(447)
(628)
(368)
حلقة خاصة مع العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ عن يوم عرفة، على قناة الإرث النبوي الفضائية
9 ذي الحجة 1447هـ
المُقرّبون والصِّدّيقون والصّالحون، ومن لحق بهم وتابعهم من المؤمنين، ويفوزون بحقائق العبودية له تبارك وتعالى، فتتولّاهم ربوبيّته فيكونون من الذين أحاطت بهم عنايته ورعايته في جميع الشؤون.
لا إله إلا هو وحده لا شريك له، الحيُّ القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.
لا إله إلا هو وحده لا شريك له، الأول الآخر الظاهر الباطن.
لا إله إلا هو وحده لا شريك له، الرافع الخافض، المُعطي المانع، المُقدِّم المؤخِّر.
لا إله إلا هو وحده لا شريك له، يجمع قلب من سبقت له السعادة على صدق الوجهة إليه والتذلّل بين يديه.
لا إله إلا هو وحده لا شريك له، يذكر من ذكره، ويعرض عمّن أعرض عن ذكره.
لا إله إلا هو وحده لا شريك له، أرسل إلينا عبده المجتبى المختار، محمد بن عبد الله، فهو الرحمة المهداة والنعمة المُسداة والسراج المنير، القدوة العظمى في كل صلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة، ودعاء وذكر وطاعة وقُربة إلى الله تبارك وتعالى.
فهو سيد المصلين، وهو سيد الصائمين، وهو سيد المُزكّين، وهو سيد الذاكرين، وهو سيد الحاجّين، وهو سيد المعتمرين، وهو سيد التالين لكتاب الله، وهو سيد الداعين إلى الله، وهو سيد المُعرّفين بأمر الله، وهو سيد الآمرين بالمعروف، وهو سيد الناهين عن المنكر، وهو سيد أهل الصِّلَة للأرحام، وهو سيد أهل البر، وهو سيد أهل القُربات أجمع.
صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومَن على منهجهم سار إلى يوم الوقوف بين يدي الكريم الغفار، وعلى آبائه وإخوانه من النبيين والمرسلين، الذين هم زينة الوجود والعالم، وأدِلَّة الخلق إلى الحق تبارك وتعالى في جميع الشؤون والمعالم.
صلوات الله وسلامه عليهم وعلى آلهم وصحبهم ومن تابعهم، وعلى الملائكة المُقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أما بعد؛ فإن أهل مِلّة الحق والهُدى في المشارق والمغارب تستجمع قلوبهم في هذا اليوم عجائب جود الرحمن وتجلّيه سبحانه وتعالى، بواسطة المُلبّين للنداء والمُجتمعين على الهدى في عرفات، التي فيها التَجَلّي الكبير والتهيئة لدخول الحجاج ثانية إلى حرم الله تبارك وتعالى، وقد غُفِر لهم وطُهِّروا.
فيسألون الرحمن جلّ جلاله وتعالى في علاه، مُهيَّئين إلى القرب من بيته، وإلى سؤاله في المشاعر المقدسة بعد هذا التغسيل والتطهير والتكرُّم والجود الكبير الغزير في عرفة على أهل عرفة، مُنصَبَّاً إلى المقبلين على الله بالقلوب الصادقة المُخلِصة في مشارق الأرض ومغاربها، يتلقّى الجميع فائض جود الله وكرم الله.
وهناك يخسأ عدو الله إبليس وجنده من شياطين الإنس والجن، فلا يُرى في يوم هو أحقر ولا أدحر ولا أصغر منه مما يرى في هذا اليوم، إلا ما رئي يوم بدر حيث رأى جبريل يزمّ الفرس ويتقدم الملائكة لنصرة محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فيا أيها المؤمنون، يومٌ فصل، فيه عظيم الفضل ونيل الوصل، من حضرة الرحمن جل جلاله ذي العطاء الجزل، فما أجلَّ ما يكون منه من السخاء والبذل!
إنه يوم تباهى به أهل السماوات، يُباهي الله بهم سبحانه وتعالى هؤلاء المجتمعين، خصوصاً أهل القلوب الرقيقة الخاضعة الخاشعة المتواضعة، وأهل التذلُّل لحضرة الله تعالى من جُملة الواقفين بعرفة في يومنا هذا وفي عشيّتنا هذه.
يُباهي بهم الملأ الأعلى، ثم يُقسِم جله جلاله أنه يغفر لهم ولِمن شفعوا له، فضلاً منه وإحساناً وجوداً وامتناناً جل جلاله وتعالى في عُلاه.
فما أحسن مِن أن تجتمع القلوب في وجهتها إلى هذا الرحمن في هذا اليوم الكريم العظيم، وتستشعر ذلّتها وحاجتها واضطرارها إلى مولاها في جميع الشؤون، وتُخاطب نفسها في التلبية لندائه، والوفاء بعهده، والعمل بطاعته، وتنفيذ شريعته، وما أنزل على نبيّه من نظام، وسنّهُ مِن شرع مَصون، يجب أن يُحمى، يجب أن يحفظ، يجب أن يُصان، يجب أن يُعظّم، يجب أن يُقدّس، يجب أن تكون له الأهمية في النفوس والعقول والمشاعر.
يجب أن يكون له الأولوية في التطبيق في حقّ الفرد والأسرة والمجتمعات والشعوب والدول، التي شهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أرسلهُ بالهدى ودين الحق لِيُظهره على الدين كلّه ولو كَرِهَ المشركون.
أيها المؤمنون بالله تبارك وتعالى، إنساً وجِنّاً، ذكوراً وإناثاً، إنه يوم عظيم مِن أعظم أيام سَنتِنا، إنه يوم عرفة الذي يتعرَّف الله تعالى فيه إلى مَن شاء مِن عباده، ويزيد أهل المعرفة معرفة به، جل جلاله وتعالى في علاه.
إنه الاجتماع بجانب المكان الذي جمع الله فيه الأرواح والذّرّ، حيث أخرجهم مِن صُلب أبيهم آدم بنعمان الأراك حول تلك البقاع المباركة المُشرّفة، وأشهدهم على أنفسهم: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)، قالوا: بلى.
إنه الجمع الذي يتذكر فيه العهد الأعظم والميثاق الأقدم، الذي بين المُكلّفين وربّهم الأجلّ الأكرم سبحانه وتعالى.
إنه يوم التوجُّه، إنه يوم التنبُّه، إنه يوم التلقّي لفائضات جود الرحمن جل جلاله لمن بعرفة ولكل مؤمن عرف الله، على قدر معرفته بالله سبحانه وتعالى؛ يتلقى فائضات جود الله تبارك وتعالى وإحسانه، وعجائب امتنانه بعطايا ومنن ومِنح لائقة بجوده سبحانه وتعالى، جلّت عن أن تحصرها أذهان الملائكة فمن دونهم من العباد من الإنس والجن والخلائق أجمعين.
إنه الله الذي يجود، إنه الله الذي يسعد بأعلى السعود، إنه الله الذي ليس لعطائه مِن حدود، إنه الله الرحمن الرحيم، إنه الله المنّان الكريم، إنه الله الجواد العظيم، إنه الله واسع الفضل قديم الإحسان، إنه الله لا يتعاظمهُ شيء، إنه الله ليس يعسر عليه شيء، إنه الله لا يُبالي مهما غفر، إنه الله لا يُبالي إن عَذّب، إنه الله بيده ملكوت كل شيء وإليه مرجع كل شيء.
يقف بين يديه نوّاباً عن بقية المؤمنين هذا اليوم أعداد كبيرة من شرق الأرض وغربها، كل فرد منهم نائب عن أهل بيته وقرابته، وأصحابه وأصدقائه وأهل بلدته، ثم عن بقيّة جميع أهل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، مِن جميع أقطار الأرض شرقها وغربها، بترتيب بإذن من الله، بإذن من رسوله، بتشريع جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فما أعظمه من يوم! وما أعظمه مِن عرض على الله تبارك وتعالى! وما أعظمها مِن تعرُّضات لنفحات هذا الإله وجوده الذي لا حدّ له سبحانه وتعالى! إذ يخاطبونه ويسألونه، فيتفضَّل عليهم بالمباهاة بهم ملائكته المقربين، وبإشهادهم قبوله والمغفرة لهم جل جلاله وتعالى في علاه.
إنه اليوم الذي يتعرّض فيه المؤمنون لغفر الذنوب، ولكشف الكروب، ولستر العيوب، ولصلاح الأحوال، ولدفع الأهوال، ولنيل سعادة الأبد، ولنيل مرافقة محمد ﷺ، ومرافقة آله وأصحابه في دار الخُلد والكرامة، لمن سبقت له سوابق السعادة مِن كل قلب مُتوجّه إلى الله مُلبٍّ بهذه التلبية التي هي شعارنا في الحج، شعار هذه الأمة وأهل هذه المِلة.
وقد لازمها ﷺ من أول ما أحرم إلى أن رمى جمرة العقبة: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".
وتتضمّن معانٍ كبيرة، من أولها: ما تدعونا إليه الأنفُس يا ربنا، والأهواء والشهوات وشياطين الإنس والجن وأنظمة الأرض بما فيها مِن كل ما يخالف أمرك؛ لا نستجيب لشيء منه، ولا نُلبّي شيء منه، نحن تحت أمرك، ونحن عباد لك، نُقدّم أمرك على كل أمر، "لبيك اللهم لبيك"، التلبية لك والإجابة لك، لا لسواك، نرفض كل ما خالف شرعك، نرفض كل ما خالف منهجك، نرفض كل ما خالف به نبيك.
لا تؤثِّر علينا أنفسنا ولا أهواؤنا ولا شهواتنا، ولا شيء مما يدعونا على ظهر الأرض على هيئة الأفراد والجماعات في الشعوب وفي الدول، لا نُلبي شيئاً منها خالف أمرك، لا نُلبي شيئاً منها خرج عن طاعتك، فالتلبية لك.
"لبيك اللهم لبيك"، نُقيم على ذلك، وندوم على ذلك، بأفكارنا واعتقاداتنا، وبنظرات أعيننا، وبأسماع آذاننا، وبكلام ألسنتنا، وبفروجنا وببطوننا، وبأيدينا وبأرجلنا، نُلبّيك؛ نقيم نستمر ندوم على التلبية لك والطاعة لك جل جلالك، "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك".
إنما كان ذلك لأنك صاحب هذا الوصف، لا يشاركك في الخلق والإيجاد أحد، ولا يشاركك في الألوهية أحد، ولا يشاركك في الربوبية أحد، ولا يشاركك في الرجوع والمصير إليه أحد، ولا يشاركك في الإرادة كأحد، ولا يشاركك في قدرتك أحد، أنت الواحد الأحد لا شريك لك، فكيف نُلبي سواك؟ كيف نطيع غيرك؟ كيف ننسى عظمتك وقدرتك وألوهيتك وربوبيتك، وقدرتك على كل شيء، وإحاطتك بكل شيء؟ فنلبي سواك؟ نلبي غيرك في ما يخالف أمراً من أوامرك؟ "لا شريك لك لبيك"، فالتلبية لك وحدك، نحن مقيمون على ذلك ملازمون له.
"إن الحمد والنعمة لك والملك"؛ مَن أراد أن يوهمنا أنه يستقِل بإيصال شيء من الخير إلينا كائناً من كان، فلا نغترّ به، ولا نُصدِّقه، ونوقن أن الحمد لك، وأنك بفضلك طلبت منا أن نشكر من أجريت النعمة عليه من الخلق لا لاستقلاله، ولا لتفرُّده بالأمر، ولكن لكونه وسيلة مُسخّرة أنت الذي سخرتها، وأنت الذي سبّبتها، فالحمد لك، لك الحمد، فالحمد لك لا لمن سواك.
لا يستحقّ الحمد باستقلاله أحد من الملائكة ولا من الإنس ولا من الجن، ولا من الرعايا ولا من الشعوب، ولا من الرعاة، لا يستحق الحمد قبلك أحد، وليس الحمد إلا لك.
"لبيك لا شريك لك، إن الحمد والنعمة لك"، فإنه ما من نعمة ينالها شيء من الكائنات إلا وهي من خزائن إرادتك وقدرتك وتفضّلك وحدك.
"إن الحمد والنعمة لك"، اللهم ما أمسى بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك.
اللهم ما أمسى بنا من نعمة أو بأهل عرفات من نعمة، أو بأحد من أهل المشارق والمغارب في الأرض والسماء، من الأولين والآخرين، في الدنيا والبرزخ، اللهم ما أمسى بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك، فمنك، فمنك، فمنك، فمنك، فمنك، فمنك، فمنك، فمنك، فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك.
هذا منهج نبينا، هذا فِكر نبينا، هذه عقيدة نبينا، هذا إيمان نبينا، هذا الذي دعانا إليه وجعله شعاراً لنا من بعده في حجّاتنا ليصطبغ الحجاج بهذه المعاني الواسعات الكريمات العظيمات في معنى التلبية، وليصدقوا في الوفاء بعهد هذا الذي آمنوا به ربّاً وأيقنوا بالمصير إليه، وأن المرجع له وإليه جل جلاله وتعالى في علاه: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ).
سبحانه، (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ).
إنه يوم المراجعة والمحاسبة للنفس، وإصلاح الحال مع الكبير المتعالي جل جلاله، لكل مؤمن في كل بقعة من بقاع الأرض.
وينوب في سنّ التذلُّل والابتهال أهل عرفة عمّن سواهم، والكل يشاركونهم، والكل يتشبّهون بهم في هذا الخير وفي هذه العبودية، وفي إقامة معنى الشهادتين بشعار التلبية لربّ العالمين: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
اللهم وشوائب الشِّرك الظاهر والخفي زحزحها عن قلوب مَن شهد أن لا إله إلا أنت، زحزحها عمَّن نطق بلا إله إلا الله محمد رسول الله، وصَفِّ قلوب الواقفين وقلوب العاكفين.
اللهم بمن رقَّيتهُم في مراقي الصفاء في قلوبهم في اليقين، مِن علم اليقين إلى عين اليقين وحقّ اليقين، أعِد عوائدهم على بقيّة الحجاج والعُمّار والزوّار وعلى بقية أهل هذه المِلّة في مشارق الأرض ومغاربها، حتى يخرج منها جميع ظُلمات الوهم والخيال أنّ لك شريكاً في شيء من الشؤون.
لا إله إلا أنت لا شريك لك، الحمد والنعمة لك، والملك لك، سبحانك، الملك الحقيقي الدائم الأزلي الأبدي الذي لا تشوبه شائبة لك وحدك، سبحانك، أنت الملك تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)، جل جلاله وتعالى في علاه.
اللهم صَفِّ القلوب عن هذه الأوهام والظلمات والخيالات التي أوقعت العباد في الجراءة عليك وعلى أمرك، فآذوا بعضهم البعض، وضرّوا بعضهم البعض بغير حق، وتطاولوا على بعضهم البعض بغير حق.
وإن نبيك في هذا الموقف قام يقول: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحُرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا هل بلّغتُ؟"، قالوا: بلّغتَ يا رسول الله، قال: "اللهم فاشهد"، ثم قال: "ألا فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض".
وكم استحل الغافلون والجاهلون من ضرب رقاب بعضهم البعض تحت أي ذريعة وأي حجة لا حقيقة لها ولا أصل! اللهم فتدارَك الأمة، واكشف الغمة، واجلِ الظلمة، وارفع هذه النقمة، وحَوِّل الأحوال إلى أحسنها يا محوِّل الأحوال.
اقبل جميع الحجاج والزائرين والعُمار، وفدك ووفد رسولك الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، واجعل اللهم من قبولهم رفعاً لهذا الظلام والأوهام عن قلوب أهل الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وعَوداً حميداً إلى تعظيمك وتعظيم أمرك وحقائق شهادة أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولك، وحقائق التسبيح والتحميد والتكبير، وحقائق الاستغفار وحقائق الإنابة إليك، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
اللهم تدارك هذه الأمة، واكشف الغُمة عن جميع الأمة، وهَيِّئنا لحُسن تلقّي فائضات جودك في يومنا هذا، وما تتفضّل به على خواصّ من تغفر لهم، فتتّسع مغفرتك حتى تشمل قراباتهم وحتى تشمل من حواليهم، حيث لا تبقي لهم سيئة ولا زلة ولا ذنباً ولا خطيئة، صغيرة ولا كبيرة، ظاهرة ولا باطنة، إلا محوتها وغفرتها.
وفاضت فائضات مغفرتك فأخذتَ تغفر من قلوب أقاربهم وجيرانهم ومن اتّصل بهم، ذلك فضلك لخواصّ من تغفر لهم، لا إله إلا أنت سبحانك، يا حي يا قيوم يا رحمن يا رحيم.
اللهم وبارِك للأمة في وجهتها إليك بما شرع لها نبيك من هذه الأعمال، هؤلاء في المشاعر المُقدسة وبقيّة الأمة في شرق الأرض ومغربها، عندهم صوم عرفة لغير هذا الحاج، وهو الأفضل له، والأفضل للحاج أن يفطر اقتداء بالحبيب ﷺ، تفرُّغاً للتضرع والابتهال والتخشَُّع والخضوع والتوجه إلى المولى وكثرة الذكر والدعاء.
فلم يزل ﷺ رافعاً يديه عامة اليوم من أول العشية إلى وقت المغرب، واليد الكريمة أكرم يد امتدت إلى الواحد الأحد مرتفعة إلى الرحمن، تحت ذقنه الكريم ومقابل صدره، كالمتذلُّل الخاضع الخاشع، المتطلب السائل يسأل الرب جل جلاله، وينظر في أحوال أمته، من الذين في زمنه ومن يأتي بعده إلى أن تقوم الساعة، ويتضرع إلى الرحمن في شؤون أفرادهم وجماعاتهم، صلوات ربي وسلامه عليه.
والرحمن ينظر إلى هذا القلب الذي لم يخلق مثله، وإلى هاتين اليدين اللتين لم يرتفع إلى العرش يدان غيرهما من يد الأولين والآخرين، وهو يسأل ربه سبحانه وتعالى ويطلب ربه سبحانه وتعالى في خضوعه وعبوديته للإله، على تلك القطيفة التي لا تساوي أربعة دراهم، ثم يقول: "اجعله حجاً مبروراً لا رياء فيه ولا سمعة"، لا رياء فيه ولا سمعة، صلوات ربي وسلامه عليه، على رحل رثّ وقطيفة لا تساوي أربعة دراهم، فهو يقول: "اللهم اجعله حجاً مبروراً لا رياء فيه ولا سمعة".
اللهم اجزهِ عنا خير الجزاء وأفضل الجزاء، وإنّ من شأن ما تجلّيتَ به عليه في ذلك الموقف ما جعلت في الصحابة ثم في التابعين وتابع التابعين، من يقف في هذه المواقف فيسألك ويخضع لجلالك، فتعود عوائدهم على بقية الأمة، من آثار ما دعاك هذا النبي وتوَجَّهَ به إليك هذا العبد المُقرّب المجتبى المصطفى المختار صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
والأمة في شرق الأرض ومغربها يتقرَّبون إليك في تبعيته عليه الصلاة والسلام بالأضاحي لمن يُضحّي منهم، غير ما يهدي هؤلاء الذين وصلوا إلى البيت الحرام من الهدي، أو يقومون به من الفدية عن شيء من أعمالهم في الحج والعمرة، وما يُضحّون أيضاً.
فلقد أهدى ﷺ مائة بدنة إلى الحرم، ثم ضحّى ببقر عليه الصلاة والسلام، غير الهدي الذي أهداه صلوات ربي وسلامه عليه إلى هذا الحرم، وهو الذي كان يحرص على الأضحية في المدينة المنورة طوال تلك السنوات التي قضاها في المدينة.
وقال وقد قدّم في سنة من السنين كبشين أقرنين أملحين، ذبح الأول يقول: "اللهم هذا عن محمد وآل محمد"، ثم يذبح الثاني ويقول: "اللهم هذا عني وعن من لم يُضحِّ من أمتي" صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
فلا يوجد فقير محتاج يودّ أن يضحي فلا يستطيع أن يضحي إلى يوم القيامة من أمته إلا شارك في أضحية ما مثلها أضحية، ولا تساويها أضحية أحد من الأمة من أولهم إلى آخرهم مهما ضحوا، كان نحرها وذبحها على يد حبيب الرحمن محمد.
فهذا لجميع فقراء الأمة الذين صدقوا مع الله ولو كان لهم وِسع لضحّوا، فنقول لهم: أبشِروا، فإن لكم مشاركة خاصة في هذه الأضحية الكبيرة الكريمة العظيمة، تشاركونه فيها وفي أجرها يوم القيامة، ذلك فضل الله تبارك وتعالى.
ونقول لمن وجد ما يُضحي به: سارع إلى ذلك، فإنه شرعه، وإنه سنته، وإنه الذي يحبه، وأنك بذلك تشارك في عمله، فإذا صدقت نيتك فأنت في تبعيّتك بهذه المشاركة الكريمة يتبارك شأن أضحيتك وتُقبَل عند ربك جل جلاله وتعالى في علاه.
لذلك سَنَّ أن يحضر المضحي عند أضحيته حينما تذبح، ويقول للسيدة فاطمة: "قومي اشهدي أضحيتك، فإن لك بها أن يغفر لك مع أول قطرة تقطر من دمها، وأنها تأتي يوم القيامة بأظلافها وعظامها وشعورها فتوضع في ميزانك تضاعف سبعين ضعفاً" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وهكذا في ما دعا الأمة فيه من كثرة الذكر والتسبيح والتحميد والتهليل لله تعالى في هذه الأيام وفي هذه الليالي، وخير ما قال هو والنبيون من قبل في هذا اليوم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير"، على روايات جاءت في هذه الصيغة التي أخصرها: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
وجاء في الرواية الأخرى: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير". وفي الثالثة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت". وفي الرابعة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير".
ويقول: "أفضل الدعاء دعاء عرفة، وأفضل ما قلتُ في هذا اليوم أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد"، فينبغي قراءة ذلك ألف مرة في مثل هذا اليوم للمؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، كَسورة الإخلاص التي تقوم عليها حقائق التوحيد للحق جل جلاله: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ).
وما جاءنا في السُّنة الغراء أنه أمّر َيوماً أحد الصحابة على سرية، فخرج يصلي بهم، فجعلوا يسمعونه في المغرب والعشاء والفجر، في كل ركعة بعد أن يقرأ بعد السورة أي شيء من القرآن يختم بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، في المغرب والعشاء والفجر، أول ليلة وثاني ليلة وثاني ليلة.
قالوا: يا أمير، ما سمعنا هذا من النبي ﷺ ولا من أحد غيرك من الصحابة، في كل ركعة إما اقرأ سورة الإخلاص أو اقرأ غيرها، قال: أنا هكذا، إن أردتم أحد يصلي بكم غيري؟ قالوا: لا، أنت أميرنا وأنت الذي تصلي بنا. فلما عادوا المدينة ذكروا ذلك للنبي ﷺ، قال: "سلوهُ ما الذي دعاهُ إلى ذلك؟"، قال: يا رسول الله، إني أحبها لأنها صفة الرحمن، قال: "حبّك إياها أدخلك الجنة"، حبّك إياها أدخلك الجنة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فهي مما يُقرأ في هذا اليوم ألف مرة، ومما يروى عن سيدنا علي أن قارئها ألف مرة في هذا اليوم ينظرُ الرحمن إليه، ومن نظر الرحمن إليه لم يُعذّبه أبداً.
وسورة الحشر تُقرأ، لأن الموقف مُذكّر بالحشر وهو عدة ليوم الحشر، فتقرأ سورة الحشر في هذا اليوم.
وكذلك ما يتعلّق بالعيد من التكبيرات، سواء المُقيّدة بالصلوات على مختلف المذاهب الأربعة، من بدايتها إلى نهايتها، ويقول الشافعية ومن وافقهم: إنهُ من فجر هذا اليوم، فجر يوم عرفة، بعد كل فرض ونفل، وفرض كفاية كصلاة الجنازة، يُندَب التكبير بعد كل هذه الصلوات إلى آخر يوم من أيام التشريق، وهو عصر يوم الثالث عشر من هذا الشهر الكريم المبارك.
أما التكبير المُرسَل المُتّصل بيوم العيد فذلك من غروب الشمس في هذه الليلة، حتى يُكبّر المكبر أو إمامه في صلاة العيد، فينتهي التكبير المُرسل ويبقى هذا المقيد بالصلوات إلى أواخر أيام التشريق.
إنها أيام فضل من الإفضال، وأيام ذِكر للكبير المتعال، وأيام تقويم للحال، ومراجعة للحساب، ومواصلة مِن رب الأرباب، وتوجُّه إليه بالصدق والإنابة والخشية، ما أعظمها مِن مواسم يُبلّغنا الله تعالى إياها!
كان في هذا العام مِمّن أمّل أن يُدركها فلم يدركها، لا أقول مئات، بل ألوف، كانوا في أول العام موجودين ولم يكونوا الآن موجودين، انتقلوا، انتهت الفرصة والمهلة التي أوتوها في خلال هذه، وبقيت المهلة عندنا، والفرصة معنا إلى حدّها المحدود، يجب أن نتدارك، يجب أن نغتنم، يجب أن نصدق، يجب أن نأخذ هذا العطاء وهذه الفرص التي منحنا إياها الخالق جل جلاله وتعالى في علاه، نُقَوُّم بذلك شؤوننا وأسرنا.
أياتي بعد هذا اليوم وأسرة فيها إهمال للصلاة؟ يأتي بعد هذا اليوم وأسرة فيها تقاطع في الأرحام؟ يأتي بعد هذا اليوم وأسرة فيها هجر للقرآن؟ يا مؤمنين، يا مسلمين، يا موقنين بأحقِّية النبي وما جاء به عن الله! كيف ما تتغير أحوالكم بإدراك هذه المواسم؟ كيف ما تقيمون أموركم على خطاب جاء من عند الإله، وحمله حبيبه ومصطفاه؟ فما الذي يؤثّر فيكم؟ وما الذي يغيّركم؟ وإلى من تستسلمون؟
لبّوا الإله، ولبّوا نداءه جل جلاله، ولبّوا حبيبه ومصطفاه ﷺ، مِن بعد هذا اليوم لا يبقى في البيت هجر للقرآن، ولا إهمال لِصلة الأرحام، ولا لبرّ الوالدين، ولا هجر لذكر الله تبارك وتعالى، ولا شحناء ولا بغضاء ولا عداوة بين المسلمين، ولا إيذاء لجار، ولا تفرُّج على المناظر الخبيثة، ولا تلطيخ العيون بالصور الساقطة الهابطة.
أما سمِعنا النداء من فوق؟ الجبار الأعلى يقول لخير خلقه: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)، قل للمؤمنين، قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، أين تذهب هذه الآية إذا استجبتَ لهواك ولشهوتك؟ والرحمن يقول: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).
بما يصنعه هؤلاء من البرامج تُحبِط فينا أسر وتهدّم فينا قيم وأخلاق من صغير وكبير لأننا لم نستجب لنداء الله؟ لأننا لم نلبِّ أمر الله تبارك وتعالى؟ هدموا قلوباً، هدموا ساحات، هدموا أرواحاً، هدموا بيوتاً، هدموا أسراً بهذه المناظر التي بثّوها، فاستجاب لهم من لم يستجب لله تعالى ولم يلبِّ نداء الحق تبارك وتعالى: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْن مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْن فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ)، ولا يبدين، أي: لا يظهرن زينتهن للأجانب: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْن بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ).
ما أعظمها من أوامر إلهية جاءت عنه سبحانه وتعالى، بتطبيقها تُصان وتُحمى المجتمعات من أنواع الشرور والمفاسد والأضرار الظاهرة والباطنة، وتستقيم القلوب على حضور مع الله تبارك وتعالى ووجهة إليه.
أيها المؤمنون بالله، إنه يوم حُسن المراجعة لأجل المرجع الكبير والمصير للعلي الكبير جل جلاله، وقد جرت سُنّته أنّ من حاسب نفسه من أجله خُفِّف عليه الحساب ويسَّره يوم القيامة، ومن لم يُبالِ بأوامره ونواهيه شدَّد عليه الحساب، ومن نوقش الحساب عُذِّب، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
إنها فرص الرجعة والإنابة والتدارك لأحوال الديار والمنازل والمعاملات في الأسواق وفي المزارع وفي المتاجر، وفي المصانع وفي المهن وفي الوظائف، إصلاح الحال بالأمانة، إصلاح الحال برعاية حقّ الله تعالى، وإصلاح الحال بعدم الاستجابة لدعوة النفس المخالفة لأمر الله تبارك وتعالى، والورع عمّا لم يُعلَم حلّه، ويُتبيَّن إجازة الحق له ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
إنها صفات شريفة تتعلّق بالقلوب النظيفة لكل مَن آمن بالله جل جلاله، "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصِل رحِمَه، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم ضيفه، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم جاره" ﷺ.
وجاء بعد ذلك في عدد من الأحاديث للمؤمنين والمؤمنات، "مَن يؤمن بالله واليوم الآخر"، "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً".
وهكذا جاءت التوجيهات النبويات، رزقنا الله الاستجابة لها وحُسن العمل بمُقتضاها، إنه أكرم الأكرمين، (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ).
بارك لنا وللأمة في هذه العشيّة يا حي يا قيوم، واجعلها خير عشية وافتنا، وأفِض علينا فيها فائضات إحسانك وواسعات امتنانك، وزدنا من إفضالك وجزيل نوالك، وأصلح شؤون المسلمين واجمع شملهم وألِّف ذات بينهم، واجعلنا في أنفعهم لهم وأبركهم عليهم، وانفعنا بهم عامة وبخاصتهم خاصة، برحمتك يا أرحم الراحمين وجودك يا أجود الأجودين، وبسر الفاتحة إلى حضرة نبيك الأمين محمد ﷺ.
09 ذو الحِجّة 1447