(630)
(454)
(368)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في افتتاح ملتقى الدعاة السنوي العشرين، تحت عنوان:
القول البليغ: مقوماته ومقاصده ومساقات إيراده
ليلة الثلاثاء 1 محرم 1448هـ
لمشاهدة الجلسة الافتتاحية كاملة
الحمد لله، جامعِنا على الوجهةِ إليه، وعلى طلبِ ما لديه، وعلى إرادةِ الوصولِ إليه، تعالى في عُلاه، ما أعظمَه من إله! عرفَ مِن عظمتهِ ما عرفَ أنبياؤه ورسلُه وملائكتُه والصدِّيقون والمقرَّبون، ثم عمومُ المؤمنين، وكلُّ ما عَرَفوه بالنسبةِ لعظمتهِ يسير، وهو في ذاتهِ عظيمُ القدرِ والميزانِ والمنزلة.
يحوزون به أعلى معاني الشرفِ وأرفعَ الغُرف، ولكنهم مع ذلك -بالنسبةِ إلى الإله- فليس يحيطون بشيءٍ من علمهِ إلا بما شاء، ولا يحيطون بشيءٍ من وصفهِ إلا بما شاء، ولا يحيطون بشيءٍ من أسمائهِ إلا بما شاء، فضلًا عن أن يحيطوا بذاته، فلا يحيطُ بشيءٍ من ذلك مُحيط، وهو المحيطُ بكلِّ شيءٍ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.
فكان لهؤلاء الذين شُرِّفوا بنصيبٍ من المعرفة، وعلى مراتبَ فيما عرفوا -وكان أعرفَهمُ الأنبياءُ والمرسلون والملائكةُ المقرَّبون صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم أجمعين- وكان الذي تعرَّفَ الرحمنُ إليه، وجعلَه إمام وسيد العارفين به، والمُعرِّفين به وبأحكامهِ وشريعتهِ ودينهِ وسبيله: محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ﷺ، صفوةُ اللهِ وخِيرتُه من البرية، صلى اللهُ وسلَّمَ وبارك وكرَّمَ عليه وعلى آله.
فلمَّا بعثَه، مَيَّزَ رسالتَه بأن جعلها شاملةً لجميعِ الموجودات، وخصوصًا بالتكليفِ للمكلَّفين من الإنسِ والجن، مِمَّن في زمنهِ ومَن يأتي بعده إلى يومِ الدين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، و «بُعِثتُ إلى الناسِ كافَّة»، و «بُعِثتُ إلى الخلقِ كافَّة» في الروايةِ الأخرى.
فكانتْ رسالتُه إلى الملائكةِ ومَن قبلَهم من النبيين، وإلى الحيواناتِ والنباتاتِ والجماداتِ وما إلى ذلك من الكائنات؛ رسالةَ تشريف، ومع التشريفِ رسالةَ تكليفٍ إلى المكلَّفين من الإنسِ والجن صلى الله عليه وعلى آلهِ وصحبهِ وسلم.
في هذه الرسالةِ العظيمة، قام عليه الصلاة والسلام خلالَ الثلاثَ عشرةَ سنةً بمكة، وعشرِ سنواتٍ بالمدينةِ المنورة، قام بأداءِ حقِّ هذه الرسالةِ على خيرِ الوجوه، صلواتُ ربي وسلامُه عليه، وتركنا على محجَّة بيضاء.
وكان مِمَّا تركَ فينا ما سمعتُم في هذه الآية، وتحدَّثَ الأحبابُ عنه في هذا الافتتاحِ لهذا الملتقى، الذي ستسمعون فيه أبحاثًا تتعلَّقُ بمعنى القولِ البليغِ والمُراد به، وما ذكرَ الحقُّ تباركَ وتعالى: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا)، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، وأدَّى ذلك.
فكان قولُه أبلغَ قولٍ بعدَ قولِ اللهِ تباركَ وتعالى، وهو الذي يُسِّر قول اللهِ تباركَ وتعالى بلسانه، وبلَّغهم إياه عن الله، وأُتْبِعَ ببيانٍ يُلهمُه اللهُ إياه مِن قولهِ الأبلغِ صلى الله عليه وعلى آلهِ وصحبهِ وسلم.
قال القولَ البليغَ مع أصنافِ الكفار؛ من المشركين وأهلِ الكتابِ والملحدين وأصنافِ الكفار، وقال القولَ البليغَ مع المنافقين على وجهِ الخصوص، وإشارةٌ في الآيةِ إلى مخاطبتِهم: (رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ).
(فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) وهذا أحدُ العُدَدِ للقولِ البليغ، أعرِضْ عنهم في ماذا؟ لا تتأثَّرْ بما يطرحون، ولا بما يمكرون، ولا بما يُهدِّدون.. أعرِضْ عنهم، فليس المرادُ بالإعراضِ عنهم أنك لا تهتمُّ بهدايتِهم أو أنك لا تهتمُّ.. لا لا، (وَعِظْهُمْ).
فليس معنى الإعراضِ عنهم: اسكُتْ وخلِّهم ولا تكلِّمهم ولا تُبالِ بهم، المعنى: لا تُبالِ بأطروحاتِهم، بتهديداتِهم، بمكرِهم، بما عندهم ممَّا يقابلونك به من السوء.
وسواء هذه الفئةُ من المنافقين وغيرُهم من أصنافِ الكفر، كما تقرؤون في الآياتِ أمره ﷺ: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ).
وهل معنى (أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ): ما تكلِّمهم؟ كيف (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ)؟ يعني كلِّمهم، خاطبهم، أعرض عنهم، كيف تعرِضُ عنهم؟ تعرِضُ عنهم فيما يُهدِّدونك، فيما يخوِّفونك، فيما يكيدونك.. نحن لك.
فيكونُ وجودُ اليقينِ في القلبِ أولَ أساسٍ للقولِ البليغ؛ أن تعلمَ أنك تتكلَّم.. تتكلَّمُ عن من؟ وتدعو إلى مَن؟ وبأمرِ مَن؟ وهذا الأمرُ الذي الأمةُ محتاجةٌ إليه، شعَروا أو لم يشعروا، أفرادًا وجماعات، شعوبًا ودولًا، هُم محتاجون إلى ما عندك؛ لأن الذي ما عندك ليس منك، أُكْرِمْتَ بأن يكونَ عندك ما منه، أن يكونَ عندك ممَّا عنده وما منه، وما عند رسوله، وما مِن رسوله.
وقعتَ أنت ظرفًا له فكان عندك، هذا الذي وصلَ إليك وعندك، الأمةُ محتاجةٌ إليه لا بذاتكَ ولا لأصلك، ولكن لِما وصلَ عندك ممَّا عنده ومنه سبحانه وتعالى على يدِ رسولهِ ﷺ، وعلى أيدي الحبالِ التي أوصلتْك إلى رسولِ الله، ووصَّلتْ عندك ممَّا عند رسولِ الله.
وتسمعون أيضًا في حديثهِ أنه لمَّا يأمرُ بهذا البلاغِ ويقول: «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»، بمعنى: أنّ اللهَ بواسطةِ رسولهِ يفتحُ على مَن يشاءُ ما شاء، ولكن الأصلُ فيه مدُّ الحبل.
فَخُذ الحبلَ ومُدّه، رُبَّ ما الذي يمسكُه من بعدك يكونُ أعلمَ بكثيرٍ ممَّا فيه ممَّا لا تعلمُه أنت، ولكن أنت لك شرفُ التوصيلِ لهذا الحبل، «فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» يأتيه من اللهِ تعالى فتحٌ ومن رسولهِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فيكونُ القولُ البليغُ قائمًا على أساسٍ من اليقين، ومعرفةِ أنَّ ما عندك -الذي ليس منك والذي ليس منه- عظيمٌ جليل، هو الحلُّ الوحيدُ لمشاكلِ الناس، المُكلَّفين من الإنسِ والجن، هو الحلُّ الوحيد. هو بابُ الإنقاذِ الوحيدُ لكلِّ ما يعانونه، هو سببُ تحوُّلِهم من كلِّ سوءٍ إلى كلِّ حُسن، هو هذا!
هذا السببُ الأقوى لنقلِهم مِن كلِّ شدةٍ إلى كلِّ رخاء، مِن كلِّ هلاكٍ إلى كلِّ نجاة، من كلِّ شقاءٍ إلى كلِّ سعادة.
ما هناك سببٌ أوجدَه المُسبِّبُ المكوِّنُ لهؤلاء المكلَّفين ينقلُهم من الشقاءاتِ بأنواعها إلى السعاداتِ بأصنافها ومراتبها، ومن الاعوجاجِ إلى الاستقامة، ومن الهمومِ والغمومِ إلى حقائقِ السرورِ والفرح، إلا هذا الذي وصلكَ عن اللهِ وعن رسوله ﷺ، الذي عند الله، هو هذا، ما هناك حل! لا عند مفكِّرٍ شرقيٍّ ولا غربيٍّ ولا مؤسسةٍ ولا هيئة، حلٌّ صحيحٌ جذريٌّ ينقلُ الناسَ من الظلماتِ إلى النور، من الشقاءِ إلى السعادة، من التعبِ إلى الراحةِ الحقيقية.
نعني بالراحةِ الحقيقية: راحةَ القلوبِ والأرواحِ، المُتصلةِ بأصنافِ الراحةِ في البرازخِ والقيامةِ ثم في دارِ الكرامة.
هذه الراحةُ الحقيقيةُ عندنا، ليس أن يرتاحُ بالنومِ ولا بالمخدراتِ ولا بالغناء.. راحة؟! وهو حياتُه في الدنيا يُرثى لها، وحياتُه في البرزخِ والآخرةِ أشدُّ وأبقى، واللهِ ليست راحة، واللهِ العظيمِ ليست راحة! ضحكَ عليهم عدوُّهم سمَّاها راحة، (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا).
الإنقاذ لهم؛ هذا الذي وصلَ إلينا عن اللهِ ورسوله، هو هذا فيه الإنقاذ، وهو القولُ البليغُ فنحملُه، نحملُه لأنفسِنا أولًا، ونحملُه لديارِنا ومنازلِنا، ونحملُه لمجتمعاتِنا ونُحسِنُ حملَه.
وإن خُضْنا هذا الموضوع، فإنّا في زمنٍ أقبلَ الناسُ فيه خلالَ ما بيَّن ﷺ مِن تحوُّلِ الأحوال إلى الزمنِ الذي يتحوَّلُ فيه الموجودون على ظهرِ الأرضِ من المكلَّفين إلى فُسطاطين: فُسطاطِ نفاقٍ خالصٍ لا إيمانَ فيه، وفُسطاطِ إيمانٍ خالصٍ لا نفاقَ فيه.
إقبالُ الناسِ في هذه المرحلة، كلُّ ما تشاهدونه على وجهِ العموم، يبدو في المظاهرِ من الدولِ وغيرها، يحومُ حولَ سَوْقِ الناسِ إلى هذا الأمرِ المُقَدَّر.
فالخلقُ خَدَمةُ القضاءِ والقدر، مؤمنُهم وكافرُهم، صالحُهم وطالحُهم، كلُّهم يخدمون ما قضاه اللهُ وقدره، ليصلَ كلُّ شيءٍ في موقعهِ كما أرادَ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.
كما أشرنا في كلماتٍ سابقة، المسلمون اليوم مختبطة أمورُهم وأحوالُهم، وفي كلِّ حزبٍ منهم وفي كلِّ طائفةٍ؛ منهم مَن له صِلةٌ بالصلاحِ من جانب.. ومَن له ولوغٌ في النفاقِ أو في الظلمةِ أو في الكفر، مخبوطة، كلُّ الطوائفِ موجودةٌ فيهم.
لكن سيأتي الوقتُ الذي قال عنه ﷺ يتحوَّلُ الناسُ إلى فُسطاطين، لا يبقى فيه كذا وكذا، يظهرُ هذا الفريقُ وحدَه، فنحتاجُ أن نقولَ القولَ البليغ.
والقولُ البليغُ ما هو مُبلَّغٌ عن اللهِ ورسوله، يعني: ليس وليدَ أهواءٍ ولا شهوات، ولا إراداتٍ منا، ولا اجتهاداتٍ على غيرِ الوجه، بل مُبلَّغٌ من الأصل.
مُبلَّغٌ مِن الأصلِ، بليغ، يعني مَن توصِل له، يعني ليس قولُك أنت، ولا خصوصُ رأيِك أنت، إلا معاني كلامِ اللهِ ورسولهِ ﷺ هي التي تبلِّغها حتى يكونَ بليغًا بمعنى مُبلَّغ.
وبليغ بمعنى بالِغ، لأن الفعيلَ عندنا في اللغةِ تجيء بمعنى الفاعلِ والمفعول، بليغ.. مبلَّغٌ من أصلهِ ليس من عندك،
بليغ.. مُبلِّغ، يبلِّغُ سامعَه البيانَ للحقيقة.
بليغ.. بليغٌ يعني بالمقوِّماتِ التي جعلها اللهُ في عالمِ الأسباب، كافٍ إقناعًا لكلِّ مُستبصرٍ وكلِّ متنوِّر.
وبعد ذلك: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا)، (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ) ما عليك هذا، ولكن أنت أورِدِ القولَ على الهيئةِ والحالةِ التي لو صادفتْ إنصافًا مع سابقِ الإرادةِ من فوق لكان كافيًا لصاحبهِ وهاديًا، وهذا الذي بلَّغه الأنبياء، ما أحدٌ من الأنبياءِ قصَّرَ في حسنِ البيانِ والبلاغ، وأوسعُهم في ذلك حبيبُ الرحمنِ ﷺ.
ولكن خمس سنين في مكةَ المكرمةِ وعادْ يُسلِمُ سيدُنا حمزةُ وسيدُنا عمر، بينهم أيامٌ يُكملون أربعين نفرًا، والكلامُ الذي جاء به والحُجَجُ تكفي آلَ مكةَ وآلَ الحجازِ وآلَ الشرقِ والغرب، حجةٌ بليغةٌ وقولٌ بليغ، ولكن القلوبَ بيَدِ مُقلِّبها جلَّ جلالُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فكان الأمرُ وجاء الوقتُ الذي قال: (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا).
ومرَّ شيءٌ من الأوقاتِ أيضًا الذي يخرجُ فيه الناسُ من دينِ اللهِ أفواجًا كما دخلوه أفواجًا، وتمرُّ المراحلُ كما بيَّنها ﷺ إلى أن يأتيَ هذه المرحلةَ التي ذكرناها، ثُم خلافةٌ على منهاجِ النبوةِ تقومُ على ظهرِ الأرض، على رغمِ شرقيٍّ غربيٍّ، صغيرٍ كبير، ذكرٍ أنثى، إنسيٍّ جِنيٍّ، ما أحد يقدرُ يردُّ الحُكم، حُكم أحكمِ الحاكمين جلَّ جلالُه.
«ثم خلافةٌ على منهاجِ النبوة» ولا بدَّ أن تقومَ في الأرضِ في وقتها على ما كانت، إلا أن سرَّ هذه الخلافةِ ونورَها موجودٌ في أهله في مختلفِ الأزمانِ قبلَ ظهورها في عالمِ الحسِّ والتقاءِ الظاهرِ والباطنِ، وخلافةِ العلمِ والحُكمِ معًا، قبلَ التقائها هي ثابتةٌ وقائمةٌ في أهلها.
قولٌ بليغٌ يبلِّغُ قائلَه مراتبَ الصدقِ والإخلاصِ والقُربِ من الحقِّ ورسوله، يبلِّغُ سامعَه مراتبَ انفتاح أبوابِ الصدقِ مع الحقِّ والقربِ منه جلَّ جلالُه.
قولٌ بليغٌ بالِغٌ؛ يَبلُغُ مرضاةَ الحق، لذلك كان يقولُ العارفون: "قُلْ قولَك ليصدِّقَه اللهُ لا ليصدِّقَه الناس"، لا يكونُ قصدُك أن يصدِّقَه الناسُ في الأصلِ أبدًا، وما مرادُك بتصديقِ الناسِ إلا رضا ربِّ الناس، فهو المقصودُ على كلِّ حالٍ في الأولِ والآخِرِ جلَّ جلالُه، لكن إذا كان قولُك اللهُ يصدِّقُه، انتهتِ المسألةُ، أنت رابح، صدَّقوا أو ما صدَّقوا!
أنت اعملْ على الأسبابِ التي توصلُهم إلى التصديقِ بكلِّ إمكانك، وبعد ذلك ما عليك شيءٌ إذا قُمتَ بهذا الأمرِ على ما يحبُّ اللهُ منك فقد أفلحتَ ونجحت.
يقولُ اللهُ لسيدِنا موسى وهارون: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ)، وهذا القولُ الليِّنُ هو البليغ، واستعملْه سيدُنا موسى حتى بيَّن له الحقُّ بعضَ أُسُسٍ وقواعدَ أو أسلوبِ الخطابِ الليّنِ البليغ: (فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ).
ثم (فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ) كلُّه في القولِ البليغِ داخل؛ برهانٌ قائم، (هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ) حرِّك منه الضميرَ الإنسانيَّ والفطرة، يقول: لك إلهٌ وربٌّ، واصِل بينك وبينه، وترتفع نفسَك مِمَّا أنت فيه؟
(هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ * فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ)، فما نقصَ على سيدِنا موسى درجة، ولا على سيدِنا هارون، وزادهمُ اللهُ رفعة، وكانت الغَلبةُ والعاقبةُ لهم صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم، (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)، بفضلِ الله.
فتأتي معاني القولِ البليغِ في سماطاتٍ تتعلَّقُ بهذا الجانب، رزقنا اللهُ وإياكم حُسنَ فهمٍ ووعي، وأداءَ واجبٍ وحق.
قد رأيتُ مِمَّا تكلَّمَ أيضًا الأحبابُ والإخوانُ أنهُ مِمّن غاصَ على المقصودِ ومِن القولُ البليغُ وما جاء في هذه الآية، وأنهُ يرجعُ كلُّه إلى حقيقةِ الوفاءِ بعهدِ اللهِ والنصرةِ للهِ ولرسوله، والخطابِ بيَقينٍ وبصدقٍ وبإخلاص، وباختيار للألفاظِ الصالحة، وبالارتقاءِ في هذه المجالاتِ لأداءِ حقِّ هذه الرسالةِ وتبليغها.
مَن كان ضَعُفَ في إحسانِ إيرادهِ القولَ حين لا يوجدُ غيرُه فليصدُقْ مع الله، وليقُلْ: ومهما وُجِدَ مَن هو أَولى فلا ينبغي التسارعُ ولا التسابقُ في مثلِ هذه الأشياء، بل إيكالُها إلى أهلها.
ولذلك ينبغي لمَن له رغبةٌ في أن يكونَ من الدعاةِ إلى الله أن يُوسِّعَ آفاقَه؛ علمًا وذوقًا وسلوكًا وأدبًا، حتى يتمكَّنَ مِن أداءِ القولِ البليغ، وإن كان عمومُ الدعوةِ بِكلِّ مُستطاعٍ من الحالِ والقولِ عامًّا لكُلِّ مَن آمنَ باللهِ وبرسوله، "ألا فليُبلِّغِ الشاهدُ منكمُ الغائب".
نظرَ اللهُ إلينا وإليكم، وبارَك لنا ولكم في افتتاحِ هذا العام، وجعلَ هذه السنةَ مِن أبركِ السنواتِ علينا وعلى أمةِ خيرِ البريات، في الظواهرِ وفي الخفيّات.
يا ربِّ أرِنا فيها ظهورَ راياتِ نبيك، وأرِنا فيها ما يسُرُّ قلبَه وفؤادَه، وأرِنا فيها ما تقرُّ به عينك، في أنفسِنا وأهلينا وأوطانِنا وبلدانِنا والشعوبِ والدولِ يا حيُّ يا قيوم.
تدارَكْ وأغِثْ بغياثٍ من عندك، تُصلِحُ به الراعيَ والرعيّة، وتبلِّغُنا به أقاصيَ الأمنية، يا أكرمَ الأكرمين ويا أرحمَ الراحمين. وزِدْنا من فضلكَ ما أنت أهلُه.
واجعلْه عامًا نسعدُ فيه مِن عطاياك ومنحِك وهداياك ما لا تبلغُه آمالُنا يا وليَّ التوفيق، ويا مَن يُعطي ولا يُبالي مِن عطائهِ الواسع، يا أكرمَ رفيقٍ يا أرحمَ الراحمين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
02 مُحرَّم 1448