أهمية أوقات العمر الدنيوي وترتب درجات الجنة ودركات النار على ما يكون فيها وخطر الانخداع بصرفها فيما يضر

للاستماع إلى الخطبة

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الشيخ حسين مولى خيلة، بمدينة تريم،  3 رمضان 1447هـ  بعنوان:

أهمية أوقات العمر الدنيوي وترتب درجات الجنة ودركات النار على ما يكون فيها وخطر الانخداع بصرفها فيما يضر

لتحميل الخطبة pdf

 

  • 3:00 مراحل أوقات الإنسان منذ خلقه
  • 8:33 الحكمة من خلق الموت والحياة واستثمار الأوقات
  • 12:02 أثر اللحظات في الدنيا على درجات الجنة ودركات النار
  • 13:10 ارتباط العبادات بالأوقات
  • 14:56 فضل شهر رمضان ونداء الله للعباد
  • 17:44 تحذير من تضييع الأوقات في الملهيات والمحرمات
  • 22:17 حال السلف الصالح واغتنامهم لرمضان
  • 29:23 الحكمة الكبرى من الصيام
  • 31:46 فضل التبكير لصلاة الجمعة ومضاعفة الأجور
  • 33:25 الدعاء للأمة والصلاة على النبي ﷺ

نص الخطبة:

الخطبة الأولى :

   الحمد لله، الحمد لله خالق الأزمِنة والأمكِنة والأشخاص، مُكوِّن الأكوان جل جلاله وتعالى في علاه، بقدرته وإرادَته ليس له في إنشائِها ولا في تكوينها شريك، وليس له مِن مثيل وما معه من إله غيره. 

فنشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جامع الخلق ليوم الأخذ بالنواصِ، ورفعة قدر أهل الطاعة، وشؤم وهُون أهل الذنوب والمعاصِ.

وأشهد أنّ سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمداً عبده ورسوله، المجتبى المختار، المصطفى مِن قِبل الرحمن في جميع شؤونه، والعظيم القدر والوسيع الجاه لدى الرحمن جل جلاله في ظهوره وبطونه.

كان يجتهِدُ في رمضان ما لا يجتهدُ في غيره، ويجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهدُ في غيرها من رمضان.

فصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على سيد الأكوان عبدك المختار محمد، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومَن على منهجهم سار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين معادِن الأنوار، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وملائكتك المقرّبين وجميع عبادك الصالحين الأخيار، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا مُكوِّر النهار في الليل ومكوّر الليل في النهار.

أمّا بعدُ عباد الله، فإني أوصيكم وإيّاي بتقوى الله، تقوى الله التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يُثيب إلا عليها، {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.

مراحل أوقات الإنسان منذ خلقه:

    أيها المؤمنون بالله ﷻ: ما يمرُّ بالإنسان من أزمنة.. 

أوّلها : ما كان في عالم الأرواح من حين أن كوَّن الله تعالى روحَه، حتى تنقّل من عهد آدم وحواء بين الأصلاب والأرحام، حتى ولدته أمه.

ويأتي الوقت الآخر : الذي يمر بالإنسان من حين أن وَضعته به أمه، إلى حين غرغرة روحه وخروجِها من جسده وانتقاله من عالم الدنيا. 

ويأتي الوقت الثالث : وقت البرزخ إلى يوم يُبعثون، 

ويأتي الوقت الرابع : (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)، 

ويأتي الوقت الخامس : وقد حَكم الله تبارك وتعالى على جميع المُكلّفين بالدوام والبقاء، فلا نهاية لذلك الوقت الأخير؛ إنها الجنة أبداً أو النار أبداً.

   أيّها المؤمنون بالله، لكن أعظم وأجل وأخطر ما يمرّ بالإنسان من هذه الأوقات وقت الحياة الدنيا، وخصوصاً من حين التمييز، وأَخص منه وأَشد وأَعلى وأَغلى وأَجل: من حين البلوغ إلى حين الغرغرة وخروج الروح من الجسد، فليس يشابه هذا الوقت وقتٌ في قوة تأثيره وعَظمة خطره وعواقبه على هذا الإنسان المكلّف والجان المكلّف.

   أيها المؤمنون بالله، يجب أن نُدرك عظمة ما يمرّ بنا من هذا العمر.

كم لك من حين ميّزت؟ 

ثم كم لك من حين بلَغت؟ 

وأنت من تلك الساعة إلى هذه الساعة تَبني وتُقيم كل ما يكون من الأحوال في عمر البرزخ وعمر القيامة، ثم في عمر الأبد والدوام والخلود، من خلال هذه الأوقات والأيام والليالي والأسابيع والأشهر والسنين، من خلال هذه الساعات، من خلال اللّحظات التي تمرّ بك، من حين بُلوغك إلى حين موتك وانتقالك. 

ألا لا يخدَعنّك نفسك ولا هواك ولا شيطان إنس وجن فتستخفُّ بهذا الوقت وكيفية صرفه وكيفية التصرُّف فيه، وما يجري من نياتك ومقاصدك فيه، وما يجري من أعمالك وأقوالك ومعاملاتك.

فكلها تحت دائرة التكليف؛ ما بين واجب مفروض، قيامك به أهم ما يكون عليك ويتَوجّه عليك في هذه الحياة، سواء كان فرض صلاةٍ أو زكاةٍ أو صومٍ أو حجٍّ للمستطيع، أو برٍّ للوالدين، أو صلةٍ للرحم، أو غير ذلك مما فرض الله تعالى علينا في هذه الحياة. 

وبعد ذلك ما كان مسنوناً ومندوباً ومُستحباً، من الأعمال والأقوال والنيات والأحوال والمعاملات. 

وبعد ذلك ما كان مُباحاً، ثم يأتي ما كان مكروهاً يُثاب على تركه وإن لم يعاقَب على فعله، ثم تأتي الشُّبهات، ثم يأتي الحرام المَحض والعياذ بالله تعالى في النيات والمقاصد والأقوال والأفعال. 

وأنت من خلال هذه الدائرة التكليفية تبني لنفسك في الجنة أو في النار، وتُهيئ لنفسك في إحدى الدارين في دار القرار.

الحكمة من خلق الموت والحياة واستثمار الأوقات:

   أيها المؤمن بالله ﷻ ، ما أغلى هذا الوقت وما أكرمه وما أخطرَه وما أهمَّه، إن أدركت حقيقة الحياة والوفاة، (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، أي ليختَبِركم أيّكم أحسن عملاً. 

إذا أدرَكت ذلك فمِن المُهم المؤكد أن تعرف قدر الليالي والأيام وقدر الأسابيع والأشهر، وأن تُعطيها حقها، في شمس تطلع عليك ثم تغرُب، وليل يُقبل عليك ثم يُدبِر، وظُهرٍ وعصرٍ ومغربٍ وعشاءٍ، وآناء ليلٍ وساعات أسحار وطلوعِ فجرٍ.

    أيها المؤمن، ما خُلق ذلك عبثاً ولا ضحكاً ولا هزواً ولا لعباً، لا والله، بل رَتّب الصانع ذلك وهيّأ الخالق ما هو كذلك ليسعد السُّعداء بسعادة الأبد، ويشقى المُعرضون والذين لا يُبالون بالأوقات وكيف لها يَقضون، وبأي كلمة يتكلمون، وأي منظرٍ ينظرون، وأي صوتٍ يسمعون، وما تلمَس أيديهم أو تمشي أرجلهم، أو يدخُل في بطونهم، أو تكسِبونه بالجوارح أو بالقلب. 

وكلها شؤونٌ بالغة الخطر في ارتقاء الدرجات لمن اتّقى، وفي الهبوط في الدركات لمن فسقَ ولمن عصى الذي له خَلقَ وأكرمَ ورزقَ. 

وما حقُّ العبد أن يعصي مولاه بقلبٍ ولا جارحةٍ من الجوارح، فقد أكرمك بهذا القلب والروح وبهذه الأعضاء من خزانة قدرته وصُنعه وإنشائه وإرادته ﷻ، (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا). 

ارتباط العبادات بالأوقات :

   أيها المؤمنون، ما من درجة في الجنة يرتقيها أحدٌ من أصحاب الجنة إلا وسببها الُمرتّب من قِبل الخالق: ساعة في الدنيا ولحظات من العمر في الدنيا بها ارتقى تلك الدرجة؛ ما اكتَنف تلك الساعة وما ضمَّنهُ تلك اللحظات من نيات وأفعال هي سبب ارتقائه في الدرجات. 

نعم، ولا والله ما من دَرَكة يهوي بها الإنسان في النار ويسقُط بها إلا وسببها ساعة في عمره ولحظات من أيام عمره الدنيوي أوجَبت هُويَّه إلى تلك الدركَة وسقوطه فيها

فما أخطر هذا العمر لمن عقِل! وما أشدّ نتائج وعواقب هذا العمر لمن أبصر!

اسمع أيها المؤمن، أناط الله تعالى شؤون الدرجات بل شؤون الشريعة والتكليف كله بهذه الأوقات، وجعلَ سبحانه وتعالى عماد الدين الصلوات الخمس موقوتاً بأوقاتٍ من خلال ساعات اليوم والليلة: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)، (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)، (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ)، جل جلاله.

وأناط كذلك الزكوات بهذا الوقت، منها زكاة البدَن المربوطة بإدراك جزء من رمضان وجزء من شوال، ومنها زكوات الأموال التي تَلزمُ فيها الزكاة؛ إما لحول كزكاة التجارة وزكاة الذهب والفضة، وما يملِك الإنسان من النقد، وإما في الحال كزكاة المعدن والرّكاز، وإما عند الحصاد كزكاة الحبوب والثمار.

فضل شهر رمضان ونداء الله للعباد :

   أيها المؤمن بالله، ورَبط الله تعالى رُكن الصوم أيضاً بهذا الوقت، وخصّصَ له شهراً من بين الأشهر جعله سيد الشهور، وقد أنعَم عليك بحضوره وأبقى حياتك وأمدَّ في أجلك حتى حضَرتَ أوائل الشهر الكريم، ونسأل الله أن يبلّغنا آخره، وكما بلّغنا زمنَه أن يُبلّغنا خير ما يبطن ويتضمن في هذا الزمن المبارك من ليالي رمضان وأيام رمضان التي تفوقُ الليالي. 

وربك في غير رمضان وغير ليلة الجمعة يُنادي أهل كل قُطر عندما يبقى ثلث الليل الأخير: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من طالب حاجة فأقضي حاجته؟ هل من مبتلى فأعافيه؟ إلى طلوع الفجر، أما ليلة الجمعة وليالي رمضان فمن المغرب إلى الفجر، لا ثلث الليل الآخر، من عند الغروب ينادي منادي مولاك وخالقك لتستعدَّ ولتسعَد ولتبني ليوم غد، ولتُهيّئ لنفسك الدرجات في دار السعادات.

   أيها المؤمن بالله ﷻ، أناط الحق الصوم برمضان، وجعل أوقاته أوقات مضاعفة للأعمال الصالحات وللحسنات، إلى سبعين إلى سبعمئة، بل إلى ألف كما جاءنا في الحديث عن نبينا أن العمل في رمضان يُضاعَف إلى ألف، كل حرف من القرآن بألف، وكل ركعة بألف، وكل صدقة بألف، وكل طاعة بألف، وهكذا. 

فإذا كان ليلةُ القدر كانت خيراً من ألف شهر، فضلاً من الرحمن ﷻ على أمة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم.

تحذير من تضييع الأوقات في الملهيات المحرمات:

   أيها المُدرِك، يا صاحب السمعِ والبصر، ما أعظم شأنَ هذا العُمر عموماً، وما أجلَّ وأكبر الخاص من وقته كليالي رمضان وأيامها، وكأيام العشر من ذي الحجة، وكأيام فاضلة في العام، وأشهر حُرُم من بين الأشهر، وأشهر حج، وساعات في الليل.

إنه يَعظُم شأنُها وقدرها إذا عرفت الحقيقة، فلا تكُ مخدوعاً بما يدعوك إليه شِرار الخليقة، في سوء قضاء وقتك في مناظر محرمة أو مُسيّئة تُقسّي القلب وتُظلُم الفؤاد، وتَقطَعك عن الارتقاء في مراتب الإسعاد، وتسوِّد وجهك يوم التناد، أو في مسموعاتٍ قبيحة، أو في مقاطعةٍ لرحم، أو في إيذاءٍ لمسلم، أو في ارتكابِ الذنوب والمعاصي.

بئس ما تصنعُ بنفسك وبئس ما تُعِد لنفسك إن رضيت عن تقْضيَ هذه الأوقات في المخالفات والسيئات.

   أيها المؤمن بالله، كلّ نَفس من أنفاسك جوهرة لا قيمة لها، وليس يتحسّر أهل الجنة في الجنة على شيء إلا على ساعة مرّت بهم لم يذكروا الله فيها.

فلا تُخدَع من قِبل النَفس والهوى ولا من قِبل المفسدين على ظهر الأرض، كم ضيَّعوا أوقات رجالنا ونسائنا وصغارنا وكبارنا فيما لا ينفع بل فيما يضر، وفيما يجلِب الشرور، وطاردونا حتى إلى رمضان.

وكان المسلمون في بلاد العرب من أهل الإسلام قبل سنين يُشاهدون ويسمعون وسائل الإعلام من حين لم تكن إلاّ إذاعات فحسب مسموعة، ثم تطوّرت إلى مرئيات، فكانوا يَسمعونَهم إذا دنا رمضان قالوا: بمناسبة شهر رمضان نتوقّف عن البرنامج الفلاني والفلاني ونضيف برامج تَتَعلّق بالكتاب والسنّة والدين.

أيامَ كان شيءٌ من الحياء موجود في القلوب، شيءٌ من تعظيم الدين والشعائر، ثم مرت السنوات وإذا بوسائل الإعلام تُقصِّر مما يتعلق بالدين وتُبقي شيئاً مما لا يليق وسط برامج رمضان، ثم مرت سنوات فإذا بوسائل الإعلام لا تُفرّق بين رمضان وغيره ولا تزيد شيئاً مما يتعلّق بالدين والخير.. 

ثم جاءت أوقاتُنا وسنواتنا الأخيرة وإذا بأكثر وسائل الإعلام تخصّ رمضان بفسادٍ أكثر، وبشرٍ أكثر، وبلعبٍ أكثر، وبغرورٍ أكثر، كأنها تَتقصّد الشهر الكريم لتَقطَع عن الحق، وتَقطَع عن رسول الحق، وتَقطَع عما يُنقِذ شبابنا من اللّهو والغفلات وإهمال ليالي رمضان وأيامه.

   أيها المؤمنون، خُدعوا فانخدَع بهم المخدوعون، وسوف يعَضُّون على أصابع الندم، ورأس المُخادعين إبليس يقول لأتباعه: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم).

فاتقِ الله أيها المؤمن، وانظر كيف تقضي ليالي رمضان أنت وأهلك وأولادك؟ كيف يُقضّون الليالي وكيف يُقضّون النهار في رمضان؟ إنه شهر الإنابة والذكر واغتنام اللحظات والأنفاس والساعات.

حال السلف الصالح واغتنامهم لرمضان: 

ولقد مرّت سنون بل قرون على بلدتكم هذه، شُغلُ العامة والخاصة في رمضان تعلُّق القلوب بالله تبارك وتعالى، وطاعته وذكره وقراءة القرآن.

وكانت كثرةٌ ممن لا يُحسِن القراءة يحضُر بجانب حلقات حزب القرآن في نهار رمضان وفي ليالي رمضان، وعامة المساجد ما بين ربع في الليل أو سُدس للقرآن يقرؤونه كل ليلة غير حزب النهار في مساجدنا، وكانوا يشتغلون اشتغالاً قوياً بأنواع الطاعة والعبادة، يُطهِّرون صومهم عن الرفث واللغو والفسوق، إذ سمعوا قول الداعي المعلّم المرشد نبي الله يقول: "من لم يدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ بِهِ ، فليسَ للَّهِ حاجةٌ بأن يدَعَ طعامَهُ وشرابَهُ".

  أيها المؤمنون، هكذا نجا الصادقون المخلصون وانخدع المَغبونون بما يُقضّون فيه الأوقات والليالي والأيام الزاهيات الزاهرات، حتى صاروا يخصّون العشر الأواخر من رمضان بانتشار في الأسواق وكثرة التهاء بالمغرَيات والملهيات، مخالفة لسنة خير البريات صلوات ربي وسلامه عليه.

ألا فاتقوا الله وقوموا بحق الصيام والقيام إيماناً واحتساباً، تجدون أجراً وثواباً، ورفعة قدر لدى الرحمن، وحسن حال عند المصير إلى البرازخ والقيامة ثم في دار الكرامة.

آيات من القرآن وخاتمة الخطبة الأولى :

اللهم وفِّقنا لما تحب، واجعلنا فيمن تحب، وبارك لنا وللأمة في شهرنا هذا، واجعله شهراً نتقرّب به إليك صغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، فيكون سبباً لفتح أبواب الفرج ورفع الضيق والحرج، وصلاح أحوال الأمة وكشف كل غمة وبسط الفضل والنعمة، يا حي يا قيوم.

والله يقول وقوله الحق المبين: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا * وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا * وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا * مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وثبتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا من خزيه وعذابه الأليم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين فاستغفروه إنه الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية :

    الحمد لله بيده ملكوت كل شيء، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحي القيوم الباقي الحيّ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فهدى الأمة ودلّهم على سبيل الهدى وحذرهم من كل ليٍّ وغي.

اللهم أدم الصلاة على حبيبك المختار سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه من أهل ولائه وحبه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

الحكمة الكبرى من الصيام:

أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وهي الحكمة الكبرى من الصوم: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

لتتصلوا بالتقوى في السر والنجوى، تُحسنوا مراقبة عالم الأسرار والإعلان، تمتنعوا عن الطعام والشراب والجماع والاستقاءة والاستمناء والمفطرات الظاهرة، والباطنة من الكذب واللغو والرّفث والغيبة والنّميمة وجميع المعاصي، لعلكم تتقون؛ ترتقون في مراقي تقوى ربكم جل جلاله، فتنالون الفوز والخير والسعادة في الدارين.

أيها المؤمنون بالله، مقصود الصيام التقوى، وهو مقصود الصلوات والأعمال الصالحة، أن تزداد معرفتنا بعظمة إلهنا ونزداد تقوىً له، حذراً مِما يكره ومِما يسخطُ ومما يغضب عليه ومما يورث اسوداد الوجه يوم الوقوف بين يديه (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوه).

ألا انظروا كيف تقضون الليالي والأيام!

وكانت المساجد تعُّج بالمصلين وبعد الصلوات بالسامعين لما يُتلى من مدح رسول الله، ومن الموعظة بلقاء الله، ومن الدعاء والتضرع إلى الله.

فما أغربَ حال من يزهد في ذلك ثم يخرج ليقضي وقته في لعبٍ أو ضحكٍ أو هزوءٍ، من شبابنا أو كبارنا أو صغارنا أو رجالنا أو نسائنا!

خُدعنا عن معرفة قيمة الوقت وقدر الوقت واكتساب الدرجات من خلال هذه الأوقات.

فضل التبكير لصلاة الجمعة ومضاعفة الأجور:

   أيها المؤمنون، جمعتكم ولياليكم وأيامكم مواقيت لقُربِكم من ربكم، وكم سمعتم قول نبيكم: "من راح في الساعة الأولى (يعني يوم الجمعة) فكأنّما قرّب بَدَنَة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنّما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنّما قرّب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنّما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنّما قرّب بيضة، فإذا صعد الإمام المنبر حضرت الملائكة يستمعون الذكر"، فلا يُكتب من المبكرين إلى الجمعة أحد جاء بعد صعود الخطيب على المنبر. 

فانظروا كيف تتعاملون مع هذا التوقيت، وانظروا أوقات الليالي المباركة وخصوصاً العشر الأواخر، واصدقوا مع الله في هذه الليالي والأيام.

فما أسعدكم بجود الله إذا أقبَلتُم على كريم عظيم يقول: "من تقرَّبَ إليَّ شبرًا تقربْتُ منه ذراعًا ومن تقرَّبَ إلي ذراعًا تقربتُ منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيتُه هرولةً".

ما أكرمه وما أجله، وما أفضله وما أعظم إنعامه علينا ﷻ.

   أيها المؤمنون بالله، بلَّغكم الحق هذا الشهر ليربَح الرابح بالمتجر الربيحّ، وليحصل على الوزن الراجح باتباع سيد أهل التقديس والتسبيح محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

فاتقوا الله في ليالي الشهر وأيامه وتلاوتكم للقرآن فيه، وتأمُّلكم لمعانيه وعَمَلكم بما يحتويه.

الدعاء للأمة والصلاة على النبي ﷺ :

اللهم اجعله من أبرك الرمضانات على أمة حبيبك محمد، اللهم رُدّ كيد أعدائك أعداء الدين الذين يجلِبون السوء إلى صغارنا وكبارنا بإغراء بشرٍ في ساعة من الساعات، يخسرون بها ساعات القيامة الطويلة وساعات الأبد والخلود. 

اللهم لا تُسلِّط علينا مجرماً ولا مفسداً ولا ضالاً ولا مضلاً ولا خارجاً عن سبيل الحق.

اللهم بارك للأمة في رمضانها، وأصلح شأن إسرارها وإعلانها، وولّي عليهم خيارهم واصرف عنهم شرارهم، ووفِّق اللهم من نوى الخير في الأمة من ولاة ورعية إلى ما تحبه وترضاه، ورُدّ عنا كيد أهل الكيد والشر والضر والفساد يا رب العباد.

وأكثروا الصلاة والسلام على من به جُعلتم خير أمة وتمت عليكم النعمة، وأدركتم رمضان وما فيه من الخصائص لم تكن لأمة قبلكم، ذاكم حبيب الله محمد وصفوته أحمد، فإنّ أولى الناس به يوم القيامة أكثرهم عليه صلاة، ومن صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشراً.

ولقد أمرنا الله بأمر بدأ فيه بنفسه وثنّى بالملائكة وأيّه بالمؤمنين، فقال مخبراً وآمراً لهم تكريماً: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

اللهم صل وسلم على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه.

وعلى الخليفة من بعده المختار، وصاحبه وأنيسه في الغار، مؤازره في حالي السعة والضيق، خليفة رسول الله سيدنا أبي بكر الصديق.

وعلى الناطق بالصواب، حليف المحراب، المنيب الأواب، أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب. 

وعلى الناصح لله في السر والإعلان، من استحيت منه ملائكة الرحمن، محيي الليالي بتلاوة القرآن، أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان. 

وعلى أخ النبي المصطفى وابن عمه ووليه وباب مدينة العلم، إمام أهل المشارق والمغارب، أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب. 

وعلى الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة في الجنة وريحانتي نبيك بنص السنة، وعلى أمهما الحوراء فاطمة البتول الزهراء، وعلى خديجة الكبرى وعائشة الرضا، وعلى الحمزة والعباس وسائر أهل بيت نبيك الذين طهرتهم من الدنس والأرجاس. 

وعلى أهل بدر وأهل أحد وبيعة الرضوان، وعلى سائر الصحب الأكرمين وأهل البيت الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدعاء:

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم أعل كلمة المؤمنين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم اجمع شمل المسلمين، اللهم ألِّف ذات بين المسلمين، اللهم خذ بأيديهم إلى النجاة والخير والفلاح وادفع عنهم الشرور والبلايا والفساد والأتراح. 

اللهم حوِّل أحوالهم إلى خير حال، وعافنا من أحوال أهل الضلال وفعل الجهال.

اللهم اجعل هذا الشهر شاهداً لنا عندك وحجة لنا بين يديك، اللهم اجعلنا ممن يغتَنِمه وساعاته وأوقاته ولحظاته وأنفاسه. 

اللهم لا تحرمنا بركة ليلة ولا يوم ولا بركة ساعة من ساعات هذا الشهر العظيم. 

اللهم قرِّبنا إليك زُلفى، واجعلنا في أهل الصدق والوفا، وارزقنا من عمارته ما نحوز به ثواباً وأجراً في أوقات طويلات عظيمات أبديات دائمات، يا أكرم الأكرمين.

اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا والمتقدمين في مساجدنا وبيوتنا وبلادنا، اللهم اغفر لهم مغفرة واسعة وارفعهم مراتب قربك الرافعة. 

واغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات ومن يأتي إلى يوم الميقات، يا غافر الذنوب والخطيئات. 

اللهم وفّر حظنا من رمضان وأيامه ولياليه، واجعلنا عندك من خواص أهليه، واجعل لنا اللهم فيه حظاً وافراً من العتق من النار ومن العذاب ومن النفاق ومن الذنوب والسيئات، وحظاً اللهم وافراً من الرحمة والمغفرة ومن كل جودٍ، تجود بعتقٍ نخرج من رمضان كيوم ولدتنا أمهاتنا يا أكرم الأكرمين. 

اللهم وأصلح شؤون الأمة أجمعين، واختم لنا بالحسنى وأنت راضٍ عنا يا رب العالمين.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). 

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ). 

(رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).

نسألك لنا وللأمة من خير ما سألك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

عباد الله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). 

فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر.

تاريخ النشر الهجري

03 رَمضان 1447

تاريخ النشر الميلادي

20 فبراير 2026

اضافة إلى المفضلة