منزلة الذكر للرحمن وتأثر الأماكن والذوات وشئونها به
خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الإيمان، بعيديد، مدينة تريم، 14 ذو القعدة 1447هـ بعنوان:
منزلة الذكر للرحمن وتأثر الأماكن والذوات وشئونها به
يبين في الخطبة عظمة ذكر الله وأثره في حفظ القلوب والبيوت من الغفلة والآفات، وأن الذكر حياةٌ للروح وسببٌ للأنس بالله والطمأنينة والنجاة من وساوس الشيطان، كما يؤكد أن الجمعة والحج وسائر العبادات مقصودها إحياء القلب بذكر الله، ويدعو إلى الاقتداء بالنبي ﷺ في ذكره لله؛ حتى يكون المؤمن من الذاكرين المذكورين عند الله
نص الخطبة:
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الخطبة الأولى:
الحمدُ لله المَلِكِ الحيِّ القيُّومِ الواحدِ الأحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، البارئُ الفردُ الصمد، وأشهد أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا وقُرَّةَ أعيُنِنا ونورَ قلوبِنا محمداً عبدُه ورسولُه، خيرُ هادٍ إلى منهجِ الهدى والرشاد.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك وكرِّم على عبدك المختار سيدنا محمد، مَن كان يذكرك على كلِّ أحيانه، وقلبُه ممتلئٌ بذكرك ولسانه.
اللهم أَدِم صلواتك على الذاكرِ المذكور، خيرِ البرايا محمدٍ بدرِ البدور، وعلى آله وصحبه ومَن والاهم واتَّبعهم بإحسانٍ إلى يوم البعث والنشور، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، معادنِ الصدق والهدى والنور، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقرَّبين، وجميع عبادك الصالحين أهل الخيور، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا عزيز يا غفور.
الحصن المنيع من الآفات والشرور:
أما بعد عبادَ الله، فإني أُوصيكم وإيَّايَ بتقوى الله، وإنَّ من خيرِ مُعينٍ على تقواه؛ ذِكره بالقلب واللسان تعالى في عُلاه، في مختلف الأحيان والأوقات، آناءَ الليل وأطرافَ النهار، بحضور القلب وصدقِ التوجُّهات.
فإنَّ الذاكرَ مذكور، وإنَّ سعيَه عند الله لمشكور، وإنه المحروسُ بعناية المذكور جلَّ جلاله من جميع الآفات والشرور، في البطون وفي الظهور.
وقديماً قال سيدنا جعفر الصادق عليه رضوانُ الله: إنَّ الصواعقَ تصيبُ المؤمنَ وغيره، ولكن لا تصيبُ الذاكرَ لله، لا تصيبُ الذاكرَ لله!
فالربُّ تعالى يصرفُ عمَّن ذكره مؤمناً، مُعظِّماً، حاضرَ القلب بين يديه، يصرفُ أنواعَ البلايا والشرور والآفات والرزايا.
هل تذوقت حلاوة الأنس بالله؟ رسالة لكل غافل:
وبكثرة الذكر يثبتُ الأُنسُ في القلب بالله جلَّ جلاله، ومَن خرج من الدنيا ولم يُحصِّل في حياته شرفُ وحلاوةُ الأُنس بالله، فذاك قاصرٌ مغرور، مقطوعٌ عن حقائق النور.
أيأنَسُ بمآكله ومشاربه، وببشرٍ مثلِه، وبشهواته، ولا يأنَسُ بإلهه الذي خلقه؟!
ومولاه الذي رزقه؟!
مَن لم يتحصَّل على هذا الأُنس بالله فهو من أهل الغفلة، والذين لم يغتنموا زمنَ الفرصة والمهلة.
الحكمة من مناسك الحج ولماذا قُرنت بكثرة الذكر؟:
لذلك دُعينا إلى كثرةِ الذكر، وجاءت مُهمَّاتُ الحجِّ مقرونةً بكثرة الذكر، فهو ذكرٌ لله باللسان والجَنان والأركان، بل وباللباس وبالترك للزينة وللعطر وما إلى ذلك من محرَّمات الإحرام، كلُّ ذلك ذكرٌ لذي الجلال والإكرام.
ثم نصَّ على الذكر وخصَّص، وقال جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه: (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا)، يعني بل أشدَّ ذِكراً.
ثم قال: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ)، وقال في أيام العشر الأُوَلِ من شهر ذي الحجة: (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ).
كيف يؤثر الذكر على الأماكن والعقول والذوات؟:
أيها المؤمنون، وبالذكر تتأثَّر الأماكن، وتتأثَّر الذوات، وتتأثَّر الأفكار والمدارك.
ومَن كان يذكر الدنايا، غافلاً عن ربِّ البرايا:
- ففكره مُنحَطٌّ،
- ومداركُه ساقطة،
- وذاتُه هابطةُ القدر،
- ومسكنُه مظلم،
- وجوارحُه كذلك.
فإنَّ الأماكن تتأثَّر بالذكر، وإنَّ الذوات تتأثَّر بالذكر، وإنَّ الفكر والمدارك تتأثَّر بالذكر.
الفرق بين الذاكر لله والغافل:
وقال ﷺ في تأثُّر الذوات بالذكر: "مَثَلُ الذي يَذكُرُ ربَّه والذي لا يَذكُرُ ربَّه، مَثَلُ الحيِّ والميِّت".
هذا ذاتٌ تمشي على ظهر الأرض ولكنه ميِّت، ميِّتٌ في المعنى، ميِّتٌ في الحقيقة، ما معه من الحياة إلا الحياةُ التي تُشاركه فيها الحيوانات والزرع، والزرعُ والحيوانات أحسنُ حالاً منه لأنها تذكُر الله، فهو ميِّت.
وهذا يمشي على ظهر الأرض في الحياة الدنيا، ذاكراً لربِّ الدنيا والآخرة، ربِّ الأرض والسماء، فهو حيٌّ، فهو حيٌّ.
مَثَلُ الذي يذكرُ ربَّه في الذين لا يذكرون، كمثلِ الشجرة الخضراء في الهشيم اليابس، فرقٌ بين ذاتٍ تذكر الله، وذاتٍ قلَّ ذكرُها لله جلَّ جلاله.
أيها المؤمنون، وفرقٌ بين مكانٍ يُذكَر فيه الله -يُذكَر فيه الله تعالى- ومكانٍ لا يُذكَر فيه، و "البيتُ الذي يُقرأ فيه القرآن يتراءى لأهل السماء كما تتراءى النجومُ لأهل الأرض".
وفي الحديث إذا مرَّ الرجلُ الذاكرُ بطريق، نادى الطريقُ الطريقَ الآخر: هل مرَّ بك اليوم أحدٌ يذكرُ الله؟ فقد مرَّ بي رجلٌ يذكر الله، فيفتخر الطريقُ والشارعُ الذي مضى فيه الذاكر، على الشارع الذي لم يذكر الله فيه أحد.
سلاحك الأقوى لطرد إبليس وتحصين قلبك:
أيها المؤمنون، هناك تأثيرٌ قويٌّ لذكر الله القويِّ، يُردُّ به وسوسةُ كلِّ إبليس ومُنحرفٍ وغَويّ.
(وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ).
أيها المؤمنون بالله، إذا ذُكِر الله خنَس إبليسُ عن قلب ابن آدم، ولم يستطع أن يوسوس له ما دام حاضرَ القلب بالذكر لله، مُتذكِّراً وحدانيَّته، أو كبرياءَه وجلاله، أو إنعامَه وإفضاله، واستحقاقَه الحمدَ والثناء، أو قُدسَه وتنزيهَه عن كلِّ ما لا يليق بعظمته، أو يتذكَّر الرجوعَ والمصيرَ إليه، أو الوقوفَ بين يديه، أو آياتِه المنزَّلة، أو رسولَه الذي بعثه، وما قال وما أمر به، وما بلَّغه عن الإله.
فهذه مجاري الذكر، ولها ما وراءها من ذكر الأفعال، وهي الكائنات المخلوقة، وذكرِ الإنعام والإفضال، وهي النِّعمُ غيرُ المعدودة، وذكرِ الصفات والأسماء، وذكرِ الذات للربِّ جلَّ وعلا.
صفات ترفع قدرك عند الله:
أيها المؤمنون بالله، شَرِّفوا ذواتكم وشَرِّفوا أفكارَكم وشرِّفوا مداركَكم ومعارفَكم بذكر الله، فذلك وصفُ أولي الألباب العقلاء، العقلاءِ من بني آدم.
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ).
متى لا ينفعك مال ولا منصب ولا شهرة؟:
فالخزي لمَن يدخل النار، أما مَن مرَّت به شدائد، أو جوعٌ أو عطشٌ أو مرضٌ في الدنيا، ثم كانت عاقبتُه الإكرامَ والإنعامَ ودخولَ الجنة، فلا والله ما هو بمَخزى، ولا يناله من الخزي شيء.
لكنَّ الخزي والسوءَ على القوم الكافرين، على الذين خسروا أنفسَهم وأهليهم يوم القيامة، على مَن يدخل النار، فلا يُغني عنه أنه كان في الدنيا ملِكاً، أو كان ثرياً، أو كان مشهورَ السمعةِ والصِّيت بين الناس، ثم يدخل النار، إنه مَخزي! إنه الذي عليه السوءُ والخزي والذلَّة والمهانة.
(رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ).
مهما سَطَوا ومهما بَغَوا، ومهما تكبَّروا ومهما أخذوا حقوقَ الناس، ومهما انتهكوا الحرمات، ومهما قتلوا ومهما أخذوا حقَّ غيرهم، فما لهم من أنصار، لأنَّ عاقبتَهم في الدنيا بلاءٌ وآفاتٌ ظواهرَ وخفيَّات، وعاقبتَهم في الآخرة ظلماتٌ وعذابٌ شديد.
فمَن ينصرهم؟ وإن تحالفوا مع أقوام، وإن اتَّخذوا مواثيقَ مع أفرادٍ أو هيئاتٍ أو دول، ما لهم من أنصار، لا يملك أحدٌ أن يردَّ عنهم الخزيَ ولا العذابَ ولا الهون، لا يملك أحدٌ أن يُنجيَهم من غُصص يوم القيامة، فما لهم من أنصار.
لا تغتر بنصرة البشر:
وما النصرُ إلا للمرسلين والمؤمنين: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ).
فلا تغترَّ بنصرِ الناس بعضِهم لبعضٍ في غير مرضاة الله، واسلُك سبيلَ رضاه وأنت المنصور، وأنت المؤيَّد في الدنيا والبرزخ ويوم النشور.
سلَك الله بنا سبيلَ أهل ذكره وشكره وحسن عبادته، من أهل مودَّته ومحبَّته، وأهل قربه ومعرفته، وأهل الأنس به، الظافرين بمراتب الرضا منه والرضا عنه، إنه أكرمُ الأكرمين.
تلاوة آيات من القرآن الكريم وخاتمة الخطبة الأولى:
والله يقول وقولُه الحقُّ المبين: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
(وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ).
(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا).
(وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
(فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وثبَّتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا من خِزيه وعذابِه الأليم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولوالديَّ ولجميع المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي يَذكر مَن ذكره، ويَشكر مَن شكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يتشرَّفُ عبدٌ له بمثل امتثال الأمر الذي أمره، واجتناب ما عنه نهى وزجره.
وأشهد أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا وقُرَّةَ أعيُنِنا ونورَ قلوبِنا محمداً عبدُه ورسولُه، خيرُ ذاكرٍ للرحمن ومذكورٍ لديه.
أَدِم اللهم صلواتِك وسلامَك على أحبِّ المحبوبين إليك وأقربِ المقرَّبين عندك، سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه ومَن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقرَّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وقفة محاسبة لمن يحضر الجمعة غافلاً:
أما بعد عبادَ الله، فإني أُوصيكم وإيَّايَ بتقوى الله، فاتقوا الله أن يحضر أحدٌ منكم الجمعة ثم ينصرف ولم يجتمع قلبُه على ذكر الله.
اتقوا الله، فإنه ما دعاكم إلى الجمعة إلا لِتذكروه بالقلوب، ذِكرَ المعظِّمين الموحِّدين المؤمنين الخائفين الراجين، وهو القائل: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).
فمَن جاء إلى الجمعة وحضر، وجلس بجسده لم يتذكَّر، ولم يتنبَّه ولم يتدبَّر، ثم انصرف فكأنه لم يحضر الجمعة.
ليس المقصودُ أجسام ولا صور، ولكن اعتبار فيمن اعتبر، وادِّكار مع من ادَّكر، (فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
ما نصيب بيتك وأولادك من الذكر؟:
تحقَّق بحقيقة الحضور إلى الجمعة، وأَجْرِ على قلبك في الآن: ما الذي تُرتِّب من الارتباط بذكر الرحمن فيما يبقى لك من العمر والأيام والليال على ظهر هذه الأرض؟
وما نصيبُ أهلك من الذكر؟
وما نصيبُ أولادك من ذكر الله؟
ألا تدري أنه أعظمُ من أن تطعمَهم الطعام وتسقيَهم الشراب أن تعلِّمَهم ذكرَ الله؟
وأن تربطَهم بالله؟
وأنَّ الحقَّ حذَّرك أن تَلهى بهم عن ذكره: (لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ).
خير أعمالكم وأزكاها وأرفعها:
أيها المؤمنون، ما عَمِل آدميٌّ عملاً أنجى له من عذاب الله مِن ذكر الله.
واسمعوا عرضَ وفتاوى سيد المرسلين وخاتم النبيين ﷺ، وهو يقول: "أَلَا أُنَبِّئُكم بِخَيْرِ أعمالِكُم، وأَزْكاها عِندَ مَلِيكِكُم، وأَرفعِها في دَرَجاتِكُم، وخيرٌ لكم من إِنْفاقِ الذَّهَب والوَرِقِ، وخيرٌ لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم، فتَضْرِبوا أعناقَهُم، ويَضْرِبوا أعْناقكُم؟، قالوا: بَلَى يا رسول الله، قال: ذِكْرُ اللهِ".
فتدرَّع بذكر ربك، وتشرَّب بذكر ربك، وإنه لمؤثِّرٌ على فكرك ووجهتك، وعلى انتزاع بلايا وآفات الرياء والكِبر والعُجب والغرور وقصدِ غيرِ وجهِ ربِّك من قلبك، من أثر ذكره إيَّاك إذا ذكرته: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ).
ومن هنا تعلم أنه ليس المقصودُ في الذكر صورةً، ولا كثرةَ جريانه على اللسان، ولكن حضور! حضورٌ بالقلب وامتلاءُ الجَنان بتعظيم الرحمن، واستشعارُك أنه مُطَّلِعٌ على ما في ضميرك، وأنك الراجع إليه، وأنه الذي بيده ملكوتُ كلِّ شيء، فهكذا هو الذكر يا أيها المؤمنون، (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك.
اقتدِ بنبيك المختار في ذكره لربه:
واقتدوا بنبيِّكم المصطفى، فإنه كان يذكر الله على كلِّ أحيانه، ويُعَدُّ له في المجلس الواحد مائةُ مرةٍ من قوله: "ربِّ اغفر لي وتُب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم، ربِّ اغفر لي وتُب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم".
يسمعونها منه ثلاثَ، عشرَ، عشرين مرة، مائة مرةٍ في المجلس الواحد ﷺ.
فاذكروا الله ذكراً كثيراً وسبِّحوه بكرةً وأصيلاً، وصلُّوا على نبيه المختار، فذكرُه يجمع ذكرَ إلهه وذكرَه، ويجمع أن يصلِّيَ عليكم الحقُّ وأن يسلِّمَ عليكم نبيُّه صلى الله عليه وسلم.
الأمر بالصلاة على النبي ﷺ:
ولقد أمَرَنا الله، فابتدأ بنفسه وثنَّى بالملائكة وأَيَّهَ بالمؤمنين، فقال مُخبِراً وآمراً لهم تكريماً: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
اللهم صلِّ وسلِّم على حبيبك المحبوب، طِبِّ الأجسام والقلوب سيدنا محمد، وعلى الخليفة من بعده المختار وصاحبه وأنيسه في الغار، مؤازره في حالَيِ السعةِ والضيق، خليفةِ رسول الله سيدنا أبي بكرٍ الصدِّيق.
وعلى الناطق بالصواب، حليفِ المحراب، أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب.
وعلى الناصح لله في السرِّ والعلن، من استحيَت منه ملائكةُ الرحمن، أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان.
وعلى أخ النبي المصطفى وابن عمِّه ووليِّه وباب مدينة علمه، إمامِ أهل المشارق والمغارب، أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب.
وعلى الحَسن والحُسين، سيِّدَي شباب أهل الجنة في الجنة، وريحانتَي نبيِّك بِنص السنة.
وعلى أمِّهما الحوراء فاطمة البتول الزهراء، وعلى خديجة الكبرى وعائشة الرضا وأمهات المؤمنين وبنات سيد المرسلين، ومريم وآسية.
وعلى الحمزة والعباس وسائر آل بيت نبيِّك الذين طهَّرتَهم من الدنس والأرجاس.
وعلى أهل بيعة العقبة وأهل بدر وأهل أحد وأهل بيعة الرضوان، وعلى سائر الصحب الأكرمين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
الدعاء وختام الخطبة:
اللهم أعزَّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أذلَّ الشرك والمشركين، اللهم أعلِ كلمة المؤمنين، اللهم دمِّر أعداء الدين.
اللهم إنَّ كثرةً كاثرةً من المسلمين انحرفت قلوبُهم عن ذكرك في الليل والنهار، اللهم خلِّصهم من ذكر الغفلات وذكر المُطغِيات والمُلهيات، وزَيِّن قلوبَهم بذكرك ووفِّقهم لذكرك وأعنَّا وإياهم على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
يا الله، لا تؤاخذنا بما فعل السفهاءُ منا، ذكروا غيرَك ونسَوك، ورجَوا غيرَك ولم يرجوك، وخافوا من سواك ولم يخافوك.
اللهم لا تؤاخذنا بقبيح ما في بواطنهم وعقولهم من ظلمات الانصراف عنك والانحراف عن ذكرك، وعجِّل اللهم بإنقاذهم من هذه البلايا والورطات التي تُورِدهم مواردَ الهلكة في يوم القيامة.
اللهم اعمر وزيِّن وأحْيِ قلوب المؤمنين بكثرة الذكر لك، والإقبال عليك والحضور معك والتذلُّل بين يديك والامتثالِ لأمرك والاجتنابِ لنهيك.
يا الله، تدارَك أمَّةَ نبيِّك المختار، وادفع عنهم الشرور والأشرار، وارزقهم ذكرَك وشكرَك وحسنَ عبادتك آناءَ الليل وأطرافَ النهار.
اللهم اجعلنا من الذاكرين المذكورين عندك بخير ما تذكُر به عبادك المحبوبين المقرَّبين، وأعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك في كلِّ شأنٍ وفي كلِّ حالٍ وفي كلِّ حين، يا أرحم الراحمين.
لا صرفتَ أحداً منا من هذه الجمعة إلا ذاكراً مذكوراً، صادقاً معك، خائفاً منك، راجياً لك، طامعاً فيما عندك، شاكراً مشكوراً.
اللهم واجعل أعمارَنا تمضي على هذا السَّنَن القويم والصراط المستقيم في ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، يا عليُّ يا عظيم يا رحمنُ يا رحيم.
واغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجدَّاتنا وذوي الحقوق علينا، والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، الأحياءِ منهم والأموات إلى يوم الميقات.
(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).
(رَّبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا).
(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).
(رَّبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
(رَّبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا).
عبادَ الله، إنَّ الله أمر بثلاثٍ ونهى عن ثلاث؛ (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نِعَمِه يَزِدكم، ولَذِكرُ الله أكبر.
15 ذو القِعدة 1447