علائق القلوب بحقائق المحبة للرحمن وحبيبه المحبوب
مذاكرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في دار المصطفى، ليلة ذكرى المولد النبوي الشريف، ليلة الثلاثاء 12 ربيع الأول 1448هـ بعنوان:
علائق القلوب بحقائق المحبة للرحمن وحبيبه المحبوب
لتحميل نسخة pdf
من أبرز ما جاء في المحاضرة:
- شرف اتصال الأمة بنبيها ﷺ
- الأمر الأعظم في مسار الأمة
- أثر الطاعات على الجوارح والقلوب والأرواح
- ماذا يطّلع الله في قلبك في ليلة ذكرى المولد النبوي؟
- السبق واللحوق بخواص الأمة
- طلب التحقق بالمحبة وتفريج كرب الأمة
- الدعاء برؤية وجهه ﷺ والقرب منه
- توبة واستغفار
نص المحاضرة:
أدِمْ صلواتكَ على خير بريَّاتك، وصفوتكَ من خلائقك سيدنا محمد، الذي به شرَّفتنا، والذي به أكرمتنا، والذي به تفضَّلت علينا، والذي به جُدت علينا، والذي جعلتنا به خير أمة.
يا ربِّ صلِّ عليه وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك، وآلهم وصحبهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
شرف اتصال الأمة بنبيها ﷺ
وسِرّ الصِّلات بهذا الجناب الأقدس التي وزَّعتها على أنبيائك وملائكتك والصالحين من عبادك، وجعلتَ لهذه الأمة شرف الاتّصال الخاص به من حيث عموم أنهم مِن أمته، ثم من حيث خصوص ما تخصُّ به أفراد هذه الأمة، والجماعات من هذه الأمة، من صِرْف الإيمان واليقين، ومن صِرف المحبة منك ومنه، ولك وله؛ وتلك عطاياك الكبيرة التي تجود بها على من سبقت لهم منك السعادة.
وإنَّا يا ربنا نقرعُ أبواب جودك الواسع الكريم، بوجاهة هذا العبد المُقرَّب الحبيب العظيم، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، أن تُكرمنا والحاضرين والسامعين ومن والانا فيك بالنصيب الوافي من سِرِّ محبتك ومحبته، ومعرفتك ومعرفته، وقُربك وقُربه، وودادك ووداده.
وأن نحيا جميع لحظات حياتنا، وحقيقة أنّك ورسولك أحبُّ إلينا مما سواك مُتأصِّلة فينا، متعمِّقة فينا، قائمة فينا على خير الوجوه يا ربنا. نرقى بكل لحظةٍ مراقي، ونسعد مع أهل السعادة بما يوجِب حُسن التلاقي.
فإننا يا ربِّ نستفتح أبواب جودك لتهبنا هذه المواهب، وتجعل روابطنا بنبيِّك محمد أقوى الروابط، وتجعل صِلتنا به في محبته والاتّباع له على خير الضوابط، وتجعل لنا من ذلك عجائب من الرحمات الهوابط، مِن فيض فضلك على أهل ذلك التوجُّه، وعلى أهل تلك السابقة التي سبقت من عندك.
الأمر الأعظم في مسار الأمة
وما أحوَج أمّته أن تتذكر منَّة الله عليها بهذا المصطفى، وما خصَّصها به وما جعلها خير أمّة، وأن تطلب نصيبها في خيرية هذه الأمة من الصِّلة بالله ورسوله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، وتوقِن في أنّ الأمر الأعظم في مسارها كله: أن يتحقّقوا أن لا أحبَّ إليهم من الله ورسوله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم. ويكونوا على منهج: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
والله لا يجعل فينا ولا في بيوتنا فاسقًا، ولا يجعل شيئًا من هذه الأشياء أحبَّ إلينا من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله.
ويرزقنا سبحانه وتعالى الصدق في محبته ومحبة رسوله ومحبة الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى بالكف عن جميع الأوصاف الذميمة وعن السيئات الظاهرة والباطنة.
أثر الطاعات على الجوارح والقلوب والأرواح
(وذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ)، والعمل بالصالحات الظاهرة والباطنة؛ طاعات القلوب وطاعات الجوارح، حتى نملأ قلوبنا بأنوار طاعات القلوب، وتمتلئ كل جارحة من جوارحنا بأنوار طاعات هذه الجوارح لله سبحانه وتعالى، وتبعيّتها لحبيبه محمد صلَّى الله عليه وسلَّم.
وإذا بالقلب ينقذف نور المعرفة الخاصة من آثار هذه الطاعات والوجهة إلى ربِّ البريَّات جلَّ جلاله، ومن آثار تلكم المعرفة ينقدح في الروح أسرار المحبة الخالصة، ومن أسرار تلكم المحبة الخالصة تنقدح في الأسرار أنوار الشهود للملك المعبود جلَّ جلاله؛ وهذا خير ما نُحَقِّقه في هذه الحياة، ونُحَصِّله لنا في هذه الأعمار القصيرة.
ماذا يطّلع الله في قلبك في ليلة ذكرى المولد النبوي؟
فمَن في مثل هذه الليلة، ليلة ذكرى ميلاد حبيب الرحمن صلَّى الله عليه وسلَّم، يطَّلع الله من سويداء قلبه أنه يحب أن لا يكون في قلبه أحبُّ إليه من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله في جميع لحظات عمره الباقية حتى يلقى الله؟ وإلى الأبد يرقى في مراقي هذه المحبة التي ليس لها من حد، وليس لها من غاية، وليس لها من نهاية.
بل إذا فتح الله لك بابها، ووسَّع لك رحابها، ووهبك من مواهبها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، رُبّما أدركك شيء من هذا في الدنيا قبل الآخرة، (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا)، من فيض فضلك، (وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ).
فانظر إلى قلبك في مثل هذه الليلة، وماذا تعزم عليه من بعد ليلة ذكرى ميلاد حبيبك محمد إلى أن تلقى ربك:
- ماذا تعزم عليه في سننه؟
- ماذا تعزم عليه في آدابه؟
- ماذا تعزم عليه في قيام الليل؟
- ماذا تعزم عليه في صفاء القلب؟
- ماذا تعزم عليه في تربية النفس وتربية الأهل والأولاد؟
- ماذا تعزم عليه في أداء الأمائن؟
- ماذا تعزم عليه في المحافظة على الجماعة؟ وعلى أن لا تفوتك تكبيرة الإحرام مع الإمام في فرض من الفروض؟
- ماذا تعزم عليه في صلتك بالقرآن الذي أوحي إليه؟
وكلها مواهب كبيرة، وكلها لها مفاتيح من الاتصال به تنفتح بها أسرارها، وتنفتح بها خيراتها، وترقى في مراقيها إلى عطايا واسعة كبيرة لائقة بجود الله جلَّ جلاله، وهي موائد إفضاله وإحسانه التي فتحها لنا بحبيبه صلَّى الله عليه وسلَّم وبارك عليه وعلى آله.
فماذا في قلبك في مثل هذه الساعة وفي مثل هذه الساحة؟ والجمع معروض ومنظور إليه من قِبل الربِّ ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم وأهل حضرته صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم؛ فماذا يطَّلع ربُّ العرش في قلبك؟ ماذا يطَّلع عليه في فؤادك؟ ماذا ينظره في باطنك؟ وهو لا ينظر إلا إلى القلوب جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
السبق واللحوق بخواص الأمة
يا حاضر ويا سامع، هذه الأبواب تفتَّحت، فأَرِ الرحمن من قلبك ما يرضيه عنك، وما تحوز به السبق في الخصائص التي يخصُّ الله بها خواصَّ الأمة، خواصَّ الأمة الذين في كل قرن منهم سابقون يلحقون بالسابقين، والصف الأول يدخله داخلون من كل قرن من قرون هذه الأمة إلى آخر القرون إلى أن يرفع الله القرآن.
فلا يزال في هذه القرون كلها مَن يدخل إلى الصف الأول يوم القيامة، إذا قال أهل الجنة يوم القيامة مئة وعشرون صفًا، ثمانون من هذه الأمة، فمن كل قرن يدخل إلى الأول من الثمانين هذه، يدخلون إلى الأول من هذه الثمانين، وكم داخل إلى الثاني، وكم إلى الثالث، وكم إلى الرابع، وفائزون ولو كانوا في الثمانين من الصفوف.
(فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)، فلا تغتروا بها، وخالقها قد أنبأكم عنها وحذّركم منها: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ).
طلب التحقق بالمحبة وتفريج كرب الأمة
اللهم اقذف في هذه القلوب محبتك ومحبة هذا الحبيب، والصدق فيها، ورقِّنا مراقي الصدق معك في أقوالنا وأفعالنا ونياتنا ومقاصدنا، وارزقنا الوفاء بعهدك الذي عاهدتنا عليه، ارزقنا بذل أنفسنا وأموالنا في طاعتك وطاعته، ومحبتك ومحبته، وفي متابعته والاقتداء به، ونصرة سنَّته، ونصرة شريعته، ونصرة ملَّته، ونصرة دينه، برحمتك يا أرحم الراحمين.
فأنتَ الذي مننت علينا وجعلتنا من أمته، وأحييتنا على نصيب مِن محبته ندَّعيها، وبَخْتُنا إن صحَّ هذا المُدَّعَى، وفي رجائنا فيك أن تعطينا فوق ما أمَّلنا من محبتك ومحبته، وما رجَونا من مودتك ومودته، وأن لا تحرمنا خير ما عندك لشر ّما عندنا.
اللهم وإنك بفتح هذه الأبواب تردُّ عن الأمة البلايا والأتعاب، والشُّغُوب والكروب، والآفات الظاهرة والباطنة؛ فنسألك بحبيبك المحبوب نظرةً يا رحمن تُصلح لنا بها الشأن، وتُشَيِّد بالتقوى لنا بها البنيان، وتطهِّر لنا بها كل جَنان عن جميع الأدران، وتربطنا بالقرآن، وترزقنا الوفاء بعهدك، وأداء الحقوق للوالدين وللمولودين وللأهلين وللقرابات وللأصحاب، ونقاء القلوب عن جميع الشّوْب، وأن تسقينا من أحلى مشروب.
يا إلهنا اسقنا في ليلتنا هذه شربةً مِن معرفتك، وشربةً مِن محبتك، وشربةً مِن كأس رضوانك الأكبر، يا الله، يطيب لنا ذاك الشراب، في مراتب الاقتراب، بعطايا ما لها حساب، ووهْب واسع منك يا خير وهَّاب.
يا حيُّ يا قيُّوم، افتح لكل منا الباب، افتح لكل منا الباب، وأزِل عنه الحجاب، وأدخلنا في حضرات الاقتراب، يا كريم يا وهَّاب، يا ربَّ الأرباب، يا مُسبِّب الأسباب، يا غفور يا توَّاب، يا مَن عطاؤه منساب، يا مَن يتفضّل بغير حساب.
الدعاء لرؤية وجهه ﷺ والقرب منه
يا الله، وجهه الكريم الشريف أرِنا إيَّاه، في الحياة وعند الوفاة، وفي البرزخ وفي يوم الموافاة، وفِّر حظَّنا من رؤيته، يا ربِّ عند الوفاة وفي مواقف القيامة كلها، وفِّر حظَّنا من رؤية هذا الوجه في الفردوس الأعلى.
اللهم وفِّر حظَّنا من رؤية هذا الوجه الشريف تحت لواء الحمد، وعلى الحوض المورود، وفي ظلِّ العرش، يا حيُّ يا قيُّوم.
وأكرمنا برؤية هذا الوجه ساعة المقام المحمود، يوم يقوم منفردًا مقام الحمد، لا يشركه فيه أحد، ويحمده الأولون والآخرون، وتناديه أنت يا ربَّ العرش يا ملك الملوك وتقوله لحبيبك: "ارفع رأسك، قُل يُسمع لقولك، سَل تُعطَ، واشفَع تُشفَّع"، في تلك الساعة اجعلنا قريبًا منه، ناظرين إلى طلعته، سامعين ثناءه عليك، سامعين نداءك له.
يا حيُّ يا قيُّوم، نسألك أن تجعلنا قرَّة عينٍ له، وتجعل نياتنا ومقاصدنا وأقوالنا وأفعالنا قرَّة عينٍ له، وتجعل أهلينا وأحبابنا وطلابنا قرَّة عينٍ له.
ونسألك الوفاء بعهدك الذي عاهدتنا عليه، لا تحرم بصيرةً ولا بصرًا من هذه البصائر والأبصار رؤية ذلك الجمال، في أعلى منال، في المراتب العوال، على خير الأحوال، يا الله، يا الله، يا الله، يا الله.
وُلِدْتَ فأشرقت الأنوار به في الوجود، وقال أصحابه: "فنحن في ذلك الضياء وذلك النور"، وفِّر حظَّنا من هذا الضياء ومن هذا النور، به نستضيء وبه نتنوَّر فيما بطن وفيما ظهر، يا كريم يا بَرُّ، يا الله، يا الله.
توبة واستغفار
وكل ما مضى منا من ذنوب ومعاصٍ وتقصير وغفلة وسيئات نتوب إليك منها، تُبنا إلى الله، تُبنا إلى الله، نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحيُّ القيُّوم، ونتوب إليه، من جميع الذنوب والمعاصي والآثام، بيننا وبين الله وبيننا وبين عباد الله، من جميع ما يعلمه الله.
يا الله، تقبَّل واجعلها توبةً مقبولة، يفوز كلٌّ منا بالاتصال بحبيبك محمد في الحياة وعند الوفاة وفي البرزخ ويوم الموافاة، يا الله، يا الله، يا الله، يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.
11 ربيع الأول 1448