حقائق النصرة لله ورسوله بخالص التبعية والتخلي عن الاهواء والشهوات

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في اختتام المجالس النبوية بمدينة الشحر، في مسجد الشيخ فضل بن عبد الله بن بافضل، ليلة الأحد 16 ربيع الثاني 1448هـ بعنوان: 

حقائق النصرة لله ورسوله بخالص التبعية والتخلي عن الاهواء والشهوات

هل تكون نصرة الدين بطلب السلطة والنفوذ؟ وكيف نميّز النصرة الصادقة من الشعارات والدعاوى؟

يتحدث عن اتصال سند القرآن والسنة وعناية السلف الصالح بهما، وحقيقة مَن حفظ الله بهم الدين عبر القرون، ومعنى الخلافة الباطنة، والتحذير من طلب الإمارة والافتراء على المؤمنين باسم نصرة الدين، وخطورة التكفير واستباحة الدماء.. كما يُبيّن المنهج النبوي في التعامل مع ولاة الأمر.

نص المحاضرة:

مقدمة والدعاء بالثبات والارتقاء في مراتب الخيرية

دَعَانَا إِلَى حَقٍّ بِحَقٍّ مُنَزَّلِ ** عَلَيْهِ مِنَ الرَّحْمَن أَفْضَلَ دَعْوَةِ 

أَجَبْنَا قَبِلْنَا مُذْعِنِينَ لِأَمْرِهِ ** سَمِعْنَا أَطَعْنَا عَنْ هُدًى وَبَصِيرَةِ 

فَيَا رَبِّ ثَبِّتْنَا عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى ** وَيَا رَبِّ اقْبِضْنَا عَلَى خَيْرِ مِلَّةِ 

فَيَا رَبِّ ثَبِّتْنَا عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى ** وَيَا رَبِّ اقْبِضْنَا عَلَى خَيْرِ مِلَّةِ 

فَيَا رَبِّ ثَبِّتْنَا عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى ** وَيَا رَبِّ اقْبِضْنَا عَلَى خَيْرِ مِلَّةِ 

وَعُمَّ فُرُوعاً وَالْأُصُولَ بِرَحْمَةٍ ** وَأَهْلاً وَأَصْحَاباً وَكُلَّ قَرَابَةِ 

وَسَائِرَ أَهْلِ الدِّينِ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ ** أَقَامَ لَكَ التَّوْحِيدَ مِنْ غَيْرِ رِيبَةِ 

وَصَلِّ وَسَلِّمْ دَائِم الدهْر سَرْمَداً ** عَلَى خَيْرِ مَبْعُوثٍ إِلَى خَيْرِ أُمَّةِ

ولك الحمدُ على بِعثته، وما أكرمتنا بمنزلته ورُتبته، فجعلتنا مِن أمته، وجعلتَ أمتَه خيرَ الأمم، وهي أسرارٌ من إرادتك في هذا الوجود وفي هذا الكون، كشفتَها لنا وأوضحتَها على لسان حبيبك المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ فلا تحرِمنا الارتقاءَ إلى أعلى مراتب الخيريّة في هذه الأمة المحمدية، يا عالمَ كلِّ ظاهرةٍ وخفيّة.

نَقِّ القلوبَ عن الشوائب، وارزقنا الارتقاءَ إلى أعلى المراتب، وأَزِِحْ عن قلوبنا كلَّ حاجزٍ وحاجِب، يحجبنا عن شهودك بمرآةِ سيّدِ أهلِ حقيقةِ توحيدك؛ محمدِ بن عبد الله، الرحمةِ المُهداة، النعمةِ المُسداة، البشيرِ النذير، السراجِ المنير؛ نَوِّرْ به قلوبَ الحاضرين والسامعين والمُتعلّقين والمُقبلين في مشارق الأرض ومغاربها تنويراً عظيماً، تستقيمُ به على المنهاج من غير اعوِجاج، وترقى به إلى أعلى معراج، في إسلامها وإيمانها وإحسانها، وفي خصائص المعرفة التي تَخُصُّ بها مَن شئتَ من عبادك.

يا مجيبَ الدعوات، يا مُغيثَ أهلِ الاستغاثات، يا قاضيَ الحاجات، يا كاشفَ الكُرُبات، لا تُخلِّفْ أحداً مِنّا عن ركبِ خيرِ البريّات، سيّدِ أهلِ الأرض والسماوات، محمدٍ المخصوصِ بأعلى الآيات، صلّى الله وسلّم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وأصحابه، ومَن وَعَتْ قلوبُهم أسرارَ خطابه، الذي حَمَله عن الربّ.

اتصال سند البلاغ النبوي وعناية السلف الصالح بالقرآن والسنة

فأمامنا خطابُ الإله، لكننا واللهِ ما سمعناه إلا عن لسان محمد بن عبد الله، وأمامنا خطابُ محمد بن عبد الله، ولكنه واللهِ ما وصلنا إلا على قلوبٍ انطوَت في محمد بن عبد الله، من أصحابه وآل بيته، وورثتهم طائفةً بعد طائفة، حتى وصل إلينا بلاغُه وبيانُه وسُنّتُه وهُداه وهَدْيُه.

وكما سمعتم في هذه الأمة؛ حُفِظَ القرآنُ فحُفِظتِ السُّنّةُ وأسرارُ القرآن والسُّنّة في الأمة. 

وسمعتم في مناقب سيدنا الشيخ فضل بن عبد الله بافضل -أعلى الله درجاته وجمعنا به في أعلى جناته- أنّ من جُملة كتب الحديث التي قرأها: «صحيح الإمام البخاري»، وهو واحدٌ من أعجب كتب الأمة فيما حَفِظَت عليهم مِن أخبار النبوة وبلاغ النبي ﷺ، شأناً كبيراً في عصره عليه رضوان الله؛ تلقّاهُ عنه وسمعه عليه تسعون ألفاً، وكلُّ واحدٍ من التسعين الألف سمعه عنه أعدادٌ كبيرة، فتواترت الرواياتُ قرناً بعد قرن. 

وألفَ مرّةٍ يقرأ «صحيح الإمام البخاري»، وقرأ «مسلماً» أيضاً، وقرأ «أبا داود» و«الترمذي»، وقرأ «النسائي»، وقرأ «ابن ماجه»، وقرأ معاجم، وقرأ غير ذلك.

هذه صِلتُهم بالسُّنّة، وصِلتُهم بالقرآن الكريم؛ حتى في حِسِّ القراءة مَن يبلغ شَأْوَهم؟ فكيف في حقائقها ونتائجها ومعانيها العظيمة؟! كان قرينَ سيدنا الإمام عبد الرحمن السقاف عليه رضوان الله، ولكن كان معظِّماً لسيدنا الإمام السقاف، قرينه؛ قرينه السقاف يقرأ ختمةً بالليل وختمةً بالنهار، ثم ختمتين بالليل وختمتين بالنهار، ثم ثلاثَ ختماتٍ بالليل وثلاثَ ختماتٍ بالنهار، أربعَ ختماتٍ بالليل وأربعَ ختماتٍ بالنهار! 

هذه صِلتُهم بالكتاب والسُّنّة في الحِسِّ وحده، أما في إدراك المعاني والاطّلاع على ما قال الصحابةُ والتابعون فمَن بعدهم، ثم من وراء ذلك: "إلا فَهماً يُؤتاهُ أحدنا في كتاب الله"؛ فمَن يتحدث عنه؟ ومَن يستوعب شؤونَه؟ مع القرآن في قَرَن، مع السُّنّة في قَرَن، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

إخلاص العلماء الربانيين وحقيقة نصرة الدين

ولا فيهم دعاوي، ولا فيهم: نحن عرفنا، مَن أعرفُ منا؟ نحن علمنا، مَن أعلمُ منا؟ ونحن الذين نُقدِّم ونُؤخِّر!.. على إخلاصٍ وصدقٍ وتواضعٍ وإنابة وهذه العلوم الفائضة كلها؛ ولا انتقاد على أئمة المذاهب ولا على أتباعهم، ولا على صغار العلماء ولا على كبارهم عليهم رضوان الله تعالى، ولا على عامة المسلمين ولا على خاصّتهم. 

إنما يَنهَوْن عما نهى الله عنه، ويُحرِّمون ما حرّم الله جل جلاله وتعالى في علاه، ولا يتخذون علومَهم ذريعةً لنيلِ غَرَضٍ ولا قَصْدٍ، ولا جاهٍ ولا وجاهةٍ، ولا حُكمٍ ولا مُلكٍ ولا سلطنةٍ ولا ما إلى ذلك. 

ولو علموا -بما أوصل اللهُ إليهم من عُمقٍ وسَعَةٍ في العلوم- أنّ هناك حقيقةَ نُصرةٍ لله ولرسوله في غير هذا المسلك لذهبوا إليها، ولكنهم بذلوا وُسْعَهم في نُصرة الله ورسوله، فهم أنصارٌ على الحقيقة على مدى القرون عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

حقيقة الخلافة الباطنة وحفظ الدين بعد الخلفاء الراشدين

كان الحُكمُ الظاهر بعد الخلفاء الراشدين عليهم رضوان الله تعالى الخمسة الذين تمّت بهم الثلاثون العام: سيدنا أبي بكر، وسيدنا عمر، وسيدنا عثمان، وسيدنا علي، وسيدنا الحسن بن علي؛ هذه الثلاثون عاماً تمّت؛ في ربيع الأول توفي، في ربيع الأول سلّم الخلافةَ الحسن بن علي، تحوّل الحُكمُ الظاهر إلى المُلك العَضوض بالنَّصِّ. 

واستمرت نُصرةُ الإسلام لا بالمُلك العَضوض، ولا بأهل المُلك العَضوض، ولا بمجرد أهل الثروات في ذلك الوقت، ولا بأهل النفوذ والوجاهات في ذلك الوقت؛ ولكن بالأشخاص الذين كانوا في المساجد، وفي الخَلَوات، وفي البكاء، وفي حِفظ العلم والقيام به، وفيهم الذين يخرجون إلى الجهاد في سبيل الله متّصلين بالله سبحانه وتعالى؛ بهم نُصِر الدين، وبهم حُفِظ الدين، وبهم قامت حقائقُ الإيمان واليقين.

بمثلِ عليٍّ زينِ العابدين من سادة التابعين، ومَن معه من مثل الحَسن البصري، وسعيد بن المسيّب، وسعيد بن جُبير عليهم رضوان الله، وعددٍ مِن هؤلاء التابعين؛ كانوا أركاناً في حِفظ هذا الدين، ولولاهم لاختلَّ وصولُ الدين إلى مَن بعدهم.

وقاموا به عليهم الرضوان، وكانوا في مساجدهم، وفي معابدهم، وفي حَلَقاتهم، وفي نُصحهم، وفي زهادتهم، وفي بكائهم، وفي أخلاقهم، وفي صَدقاتهم، وفي نَفقاتهم، وامتلأت قلوبٌ بما فاض من قلوبهم من سرِّ «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وما تفرّع عنها من شؤون الإسلام والإيمان والإحسان. 

وأعدادٌ كبيرةٌ من التابعين وتابعي التابعين وصلوا على أيديهم إلى ذروة الإحسان، ومنازلِ المعرفة الخاصة والمحبة الخالصة؛ هؤلاء حُفّاظُ الدين، هؤلاء أنصارُ الله ورسوله على الحقيقة عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

وهذه هي الخلافةُ الباطنة التي لا ينالها خَللٌ ولا تنقطع عن الأمة ما دام القرآن، حتى يجتمع ظاهرُ الخلافة وباطنُها في أفرادٍ في الأمة من سلاطين الحق وأمراء الحق، يكون في ذاك الزمان وفي ذاك المكان، ولا يجتمع شَملُ الخلافة الظاهرة والباطنة على مستوى الأرض إلا في أيام الإمام المهدي وأيام سيدنا النبي عيسى بن مريم عليه صلوات الله وتسليماته.

كان وميضٌ من ذلك الاجتماع في أيام خلافة عمر بن عبد العزيز عليه رضوان الله؛ فإنه جَمَع بين الخلافتين، وكان مع صِنف العُبّاد، ومع صِنف الزُّهّاد، ومع صِنف البَكّائين في الليل، ومع صِنفٍ الممتلئة قلوبُهم بمودة الله ورسوله وآل بيته وصحابته والصالحين خاصةً والأمة عامةً؛ كان مع قِسم أهل الوَرَع، وكان يُعظِّمهم، وكان يستنصحهم، وكان يقبل نُصحَهم عليه رضوان الله تبارك وتعالى، فكان وميضاً مِن جَمْع الخلافتين. 

ثم لم يتمّ جَمْعُ هاتين الخلافتين، وإن جاء أفرادٌ من ملوكٍ أو سلاطين أو أمراء أخيار، ولكنهم محصورون في أماكن مخصوصة وأزمنة مخصوصة، لم تمتدَّ إمارتُهم إلى العالم الإسلامي كله، ولم يستطيعوا أن يُقيموا الأمرَ لحكمةٍ من الله تعالى أرادها؛ حتى تمضيَ مدّةُ المُلك العَضوض ومدةُ الجَبْريّة، وتعودَ خلافةٌ على منهاج النبوة بخبر الصادق عن الخالق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ وما بين ذلك لا ينبغي الالتفاتُ إلى هذه المظاهر وأن يُعوَّل عليها.

خطورة طلب الإمارة والحرص على السلطة باسم نصرة الدين

وأما الذين تصوَّروا أنهم ينصرون الدين بقضاء أغراضهم ومآربهم، والحرص على السلطة، والحرص على النفوذ في الأمر، والحرص على المُلك والإمارة؛ فإنهم غَلِطوا في حساباتهم، وأخطأوا في وِجهاتهم، وذهب عن أذهانهم قوارعُ من الآيات والأحاديث تردعهم عن هذا المسلك، ولكنهم لا يحبون الإصغاءَ إليها، وإذا قرع أسماعهم شيئاً منها لَوَوْها ولَوَوْا أذرعتَها عن حقيقتها وعن مسارها؛ فلا يتورّعون أن يكذبوا ويدّعون أنهم بهذه الكِذبة ينصرون الدين! (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ). 

الكذبة التي بسببها يُكتب عند الله كذّاباً ويُلعن، تكون نصرة للدين في وقتٍ من الأوقات؟! لا والله ما تكون! ويقلبون الحقائق، ويَغُشّون، وربما يَفترون على الآخرين؛ لِمَ؟ قالوا: سننصر الدين! تنصر الدين بافتراء؟! تنصر الدين بدعوى؟! تنصر الدين بكذب؟! ولا يُنصَر الدينُ إلا بطاعة الله، وإلا بالخضوع لله، وإلا بالأدب مع الله: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).

يُحذِّرهم صاحبُ الرسالة ﷺ من الإمارة والحرص على الإمارة، وقال فيكم مَن لا يستجيب لقولي ولا يستمع لإرشادي، ولكنهم سيندمون؛ في «صحيح البخاري»: «إنكم ستحرصون على الإمارة»؛ أنا حذّرتُكم منها، وقلتُ لكم: مَن طلبها وُكلَ إليها! ما معنى وُكِلَ إليها؟ تخلّى الله عن نُصرته وعن إعانته وعن إغاثته؛ اذهب أنت وإياها، إلى أين ستوصلك؟! إذا تخلّى الله عنك مَن لك؟! مَن طلبها وُكِلَ إليها، ومَن لم طُلِب لها أُعِينَ عليها؛ أمدّه الله بالعون.

حتى جاءه في حياته ﷺ بعضُ الوافدين من القبائل الذين أسلموا، ثم سمعه يتكلم عن الإمارة ﷺ وخطرها، وآثام أهلها في كل ما يزيغون، ثم إنه استشار بعضَ أولئك الوافدين: مَن يُؤمِّر عليهم؟ فذكروه، فاستدعاه ووصل إليه أنه أمير القوم، قال: يا رسول الله، أنا سمعتُك تقول في الإمارة كذا وكذا وكذا! قال: هو كما قلتُ، ستقوم بحقّها وتجاهد نفسك؟! الإمارة كما قد ذكرت لك؟ هي هي، قال: ما أستطيع! قال: «فمَن ترى مِن قومك؟» قال: فلانٌ فلان، فاستدعاهم وأمَّرهم صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

وعمُّه العباس جاء طلب منه، قال: اجمع لنا بين السِّقاية والحِجابة -التي تجعل عندنا المفتاح-، قال: «إنما أُعطيكم ما تُرزَأون به، لا ما تَأرزون إليه»؛ أنتم خاصّتي وآل بيتي، الأشياءُ التي تشتهيها النفوس ما أُعطيكم إياها، أُعطيكم الذي ترتفعون به عند القدّوس، الذي يُخالف النفوس، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وجاء بعضُ الوافدين يطلب الإمارة، قال: «إنّا لا نُعطيها مَن سألها، إنّا لا نُعطيها مَن سألها»! ثم قال: «إنكم ستحرصون على الإمارة»؛ يعني ما تُبالون بكلامي، تؤمنون بي على العموم ولكن الإيمان فيه دَخَل، والإيمان فيه ضَعف؛ أنا قلتُ لكم كذا وأنتم ستحرصون على الإمارة: «وإنها ستكون ندامةً يوم القيامة، وإنها ستكون ندامةً يوم القيامة»!

أمام هذه الحقائق نعرف أوضاعَ الأمة هذه، والذين مرّت عليهم عشراتُ السنين يطلبون الإمارة ويدّعون أنهم ينصرون بها اللهَ تبارك وتعالى؛ كيف لا تنصر اللهَ ورسولَه ببُغض الإمارة أول شيء؟! والذين أمَّرهم سيدنا عمر بن الخطاب عليه رضوان الله كلهم يعتذرون إليه، فيعزم عليهم، حتى لما رأى اعتذار الأول والثاني قال: ما لكم! رميتموها على عُنقي وتنجون بأنفسكم؟! عزمتُ عليك إلا… وهكذا.

حتى أمَّر أبا هريرة في بعض المرات على بعض المناطق، ثم عاد إليه يقول: يا أمير المؤمنين، اتَّقِ الله، لا تُؤمِّرْني بعدها! قال: لماذا؟ قال: إني دخلتُها وأنا مُكرَه، واليوم تغيَّرت نفسي ورَغِبَت فيها، فلا تُهلكني؛ ستجعل هَلَكتي على يدك أنت، أنت مسؤولٌ عني يا أمير المؤمنين! قال: إن أدخلها وأنا أُحبّها وحريصٌ عليها سأقع في زَيغ، أنا دخلتُها وأنا مُكرَه ومرّت عليَّ السنين! مع أنه كان يحمل حُزمةَ الحطب -عليه الرضوان- ويمشي في الطريق، ويُحصِّل زحمة ويقول: «وسِّعوا لأميركم!»، يقول: «وسِّعوا لأميركم!» -وهو أميرهم-، يقول: وسِّعوا، افتحوا طريقاً لأميركم سيمر! وحامل حُزمةَ الحطب فوق رأسه -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- أو على كتفه؛ ومع ذلك قال: غرّتنا هذه الإمارة وضرّتنا، لن أرجع إليها! وقال لسيدنا عمر: أُنشدك الله بعدها لا تُؤمِّرني، يكفي! يكفي الاختبار الذي اختبرتني به في هذه المدة! وعليهم رضوان الله، هكذا كانت نظرتُهم، وما هُم أنصارُ الله ورسوله؟ ومَن أحسنُ نُصرةً لله ورسوله منهم؟! مَن أحسنُ نُصرةً لله ورسوله منهم؟!

التحذير من الافتراء والوقيعة في المؤمنين وأولياء الله

وأما الذين يعملون دعاياتٍ أحياناً وافتراءً، يعلمون أنه افتراءٌ على فلان بن فلان؛ لماذا؟ قال: لأنه سيكون له نفوذٌ سيُغيِّر تخطيطنا في الوصول إلى أهداف، وبعد ذلك؟ نعمل دعايات وإعلانات في شيء ما ليس فيه، من أجل ما ينفذ أو ما يكون عائقاً بيننا وبين الوصول إلى هذا! أهذا نُصرةُ الله؟! أهذا نُصرةُ رسوله؟!

وهو هذا الذي يقول: «لَيُحبَسَنَّ قومٌ في رَدْغَةِ الخَبَال»، ما رَدْغَةُ الخَبَال؟ عُصارةُ أهل النار؛ القيحُ والصديد! لِمَ؟ قال: يقول الكلمةَ في المؤمن ليست فيه لِيَشِينَهُ بها؛ قصده يشِينَهُ بها! بعد ذلك؟ يُحبَس في رَدْغَةِ الخَبَال حتى يأتيَ بنفاذِ ما قال؛ والخَصلةُ ليست في المَقولِ فيه، من أين يجيء بالنفاذ؟! معناه يموت على ماذا هذا؟ على غير إيمان! لو يكون يموت على إيمان كيف سيُحبس إلى أن يأتي بنفاذ ما قال؟! قد قال النبي أن الكلمة هذه ليست فيه، العيبُ الذي ذكروه ليس فيه، فيُحبس في رَدْغَةِ الخَبَال في النار. هكذا نُصرةُ الله ورسوله توصلنا لرَدْغَةِ الخَبَال يا أخبل؟! نُصرةِ الله عند هؤلاء القوم!

الرد على من ينكر ويبدع مجالس الصلاة على النبي ﷺ

كان عندكم في المتأخرين الشيخ عبد الكريم الملاحي والشيخ سالم حبليل، وبعضُ الذين أُصيبوا بلَوْثَةٍ في بُغض مولد النبي ﷺ -وهذا أمرٌ غريب: ذِكرُ نبيّك والصلاةُ عليه سنةَ كم تحوّل؟ أنا ما أدري سنةَ كم تحوّل بدعة؟! «يا ربِّ صلِّ على محمد» هذه سنةَ كم تحوّلت بدعة؟! هو صلّى على نفسه، وأصحابُه صلّوا عليه، واللهُ صلّى عليه، والملائكةُ صلّوا عليه، وبعد ذلك تحوّلت الصلاةُ عليه بدعة! سنةَ كم؟! سنةَ اللعب بالدين، سنةَ جعل الدين تحت السياسات، وتحت مرادات لأهل الكراسي والدنيا الفانية تحوّل الأمر! ما الذي يُنكَر في ذِكر الله وفي الصلاة على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، سرّاً أو جهراً؟ والذي الذي يُنكر في سيرته؟!- قالوا: معهم الشيبتين هؤلاء؛ عبد الكريم وسالم حبليل، وستنتهي الموالد!

كم لهم مِن يوم ماتوا الله يرحمهم؟! ما عرفوا أن الشيخ عبد الكريم والشيخ سالم حبليل كانا دُرّتين في سلسلةٍ نورانيةٍ، لا ينطفئ النورُ بحياتهم ولا بوفاتهم عليهم رضوان الله، وربما يَحيا بهم بعد وفاتهم ما لم يظهر في حياتهم! ما عرفوا أن الأمرَ مَرْعيٌّ من فوق، وأنها سلسلةٌ مُسلسلةٌ من أصولٍ مرجعُها إلى سيدنا الرسول ﷺ، وأنه (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ).

وإلا من أجل الأغراض يأتي يتصوّر مع واحد، وبعدها يجيء بها ويقول له: هذا في صَفّنا وهذا معنا، ويجيء للآخرين أتباعه لكي يتّبعونه، وإلى غير ذلك من الأغراض من أجل غرض سلطة وغرض دنيا؛ أهذا نصرة لله؟! لا يُنصر اللهُ بالكذب، لا يُنصر اللهُ بالخداع، لا يُنصر اللهُ بالحِيَل المحرّمة!

ليس دينُ الله بالحِيَلِ ** فَانْتَبِهْ يَا رَاقِدَ الْمُقَلِ

يَا جَهُولَ الْقَلْبِ فَارِغَهُ ** أَنْتَ بَعْدَ الْيَوْمِ فِي شُغُلِ

أمامك سؤالٌ عن كل كلمةٍ قلتَها وحركةٍ تحرّكتَها: لماذا؟ وكيف؟ ولمن؟ لماذا وكيف ولمن؛ هات جوابك: لماذا فعلتَ هذا؟ وكيف فعلتَه، على أيّ كيفية، على أيّ وِجهةٍ في الاقتداء؟ ولمن، من أجل مَن، لغرض مَن؟ حزبك؟ جماعتك؟ وزارتك؟! خَلّهم يُنجّونك الآن إن كان في أيديهم نجاة! خَلّهم يُدخلونك الجنةَ إن كان في أيديهم الجنة! لا في أيديهم الجنة ولا في أيديهم النجاة والعياذ بالله تبارك وتعالى؛ فكيف تُجيب عليه: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ).

منهج التعامل مع ولاة الأمر وحرمة الدماء والتكفير

يُسارعون للخروج على وليِّ الأمر مِن دون وضوح؛ لأنه ﷺ ذكر لنا أمراءَ حتى وإن كان فيهم ظَلَمَة، ولكن واللهِ لا نُقِرُّ أحداً على الظلم، ولا نقول له: أحسنتَ في ظلمك، ولكن قال لنا ﷺ: «أعطوهم الذي لهم، واسألوا اللهَ الذي لكم»، «تعرفون منهم وتُنكرون».. أفلا نُناجزهم؟ -نقلبها انقلاباتٍ وثورات؟- قال: «لا»، هو يعرف أم لا يعرف؟ وهو أمين أم ليس أمين؟ وهو مُنتخَب من قِبَل الحق؛ ليقول ذلك أو شيئاً ثانياً، وهو يعرف الأحسن أم لا يعرف؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة»، ثم يقول: «حتى تَرَوْا كفراً بَواحاً»؛ إذا ظهر الكفرُ البَواح على أهلِ كلِّ شعبٍ من المسلمين قام وليُّهم وأميرُهم بإظهار الكفر البَواح أن يُزيحوه بأي طريقة، مِن دون الكفر البَواح ما معنا طريقة!

حتى على الكفار الذين لا يُحاربون ولا يَصدّون عن سبيل الله ولا يُؤذون المسلمين، يقول: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا)؛ ليس من طريقة تأذون أحد، ولا تأخذون مالَ أحد ولا عِرضَ أحد: (فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا)، (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ) يقاتلون.. هؤلاء قاتلوهم، (فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا).

أما أنتم معاشرَ المؤمنين: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً)؛ ليس  تعمُّد! ثم ذكر الكفارةَ في قتل الخطأ، ثم قال: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا) -مؤمناً واحداً- (فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)؛ أعوذ بالله من غضب الله! مَن يقدر على هذا؟! (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا).

فكيف يكون الدينُ تكفيرَ أهل الدين؟! كيف يكون الدينُ سَبَّ المسلمين فضلاً عن تكفيرهم؟! لا واللهِ، ما هذا بدين النبي محمد ﷺ، ولا ما بُعث به النبي محمد: «إني لم أُبعث لعّاناً ولا سبّاباً ولا طعّاناً، إنما بُعثتُ بالحنيفية السَّمحة» صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ثم قال، الصادقين مَن أتباعي على هذا الوصف، واقرأوا في صحيح حديثه: «ليس المؤمنُ باللعّان، ولا الطعّان، ولا الفاحش البذيء»؛ سمعت؟ قال هذا وصفُه، أما مَن فيه لَعنٌ وطَعنٌ وفُحشٌ وبذاءةٌ؛ ليس مؤمن، ليس مؤمن! وهذه نصوصٌ صريحة، يريدون أن ندفنها؟ يريدون أن نُخالفها؟ يريدون أن نُكذِّبها؟! هذا بلاغُ نبيّنا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فعلى كل عاقلٍ من المؤمنين أن يتبيَّن وأن يسترشِد، وأن يخاف اللهَ فيما يقول وفيما يفعل، فالأمرُ شديدٌ والأمرُ شنيع.

قدوات النصرة الصادقة وضوابط الجهاد والأخوة الإيمانية

وهؤلاء الأمثالُ الذين سمعتم ذِكرَهم: حبيبنا عبد الله بن محفوظ الحداد، الحبيب محمد مديحج عليه رحمة الله تبارك وتعالى، والشيخ عبد الكريم، والشيخ سالم حبليل، وبقية المشايخ الذين كانوا يحضرون معنا في هذا المكان -عددٌ منهم كثير عليهم رضوان الله تعالى-، ومنهم الذين كانوا يتكلمون حتى الحبيب محمد بن أبو بكر والشيخ أبو بكر وغيرهم كثير عليهم رضوان الله تبارك وتعالى؛ مَضَوْا في حياتهم حاملين نُصرةً لله ونُصرةً لرسول الله، وآثارُ نُصرتهم لله ورسوله بائنةٌ في آثارهم من بعدهم، وفي مَن اتصل بهم وفي مَن تعلّق بهم؛ فهم الحُماةُ الذين يحمونَ سَير نور الدين الخالص من جيلٍ إلى جيل، وهكذا تكون نُصرةُ الله تبارك وتعالى.

وإذا اعتدى الكفارُ على المؤمنين وجب على أهل المنطقة أن يقوموا كلُّهم، ويتحوّلُ الجهادُ إلى فرضِ عينٍ بوجوهه التي جاء بها محمدٌ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، ولا عندنا تَشَفٍّ ولا غير، ومَن قال: «لا إله إلا الله» قُلنا: مرحباً بك إلى دين الله سبحانه وتعالى. 

يقول الله عن المشركين وأوصافهم: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ)؛ وبعدها يقول لك: (فَإِن تَابُوا)؟ أحد منهم جاء قال: "أشهد أن لا إله إلا الله.. " (فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ).

ليس عندنا قوميّةٌ، ولا عندنا عصبيّةٌ، ولا عندنا إرادةٌ للنفس؛ عندنا كلمةُ الله تكون هي العليا مقصودَنا، عندنا رحمةٌ نزلت من السماء نقوم بحقّها في الأرض، نستعدّ للقاء الله، هذا ليس عند أهل الشرق ولا عند أهل الغرب، وفي الأخير أيضاً أحدثوا لكم «الأمن القومي»، سمّوه، الأمن القومي! مصلحتي حتى أُقتِّل أطفالك، حتى أُقتِّل نسائك، حتى أُهدِّم مساجدك! قَومي.. عصبيات! أهذه حقوقُ الإنسان؟ لعب! لعب بالإنسان! لا والله، لا عرفوا حقوقَ الإنسان، ولا عرفوا العدل، ولا عرفوا الإنصاف!

ولكن قال سيدنا رِبْعيُّ بن عامر: «اللهُ أخرجنا لنُخرجَ العبادَ من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام»؛ ما جَوْر الأديان؟ كلُّ دينٍ ليس قائماً على حقيقة الإسلام لا يخلو من أنواعٍ من الظلم، لا بد، لأن نفوسَهم وأهواءَهم تحملهم على ذلك، وبذلك كلّه وإذا هذا من أجل قومه وهذا من أجل قومه، وكلّ واحد يطحن الثاني! أين الأمن في العالم؟ أبطلنا أمن العالم كله! وما وجدنا إلا ما قال الله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ)، (أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ).

تأتي أنواعُ الفتن والمشاكل ولهم ألطافٌ تحيط بهم مِن عناية الله؛ قد يتخذ منهم شهداءَ ويصطفي، ولكن العاقبة لهم ولذرياتهم ولأتباعهم ولأحبابهم، واقرأ هذا في التاريخ أمامك؛ أردتَه في اليمن، أردتَه في الشام، أردتَه في مصر، أردتَه في أفريقيا.. هذا هو، سُنّةُ الله في الحياة هي هذه تتكرر، وما فاز إلا الصادقون المخلصون لوجه الله.

التمايز في آخر الزمان وانقسام الناس إلى فسطاطين

فاصدقوا وأخلصوا، وقوموا بحقِّ الله في أنفسكم ودياركم وأُسَركم وأهاليكم، طبِّقوا شرعَ الله وحكِّموه، واطلبوا العلمَ بالنية الصالحة، واقصدوا وجهَ الله تبارك وتعالى، وانتظروا قُربَ الوقت الذي يكون فيه حالُ الأمة ما وصفه نبيُّها ﷺ، ينقسمون إلى فُسطاطين؛ أنتم على مشارف ذلك، ويُذكِّركم بذلك من الأعوام القريبة، على مشارف ذلك.

اليوم مخلوطين الأمة؛ الأحزاب والاتجاهات والحكومات والاتجاهات الموجودة في المسلمين مخلوطة؛ فيها الصادق، فيها الكاذب، فيها الخَيِّر، فيها الشرير، فيها الأمين، فيها الخائن، مُوزَّعين؛ لكن سيجيء وقتٌ لا يكون فيه الخربطة هذه؛ الإيمانُ هنا والكفرُ هنا، وانتهت المسألة! «حتى يصيرَ الناسُ فُسطاطين: فُسطاطَ إيمانٍ لا نفاقَ فيه، وفُسطاطَ نفاقٍ لا إيمانَ فيه»، وكلٌّ يتبع، وهكذا حتى ينتهيَ شأنُ هؤلاء المؤمنين إلى نُصرة المهدي والقيام مع عيسى بن مريم، وينتهيَ شأنُ هؤلاء إلى نُصرة الدجال ومقاتلة المهدي وسيدنا عيسى عليهما السلام.

وهكذا، فكونوا على بصيرة، واحمدوا الذي صَبَّ عليكم هذه الغيوثَ المطيرة، وأحضَرَكم في هذه المحاضر وهو إلى قلوب أهلها ناظر.

التوبة والاستغفار

فلا تَدَعْ يا ربَّنا في محضرنا ولا في مَن يسمعنا قلباً إلا نظرتَ إليه نظرَ الرضا، وما فيه مِما لا ترضاه زحزِحْهُ وأخرِجْهُ عنه، وطهِّرْه منه يا مُقلِّبَ القلوب، يا مُقلِّبَ القلوب والأبصار ثبِّتْ قلوبَنا على دينك.

الحمدُ لله جامعِكم في هذا المجمع؛ توجَّهوا إليه، تذلَّلوا بين يديه، واسترضوه بتوبةٍ خالصة، أعضاؤنا السبعة كلُّها عصت، عصت ربَّها سبحانه وتعالى سِرّاً وجهراً، ليلاً ونهاراً، وقلوبُنا عصت بكثيرٍ من معاصي القلوب، ومعنا واحدٌ يتوب وبيده التوبة: (وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ)؛ فأَرُوهُ من قلوبكم صدقاً في التوبة في الساعة هذه نسترحمه بها، يا ربِّ توبةً نصوحاً.

قولوا جميعاً: نستغفرُ اللهَ العظيم، نستغفرُ اللهَ العظيم، نستغفرُ اللهَ العظيم، الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيومَ، ونتوبُ إليه، من جميع الذنوب والمعاصي والآثام؛ صغيرِها وكبيرِها، قليلِها وكثيرِها، ظاهرِها وباطنِها، أولِها وآخرِها، بيننا وبين الله، وبيننا وبين عباد الله، ومن جميع ما يعلمه الله.

اجعلها توبةً نصوحاً يا ربِّ، اجعلها توبةً صادقةً لكل فردٍ منا، ولمن يسمعنا، توبةً تقبلنا بها عندك، وتُباعِد بها بين الذنوب والمعاصي؛ الماضيةِ بِغَفرها والمسامحة فيها وتبديلها إلى حسنات، والمُستقبلةِ بالحيلولة بيننا وبينها وصَرفها عنا، يا خيرَ التوابين، يا مَن يُحبّ التوابين، يا مَن يُحبّ المُتطهرين، تُبْ علينا توبةً نصوحاً، زَكِّنا بها قلباً وجسماً وعقلاً وروحاً.

الدعاء للأمة الإسلامية وحسن الختام

يا الله، وعجِّلْ بالفرج للأمة، واكشف الغُمّة، وانظر إلى أهل غزة وفلسطين والشام واليمن.. 

نظرةً تُزيل العَنا ** عنا وتُدني المُنى 

مِنّا وكلَّ الهَنا ** نُعطاه في كل حين

رُدَّ كيدَ المفترين المغتصبين الظالمين المجرمين المعتدين، ولا تُبلِّغْهم مراداً فينا ولا في أحدٍ من المسلمين..

ولا تُبلِّغْهم مراد ** ونارهم تصبح رماد

بـ (كهيعص) ** في الحال ولَّوْا خائبين

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)

(رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا).

وأعلِ درجاتِ المتقدمين من آبائنا وأمهاتنا، وأحبابَنا الذين قعد بهم الكِبَرُ والمرضُ والعجزُ في بيوتهم اشْفِهم وعافِهم، وطَوِّلْ أعمارَهم في طاعة الله، ومنهم السيد أحمد بن حسين عيديد؛ أمِدَّه اللهم منك بمددٍ وافرٍ من ألطافك الظاهرة والخفية، وأَطِلْ له العمرَ في طاعة الله في عافيةٍ يا أرحم الراحمين، وبقيةَ شيباننا، والحمدُ لله على وجود أولادهم، نسمعهم يُنشدون من بعدهم ويقرأون من بعدهم، والأمرُ متّصلٌ إن شاء الله ومرتبطٌ في الأولاد والأحفاد والذرية إن شاء الله تبارك وتعالى؛ يُلحِقُ الفرعَ بأصله، ولا ينزع السرَّ من محلّه، ولا يُخرج من أصلابنا إلا أهلَ السعادة، ويُصلح لنا الغيبَ والشهادة.

يا ربِّ نظرةً من نظراتك في الجمع الكبير، ندخل بها في دائرة البشير النذير والسراج المنير ﷺ، ولا نخرج عنها في الحياة، ولا عند الوفاة، ولا في البرازخ، ولا يوم الموافاة، حتى نَرِدَ حوضَه المورود، ونُسقى منه شربةً لا نظمأ بعدها أبداً، ونمرَّ معه على الصراط، وندخلَ معه جناتِ الخلود.

اللهم أدخلنا معه الجنةَ فإنه أولُ مَن يدخلها، وأنزلنا معه في قصورها فإنه أولُ مَن ينزلها، وارحمنا يوم يشفع للخلائق فترحمها، يا أرحم الراحمين.

وتدارَك أمتَه، وأَغِثْ أمتَه، وفرِّجْ كربَ أمتِه، وادفع البلاءَ عن أمته، وأصلِح شؤونَ أمته، واجعلنا وجميعَ الحاضرين في خيار أمته، وفي أنفعِ أمته لأمته، وأبرَك أمته على أمته، واختم لنا بالحسنى وأنت راضٍ عنا، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

19 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

30 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية