مجالات صلة المؤمن بالله سبحانه وتعالى وما يتفرع عنها
كلمة موجزة تتضمن توجيهات قرآنية قيمة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ قبل ختم القرآن الكريم الأسبوعي في دار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية. بعنوان:
مجالات صلة المؤمن بالله سبحانه وتعالى وما يتفرع عنها
الخميس 24 شعبان 1447هـ
مجالات صلة المؤمن بالله تعالى
صِلات المؤمنِ الراقية، العاليَة، الزكيَّة، الشريفة، النورانيَّة بحضرةِ الحقِّ سُبحانه وتعالى، مجالاتُها: صِلَتُهُ بالرسولِ صلى الله وسلم عليه وعلى آلِهِ، وبالكتابِ الذي أنزَلَهُ اللهُ على الرسولِ، والوحيِ الذي أوحاهُ إليهِ، وبالشريعةِ التي جاءَ بها.
وتفرَّعَ عن ذلك: صِلَاتُنا بآلِهِ، وصِلَاتُنا بأصحابِهِ، وصِلاتُنا بوَرَثتِهِ وخُلفائِهِ، وصِلاتُنا بأُمَّتِهِ عامَّةً وبخاصَّتِهِم خاصَّةً.
وصِلاتُنا بأنبياءِ اللهِ وبرُسُلِهِ، إخوانِهِ الذين برَزُوا مِن قبلِهِ ﷺ، وآبائِه، وصِلَتُنا بآلِهِم وأصحابِهِم، وصِلَتُنا بالملائكةِ والملأِ الأعلى.
وهذه الصِّلاتُ هي مجالاتُ شرفِ الصِّلةِ بالحقِّ تبارك وتعالى، والقُربِ من الحقِّ سُبحانه وتعالى، والفهمِ عن الحقِّ سُبحانه وتعالى، وأسبابِ الوصولِ إلى الحقِّ سُبحانه وتعالى؛ كلَّما صحَّ الإيمانُ واليقينُ، كان قوَّةُ هذه الصِّلةِ والربطِ فيها أقوى.
القرآن الكريم أعظم مجالات الصلة بالرحمن
والكتاب العزيز الذي نَزَلَ على الحبيبِ صلى الله وسلم عليه وباركَ عليهِ وعلى آلِهِ؛ أجلى مجالاتِ هذه الصِّلاتِ بربِّ البريَّاتِ جلَّ جلالُهُ.
فيتترجَم حُبُّ الرحمنِ تبارك وتعالى في محبَّةِ التنزيلِ والمُنزَلِ عليهِ، كما يتجلَّى صِدقُنا في تعظيمِهِ، في تعظيمِ وحيِهِ وتنزيلِهِ والمُنزَلِ عليهِ ﷺ.
فمجالُ الصِّلةِ بالقرآنِ أرقى وأوسعُ المجالاتِ في الصِّلةِ بالرحمنِ. وفيهِ سَمِعتُم قولَ سيِّدِنا جعفر الصادق: "إنَّ اللهَ يتجلَّى لِخلقِهِ في كلامِهِ ولكنَّهُم لا يعلمون". وأفضلُ عبادةِ أُمَّتي تلاوةُ القرآنِ.
حال المنقطعين عن كتاب الله
وهكذا ما كان من وصفِ اللهِ تعالى فيمن يتلو هذهِ الكُتبَ والذين يقومونَ بحقِّه، شَرَحَ لنا سُبحانه وتعالى فسادَ وانحطاطَ الذين قطعوا صِلَتَهُم باللهِ، بقَطعِ صِلَتِهِم بالكُتبِ، وقال: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا). وقوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ).
وذكرَ ما عمِلوا مِن جراءةٍ على تحريفِ كلامِ اللهِ، وتغييرِهِ وتبديلِهِ، وأن يشتروا بهِ ثمناً قليلاً، فَحقَّت عليهِمُ اللعنةُ.
حال الواصلين المتمسكين بكتاب الله
ورَفَعَ شأنَ وشأو الذين حافظوا على هذه الصِّلةِ باللهِ، مِن خِلالِ الصلة بوحيِهِ وتنزيلِهِ.
يقولُ سُبحانه وتعالى في ذلك: (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ)، في مدحه لأهلِ هذا الوصفِ، وأهلِ هذا الصِّنفِ مِن خِيارِ البشرِ، يقولُ جلَّ جلالُه: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ).
وهكذا يقولُ جلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاهُ، في مدحِهِم وما تهيَّأوا لهُ عليهِم رضوانُ الله تبارك وتعالى، في سرِّ تلاوتِهِم لهذا الكتابِ واتصالِهِم بهِ: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً)، أي برهَنوا عن صحَّةِ صِلَتِهِم بالكتابِ العزيزِ من خلالِ إقام الصلاةِ والإنفاقِ في السرِّ والعلانيةِ: (يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ).
هُم أهلُ الرجاءِ الصحيحِ، رجاؤهُم الرجاءُ الحقيقيُّ المؤكَّدُ الصحيحُ، يرجونَ تجارةً لن تبورَ، فهُم أهلُ صدقِ الرجاءِ، والنتائجُ عندَهُم: (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ).
كيف يرتبط المؤمن بالقرآن؟
فلينظرِ المؤمن: مقدارَ صِلَتِهِ بهذا الكتابِ، قوَّةَ صِلَتِهِ بهذا الكتابِ، مجالاتِ رابطتِهِ بالكتابِ وارتباطِهِ بهِ، ودخولِهِ في ميادينِ فهمِهِ وميادينِ التطبيقِ له والعمل فيهِ، والتخلُّقِ بالقرآنِ الكريمِ.
وخصوصاً عندَ استقبالِ شهرِ رمضانَ الذي أُنزِلَ فيهِ القرآنُ، فينبغي أن نتزوَّدَ زاداً في خاتمةِ شعبانَ؛ لرفعِ مستوى صِلَتِنا بالقرآنِ، وقوَّةِ صِلَتِنا بالقرآنِ، وعُمقِ رابطتِنا بالقرآنِ، وفتحِ أبوابِ التدبُّرِ لهُ، وتلاوتِهِ حقَّ تلاوتِهِ مع كمالِ اليقينِ، والوعيِ لأسرارِ هذا الخطابِ، وحُسنِ التطبيقِ والتنفيذِ والعملِ بذلك.
دعاء وختم القرآن
اللهمَّ وفِّر حظَّنا مِن كتابِكَ، وارفعنا بكتابِكَ، وانفعنا بكتابِكَ، وارزقنا فهمَ خطابِكَ، وأدِّبنا بآدابِ سيِّدِ أحبابِكَ، وخلِّقنا بأخلاقِهِ في جميعِ الشؤونِ في الظهورِ والبطونِ، يا مَن يقولُ للشيءِ كُن فيكونُ.
لا تحرِمنا شريفَ الصِّلةِ بالقرآنِ وتقويةَ ذلك في خاتمةِ شعبانَ، وفي ليالي وأيامِ رمضانَ، وافتح لنا باباً في فهمِ معناهُ والعملِ بمقتضاهُ، والارتقاءِ في مراتبِ عُلاهُ، واستجلاءِ مُشرِقِ سَناهُ، حتى تجعلنا عندَكَ مِن خواصِّ أهلِهِ يا اللهُ، في لُطف وعافية.
وتعرُّض لأن يفتحَ اللهُ لنا هذهِ الأبوابَ، ويهبَ لنا هذه المقاصدَ والطلباتِ، نجتمعُ على هذا الختمِ وتتوزَّعونَ، كلُّ بضعةِ نفرٍ منكم يقرأونَ سُوَراً مِن عندِ سورةِ الضحى إلى سورةِ الناسِ، ونجتمعُ في هذا الختمِ على الدعاءِ والتضرُّعِ إلى اللهِ تبارك وتعالى. قَبِلنا اللهُ وإياكم.
27 شوّال 1447