وفِّقنا لما تحب واجعلنا فيمن تُحِب، يا رب العالمين.

والله يقول وقوله الحق المبين: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).

 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ). 

(إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)، (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)، (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).

(فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وثبَّتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا من خزيهِ وعذابه الأليم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولوالدينا ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية

الحمد لله، يجول في بال المتقين له شؤونُ عظمته ولقائه، والاستعداد لذلك باتّباع أمره وامتثاله، واجتناب زجره والبعد عنه.

وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أعلمُ بكل عبدٍ وبما في ضميره وباله، وأشهد أن سيدنا ونبينا وقُرَّة أعيننا ونور قلوبنا محمداً عبده ورسوله، أطهرَ الخلائق قلباً، وأنقاهم جيباً.

اللهم أَدِمْ صلواتك على عبدك المختار، دائم الفكرة، متواصل الأحزان، الذي لا يُرى إلا رائحاً أو غادياً في الخير والبر والتقوى، وعلى آله وأصحابه ومن سار في سبيلهم الأقوَم الأقوى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل التقوى في السر والنجوى، وعلى آلهم صحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقربين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مراتب التوبة بين صدق الندم على الذنب والرضا برحمة الله

أيها المؤمنون: إنّ مِمّا يجري في البال شؤونُ الرجوع والتوبة إلى ذي الجلال، والجود والإفضال، الواحد الكبير المتعال. 

وإن للتوبة أولاً ولها آخراً، وإن من أول التوبة صِدق الندم، وتذكُّرَ الذنوب بحرقة، وبهَمٍّ وغَمٍّ، واشمئزاز، وهيبة، وورع، وحياء وخجل، هذه مبادئ التوبة؛ الندامة على الذنوب، والخجل منها، والاشمئزاز منها.

وإذا قوي ذلك ورسخ؛ نازَلَتْ أنوارُ محبة الله التوَّاب قلبَ التائب، فينسى كلّ شيء، ولا يذكر إلا ربّه وفضله ووصله، وإحسانه وطَوْله، وجوده وكرمه. 

ولذلك قال بعض أهل المعرفة: "التوبة أن لا تنسى ذنبك"، مشيراً إلى بدايتها. وقال الآخر: "التوبة أن تنسى ذنبك"، مشيراً إلى نهايتها. 

فأما ذكِرها بالندم فهو بدايتها، وأما ذكرها بالرضا بها، فضلاً عن التفاخر بها، فهو استمرار في معصية الجبار، وهي استمرار في مخالفة القهار، وإنّ من يذكر ذنباً فيفرح بذكره، يأثم أكثر من فعل الذنب نفسه بفرحه به، بعدم حيائه من ربه.

كيف يرى المؤمن ذنبه وكيف يراه المنافق؟

فانظروا ما يخطر على بالكم، فإن المؤمن يرى ذنوبه كالجبل فوق الرأس يخشى سقوطه عليه وهَلَكته، وأما المنافق فيرى الذنب كطائرٍ وقع على أنفه فقال بيده هكذا فأطاره، وهذا فارقٌ بين ما يجري في بال المؤمن وبال المنافق.

أيها المؤمنون بالله: النَّدَم على الذنوب، والحياء من الله، والاشمئزاز منها والحسرة على الوقوع فيها؛ بداية التوبة.

وإذا صدقتَ في ذلك، وصحَّت منك، صرتَ في حالة يمتلئ بها القلب بذكر الله وعظمته، فتستحيي مِن ذكر الذنوب والمعاصي وتخجل، وتتواصل مع ذِكر ما يتوالى عليك من أفضاله، وجزيل نواله، وعظمته في كبريائه وجلاله، وصفاته وأسمائه وأفعاله جلَّ جلاله وتعالى في علاه. 

وتذكُّرك للأنبياء وللأصفياء، وللصالحين وللصادقين، وللأخيار وللمُقرّبين؛ تذكُّرَ المحب الموالي، المُتمنِّي المرافقةَ لهم، والمقتدي والمُتشبِّه بهم.

ولا تذكر الكفار والفجار والمنافقين والفاسقين والعصاة إلا ذِكر المُتبرِّئ من شؤمهم وذنوبهم وكفرهم وعصيانهم، والمتباعد عن الالتفات إليهم أو التعويل عليهم أو الولاء لأحدٍ منهم، (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ).

حضور القلب وتعظيم الله في صلاة الجمعة وما بعدها

فانظر ما يجري على بالك، وابتدئ في هذه الصّلاة المقبلة عليك؛ صلاة الجمعة.. وانظر ما يخطر على بالك من أولها إلى آخرها؛ فاصرف هَمَّك وهِمَّتك ووجهتك إلى استحضار جلال الله، الذي أتيتَ بأمره إلى بيت من بيوته، تؤدّي فريضة من فرائضه، مُتَّبعاً نبيه وعبده المصطفى محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

عسى أن ينظر إليك، ويغفر لك، ويعفو عنك، وتنصرف بسرِّ الجمعة، ونور الجمعة، وبركة الجمعة، وحقيقة الجمعة، وخلعة الجمعة، وضياء الجمعة الذي يستمر معك من الجمعة إلى الجمعة الأخرى، وربما زاد ثلاثة أيام، كما أشار إليه حديث المغفرة فيمن أتى الجمعة ولم يتخطَّ الرقاب، ولم يَلْغُ واستمع، أنهُ ينصرف من الجمعة وقد غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام.

نَوِّر اللهم قلوبنا وطَهِّرها، ونَوِّر اللهم بصائرنا ونقِّها، ونَوِّر اللهم سرائرنا وصَفِّها، اللهم وَسِّع مشاهدنا، وصَفِّ مواردنا، واجعلنا من المقبلين بالكُلّيّة عليك، المُنصرفة أفكارهم إلى ما يرضيك ويُقرِّب إليك، وإلى التذلُّل بين يديك، وإلى الاستعداد للقائك يا رب العالمين.

فضل الصلاة على النبي ﷺ وثمراتها

ومن خير ما يسرح بالكم فيه، ويتردَّد ذهنكم في معانيه، صَلاتُكم على حبيب الله وصفوته وخِيرته من بريَّته، عبده محمد بن عبد الله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، ليلاً ونهاراً، سراً وإجهاراً، فإن أولانا به يوم القيامة أكثرُنا عليه صلاة، ومَن صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشراً. 

ولقد قال الرحمن مبتدئاً بنفسه، ومُثنيّاً بالملائكة، ومؤيِّهاً بالمؤمنين تعميماً، قال تكريماً وتفخيماً: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

اللهم صلِّ وسلم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، السراج المنير، البشير النذير، عبدك الطُّهر الطاهر سيدنا محمد بن عبد الله.

وعلى الخليفة من بعده وصاحبه وأنيسه في الغار، مؤازره في حالَي السعة والضيق؛ خليفة رسول الله سيدنا أبي بكر الصديق.

وعلى الناطق بالصواب، حليف المحراب، المنيب الأوَّاب؛ أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب. 

وعلى الناصح لله في السر والإعلان، مَن استحيت منه ملائكة الرحمن؛ أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان. 

وعلى أخي النبي المصطفى، وابن عمه ووليه، وباب مدينة علمه، إمام أهل المشارق والمغارب؛ أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب.

وعلى الحسن والحسين، سيدَي شباب أهل الجنة في الجنة، وريحانتَي نبيك بنَصِّ السنة، وعلى أمهم الحوراء فاطمة البتول الزهراء وأخواتها الكريمات، وعلى خديجة الكبرى، وعائشة الرضا، وأمهات المؤمنين، ومريم وآسية، وعلى الحمزة والعباس، وسائر أهل بيت نبيك الذين طهَّرتهم من الدنس والأرجاس. 

وعلى أهل بيعة العقبة وأهل بدر، وأهل أُحُد وأهل بيعة الرضوان، وعلى سائر الصحب الأكرمين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدعاء للأمة الإسلامية

اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أذِلَّ الشِّرك والمشركين، اللهم أعلِ كلمة المؤمنين، اللهم دمِّر أعداء الدين، اللهم اجمع شمل المسلمين، اللهم ألِّف ذات بين المؤمنين.

اللهم أنقِذ المؤمنين من بلايا ما يُنازل ويُخامر بالهم وخواطرهم وضمائرهم مما يشذُّون به وينحرفون عن الطريق القويم والصراط المستقيم، اللهم خلِّصهم من تلك البلايا وارفع عنهم تلك الرزايا، اللهم املأ قلوبهم بالإيمان واليقين، والخوف منك والإقبال عليك، والتذلُّل لعظمتك، اللهم احشُ قلوبهم بأنوار الإيمان واليقين التام، وادفع عنهم شر إبليس وجنده اللئام، اللهم حَوِّل أحوال المسلمين إلى خير حال.

اللهم اجعل هذا الشهر الراحل عنا شاهداً لنا عندك لا شاهداً على أحدٍ منا، وحُجةً لنا لا حجةً على أحدٍ منا، واغفر لنا ما كان فيه من تقصير، واقبل منا ما وفَّقتنا له من العمل اليسير، اللهم وزِدنا من نور جودك والتنوير وعطائك الكبير، ما تجعلنا به في مرافقة حبيبك البشير النذير السراج المنير ﷺ، اللهم لا فرَّقت بيننا وبينه، ولا باعدت بيننا وبينه، اجعلنا في مَعيَّته يوم القيامة وفي دار النعيم والكرامة، وأحْيِ فينا سننه وسيرته وأخلاقه وشمائله، وثبِّتنا على دربه، واسقنا من شربه، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم فرِّج كروب الأمة، واكشف الغمة، واجل الظلمة، وادفع النقمة، وابسط بساط الرحمة، وأتِمَّ علينا النعمة، وكُن لنا في كل مُهمة، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطَّوْل والإنعام، حَوِّل أحوالنا وأحوال المسلمين إلى خير حال، وعافنا من أحوال أهل الضلال وفعل الجُهَّال، وصَفِّ لنا كل قلبٍ وخاطرٍ وبال، يا ذا العطاء الواسع والنوال، يا حيُّ يا قيوم يا عظيم الأفضال.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).

(رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا).

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).

نسألك للأمة من خير ما سألك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، وأنت المستعان وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

عباد الله: إن الله أمر بثلاث ونهى عن ثلاث: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). 

فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر.

 

تاريخ النشر الهجري

29 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

11 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة