(637)
(486)
(369)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في الحفل السنوي في معهد العيدروس لتعليم القراءات والعلوم الشرعية وجامعة تريم الإسلامية، بمدينة تريم، ليلة الأحد 23 ربيع الثاني 1448هـ بعنوان:
عجائب القدرة والإرادة الإلهية في مسار الأمم أهل الشقاء وأهل السعادة
الحمد لله لِمَن عَظُمَت قُدرته، فلا تُحصى مُتعلِّقاتها، ولا آياتها، ولا مظاهرها، ولا جواهرها، ولا عجائبها.
وعَظُمَت إرادته، فلا يكون في جميع الكائنات: علويّها وسفليّها، جسمانيّها وروحانيّها، دنيويّها وبرزخيّها وأخرويّها، ظاهرها وباطنها، جنّيّها وإنسيّها ومَلَكها، ونباتيّها وجماديّها وحيوانيّها؛ لا يكون إلا ما نسخته تلك الإرادة، وإلا ما عيَّنته تلك الإرادة، سبحان القادر المريد الفعّال لما يريد.
وفي طَيّ هذه القدرة والإرادة عجائب قضت بالتقريب والإبعاد، والإشقاء والإسعاد، والتوفيق والخِذلان، والطاعة والعصيان، والكفر والإيمان، والجنة والنيران، والصلاح والفساد، والخير والشر، والنفع والضُّر، والنعيم والعذاب، وجميع هذه المتقابلات.
وكل الكائنات سوى الله متقابلات، يقابل بعضها بعضاً، والحق وحده لا مقابل له، ولا نِدَّ له، ولا ضِدّ له، ولا مثيل له، ولا شبيه له، هو الواحد الفرد الصمد الأحد جلّ جلاله وتعالى في علاه.
في أسرار ما يبرزُ -خصوصاً في عالم المكلفين من الإنس والجن- من شؤون هذه القدرة والإرادة عجائب قضت بالسجود الطَّوعي والكَرهي لكل مخلوق: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ)، آثارهم، أقوالهم، أفعالهم، إراداتهم، ما يصدر منهم، ما يتعلق بذواتهم وظلالهم، كلها ساجدة له جلّ جلاله، وهو الأحد الفرد الصمد المعبود الذي لا معبود بحق سواه.
في عالم التكليف هذا قَضَت الإرادة بهداية من شاء وإضلال من شاء، وقَضَت الإرادة بأن تجعل أقوى أسباب بروز هدايته في بريّته نبوة الأنبياء وإرسال المرسلين، ثم الخلافة عنهم والنيابة عنهم من آلهم وصحبهم وتابعيهم بصدق من خيار كل أمة؛ فهذا المصدر الأكبر الذي جعله الله سبب الهدايات والإسعادات والإنقاذات والإرشادات والتوفيقات وخيرات الدنيا والآخرة.
وكان في القدرة وعجائب القدرة والإرادة أن جعل الله أقوى أسباب الإضلال والإشقاء والإفساد في إبليس وجنده من شياطين الإنس والجن، ويأتي التقابل بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والنور والظلمة: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا).
في المقابل يوحي الله إلى أنبيائه، وبوَحيِه لأنبيائه يُبلغُ أتباعهم ومَن دخل في دوائرهم من آلهم وصحبهم أولاً، ثم من بقية أتباعهم جيلاً بعد جيل إلى حيث يقضي المولى بوصول هذا النور في أجيال معينة لكل أمة؛ أتباع كل نبي.
وجاءت الإرادة والقدرة بإبراز خاتم النبوة سيدنا المصطفى محمد ﷺ جامعاً لأسرار الرسالات والنبوات والهدايات، وانفتحَ باب بلاغه وهدايته إلى العالمين، وأُرسِل رحمة للعالمين: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)، (كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)، (وَسِرَاجًا مُنِيرًا) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فكانت أمته خيرَ الأمم، وصحبه أفضلَ الأصحاب، وآله خيرَ آل، وهو خير نبي صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
ولـمّا دعا اللهُ داعينا لطاعتِه ** بأكرمِ الرسلِ كُنّا أكرمَ الأممِ
وهذه الأمة الخيرية مع عظيم ما فيها من توفيقات وتأييدات، وصِدِّيقية وقُربة وولاية وأنوار وأسرار، مواريث خير البشر ﷺ، فيها في المقابل ظُلم، وانتهاك للحُرُمات، وتعدٍّ للحدود، ومعاداة للحق، وخطط خبيثة تدعو إلى السوء وإلى الشر وإلى الشحناء وإلى البغضاء وإلى العداوة، وإلى إضعاف مَن ينتمي إلى الدين بأيّ نوع من أنواع الانتماء، ومن ينتسب إلى الحق بأيّ نوع من أنواع الانتساب؛ إضعاف قُواهُم المعنوية والمادية والعلمية والاقتصادية والعسكرية الجُندية بكل وجه وبكل وسيلة، فمراد جيش إبليس وجنده إضعاف هؤلاء وضرب بعضهم ببعض.
وكان من عجائب القُدرة والإرادة أن الله حَكَم على لسان نبيه الأكرم أنهُ لو اجتمع جميع غير أهل المِلّة من أصناف الكفر على هذه الأمة لم يُسلَّطوا عليها، ولم يقدروا أن يستأصلوا شأفتها، ولكن تصل إليهم الأضرار والشرور والآفات والأتعاب والنوائب من بعضهم البعض، وبعناصر من بينهم ليذيق بعضهم بأس بعض.
فسبق القضاء بذلك، فصار في الأمة من هذه العناصر مَن يستجيب لدعوة إبليس وجنده، فيُلَبّون دعوة من طمعه في التحريش، طمعه في التحريش بأنواعه الفاحشة المتنوعة، المتلونة بالألوان العديدة كذلك، ولكن الغاية واحدة: (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)، دفع الله شره عنا وعن أهلينا وعن أولادنا.
ومع ذلك، فسبق في القدرة والإرادة أن يُبقي في الأمة أنوار هدى بارزة ظاهرة: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من ناوأهم، لا يضرهم من خذلهم، لا يضرهم من خالفهم، لا يضرهم من عاداهم» على اختلاف الروايات؛ لأن هذا النور المستمر في قلوب هؤلاء الصادقين المخلصين يُقابله معاداة، مناوأة، تخذيل وخِذلان، ومُضارّة من هنا ومن هناك بأصناف، لكنهم لا يضرونهم.
مِن سرِّ: (فَإِنَّهُمْ لَا يَضُرُّونَكَ شَيْئًا)، يقول سبحانه وتعالى لحبيبه ﷺ فيما ذَكَر من أنهم يودون أن يضلّونه: (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا).
فعُصِم مقام النبوة عن أن يَضُرّه وجهات جميع الكفار من رأسهم إبليس إلى كل خسيس على مدى القرون، لن يضروا محمداً ﷺ! بإرادة الحق وتأييده له ونصرته له، وهذا هو سرّه: (وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا). قال الله: أنا فيما عرفتني في قُدسيّتي وعُلُوّي وعظمتي لن يبلغ أحد من خلقي ضري فيضرني، ولن يبلغ نفعي فينفعني، وأنت مأموري والقائم بأمري والمُصطفى من قِبَلي، فما داموا ما يضروني كيف يضرون مُصطفاي؟ كيف يضرون حبيبي؟ فإنهم لا يضرونك!
وهكذا ثم وجّهَ لتعي الأمة أنهم وخططهم مهما تنوعت وطالت وعَرُضَت لن ينالوا من الصادقين المخلصين إلا الأذى، وعند حين الحين سيضمحِلّون أمامهم وتُدفَع شرورهم عنهم: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ).
وكُلُّ مُعادٍ للأنبياء عاصٍ مُعتدٍ، حاله حالهم، وشأنه شأنهم، ووصفه وَصفهم، وسنة الله معه كسنته مع أولئك من غير تبديل ولا تغيير: (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) جلّ جلاله.
إذا عَلِمنا ذلك، فإن من أعظم بقاء هذا النور في القلوب المُنوّرة التي كان يعبّر الحبيب أبوبكر المشهور -عليه رحمة الله- عن سلامتهم في بواطنهم وظواهرهم، يقول: سَلِمَت أيديهم من الدم، ما مسّوا الدم بغير حق، فزوال الدنيا بأسرها أهوَن على الله مِن أن يُسفَك دم رجل مسلم واحد بغير حق! زوال الدنيا بأسرها أهوَن على الله من أن يُسفَك دم مسلم واحد بغير حق، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
سَلِمَت أيديهم من الدم وألسنتهم من الذم؛ ليسوا بالسبّابين ولا اللعّانين ولا الطعّانين ولا أهل الفُحش ولا أهل البذاء، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
العناية الربانية بالواسطة المحمدية هي التي بها يُحفَظون ويُحرَسون؛ بما حفظ القوي المتين القدير العليم المريد كتابَه، يحفظ حَمَلة أسرار كتابه هؤلاء على مدى القرون.
لا أعني بهم الذين يقرؤون ألفاظه أو يحفظونه، ولكن أعني الذين بهم انفتحت قلوبهم لنور القرآن وسرّه فتجوهروا بجوهر القرآن، فكان خُلُقهم القرآن، وحالهم حال المُتأثِّر بسور القرآن وآيات القرآن وكلمات القرآن وحروف القرآن؛ هؤلاء المُصانون المحفوظون بحفظ الله جلّ جلاله وتعالى في علاه.
أقوى أسباب انتشار الخير على أيديهم إقامة مجامع التعليم في حلقات أو معاهد أو أربطة أو دور أو جامعات أو حيثما كان؛ لكل من أخلص منهم، لكل من صدق منهم مع الحق جلّ جلاله، لكل مَن اتصل منهم بالسند وانطوى في رجال أهل هذا المسار المحفوف بالعناية الربانية على مدى القرون.
كُلٌّ منهم يؤدي دوره في إنقاذ الأمة، ونفع الأمة، وحماية الأمة، وتخليص الأمة من أنواع كوابيس وظُلَم الشر والكفر والضُّر والتحريش الذي يقوده إبليس؛ ليُحافظ على قلوب تعرِف عبوديتها لعلّام الغيوب، وتتهيّأ للقائه والاستعداد للوقوف بين يديه في يَوْمٍ تُقَلَّبُ فيه الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، جلّ جلاله وتعالى في علاه.
لذا كان من مُهِمّة الصادقين المخلصين في الأمة أن يفرحوا بنشر الخير وأسباب الدلالة على الهدى إذا جاءت على أيدي أي صغير أو كبير من هذه الأمة، وبأي وجه من الوجوه المَرضية الداخلة تحت دوائر السُّنة النبوية والتوجيهات المحمدية، والأُسُس التي مضى عليها سلف الأمة خيارهم قرناً بعد قرن، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى؛ يكون لنا الفرح بذلك والتشجيع على ذلك ونشر ذلك.
وبهذا مِن اجتماعاتنا هذه في مثل هذه المؤسسات، وإن كان مِن «دار العيدروس للقراءات» أو «جامعة تريم الإسلامية»، وليكُن ما يكون من الأسماء، إذا كان المُسمّى أسمى، مُراد به وجه العلي، وينطوي تحت دائرة إرشاد النبي، مُتّصلاً بسندٍ صحيح سليم قوي، إلى حضرة النبوة؛ هذه حقائق إنقاذ الأمة.
وما انقطع عن هذه الحقائق تصوَّر بأيِّ صورة وبأي رسم: مدرسة، أو معهد، أو جامعة، أو كلية، أو حزب، أو هيئة، أو منظومة، أو جماعة؛ ما انقطع عن هذه الأنوار وحقائق هذا الاقتداء والاهتداء ما هي إلا من جملة قرابيع وأصوات التحريش، والمساهمة في نشر الظُّلمة بين الأمة، وإقامة القواطع بأنواع من الاستخفاف بأمور الله الكبرى وديانته ورسالة حبيبه وسُنن الحبيب ﷺ، أو باغترار بتفكير شرقي أو غربي، أو انتماء وانطواء تحت أطروحات يطرحها مَن (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) مِن أعداء النبيين، ويكاد أن يسجُد لها دون الله جلّ جلاله!
حتى ربما احتقر مَن في زمنه أو مَن تقدّم من أكابر الأمة وخيارهم وصُلحائهم، ذاهباً بأعجوبته وبتعظيمه لساقطٍ مِن عين الله ما يساوي عند الله جناح بعوضة، حطب من حطب جهنم، جعله له قدوة أو أسوة، أو أفكاره له مَناراً يسير به، وهي ظُلمة خالصة: (زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ)، على قدر ضعف الإيمان بالآخرة يأتي الاستماع لهذه الأقاويل المُرجفة الكاذبة، المُبهرجة المزخرفة، زخرف القول الغرور.
فالحمد لله الذي أقام فينا هذه الخيرات، ونسأله أن يثبّت الأقدام أكمل الثبات، وأن نتنقّى عن شوائب النفوس من إرادة الظهور أو المال أو أنواع القواطع؛ القاطعة عن الصدق مع ذي الجلال، الذي قال عن دار المآل ويوم المحكمة الكُبرى فيه: (هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ).
وذهذا التخلي نصلحُ للتجلّي والتملّي والتعلّي والتلقّي لحقائق الكتاب والسنة بخير إدراك وأصدق فطنة، تكون عواصم من كل شرٍّ وفتنة، (وَذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ).
آتانا الله هذا الفضل، وجعلنا من المُتعاونين على البرِّ والتقوى والمتواصين بالحق والصبر، وخلَّصنا من تبعيّات النفوس والأهواء وشياطين الإنس والجن، وتبعيات كل قاطع يقطع عن الله، وكل مبعود عن محبة الله وعن رضوان الله جلّ جلاله.
وجعل هوانا تبَعاً لما جاء به الصَّفي الأصفى والحبيب المصطفى، الذي قال عن هذه الحقيقة: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه -جميع ما يشتهي ويلتفت إليه ويرغب فيه- تبعاً لما جئتُ به»، والذي جاء به: حقائق «لا إله إلا الله محمد رسول الله» صلى الله عليه وسلم، حقَّقنا الله بحقائقها ورقّانا في مراقيها، وجعلنا من خواص أهلها في عافية، إنه أكرم الأكرمين، والعفو على الإطالة.
ختم بالحمد ومعاني الحمد وأنواع الحمد في «شرح العينية»؛ لأن العينية ختمها الإمام الحداد بالحمد:
والحمدُ للهِ الكريمِ خِتامها ** وقد انتهتْ فاقبلْ إلهي وانفعِ
هَمُّهم القبول عند الله في تحقُّقهم بالعبودية وخوف الرد: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)، في كل المراتب التي ارتقوا إليها لا يزالون يرتجون القبول ويخافون.
قبلهم الأنبياء؛ سيدنا إبراهيم لما أمره الله بأن يبني البيت ويرفعه كان نداؤه مع ولده إسماعيل: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
وطلب النفع؛ وذلك أن «خير الناس أنفعهم للناس»، وهو كما سمعتُم في الكلمات فضلُ الله على مَن يشاء من عباده، وأنفع الناس: الأنبياء والمرسلون، ثم كل من قام بنفع للعباد من قريب أو بعيد لا بُدّ أن تعود عليه عوائد طيّبة.
فإن كان في قيامه بذلك النفع مُريداً وجه الله ومُخلصاً له، ثبتت له الخيرات الكبرى سراً وجهراً، دنيا وأخرى، وإلا فإنّ كل من يُساهم في دفع السوء عن المسلمين أو أنواع العباد ولو الحيوانات، وفي جلب الخير لهم، تعود عليه عائدة مِن قِبَل هذا الخلّاق الفعّال لما يريد جلّ جلاله، في دفع بعض الآفات والمصائب وإمداده بشيء من الخيرات الدنيوية مهما كان قدَّم أي معروف كان.
ولكن شؤون النفع العظيم للمخلصين والصادقين؛ سواء كان أحدهم مُهندساً، وإلا مُعلماً، وإلا صاحب حِرفة، وإلا بَنّاءً، وإلا مزارعاً، وإلا عالماً وداعياً إلى الله تعالى، وإلا حاكماً، وإلا صاحب سُلطان، وإلا صاحب كلمة أو نفوذ في جماعة أو قبيلة؛ كل مَن صدق مِن هؤلاء وأخلص مع الله تبارك وتعالى فهم مِن خير الناس وأنفع الناس للناس، جعلنا الله وإياكم منهم.
وأفاضَ الحبيب أحمد بن زين في معانٍ من معاني الحمد، وصلى الله على حامل لواء الحمد وجمعنا الله تحت لوائه، وختمها بالصلاة على النبي ﷺ وبالحمد آخراً، فالحمد لله أولاً وآخراً، وهو القائل عن نفسه: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ).
قراءتكم لمثل هذا الكتاب فيه معانٍ كثيرة من الربط بالسند، والربط بمعرفة مسالك أرباب الصدق والإخلاص من التابعين وتابع التابعين وتابع تابع التابعين وعلى مدى القرون، وفيه تزكية، وفيه إعداد للخروج من أنواع الظُّلمات، وتصفية للفكر عن أن يُمَسَّ بشيء من الانحرافات، وتهيؤ أيضاً لإدراك المسؤولية الكبيرة باستشعار الرجوع إلى الله والوقوف بين يديه، وكيف تكون حالتنا لديه.
فبارك الله فيكم وفي قراءتكم لمثل هذه الكتب النافعة.
23 ربيع الثاني 1448