عيد الأضحى وإقامة ميزان الرغبات والأمنيات والمرادات لدى المؤمنين

للاستماع إلى الخطبة

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الإيمان، بعيديد، مدينة تريم، 12 ذو الحجة 1447هـ بعنوان: 

عيد الأضحى وإقامة ميزان الرغبات والأمنيات والمرادات لدى المؤمنين

يبين في الخطبة معنى الفرح المشروع في أيام التشريق وعيد الأضحى، وأنه فرحٌ بفضل الله ورحمته يقود إلى فرحٍ أبدي، بخلاف الفرح بالمعاصي والدنيا الزائلة الذي يورث الحسرة والخسران. كما يدعو إلى تعظيم هذه الأيام بكثرة الذكر والتكبير، وتصحيح ميزان الرغبات بين الدنيا والآخرة، والإلحاح بدعاء: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)، مع الحذر من الانشغال بالدنيا عن المقاصد الكبرى والاستعداد للقاء الله.

 

نص الخطبة:

الحمد لله، الحمد لله الأول الآخر، الباطن الظاهر، مَن بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع كل شيء.

وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الواحد الحي، وأشهدُ أن سيدنا ونبينا وقرّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، المُنقِذ من الشرك والكفر والفسوق والغَي.

اللهم صلّ وسلِّم وبارِك وكَرِّم على عبدك المختار، القدوة العظمى، وعلى آله وأصحابه مَن ارتقوا به إلى المقام الأسمى، وعلى من والاهم واتّبعهم بإحسان قولًا وفعلًا.

وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أهل المقام العُلى، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقرّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد، عباد الله، فإني أوصيكم وإيّاي بتقوى الله.

 

 كيف تعطي المواسم العظيمة حقها؟

فاتقوا الله عباد الله، وأحسنوا يرحمكم الله، (إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ). 

وإنّ مِن تَقواهُ جل جلاله أن تُعطوا المواسم حقّها، وتُعطوا الأوقات حقّها، وتُعطوا المناسبات والاعتبارات الشرعية ما يلزمكم نحوها.

لقد مرَّت عليكم ليالٍ عشر أقسم الله بها، وفيها فجر طلع، وإن كان يطلع كل يوم ففي فجر يوم النحر، وفي فجر يوم عرفة؛ اعتبارات وميزات.

ومرَّ عليكم مِن مظاهر الشفع: يوم النحر، يوم عيد الأضحى. ومِن مظاهر الوتر: يوم عرفة، وها أنتم في وسط أيام معدودات ذكرها الرحمن في صريح الآيات: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ).

 

أحكام المناسك وآداب الحج

وشرع لأهل الحجّ ومن يبيتُ بِمنى ويرمي الجمار: (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).

وجاء الشرع الكريم بمُهِمّات وواجبات فيما يتعلّق بترك الرّفث والفسوق والجدال، وفيما يتعلّق بمحرمات الإحرام وما يُندَب للمضحي أن يجتنبه في أيام العشر، وفيما يكون من الأضحية لمن تيسّرت له وقدر عليها، وفيما يكون من التّكبير وصلاة العيد، وفيما يكون من التهنئة للناس المؤمنين بعضهم بعضًا بما بلَّغهم الله الموسم وما فيه، والذِّكرى الكبيرة، والاتصال بالفرح المشروع.

 الفرح المشروع والفرح المذموم

والفرح المشروع: فرح بِحَق، يؤدي إلى فرح مؤبّد سرمدي. 

والفرح غير المشروع: فرح بباطل، يؤدي إلى حُزن أبدي وإلى سوء سرمدي.

وذلكم فرح الكفار والفجار والفُسّاق بالمعاصي والذنوب والانتهاكات للحُرُمات، ورأيتموهم يقيمون لها أعيادًا، يقال لهم في موقف الحُكم يوم القيامة: (ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ).

فالفرح المشروع بالحق يأتي في أعظم مظاهره: عِيدَا المؤمنين؛ عيد الفطر بعد رمضان وما فيه من مغفرة وعِتق، وعيد الأضحى بعد وقوف يوم عرفة وما فيه من غُفران وعُتق؛ فهو فرح بِحَق يجب أن يُعلم قدره، ويُعظِّم أمره، ويُنزَل منزلته اللائقة به.

أيها المؤمنون بالله جل جلاله، وهذا الفرح بفضل الله وبرحمته جل جلاله، وهو ما يدفع المؤمن لأن يفرح بالحق ورحمة الحق وفضل الحق؛ ليتهيّأ بذلك لفرح يدوم.

فلا تدفعه الدوافع الطّبعية المُجرّدة، ولا الساقطة الهابطة السُّفلية؛ لأن يفرح بسوء، ولا بضُر، ولا بمعصية ولا بفِسق.

 

 ميزان المؤمن والمنافق في المعصية والفرح بها

وإنّ الفرح بالمعصية إثمه أشدّ مِن فعل المعصية وحدها دون الفرح بها، وإنهُ قد يصدُر الذنب والمعصية من المؤمن، لكن والله لا يكون في قلبه فرح بها، ولا طمأنينة لها.

وإنّما من المنافق والكافر تصدُر الذنوب ويفرح بها، وربما تَبَجَّحَ بها، وافتخر بها، ومآله سوء المصير، وشدّة العذاب، وأليم العقاب، والعياذ بالله تعالى.

أيها المؤمنون بالله، ميزان فرحنا في الحياة ميزان شرع مَصون، ووِجهة صادقة إلى من يعلم الظهور والبطون، ومتابعة للأمين المأمون.

أكثروا الذكر لله

أيها المؤمنون بالله جل جلاله، أعطوا الأيام حقها، وسارعوا إلى ما نُدِبتم إليه وشُرِع لكم، وأكثروا الذكر لله تبارك وتعالى. 

واسمعوا قوله: (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا).

و (أَوْ) هنا بمعنى بل، أي: بل أشد ذكرًا.. وذلك أنه كان من عادتهم إذا رجعوا من عرفات ومزدلفة وجاءت أيام التشريق، جلسوا يتفاخرون ويذكرون الآباء ومَن مضى من أهاليهم، بما فيهم من ذوي العتو وذوي الظلم، ويقولون كانوا وكانوا، قال: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا)، أي: بل أشد ذكرًا.

 أصناف الناس في طلب الدنيا والآخرة

ثم بَيَّن جل جلاله مقاصد الناس، ومراداتهم ورغباتهم وأُمنياتهم، وما يُخالِج أفكارهم وصدورهم مِن المرادات والمقاصد؛ (فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ).

عاب الله على فريق من المؤمنين يؤمنون بالله، ولكن وجهتهم وهِمّتهم ونهمتهم ورغبتهم دُنيا.. في دُنيا.. في دُنيا، مُجرّدين لذلك. 

دُنيا فانية، زائلة، قصيرة، حقيرة! (فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا)، هو يؤمن بالله ويدعو الله، ولكن ما سَما به إيمانه أن يقصُد المقاصد الكبيرة، وأن يطلب المطالب الشّريفة، وأن يستقِرّ في قلبه الرغبة في الدرجات وشؤون الآخِرات، فما أضعف إيمانه! 

(وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ): ما له في الآخرة مِن نصيب، ولا حظ، ولا قِسم، ولا سهم. 

(وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ)، فبئس مَن حَبَسَ فيه مِن إرادة الدنيا ومظاهرها في أجساد أو أولاد أو أموال أو ثروات أو مظاهر، تكون للبر والفاجر، وللمؤمن والكافر، ولأهل الجنة ولأهل النار، فليس في ذاتها شرف ولا مكانة. بل مَن اقتصر نظرهُ عليها؛ تعرَّضَ للبوار، والهلاك، والدمار، والسقوط.

يقول جل جلاله: (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا).

قال الإمام الحداد: "والذي يتعيَّن في حقّه هذا الوعيد من المريدين للدنيا وللعاجلة، هو من أرادها إرادة نسي في جنبها الآخرة؛ فإمّا لم يؤمن بها، وهذا كافر مُخلَّد في النار، وإما لم يعمل لها ويعطيها حقّها من الاهتمام والرغبة والطلب، وهذا مُقصِّر موسوم بالخسران".

أيها المؤمنون، (ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا)؛ كلّ من أراد العاجلة فكذَّب بالآخرة، أو لم يُكَذِّب بها ولكنّه لم يعمل لها ولم يلتفت إليها ولم يُعطِها حقّها، فيرد على جهنم والعياذ بالله.

 

مصير الحضارات المقطوعة عن الله

أيها المؤمنون بالله، (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

(وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)؛ وهذا مصير جميع أهل المدنيات، والأنظمة، والقرارات التي لا يريدون بها إلا هذه الحياة الدنيا، فمهما قامت لهم من هيئات ودول؛ حبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون.

لقد حبط ما صنع المكذبون بسيدنا نوح، وبطل ما كانوا يعملون. 

لقد حبط ما صنع النمرود المُكذب لإبراهيم والمُدّعي الدعاوي الكاذبات، وبطل ما كان يعمل. 

لقد خسر عاد الذين كذبوا النبي هود، لقد حبط ما صنعوا فيها وبطل ما كانوا يعملون. 

وثمود كذلك، وفرعون كذلك، ومن بعدهم ومن في زماننا، ومن يأتي على هذا المنوال: (حَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

 

مآل المتقين وجزاؤهم

لكن الذين آمنوا واتقوا ربهم جل جلاله.. (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ).

ملأ الله قلوبنا بالإيمان واليقين، ورزقنا معرفة حقّ الأوقات والمناسبات والاعتبارات الشرعيّات، وجعل فرحنا به وبفضله وبرحمته قائِم على أساس مِن شريعته ومِلّة رسوله، وجعلهُ فرحًا مُتَّصلًا بِفرح البرزخ والقيامة ودار الكرامة، إنهُ أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

والله يقول وقوله الحق المبين: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْل وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ * وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم، وثبَّتنا على الصِّراط المستقيم، وأجارنا من خِزيهِ وعذابه الأليم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولوالدينا ولجميع المسلمين فاستغفروهُ إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية: ميزان الرغبات وحسنات الدارين

الحمد لله مُكوِّر النهار في الليل والليل في النهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مطوّر الأطوار ومقدّر الأقدار.

وأشهدُ أن سيدنا ونبيّنا وقرّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وصفوَته المختار.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك وكرِّم على الجامع للفضائل، حميد الشمائل، خاتم الرسائل، عبدك المختار سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أهل محبّة الله وقُربه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المُقرّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد، عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

فاتقوا الله، وأقيموا ميزان الرغبات والإرادات في أنفسكم ومشاعركم وأهليكم وأولادكم. 

واحذروا مسلك مَن قال الله عنهم: (فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ).

ميزان الرغبات: حسنة الدنيا وحسنة الآخرة

(وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).

أرادوا الحَسنة في الدنيا، الحسنة بميزان الخلّاق، ما كان حَسَنًا عند الإله، وفي ميزانه وفي شرع مُصطفاه:

  • مِن عافية، 
  • ومِن علم نافع، 
  • ومِن زوجة صالحة، 
  • ومِن مال مِن حلال مصروف في الطاعات، لا شُبهة فيه ولا نفقة في مكروه فضلًا عن حرام،
  • ومن معرفة بالله،
  • ومن إخوان أعوان على مرضات الله وطاعته..

تِلكُم حسنات الدنيا.

وفي الآخرة حسنة: 

  • نجاة من العذاب، 
  • مرافقة للأحباب، 
  • دنو واقتراب، 
  • ستر للمعاصي والعيوب، 
  • وغَفر للسيئات والذنوب، 
  • تثقيل لميزان الحسنات، 
  • وعَرض جميل على الإله، 
  • وأمر بالانصراف إلى جنّته تعالى في علاه، 
  • ثبات على الصراط المستقيم، 
  • وخلود في جنات النعيم، 
  • ومرافقة للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
  • وسماع نداء من رب العرش يقول فيه: "أُحِلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا".

يا ما أعظمها مِن حسنة! يا ما أجلّها من حسنات! (آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)؛ (إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ).

فتحرَّروا عن رقّ النفوس والأهواء، وأطروحات أعداء الله التي تحصركم في طلب الدنيا وإرادة الدنيا وقصد الدنيا وتعظيم الدنيا.

اخرجوا من هذا الحبس، ومِن هذا القصر، ومن هذا الحصر، ومن هذا التقييد.. إلى فضاء: (آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ).

 توجيهات لحفظ القلوب والمجتمعات من الفتن

قوموا بِحَقّ الصِّلَة للرَّحم، دون أن تظهروا على غير المحارم، ولا تصافحوا منهن أحدًا؛ ذلكم خير لكم، (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)؛ صَدَق ربّي، والقول قول الله: (ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ).

وقوموا بِحَقّ التّكبير والإكثار مِن هذه الدعوة المباركة، فهي الدعوة التي ذُكِرَت مُقترنة بالفراغ مِن الحج واستقبال الأيام المعدودات: (وَمِنْهُم مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، ألِحّوا على الله بها واسألوها.

استحضروا معنى الحسنة في الدنيا بِكُلّ ما هو في ميزان الله حسنة: مِن سَمع مصروف في طاعته، وبَصَر مصروف في طاعته، وعافية مصروفة في طاعته، ومن طُهْر للقلوب، ومن زوجات صالحات، ومِن أولاد طَيِّبين مباركين، ومن أموال حلال مصروفة في مرضات الله جل جلاله، ومن علوم نافعات، ومعارف بِرَبّ البريات، وحُسن خاتمة عند الممات؛ فكلّها من الحسنة في الدنيا.

وما أعظم حسنات الآخرة! من بداية البشارة عند الغرغرة برضوان الرحمن، والملائكة يُبَشِّرونهم بالقُرب منه والدُّنوّ والرضوان، وما يكون في القبور ويوم البعث والنشور، إلى دار الكرامة والسرور.

 

كيف تفوز بالحرية وتنجو من سجن الحطام الفاني؟

أيها المؤمنون، قوموا بِحَقّ الله في أيامكم ولياليكم ومواسمكم، وتواصوا بالحق والصبر، واجعلوا انقيادكم وطاعتكم للإله الذي خَلَق؛ ولكُم بذلك الشَّرف والكرامة.

ولا تُؤسروا لرقِّ فِكر شرقي أو غربي مقطوع عن الله تعالى، يتنازعون على شؤون الدنيا، نَسُوا فيها الإنسانية والفضيلة مِن أصلها والعياذ بالله، فعادوا عَبيدًا للحطام الفاني؛ "تَعِس عبد الدينار، تَعِس عبد الدرهم، تَعِس عبد القطيفة"، أولئك الذين سقطوا وهبطوا، أولئك هم المحصورون المحبوسون الذين ما عرفوا الحُرّية، ولا حقيقة التّحرُّر ولا التّطهُّر ولا التَّنوّر.

(وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)، (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ)،

 الحمد لله على نعمة الإسلام، فقوموا بِحقّها الذي يكون مِن بهجته على المُتحقّق به أن يَسلَم المسلمون من لسانه ويده، وله وراء ذلك مِن عجيب العطايا والمزايا ما به ينال حقيقة السلامة والسلام، في الدنيا والبرزخ ويوم القيام وفي دار السلام.

 الدعاء والصلاة على النبي ﷺ

اللهم احفظ حُجاج بيتك وزائري نبيك، وأعِدهم إلى أوطانهم مقبولين سالمين موفّقين، وافتح أبواب الفرج لهذه الأمة، وارزقنا القيام بِحَقّ العبودية، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).

وأكثروا الصلاة والسلام على السراج المنير، البشير النذير، الطُّهر الطاهر، العَلَم الزاهر، زين الوجود، سيد الأوائل والأواخر؛ فإنَّ أولاكم به في اليوم الآخر أكثركم عليه صلاة، وإن الله يُصلّي على من صلى على عبده محمد مرّة واحدة؛ عشر صلوات.

ولقد قال مُبتدئًا بنفسه ومُثنِّيًا بالملائكة ومُؤيِّهًا بالمؤمنين تعظيمًا وتفخيمًا وتكريمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

أدِم اللهم صلواتك على صَفْوَتك المختار سيدنا محمد، وعلى الخليفة من بعده، صاحبه وأنيسه في الغار، مؤازرهِ في حالي السَّعَة والضيق، خليفة رسول الله سيدنا أبي بكر الصديق.

وعلى حليف المحراب، المنيب الأواب، الناطق بالحق والصواب، أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب.

وعلى مُحيي الليالي بتلاوة القرآن، من استحيَت منه ملائكة الرحمن، أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان.

وعلى أخ النبي المصطفى وابن عمه، ووليه وباب مدينة علمه، إمام أهل المشارق والمغارب، ليث بني غالب، أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب.

وعلى الحسن والحُسين سيدي شباب أهل الجنة في الجنة، وريحانتي نبيك بِنَصّ السنة، وعلى أمهما الحوراء فاطمة البتول الزهراء.

وعلى خديجة الكبرى وعائشة الرضا، وعلى أمهات المؤمنين، وعلى مريم وآسية، وعلى الحمزة والعباس سائر أهل بيت نبيك الذين طهّرتهم من الدنس والأرجاس.

وعلى أهل بيعة العقبة وأهل بدر وأهل أحد، وأهل بيعة الرضوان وسائر الصحب الأكرمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم أعِزّ الإسلام وانصر المسلمين، وأحيِ قلوب المسلمين، وأيقِظ قلوب المسلمين، ونَبِّه قلوب المسلمين، واجعل فيها إرادات قُربك ومغفرتك ومحبّتك ومرافقة حزبك وأحبابك في حضرة اقترابك، يا حي يا قيوم. 

ولا تُنسهم هذه المقاصد والمطالب السنيّة، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)، (رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا). 

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، (رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).

اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه عبدك ونبيك وسيدنا محمد، ونعوذ بك من شرّ ما استعاذك منه عبدك ونبيك وسيدنا محمد، وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

عباد الله، إن الله أمر بثلاث ونهى عن ثلاث: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يَزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

تاريخ النشر الهجري

12 ذو الحِجّة 1447

تاريخ النشر الميلادي

29 مايو 2026

اضافة إلى المفضلة