(454)
(629)
خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الروضة، بحارة الروضة، عيديد، مدينة تريم، 26 ذو الحجة 1447هـ بعنوان:
كيف يودع المؤمنون موسم الحج والعام الهجري
يبين في الخطبة أن توديع موسم الحج والعام الهجري يوقظ المؤمن لمحاسبة نفسه وتجديد وجهته إلى الله، وأن حقيقة الربح في مرور الأيام هي زيادة الإيمان والعمل الصالح والاقتداء بالنبي ﷺ. كما يُحذر من تسلل برامج الغافلين إلى البيوت والقلوب، ومِن جعل المعاش ووسائل الدنيا غايات تُنسي الآخرة، ويدعو إلى تطهير البيوت وحفظ الأولاد من الصحبة الفاسدة عبر الأجهزة.
من الخطبة (وداع العام والموسم.. خطابٌ لِمَن يَفقَهُ النداء)
الحمد لله، الحمد لله خالق السماوات والأرض، مُكَوِّر النهار في الليل والليل في النهار، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، منهُ المبتدأ وإليه مرجع الجميع -جلّ جلاله- وهو الواحد القهّار، وأشهدُ أن سيّدنا ونبيّنا وقُرّة أعيننا ونور قلوبنا محمداً عبده ورسوله، وصفيّه ونبيّه وحبيبه المختار.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكَرِّم على نور الأنوار وسر الأسرار عبدك المختار سيدنا محمد، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومَن والاهم وعلى منوالهم سار في السر والإجهار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين معادن الأنوار والأسرار، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم وإياي بتقوى الله،
تقوى الله التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يُثيب إلا عليها، وإنّ الواعظين بها كثير، وإنّ العاملين بها قليل.
أيها المؤمنون بالله جل جلاله: تُوَدِّع أمة النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عاماً من أعوام هجرته الكريمة، عاماً من الأعوام القمرية التي هي عدّة الشهور عند الله يوم خَلق السماوات والأرض، منها أربعة حُرُم، تُوَدِّع هذا العام بشهر حرام، وتستقبل العام المُقبل بشهر حرام.
وهي تُوَدِّع موسم الحج المبارك، ووفادة الوافدين مِن الأمة على ربهم جل جلاله في مظهر بيته الحرام، ورسوله خير الأنام، في بلدِ مولده ونشأته ومبعثه، وفي بلدِ هجرته ووفاته ومدفنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وفدوا وشعارهم التَّلبية، وشرفهم الاقتداء بنبيّ الله الذي دعاهم وجاءهم بالتزكية، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وانقضت الأيام، ووقف الواقفون، ووفد الوافدون، وورد الواردون، وطاف الطائفون، وسعى الساعون، تقبَّل الله منهم وجعل ذلك سبباً للصلاح والفلاح والفرج ورفع الضيق والشدّة والحرج، إنه أكرم الأكرمين، وعاد الأكثر إلى بلدانهم ومواطنهم، ويعود البقيّة، يَسَّر الله تعالى شأنهم وأمرهم وعودتهم.
يُخاطبنا:
وأخذ برامج وخطط المُلحدين والفاسقين والمجرمين إلى وسط الديار! ومِن وسط الأجهزة إلى وسط العيون، إلى وسط القلوب والأفكار! تصنع فيها غباراً وظُلمة وكَدراً وانحرافاً عن الأدب مع عالم السِّرّ والإجهار!
يا أيها المؤمنون، الخطاب قائم، والذي يتعامى ويتصامَم لا شكّ أنهُ نادم.
أيها المؤمنون، اسمعوا الخطاب مِن توديعنا للموسم وتوديعنا لعام مِن أعوام هجرة نبينا ﷺ، التي ما جاءت إلا لنصرة الله، ولإبلاغ شرع الله، ولهداية خلق الله، ولأداء الأمانة الكُبرى التي حملها المرسول إلى جميع الإنس والجن إلى أن تقوم الساعة، التي حملها نبيّ الشفاعة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وما تمَّت ولا قامت إلا بمُكابدات، وإلا بمُقاساة، وإلا بشدائد، وإلا بتخويف، وإلا بإرهاق، وإلا بأذى، وإلا بِصبر.. حتى وصل ﷺ إلى المدينة المنورة واستقبلهُ المؤمنون:
طلع البدر علينا ** من ثنيّات الوداعِ
وجب الشُّكر علينا ** ما دعا لله داعِ
أيها المبعوث فينا ** جئت بالأمر المُطاعِ
وهم يرسمون بهذه الأبيات وجهة أفكارهم ونيّاتهم ووجهاتهم عليهم رضوان الله.
والمبدأ الذي أنقذهم الله تعالى به، وأخرجهم من الظلمات ومن الشرك ومن الكفر، ومن النزاع ومن القتال بغير حق، ومن التحامُل على بعضهم البعض، ومن إيذاء بعضهم البعض، ومِن أن يستسخروا لعبة لأعدائهم؛ يضربون الأوس بالخزرج والخزرج بالأوس، ويُقَوّون مَن ضَعُف لتقوم وتتمادى الحروب بينهم، وتتمادى الانتهاكات على بعضهم البعض! جاء المَنقَذ وجاء المُنْقِذ، جاء الخلاص وجاء المُخَلِّص بأمر الله، جاء محمد بن عبد الله.
(وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).
(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ)
إنها نداءات يا أيها المؤمنون! (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا).
وهو نداؤه لِكُلّ مَن صاحبهُ في كل زمان وفي كل مكان بالتصديق الكامل، والجزم بما جاء به، والانقياد، والخضوع، والاستسلام، والبذل للنفس والنفيس في نُصرته ومتابعته؛ نداؤه لهم: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا).
وعِزّة الله، إنّ المعية بالتأييد والنصرة والتسديد والرضا والكرامة والتشريف والتكريم قائمة من الله، مع كل أنصار محمد بن عبد الله في كل زمان وفي كل مكان، لِمن صدق منهم، لِمن أخلص لِوَجهِ الله منهم، لمن نصح منهم، لمن بذل الروح والمال والنفس والعمر والوقت، وما أوتي مِن قوّة وقدرة في نصرة الله ونصرة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
الله مع هذا الفريق، الله مع هذا الفريق يرعاهم، الله مع هذا الصنف يُؤيِّدهم وينصُرهم ويتولّاهم، ويصلح شؤونهم في ظهورهم وفي بطونهم.
فَمِمَّن أنتم؟ هل تدخلون في هذا الفريق؟ وهل تحظون بهذا الرفيق؟ وهل تتحقَّقون باليقين والإيمان غاية التحقيق؟
أيها المؤمنون بالله، خروجنا من الموسم الكريم، والوافدون إلى بيت الله وإلى رحاب رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نابوا عن بقيّة الأمة في طلب المغفرة من الله، وفي طرح شؤونهم وأحوالهم، وفي الاستغاثة به تعالى أن يكشف الشدائد والبلايا والكروب.
ثم نُوَدِّع عاماً مُذَكِّراً لنا بأنّ أعمارنا المعدودة المحدودة بأنفاسها ولحظاتها، تمرّ بنا بسرعة ليصل الواحد مِنا إلى أجله، وأنَّ حقيقة الربح لِكُلّ مؤمن أن يزداد بمرور الأيام، وما أوتي مِن فرصة إمهال في عالم الدنيا؛ أن يزداد إيماناً، ويزداد عملاً صالحاً، وزاداً للحياة الباقية الأبديّة.
هذا والله ربحنا من هذه الحياة، ومن مرور المواسم، ومن مرور الأيام والأعوام.
فيا ويل مَن كانت تمرّ عليه وهو في نقص من الإيمان! بل يا ويل مَن لا يزداد إيماناً، فكيف مَن ينقص إيمانه؟! يا ويل مَن تمرّ عليه وهو في نقص من الأعمال الصالحة! بل ويلٌ وويحٌ لمن لا تزداد أعماله، فضلاً عمَّن تنقص أعماله الصالحة!
ألَنا مِن مَغنَم ومربح في خلال الأيام ومرورها إلّا زيادة إيماننا ويقيننا بمولانا، ونيلنا القرب مِن حضرته العلية، والمراتب الشريفة السامية السنيّة، وإعداد الزاد للمعاد والرجوع إلى الدار الآخرة.
أيها المؤمنون، ما يَعرِضُ للناس في الحياة من أشغالٍ باحتياجاتهم ومعايشهم وما إليها، يجب أن تكون قائمةً على أساس أنها وسائل يكسبون بها الفضائل، وأنَّ الطريقة لتحقيقها ولتيسيرها ولإقامتها ما شرع الله على يد رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ولكنّ أكثر الناس -حتى من المسلمين- مَن يرون احتياجات الحياة المعيشيّة المادِّيَّة هي كل شيء، وهي أهمّ شيء، وهي الغاية في الشيء!
ومَن يريدون الوصول إلى استقرارها وإلى إقامتها على وجهها مِن غير الطُّرُق التي شرعها الله تبارك وتعالى، ويمدّون أيديهم حتى إلى أعداء الله ليصلحوا لهم معاشهم! ولن يصلحوا لهم معاشهم، ولن يصلحوا لهم معادهم والعياذ بالله تبارك وتعالى!
(إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ).
أيقَظَ الله قلوب الأمة مِن هذه السَّكرة والنَّومَة، وبعث فيهم الهِمّة؛ ليرتقوا القِمّة إيماناً ويقيناً وعملاً بما دعاهم إليه الله على لسان رسوله.
يا مُحَوِّل الأحوال، حَوِّل حالنا والمسلمين إلى أحسن حال، وعافِنا من أحوال أهل الضلال وفعل الجُهّال.
والله يقول وقوله الحق المبين: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُم نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ).
باركَ الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم، وثبَّتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا مِن خِزيهِ وعذابهِ الأليم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين، فاستغفروهُ إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله حمداً يُحيي به القلوب، ويكشِف به الكروب، ويدفَع به الخطوب، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له علّام الغيوب، وأشهدُ أن سيّدنا ونبيّنا وقُرّة أعيننا ونور قلوبنا محمداً عبده ورسوله، المُطَهَّر المُقدَّس المُنزَّه عن جميع النقائص والعيوب.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك وحبيبك المحبوب، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه خير الدروب، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين المُنَوِّرين للألباب والقلوب، وعلى آلهم وصحبهم ومَن إليهم منسوب، وعلى ملائكتك المُقرّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله.
فاتّقوا الله، ولينصرِف كلّ واحد منكم من الجمعة بقَلبٍ سمع النداء، ولبّى داعي الهدى، وأدرك مُهِمّته في الحياة، وأخذ في الاستعداد للقاء الله مولاه، وتَزَوَّد مِن حياته القصيرة؛ لحياة أبديّة خطيرة.
اتّقوا الله في مرور الأيام عليكم والليالي، طهِّروا دياركم عن المناظر القبيحة الخبيثة، طهِّروها عن البرامج الكُفرية والفسقية، طهِّروا دياركم عن الغيبة والنميمة، وعن تأخير الصلاة عن وقتها، وعن قطيعة الرحم، وعن عقوق الوالدين.
طهِّروا دياركم ومنازلكم عن سبّ الصالحين والمسلمين، وعن موالاة الفاجرين والكافرين.
اغنموا أوقاتكم، وعَلِّموا أهلكم وأولادكم يغنموا أوقاتهم في أنواع طاعات الله تبارك وتعالى والعمل بشريعته، في توديعكم العام واستقبالكم العام المُقبِل الجديد.
أيها المؤمنون بالله جل جلاله، فليشغلوا أنفسهم بتفقُّهٍ في الدين، "من يُرِد الله به خيراً يُفَقِّههُ في الدين"، وليقضوا أيام إجازات مدارسهم النظامية الحكومية، فليقضوا أيام إجازاتهم منها فيما يوجب الفوز.
لاحظوا العلائق بين أولادكم وبين الصُّحبة والمجالسة والمزاملة؛ يجالسون من؟ ويصاحبون من؟ ويزاملون من؟
وإنَّ مِن أولاد المسلمين مَن يُزامِل ويُجالس أخبث مَن في بلده، وأخبث مَن في العالم؛ عن طريق الأجهزة! وأبوه غافل لاهٍ لا يظن أنه مسؤول! والله سائل، سائل الوالد عن الولد، وسائل الولد عن الوالد، بل هو سائل المرسلين عمّن أرسل إليهم، ومن أرسل إليهم عن المرسلين: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ).
أيها المؤمنون، من الناس مَن يشتغلون باللعب والرياضة وما يُسَمّونه بكأس العالم في اصطلاحات اصطلح عليها الغافلون، وتبِعهُم عامة الناس وراء ذلك، ورُبّما قام أحدهم في نصف الليل أو آخر الليل يُتابع ذلك! ولم تكن له مخاطبة لنفسه أن يقوم في نصف الليل وآخره لأجل السجود للملك المعبود، ولا لأجل الاستغفار في الأسحار قط! ولكن مِن أجل متابعة كأس العالم يقوم في ليله! ومنهم من يؤخِّر الصلاة المفروضة عن وقتها في متابعته لذلك!
أنقِذوا أنفسكم، أيقِظوا قلوبكم.. تَبَع مَنْ أنتم؟ مَن يُسيّركم؟ مَن يتحكّم في عقولكم؟ من يتحكّم في مسالككم؟ وراء مَن تمشون؟ وبمَن تقتدون؟ وأي الخطط تَخْطَطُّون؟ (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
طهِّروا قلوبكم، وزكوا عقولكم، وانظروا أمر أهاليكم وأولادكم، وسَيِّروهم على منهاج الله الذي بعث به محمداً، وبذلكم يأتي المخرج من الشدائد، والدفع للآفات والعاهات: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).
إلهنا لا صرفتنا مِن جمعتنا إلا وقلوبنا مُتَنبِّهة إليك، متوجِّهة، مقتفية لأثر حبيبك محمد بما جاءنا به من تنبيه وتعليم، وإرشاد ووحي وحكمة من الحكيم، اللهم ثِّبتنا على الصراط المستقيم.
ألا وأكثروا الصلاة والتسليم على السراج المنير والبشير النذير، فإنَّ أولاكم به يوم البعث والنشور أكثركم عليه من الصلاة والتسليم.
وإنّ الله يُصلّي على من صلى على نبيه بالمرة الواحدة عشر صلوات، وإنهُ أمرنا بأمرٍ ابتدأ فيه بنفسه، وثنّى بالملائكة وأيَّهَ بالمؤمنين، فقال مخبراً وآمراً لهم تكريماً: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
اللهم صلِّ وسلّم على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، والسراج المنير البشير النذير، عبدك المختار محمد.
وعلى صاحبه وأنيسه في الغار، مؤازرهِ في حالَي السَّعَة والضيق، الرحيم الشفيق، خليفة رسول الله سيدنا أبي بكر الصديق.
وعلى الناطق بالصواب، حليف المحراب، المُنيب الأواب، أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب.
وعلى من استحيَتْ منهُ ملائكة الرحمن، مُحيي الليالي بتلاوة القرآن، أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان.
وعلى أخِ النبي المصطفى وابن عمّه، ووليّه وباب مدينة علمه، إمام أهل المشارق والمغارب، أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب.
وعلى الحَسن والحُسين سيّدي شباب أهل الجنة في الجنة، وريحانتي نبيك بِنَصِّ السُّنّة.
وعلى أمّهما الحوراء فاطمة البتول الزهراء، وعلى أمهات المؤمنين، وبنات سيد المرسلين، ومريم وآسية.
وعلى الحمزة والعباس، وعلى أهل بيت نبيّك الذين طهَّرتهُم مِن الدَّنَس والأرجاس.
وعلى أهل بيعة العقبة، وأهل بدر، وأهل أحد، وأهل بيعة الرضوان، وعلى سائر الصحب الأكرمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أذِلّ الشرك والمشركين.
يا ربّ أيقِظ قلوب المؤمنين مِن النَّومة العميقة، وارزقهُم الاستيقاظ الحَسَن والاستمساك بالعروة الوثيقة.
وأسمِع قلوبنا نداء توديع الموسم والعام؛ لنستقيم على ما أحببتَ في النية والقصد والفعل والكلام.
اللهم ارزقنا الائتمام بخير الأنام، واجعله قدوتنا في كل خاصٍّ وعام، وثبِّتنا على دربه حتى تحشرنا معه في يوم القيام، وتسقينا مِن حوضه المورود شربة لا نظمأ بعدها أبداً يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم اجعل مآلنا مرافقتهُ في دار الكرامة، وتولَّنا به في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة، اللهم قِنا جميع موجبات الخِزي والفضيحة والنّدامة، واسلُك بنا مسالك التقوى والسلامة، وكُنْ لنا بما أنتَ أهله يا ربّ العالمين.
اللهم تدارَك الأمّة، واكشف الغُمّة، واجمع شمل المسلمين وألِّف ذات بينهم، وارزقهم اللهم القيام بما يصلح المعاش والمعاد على ما أحببتَ ووجَّهت، وشرعتَ وبيّنتَ على يد ولسان رسولك المختار.
اللهم اكفِنا الشرور والأشرار، والمعتدين الغاصبين المُفتَرين المفسدين من المنافقين والكفار، اللهم رُدَّ كيدهم في نحورهم، واكفِ المسلمين جميع شرورهم، اجعل كيدهم في تضليل، واجعلهم كعصف مأكول، يا من فَعل ذلك بأصحاب الفيل.
يا ربنا ورب نبينا الجليل، تدارَكنا واهدنا سواء السبيل، وادفع عنا كل هول مُهيل، وانظمنا في سلك أهل الصدق معك في النية والقصد والفعل والقيل، يا أرحم الراحمين يا أكرم الأكرمين.
اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا، والمُتقدمين في ديارنا ومساجدنا وبلداننا من أهل لا إله إلا الله، واجمعنا بهم في دار الكرامة وأنت راض عنا يا أرحم الراحمين.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
نسألك لنا وللأمة من خير ما سألك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، وأنت المستعان وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر.
28 ذو الحِجّة 1447