للاستماع إلى الخطبة

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مسجد جبران، في مدينة عمّان، الأردن، 13 رجب الأصب 1447هـ بعنوان: 

نعمة العقل والإدراك

يؤكد في الخطبة على نعمة العقل وحسن استعماله في التفكّر والاعتبار، ويدعو إلى استحضار حقيقة الآخرة والاستعداد لها، ويحذّر من الغفلة واتباع الأهواء وسوء توظيف النعم، مبيّنًا لأهمية اغتنام العمر والأزمنة الفاضلة، ولا سيما شهر رجب، في الطاعة والذكر والاتباع الصادق لهدي النبي ﷺ.

لتحميل الخطبة pdf

الصورة

 

نص الخطبة:

 

الخطبة الأولى :

    الحمد لله، الحمد لله الخالِق القدير، السميع البصير، الحكيم الخبير. 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. 

وأشهد أن سيدنا ونبينا وقرّة أعيننا ونور قلوبنا محمداً عبد الله ورسوله، ونبيه وصفيّه وحبيبه وخليله، البشير النذير، السراج المُنير، أعظم من صرف عقله في إدراك حقائق وحي الله، واستجلاء معاني جمال الله وجلال الله وكمال الله تعالى في علاه، في جميع آياته التي بثّها ظاهرة وباطنة.

اللهم أدِم صلواتك على أعقل خلقك لحقائق سرِّ خلقك و وحيك، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، وعلى من والاهم فيك واتّبع الآثار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين معادِن الهدى والاستبصار، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقربين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد،،، 

   عباد الله فإنّي أوصيكم وإيّاي بتقوى الله. فاتّقوا الله عباد الله وأحسِنوا، يرحمكم الله، ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. 

واعلموا أن من اتّقى الله عاش قوياً، وسار في بلاد الله آمناً. 

ومن ضيّع التقوى وأهمل أمرها ** تغشّتهُ في العقبى فُنون الندامةِ

استعمال الفكر في القيام بحق الله:

أيها المؤمنون بالله: إنّ من أعظم عبادات الله ما يغفل عنه أكثر المؤمنين بالله، ومِن أجلِّها وأشرفها، بل من أساسياتها: استعمال الفكر وطاقة العقل وما أوتي الإنسان مِن فهم ووعي، استعمالاً حسناً طيّباً لائقاً: 

  • يؤدي به حق الشكر، 
  • ويفقَه به عظمة الأمر من عظمة الآمِر؛ فيحسن الائتمار، 
  • وعظمة النهي من عِظَم الناهي؛ فيُحسِن الاجتناب والانزجار، 
  • ويستقيم مُستعداً من خلال الحياة القصيرة الفانية إلى حياة البرزخ وحياة يوم القيامة، 

(في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) ما أطوله! وما بعده أطوَل: من استقرار وخلود إمّا في الجنة وإما في النار.

نعمة العقل والإدراك:

أيها المؤمنون: يجب أن نُحسِن استعمال هذه الموهبة الربانية والمِنحة الإلهية لرجالنا ونسائنا وصِغارنا وكبارنا، ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. 

أمدّنا الله تعالى بعقل وآلات سمع وبصر؛ ليكتمل إدراك الأمور والأشياء، ونُدرِك من حقائقها ما يأذن الله تعالى أن نصل إليه، وأن ننتهي إليه بمقدار ما آتانا، ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. 

غير أنّ هذا العلم القليل الذي وهِبه الناس منه ما هو جليل القدر عند ربّ الناس، كعِلم الملائكة والنبيين وأتباعهم، عِلم وإن كان قليلاً بالنسبة لعلم الله الذي أحاط بِكُل شيء علماً -جلّ جلاله-، ولكنّه أشرف العلوم الموهوبة لأهل العالم الخلقي، وعالم الإنسان وعالم الإنس وعالم الجن وعالم الملائكة.

علم الحقيقة:

هؤلاء روح العالم، أعظم ما ينتهون إليه من العُلوم عِلم الحقيقة: 

  • عِلمهم بخلقيّتهم، وعظمة خالقية فاطرهم ومُنشئهم، 
  • علمهم بمُهمة الخلق والإيجاد، 
  • علمهم بما يكتنف أعمارهم التي يُختبرون فيها من الزوال والانقضاء والانتهاء والنفاذ، 
  • وعلمهم بما وراء ذلك مما لا غاية له ولا نهاية. 

ويُنادي المُنادي في ساعة لا بد أن تأتي، ويسمعها كل مُكلف في الجنة أو في النار، فيقول المنادي: "يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت"، بعد أن يُصَوِّر الله الموت بصورة تظهر للبصائر والعيون في الدار الآخرة في صورة كبش يعرفه الكل، فيقال: ما هذا؟ فيقال: الموت، فيقول الله ليحيى بن زكريا: قم فاذبحه، فيتناول السكين فيذبحه، فينادي المنادي: "يا أهل الجنة خلوداً فلا موت، ويا أهل النار خلوداً فلا موت". 

تِلكُم حياة الأبد والبقاء والدوام، ما أنعمها وأطيَبها لأهل الجنان، وما أسوأها وأشدّها وأمرّها وأصعبها لأهل النيران.

من لم يتضلّع عقله بِحُسن الفِكر في هذه الحقائق فهو من شِرار الخلائق، الذين لم يفقهوا خِطاب الخالق، ولم يستوثِقوا في العمر القصير بما به النجاة في يوم الهول الكبير.

العقل قائد للإنسان إلى الإيمان :

  • أيّها المؤمنون بالله: وبحسن استعمال هذا العقل يُدرِك الإنسان عظمة إلهه، ويؤمن بالنبيين والمرسلين، ويُنقَذ من النار والخلود فيها، ويستقيم على ما يبتعد به عن موجِبات الخزي والطرد والهوان والذُلِّ والخُسران؛ في موقف القيامة وما وراءها من النيران، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. 
  • ولقد نادانا إلهنا الغفار: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾، وأمرنا أن نُحسِن التفكير، فيحسُن مِنّا بعد ذلك ما أوتينا من الترتيب المَوكول إلينا والتدبير، وله الأمر من قبل ومن بعد.

لكن العاقِل البصير يستعمل الأسباب وما وُكِل إليه من قوّة وقُدرة فيما يوجِب الفوز والسعادة في الغيب والشهادة، في الدنيا والآخرة، في نفسه وأهله وأولاده.

خطورة سوء التفكير :

وينحرِف المُنحرِفون على ظهر الأرض، لا يُحسِنون التفكير ولا التبصُّر، ولا التيقّظ ولا التذكُّر، فتأخذ بزِمامهم أهوية وشهوات ودنايا فانيات، عليها قامت هذه الحضارات المُنقطعة عن الإيمان بخالِق الأرض والسماوات، وعليها قامت هذه الحروب التي ما أكثرها على ظهر الأرض، إلا ما قل وندر ممن وعى الحقيقة والأمر وأخلص في قصدِه أن تكون كلمة الله هي العُليا. 

وحدهم الذين أدرَكوا الحقيقة ومشوا في خير طريقة، لا شأن لهم بنُفوس ولا أهواء، ولكن وحي من ربّ الأرض والسماء، بيَّن لهم واجِبهم على ظهر هذه الحياة، واشترى منهم الرحمن أنفسهم وأموالهم فوَفَوا بالبيعة، وبذلوها في مرضاته تعالى في علاه، وفي ما يُصلِحهم ويُصلِح أهاليهم وأقاربهم، ولكن أكثر الناس لا يعقلون، ولكن أكثر الناس لا يسمعون، ولكن أكثر الناس لا يعلمون حقيقة العلم وحقيقة الوعي والعقل وحقيقة السماع.

استعمال العقل على وجهه القويم:

والعقل إذا استُعمل على وجهه القَويم وعلى الطريقة الصحيحة كان كفيلاً بأن يكُفَّ هذا العاقل شرّه، وأن يتوقَّى من الشرور ويحذر ما استطاع، وأن لا يغترَّ بما يُشاهد الاغترار الكثير به من قِبَل كثير من نُظرائه وأمثاله، ثم يذهبون ويذهب ما اغترّوا به. 

من اغترَّ بجاهٍ مهما حصل له جاهٌ أو لم يحصل، قلَّ أو كثُر، ينتهي وينتهي جاهُه، ويقدم على من أحصى خطراته ونياته وحركاته وسكناته، وخلقهُ من العدم، فيُحاسبه على كل ما قال وما فعل، وما تحرَّك وما سكن، وما أظهر وما أضمر.

﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنا حَاسِبِينَ﴾.

العقل دافع للضر والشر:

أيها المؤمنون: ويقف عند الحدِّ الأول من أحسن استعمال العقل بأبسط الاستعمالات وأقربها أو أوجزها وأخفِّها، يقف أن يكون عنصراً في الحياة غير ضارٍ ولا حامِل سوءٍ لمجتمعه، ولا لأسرته ولا من يعايشهم على ظهر الأرض.

هذا أقل ما يتوصَّل إليه من أحسن استعمال عقله، ولكن من غلبت عليه شهواته وأهوائه، يفتخر بأسلحة الدمار الشامل ويُسابق عليها، ويفتخر أنّ عنده ما يُدمِّر به وما يُكسِّر به الديار والمنازل والمساجد والعقول والأجساد والصغار والكبار! 

ما أتفهها من عقولٍ زاغت عن إدراك الحق وما استُعمِلت كما ينبغي، فلم تُشكر تلك النعمة وجُحِدَ بها بسوء استعمالها، ثم توالى الجحود باستخدام القوى في مُخالفة التقوى ومُخالفة الجبّار في السرِّ والنجوى، فما اكتسب الناس من ذلك إلا تعباً مُعجَّلاً في الحياة يؤدي إلى تعبٍ أصعب عند الموافاة، ألا فاز من اتَّقى الله.

خاتمة الخطبة الأولى :

اللهم ارزقنا حُسن الاستبصار والادِّكار، ولقد قال نبينا المختار وهو يُوصي بعض الصحابة: "اغتنِم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وغِناك قبل فقرك، وصحتك قبل سقمك، وحياتك قبل موتك". 

أيّها المؤمنون بالله، يغتنِم مَن وعى وأحسن استعمال العقل. 

اللهم اجعلنا من المُعتبرين المُدَّكِرين الواعين المُستبصِرين، وسِر بنا مسار عبادك الصالحين يا أكرم الأكرمين.

والله يقول وقوله الحق المُبين: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وقال تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. 

بسم الله الرحمن الرحيم 

﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ * أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾. 

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ * فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وثبّتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا من خزيه وعذابه الأليم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنّه الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية :

   الحمد لله، منه المُبتدأ وإليه المرجِع والمصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليُّ الكبير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الطُّهر الطاهِر، السراج المُنير.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على أزكى خلقك، وأعظمهم تذلُّلًا لك، وأرفعهم منزلةً لديك، سيد المرسلين محمدٍ، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وآبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المُقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد،، 

   عباد الله فإنّي أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ التي يحرِص عليها كل عاقل، ويتباعد عنها كل جاهل وغافِل. 

حسن التفكر زاد للمؤمن :

   أيها المؤمنون بالله ﷻ: حُسن التفكُّر والتبصُّر زاد المؤمن ليعتبر ويدَّكِر، ويرقى المراقي العالية، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ * ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ﴾. ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. 

ولقد قال أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب: "حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، ومهِّدوا لها قبل أن تُعذَّبوا"، واعلموا أنّ كل امرئٍ على ما قدَّم قادِم، وعلى ما خلَّف نادِم. 

فانظر ما ينفعك وما يرفعك، واصدق مع عالم سرِّك ونجواك وظاهِرك وباطنِك. 

وخُذ من الجمعة جمعية قلبٍ على الإله تُدرِكُ بها سرَّ الجمعة وفائدةَ الجمعة، ولِمَ شرعَ الله لنا الجمعة؛ لتخرُجَ مُتبصِّرًا مُتذكِّرًا، تستعدُّ لبقية أيام الأسبوع؛ في حُسن خشوعٍ وخضوعٍ، واغتِنامٍ لليالي والأيام والأشهر.

عظمة شهر رجب الحرام :

وأنت في شهرٍ فردٍ من بين الأشهر الحُرم، شهر رجب المُعظَّم الذي جعله الله سبحانه وتعالى فردًا بين الأربعة الأشهر الحُرم، 

ثلاثةٌ سردٌ: ذو القعدة وذو الحجة ومحرَّم، وواحدٌ فردٌ: شهر رجب الأصب الذي تُصبُّ فيه الرحمة، شهر رجب الأصم الذي لم يُسمع فيه بين أهل الجاهلية حِسُّ القِتال تعظيمًا لهذا الشهر الكريم ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾، فتعمُّدُ القتال فيه كبيرٌ.

خاتمة الخطبة الثانية :

   أيها المؤمنون بالله -جلّ جلاله وتعالى في علاه-: أحسِنوا استعمال ما أوتيتم من نعمة العقل والسمع والبصر، تُدرِكوا الحقيقة وتلحَقوا بخيارَ الخليقة، وتثبُتوا على أقوَمِ طريقة، وتستعدُّوا لمُلاقاةِ الإله العلي العظيم. 

وأكثِروا من ذكركم للرحمن سبحانه، ولهجِكم بـ "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين"، فقد قال الله عن الذي قالها في بطن الحوت: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.

نجِّنا من الغموم يا حيُّ يا قيوم، واصرِفنا من الجُمعة بقلوبٍ عليك مجموعة، ودعواتٍ عندك مسموعة، وأعمالٍ صالحةٍ مقبولةٍ مرفوعة، يا من ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. 

ومن أجلِّ أعمالِكم صلواتُكم على مُنقِذِكم من الضلالة، ومُعلِّمِكم من الجهالة، ومُبصِّرِكم من العماية، من أتاكم بالهداية، حبيب الرحمن محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

فأكثروا الصلاةَ على نبيِّ الله ليلًا ونهارًا، سرًّا وإجهارًا، مُستعملين الفِكر في ختمِه للنبوَّة، وأنّه الرؤوفُ الرحيمُ بكم، والشفيعُ الأعظم يوم وقوفِكم بين يدي ربِّكم. 

صلُّوا عليه مُحبِّين مُعظِّمين مُمتَثِلين لأمر الربِّ، فإنه ابتدأ بنفسِه عندما أراد أن يأمرنا بالصلاة على حبيبِه، وثنَّى بملائكتِه، وأيّه بالمؤمنين من عبادِه تعميمًا، فقال مُخبِرًا وآمِرًا لهم تكريمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

اللهم صلِّ وسلِّم على الرحمة المُهدَاة والنعمة المُسْدَاة، عبدِك المُنيب الخاشِع المُتواضِع، الذَّكَّار الشَّكَّار الصَّبَّار محمد. 

وعلى الخليفة من بعده المُختار، وصاحبِه وأنيسِه في الغار، مؤازره في حالَيِ السعَة والضيق، خليفة رسول الله أبي بكرٍ الصدّيق. 

وعلى الناطِق بالصَّواب، حليف المِحراب، المُنيب الأوَّاب، أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطَّاب. 

وعلى الناصِح لله في السرِّ والإعلان، مَن استحيَت منه ملائكة الرحمن، أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفَّان. 

وعلى أخ النبي المُصطفى وابن عمِّه ووليِّه وباب مدينة عِلمه، إمام أهل المشارق والمغارب، أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب. 

وعلى الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة في الجنة، وريحانتي نبيك بِنَص السنة. 

وعلى أمهما الحوراء فاطمة البتول الزهراء، وعلى أخواتها بنات سيد المرسلين. 

وعلى خديجة الكبرى وعائشة الرضا وأمهات المؤمنين، ومريم وآسية. 

وعلى الحمزة والعباس وسائر أهل بيت نبيك الذين طهرتهم من الدنس والأرجاس، وعلى أهل بيعة العقبة وأهل بدر وأهل أحد وأهل بيعة الرضوان، وسائر الصحب الأكرمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الدعاء :

اللهم أعِز الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أذِل الشِرك والمشركين، اللهم أعلِ كلمة المؤمنين، اللهم دمِّر أعداء الدين، اللهم اجمع شمل المسلمين، اللهم ألف ذات بين المؤمنين.

 اللهم ادفع البلاء عن أهل غزة وأهل الضفة الغربية وأكناف بيت المقدس، وعن المؤمنين في المشارق والمغارب، واكشِف الشدائد والبلايا، وتقبَّل شهداءهم في الشهداء الأبرار، وداوِ مرضاهم، وعافِ مُبتلاهم، واشفِ جرحاهم، وألهمهم رشدهم في الحركات والسكنات، اللهم لا تجعل للقائمين بأمر الجهاد في سبيلك قصداً إلا إعلاء كلمتك العالية. 

اللهم وتدارَك الأمة بغياث عاجل ولطف شامل، وبارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان، واجعلها أشهر عطف ولطف ويُسر ونصر منك؛ تُصلِح بها أمر الشام واليمن والشرق والغرب، يا كاشِف كل كرب، يا دافع كل أذية.

اصرفنا من جُمعتنا بقلوب نقيّة، مُقبلة عليك، وفِكر صافِ نقي نزداد به إيماناً ويقيناً، وندخل به في دوائر من قُلت عنهم: من أولي الألباب (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). 

إلهنا اغفر لوالدينا ومشايخنا وذوي الحقوق علينا وموتانا وموتى المسلمين بمغفرتك الواسعة، وارفعنا مراتب قربك الرافعة. 

اللهم وخُذ بيد ملك البلاد، الملك عبد الله وولي عهده ومن يعاونهم على الخير والهدى والبر والتقوى، وألهمهم الرشد وما هو أصلح وأنجح وأنفع للعباد والبلاد، أصلِح الولاة والرعية وتولنا في كل ظاهرة وخفية، واجعلنا من الهُداة المُهتدين.

اللهم لا صرفتنا من الجمعة إلا بقبول لديك، وتوفيق لما يُرضيك، وصلاح للقلوب والقوالب والظواهر والبواطن، يا مُجيب الدعوات، يا قاضي الحاجات، فرِّج كروب المؤمنين وادفع البلاء عن المؤمنين.

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.

﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾.

نسألك لنا وللأمّة من خير ما سألك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، وأنت المستعان وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 

عباد الله، إن الله أمر بثلاث ونهى عن ثلاث: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.

فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكُم، ولذكر الله أكبر.

 

تاريخ النشر الهجري

13 رَجب 1447

تاريخ النشر الميلادي

02 يناير 2026

مشاركة

اضافة إلى المفضلة

الاوسمة