كلمة في ختام المحور الرابع بملتقى الدعاة السنوي العشرين

للاستماع إلى المحاضرة

كلمة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في ختام المحور الرابع، ضمن الجلسات العلمية البحثية في ملتقى الدعاة السنوي (العشرين) بعنوان: القول البليغ: مقوماته ومقاصده ومساقات إيراده

 في دار المصطفى بتريم، عصر الأربعاء 2 محرم 1448هـ

 

نص الكلمة:

 مهمة البلاغ مع جميع فئات الخلق

الحمد لله، وعليه التُّكلان، وبه الهداية، ومنه المُبتدأ وإليه المرجع والمصير. 

أثارَ القولُ البليغُ من سيدنا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الذي إذا سمعتم أَمَرَ اللهُ له به، حتى مع مَن إذا استمرُّوا على حالتهم إلى وفاتهم كانوا أسفل مَن في النَّار؛ وهم صنفُ المُنافقين.

وإذا كان هذا الأمرُ مع هؤلاء، وإمامُنا أُمِرَ من قِبَلِ الإلهِ الخالق أن يقولَ لهم القولَ البليغ، فكيف حالُه مع بقية فئات الكفر؟ 

هؤلاء الذين هم أخطر وأشد وأسفل في النَّار، أُمِرَ أن يقولَ لهم هذا، ويعظَهم، ويقولَ لهم هذا القول، إذن يحمل هَمًّا كبيرًا مع أخطر فئات الكفر وأسوأ فئات الكفر وهم المنافقون، فكيف حاله مع بقية أصناف الكفار؟ ثم كيف حاله مع المسلمين وأصناف المسلمين؟

فيُبيِّن لنا هذا أننا أمام مُهِمّة كبيرة بحُكم هذا الدِّين، أن نعبد الله تبارك وتعالى ببذل الجهد حتى مع أخطر فئات الكفر، فكيف بمن سواهم؟ فما مُهمَّاتنا أمام بقية أصناف الكفار؟ ثم ما مُهمَّاتنا أمام طوائف المسلمين وفئات المسلمين؟ 

الفهم الصحيح للإعراض ومنهج الهداية

ومن الجيِّد ما انتشر بينكم من معرفة الأمر بالإعراض، أنَّه ليس معناه التولِّي عنهم ولا سبّهم، ولا الانقطاع عن تعليمهم ولا عن إرشادهم، قَطّ! وذلك ما لم يحصل في حياة نبينا ﷺ، إمامنا، ثم في حياة المهتدين من بعده من ورثته صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

ووجدنا أكابرهم مع مَن يتقصَّدهم بالأذى يحاولون الهداية، وكثير منهم حوَّلوا الذين خصُّوهم بالمعاداة والإيذاء مِن قريب، هُم في المقابل خصُّوهم بوجهة صادقة إلى الله فردُّوهم من الخيار، كحال إمامهم عندما يأتي الأوَّل يريد أن يقتله فيتحوَّل إلى مؤمن، والثاني يريد أن يقتله يتحوَّل إلى مؤمن، والثالث يريد أن يقتله فيتحوَّل إلى مؤمن، فيكونوا من خيار الصحابة!

وما كان بينهم وبين أداء خطَّتهم في قتله إلا ذراع! إلا ذراع، ذراع من المسافة ومن الخطة، باقٍ ذراع واحد ويُصيبونه ﷺ بما أرادوا، فحوَّل ذلك، منهم مَن تحوَّل بوضع يده على صدره صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فخرج في قوة من الإيمان لنَتَبيَّن أننا في ظهر هذه الأرض عبيدٌ لهذا الإله الذي شرَّفنا بالإيمان به.

القول الحسن والارتباط بكلام الله ورسوله

ثم بالقيام بهذه الأمور التي تداولتم الحديث عنها ما بين البارحة والليلة، تصبُّ في بيان مهمَّتنا نحن حول هذا الأمر الإلهي لهذا النبي، وأن الأمر يستغرق واجبات، يستغرق طاقاتنا وقدراتنا، وكيفية الانصراف بها والقيام بها.

فذلك القول الذي علِمتم أنَّه ليس المراد به الانحصار في الألفاظ، التي علمتم أنَّه يجب أن تُنتقى، وأن تُختار، وأن يكون قولاً ليِّنًا، وما سمعتم من الكلام الطيِّب في جمع الآيات التي تتعلَّق بالقول وتصنيفه في القرآن الكريم، وأمره بعد ذلك: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)، (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).

وما تبِعَ ذلك من بيان السُّنَّة التي نحن في احتياج إلى تأمُّلِها مع ربط البيان بهذه الآيات من خلال كلامه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فعلِمتُم أنّ القول البليغ هو أقواله وأفعاله التي كانت في المواقف المختلفة عليه الصلاة والسلام.

وسمعتُم أنَّه لا نستطيع أن نُحصِّل الأثر الطيِّب في القلوب والعقول والنفوس بمثل كلام الله تبارك وتعالى وكلام رسوله ﷺ، وأنَّ ما اتصل بذلك -إذا صحَّت فيه النية من البيان والتقريب للمعنى- فإنما مرجعه إلى الأصل، والفائدة من الأصل.

حقيقة العبودية وهداية القلوب

وهذا المعنى الذي يقول عنه ربًّنا لقائدنا وإمامنا: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ويقول: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) إلى غير ذلك.

فيما يُبيِّن لنا أنّ المقصد أن نقوم بهذه العبودية لله تبارك وتعالى، وأنَّهُ عند القيام بها فمِن سُنَّته جل جلاله أن يُبرِز ما يُبرز من الخيرات الكثيرة، وكسر الحُجُب، وهداية من شاء، ونجاة هذا العبد أو ارتقاؤه في الدرجات؛ "لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك من حمر النعم".

مسلك السلف الصالح في الفتن والأزمات

فنحن أمام هذه المُهِمَّات، فيكون من بلاغ القول -ما سمعتم في أيضاً محاضرة الشيخ محمد ياسر مِن فتاوى وبيان ونصوص- توقِف مكانة الاجتهاد أمامها مع الحوادث التي تحدُث، وخصوصاً ما يحصل في الإمارة في هذه الأمَّة.

نتبيَّن أن مسلك سلفنا كان أبعد ما يكون عن جُبن، وأبعد ما يكون عن ضعف، كانوا في غاية القول البليغ، وكانوا في غاية الفهم البليغ للقول البليغ، وكانوا في غاية تحكيم صاحب القول البليغ ﷺ، وأنّ أهواءهم صارت تبعاً لما جاء به ﷺ. وأنهُ بذلك قامت حقائق هذا الدِّين.

حتى كان في جُملة النقاط التي اختَصَرَ الوصولَ إليها في حديثه، ما كان مِن أوائل آل بيته المُقترنين بالقرآن أمام هذه القضايا، كأمثال علي بن الحسين عليه رضوان الله تبارك وتعالى، علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والأوضاع تجري مجراها في وقته وفي زمانه، فأيّ مسلكٍ سلك؟ وأيّ خِيرةٍ اختار؟

والله لو كان أشرف مِن هذا المسلك شيءٌ موجود لَما تخلَّف عنه علي بن الحسين، ولَما قَصُرَت عنه لا علمه، ولا نيّته، ولا تربيته، ولا إرثه، ولا خلافته عن المصطفى ﷺ؛ عمَّا هو أشرف وعمَّا هو أعظم في السلوك!

وصارَ -وأقول- بهذا المسلك وصلنا نحن إلى أن نجتمع اليوم بعد مرور هذه القرون على المنبع والأصل وما تركوه لنا! ولو سلكوا غير هذا المسلك لكان قد انتهى أتباع القرآن وأتباع السُّنَّة من قرون سابقة! ولكن ويأبى الله إلا أن يتمَّ نوره.

كسر السيف وحماية الأمة

وبذلك كان يقول الكثير من الذائقين والمُنصفين: لولا مسلك ما ظهر في مظهر صورة كسر السيف لسيدنا الفقيه المُقدَّم، ما بقيَ للطريقة هذا، ولا لمنهجٍ مقام، ولا وجود لا في حضرموت ولا في خارج حضرموت! ولكن بهذا المسلك نصروا دين الله!

وقامت حقائق دولة الإسلام والخلافة المعنوية، وانتشرت في شرق الأرض وغربها، وحَمَت الأمَّة مِن أن تستأصلها الخلافة المنحرفة والشاذَّة والخارجة عن سبيل الله سبحانه وتعالى، وهذا مسلك الصالحين هُنا وهُناك وفي مختلف أقطار الأرض عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

تجديد الهمة والدعاء

فنحتاج إلى تجديد مُهمَّاتنا وهمَّتنا نحو انتهاج الاجتماع على القول البليغ مع الكل، لأننا رأينا الحقَّ يَنُصّ عليه مع أخطر فئات الكفر وهم المنافقون والعياذ بالله تبارك وتعالى، الذين مَن مات منهم على حالته في الدَّرك الأسفل من النَّار كما أُخبر في الآيات الأخرى.

إذن لنا مُهمة مع جميع مَن في الوجود، يجب أن نقوم بها، كلٌّ بما يستطيعه كما سمعتم في كلام الأحِبَّة.

ثبَّتنا الله، ونظر الله إلينا، وجعل هذا العام عام ظهور للقول البليغ، منتشراً في الرجال والنساء والصغار والكبار، يرفع الله به ظُلمات الباطل في الفكر والسلوك والوجهات والنيَّات، وفي جميع ما يُطرَح ويُبذَل له البذل من أسباب ووسائل الصّدّ عن سبيل الله تبارك وتعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ).

جمع الله شمل الأمَّة، وألَّف ذات بينهم، وألهمهم الرُّشد في أقوالهم وأفعالهم وحركاتهم وسكناتهم. 

أصلِح اللهم الراعي والرعيَّة، وادفع كل أذيَّة، واجعل أعمالنا خالصةً لوجهك الكريم، وأهواءنا تَبَعاً لما جاء به نبيُّك العظيم، بسرِّ الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ.

 

تاريخ النشر الهجري

03 مُحرَّم 1448

تاريخ النشر الميلادي

18 يونيو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية