واجبات الاعتبار والتأمل بشئون الحياة والموت

للاستماع إلى الخطبة

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الشيخ أبي بكر في منطقة عينات، بوادي حضرموت، 25 شعبان 1447هـ  بعنوان:

 واجبات الاعتبار والتأمل بشئون الحياة والموت

يبيّن في الخطبة حقيقة الموت والرجوع إلى الله، ودعى إلى الاستعداد للحظة المصيرية بحُسن العمل ومحاسبة النفس، مؤكداً على فضل الصبر والرضا عند المصائب، وحقوق الأموات وبشائر حسن الخاتمة. كما ذكر موقف الصحابة على فقد النبي ﷺ والتسليم لقضاء الله، وختم بالدعوة إلى اغتنام ما بقي من شعبان والاستعداد لرمضان بقلبٍ صادقٍ ثابتٍ على الطاعة.

لتحميل الخطبة مكتوبة (نسخة pdf)

نص الخطبة:

الخطبة الأولى:

الحمد لله، تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، (الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ).

وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تفرَّد بالبقاء والدوام، وقضى بالموت على جميع الأنام؛ فسبحان الحيِّ الذي لا يموت، وسبحان ربِّ الملك والملكوت، وسبحان ذي العزَّة والجبروت.

ونشهد أنَّ سيِّدنا ونبيَّنا وقرَّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، ونبيُّه وصفيُّه وحبيبه وخليله، عبده الأمين المأمون، الذي أَوحَى إليه: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ)، (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك المختار المصطفى محمد، مَن قال: «مَن أُصيب بمصيبة فليتعزَّ بي»، «مَن أُصيب بمصيبة فليتذكَّر مصيبته بي؛ فإنَّها من أعظم المصائب، وإنَّه لن تُصاب أمَّتي بمثلي».

اللهم أدِم صلواتك على أعزِّ مَن فارقناه وفقدناه، وانتقل من على ظهر الأرض إلى الرفيق الأعلى، خير الملإ سيِّدنا محمد بن عبد الله، الذي جعلتَ له المقام الأشرف الأعلى والفضل الأجلى، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومَن سار في سبيله وبنوره تملَّا، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين خيار الملإ، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقرَّبين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

الاستعداد للحظة المصيرية

أمَّا بعد، عباد الله، فإنِّي أوصيكم وإيَّايَ بتقوى الله، فاتقوا الله عباد الله، (إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ).

أيها المؤمنون بالله جلَّ جلاله، إنَّ مِن تقوى الله حُسن النظر في أمر الحياة والوفاة وما بينهما، والاستعداد لما بعد الوفاة، من خلال الأيام القليلة المعدودة، والفرصة المعيَّنة المحدودة لهذا الإنسان على ظهر هذه الأرض، إلى حين أن تبلغ الروح الحلقوم، وينقطع النظر عن أهل الدنيا، ويُعاين ما قاله السيِّد المعصوم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وإلى الساعة تلك أشار الحيُّ القيُّوم فقال: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ) -اللهم اجعل فقيدنا من أولئك وألحِقهُ بهم- (وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ * فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ).

ألا سبحان ربِّنا العظيم وبحمده! سَبِّحْهُ أيها المؤمن مُقدِّسًا مُنزِّهًا من قلبك، موقنًا اطِّلاعه على ظاهرك وغيبك، هو أعلم بخواطرك منك، وأعلم بضميرك منك بنفسك، جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

وخلق الموت والحياة ليختبرك، ولتقيم واجبك من الادِّكار والاعتبار، وحُسن النظر في محاسبة النفس، والاستعداد لفصَّة الرَّمْس؛ إنَّ للقبر لَضغطةً لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ، وقد اهتزَّ لموته عرشُ الرحمن جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

 

الرضا بالقضاء وجزاء الصابرين

أيها المؤمن بالله، وكلُّ ما أصاب المؤمنين مِن حَزَنٍ أو شدَّة فحُزنك عليها قُربة إلى الله تعالى، مع رضائك بقضاء الله وتسليمك له. 

وكن راضٍ بما قدَّر المولى ودبَّر ** ولا تسخط قضا الله ربِّ العرش الأكبر 

جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

وإنَّ الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم؛ فمَن رضي فله الرِّضا، ومَن سَخِط فله السُّخط. 

ومضت سُنَّته في الحياة تحت قوله جلَّ جلاله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) -إنا لله وإنا إليه راجعون- (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ).

قال سيِّدنا عمر: "نِعْم العِدلان ونِعْمَت العلاوة"؛ (صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ): عِدلان، والعلاوة: (وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ).

يتذكَّرون الرجوع إلى الربِّ، ويستسلمون لأمر الربِّ جلَّ جلاله وتعالى في علاه، ويتهيَّؤون لهذا المصير الذي لا بدَّ منه للصغير والكبير، والمأمور والأمير، والغنيِّ والفقير، (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ).

 

حقوق الأموات وفضل الصلاة عليهم

أيها المؤمنون بالله، ووجبَ علينا أمام الأمواتِ أن نَذكُر مَحاسنهم، ووجب علينا أن نقوم بتجهيزهم غُسلًا وتكفينًا وصلاةً عليهم؛ لما يحصل في ذلك من عجائب تجلِّيات الله. 

"مَن صلَّى عليه أربعون شفَّعهم الله فيه"، "مَن صلَّى عليه ثلاثة صفوف غفر الله له"، و "مَن صلَّى على مغفورٍ غُفر له".

وإنَّ فقد الأخيار والأعيان والصلحاء لَرزيَّة ومصيبة تصيب الناس، وما لهم أمامها إلا -مع حُزنهم- صبر وتسليم ورِضًا بقضاء الله تبارك وتعالى. 

كرامة وبشائر حسن الخاتمة

وإدراكٌ أنَّ مَن مات على حسن الخاتمة فالموت له تحفة، وله مزيَّة، وله خروج من السِّجن، وله تكرمة من الرحمن جلَّ جلاله، في عطايا واسعة عظيمة، لا قِيمة لها في جميع ما على ظهر الأرض.

ذلك فضل الله يبدأ من عند الغرغرة، والملائكة يُبشِّرون المؤمن بروحٍ وريحان ولقاء ربٍّ غير غضبان. 

كما أنَّ البلايا تُصيب الكفَّار والفجَّار ومَن مات على سوء الخاتمة، (وَلَوْ تَرَى إِذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ)، (وَإِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ)، (وَالمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ).

هذه نهاية كلِّ مَن خرج عن سبيل الله، وكلِّ مَن خالف أمر الله وأصرَّ على معصية الله، ولقي الله تبارك وتعالى وهو عليه غضبان.

التَّرحُّم على الأموات

أيها المؤمنون، مواقف ما أعظمها وما أجلَّها! ثمَّ بعد ذلك يبقى ذلك الترحُّم وما أشار الحقُّ إليه: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).

الدعاء

عباد الله، ثَبَّت قلوبنا وأقدامنا على تقواه وموجبات رضاه، ورزقنا خير الحياة وخير الوفاة وخير ما بينهما، وأعاذنا من شرِّ الحياة وشرِّ الوفاة وشرِّ ما بينهما.

اللهم لك الحمد على كلِّ حال، الحمد لله، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهم آجرنا في مصيبتنا واخلُفنا خيرًا منها. 

اللهم فرِّج كروب الأمَّة واكشف الغمَّة، وأيقِظ القلوب من سُباتها ونوماتها وغفلاتها، يا مقلِّب القلوب والأبصار ثبِّت قلوبنا على دينك.

 

خاتمة الخطبة الأولى

والله يقول -وقوله الحقُّ المبين-: (فَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ) 

رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ. 

رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ.

رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ.

(فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ).

(إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ * وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ * لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ المُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم، ثبَّتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا من خِزيه وعذابه الأليم. 

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنَّه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله، هو الأوَّل والآخر والظاهر والباطن وهو بكلِّ شيء عليم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حيٌّ لا يموت بيده الخير وهو على كلِّ شيء قدير، وأشهد أنَّ سيِّدنا ونبيَّنا محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه السراج المنير.

حزن الصحابة على فقد النبي ﷺ

أقبل أنس بن مالك بعد دفن رسول الله ﷺ، وأقبلت فاطمة نحو قبره الشريف، فقالت: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله؟ فاهتزَّ أنس وقال: والله يا ابنة محمد، لو كنتُ بحالتي هذه ما قدرنا، ولكنَّ الله تعالى أخذ علينا في تلك الساعة حتى نقضي أمره في نبيِّه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

فجاءت إلى قبره الشريف وأخذت التربة من القبر وقبَّلتها وشمَّتها، وقالت:

ماذا على مَن شمَّ تربةَ أحمدٍ ** أن لا يشمَّ مدى الزمان غواليا 

صُبَّت عليَّ مصائبٌ لو أنَّها ** صُبَّت على الأيام عُدْنَ لياليا

وما هي إلا ستَّة أشهُر حتى جاء ما بشَّرها به أبوها الأنوَر، محمد الأطهر: «أمَا إنَّكِ أوَّل أهل بيتي لحوقًا بي»، فلحقت بأبيها عليها رضوان الله تبارك وتعالى.

 

رجوع الكل إلى الله

وهكذا مضى الأكابر ومضى الأصاغر، ومضى الأولياء ومضى الصلحاء، ومضى الشهداء، ومضى المقرَّبون، ويمضي الفاسدون والكافرون والفاجرون، والكلُّ إلى الله يرجعون.

وهناك تختلف الدرجات؛ فيا فوز مَن ثبت خير الثبات، ونازله حسن الخاتمة عند الممات، ولقي الحقَّ وهو راضٍ عنه ربُّ الأرضين والسماوات! والخيبة لمَن أعرض عن الله، ولمَن تمسَّك بمعصية وذنب كانت سبب نزع الإيمان من قلبه عند لقاء ربِّه، فلقي الله وهو عليه غضبان.

 

استقبال شهر رمضان

ألا وإنَّكم لفي خاتمة شهر شعبان، بارك الله لنا في خاتمته، مستقبلين لشهر حياة القلوب والأرواح، والفتح من الفتَّاح، ونظرة الحقِّ إلى العباد المؤمنين، (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ).

بلِّغنا اللهم إيَّاه على خير حال، اللهم ارزقنا حُسن الاستجابة لمناديك، وحُسن التلبية لداعيك، برحمتك يا أرحم الراحمين.

وأكثروا الصلاة والسلام على قدوتنا في كلِّ شأن وحال وفعل وكلام، خير الأنام محمد.

وعلى الخليفة من بعده، صاحبه وأنيسه في الغار، مؤازره في حالَيِ السَّعة والضِّيق، خليفة رسول الله سيِّدنا أبي بكر الصدِّيق. 

وعلى الناطق بالصواب، حليف المحراب، المنيب الأوَّاب، أمير المؤمنين سيِّدنا عمر بن الخطاب. 

وعلى الناصح لله في السرِّ والإعلان، محيي الليالي بتلاوة القرآن، مَن استحيت منه ملائكة الرحمن، أمير المؤمنين ذي النورين سيِّدنا عثمان بن عفَّان. 

وعلى أخي النبيِّ المصطفى وابن عمِّه، ووليِّه وباب مدينة علمه، إمام أهل المشارق والمغارب، أمير المؤمنين سيِّدنا عليِّ بن أبي طالب.

وعلى الحسن والحسين سيِّدَيْ شباب أهل الجنَّة في الجنَّة، وريحانتَيْ نبيِّك بنصِّ السُّنَّة. 

وعلى أمِّهم الحوراء فاطمة البتول الزهراء، وعلى خديجة الكبرى وعائشة الرِّضا. 

وعلى الحمزة والعبَّاس وسائر أهل بيت نبيِّك الذين طهَّرتهم من الدَّنَس والأرجاس، وعلى أهل بدرٍ وأهل أُحُدٍ وأهل بيعة الرضوان، وعلى سائر الصحب الأكرمين وأهل البيت الطاهرين.

وعلى آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وأنبيائك ورسلك، وعلى ملائكتك المقرَّبين، وعلى مَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

الدعاء للأمة وللفقيد الحبيب حسن ابن الشيخ أبوبكر

اللهم أعِزَّ الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أذِلَّ الشرك والمشركين، اللهم أعلِ كلمة المؤمنين، اللهم دمِّر أعداء الدِّين.

اللهم انظر إلينا في جمعتنا واجمع قلوبنا عليك، وارزقنا صدق الإقبال عليك والتذلُّل بين يديك، اللهم ارحمنا رحمة واسعة في مجمعنا هذا.

وخُصَّ اللهم بواسع الرحمة عبدك الذي نُسلِمه إليك، فقد انتقلت روحه: الحسن بن أحمد بن علي بن أحمد بن سالم ابن الشيخ أبي بكر بن سالم.

أكرِم اللهم مثواه، أكرِم اللهم نُزُله، أكرِم اللهم مَقيله، أكرِم اللهم وفادته عليك، وعلى رسولك وأهل حضرته ومَن مضى مِن الصالحين مِن آبائه وأجداده.

اللهم واجعل مِن قراه فرجًا لنا وللمؤمنين، وعطفًا منك علينا وعلى أهل الدِّين. 

اللهم اخلُفه على أهل هذه البلدة وأهل حضرموت وأهل اليمن والمسلمين بخَلَفٍ صالح. 

وبارك اللهم في أهله وأولاده وأحفاده وأسباطه، وبارك اللهم لنا في خيارنا وعلمائنا ومناصبنا وأعياننا وأهل السرِّ فينا، وأطِل أعمارهم في طاعتك وطاعة رسولك.

اللهم اختم لنا شعبان بخير، اللهم أقدِم لنا رمضان بأنوار تتلألأ في الصدور وبها تنشرح، ونرقى بها إلى أعلى مراتب القرب منك، وعنّا بها جميع السوء والشرِّ ينتزِح.

اللهم مددنا أيدينا إليك وأنت الكريم الغني، أكرِم وفادة مَن نُسلِمه إليك، وارحمنا فيما يبقى من أعمارنا واختمها بأكمل الحسنى، ولا تتوفَّانا إلا على اليقين والإيمان، والبرِّ والتقوى والرضوان، نلقاك وأنت راضٍ عنَّا يا رحمن.

اللهم وارحم موتانا وموتى المسلمين بالرحمة الوسيعة، وارفعنا مراتب قربك الرفيعة، برحمتك يا أرحم الراحمين.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)

نسألك لنا وللأمَّة من خير ما سألك منه عبدك ونبيُّك سيِّدنا محمد، ونعوذ بك من شرِّ ما استعاذك منه عبدك ونبيُّك سيِّدنا محمد، وأنت المستعان وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العليِّ العظيم.

عباد الله، إنَّ الله أمر بثلاث ونهى عن ثلاث: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولَذِكرُ الله أكبر.

 

تاريخ النشر الهجري

25 شَعبان 1447

تاريخ النشر الميلادي

13 فبراير 2026

اضافة إلى المفضلة

الاوسمة