ميزان الرحمن والقدوة في الرجال والنساء

للاستماع إلى الخطبة

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع التوفيق، بحارة التوفيق، عيديد، مدينة تريم، 21 جمادى الثانية 1447هـ بعنوان: 

 ميزان الرحمن والقدوة في الرجال والنساء

يؤكد في الخطبة وجوب إقامة ميزان الله في الفكر والسلوك، وبيان أن القدوة الحقّة للرجال والنساء إنما هي في الأنبياء والمرسلين وآل بيت النبي ﷺ، ويحذّر من الانسياق وراء قدوات الزيف من أهل الفجور، وينبّه إلى خطورة إفساد ميزان القدوة في البيوت والعقول، وأن النجاة والعزّ في اتباع هدي الله ورسوله ﷺ. 

من الخطبة: تقويم الموازين

لتحميل الخطبة مكتوبة PDF (اضغط هنا)

نص الخطبة:

 

الخطبة الأولى :

   الحمد لله الإله الخالق العادل الرحيم الرحمن، مكوّن جميع الأكوان، عالم السر والإعلان. 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾.

 

   وأشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، أنزل عليه القرآن، وجعله سيد الأكوان، والقدوة العظمى في كل شأن، في السر والإعلان. 

    اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك المجتبى المختار سيدنا محمد، وعلى آله وأهل بيته الأطهار، وأصحابه الأخيار، ومن والاهم وعلى منهاجهم سار على ممرّ الأعصار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد،،، 

    عباد الله، فإني أوصيكم وإياي بتقوى الله، تقوى الله التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها. 

واعلموا أن من اتقى الله عاش قوياً، وسار في بلاد الله آمناً، 

ومن ضيَّعَ التقوى وأهمل أمرها 

تغشّتهُ في العقبى فنون الندامـــةِ

استقامة الميزان:

    أيها المؤمنون بالله، ولا يستقيم القدم على التقوى إلا بقدر ما يستقيم ميزانه، ويستقيم شأنه على ميزان ربه الذي استوى عنده سره وإعلانه، جل جلاله وتعالى في علاه، ووضع الميزان (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ).

ميزان الفكر والسلوك والمنهج والسير، ميزان النظر إلى الأمور، ميزان النظر إلى الدنيا، ميزان النظر إلى الآخرة، ميزان النظر إلى الطاعة، ميزان النظر إلى المعصية. 

ميزان النظر أنّ من له الحق في التحليل والتحريم، ومن بيده الأمر في التأخير والتقديم، وإلى من يرجع الأمر كله، ومن (يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) في يومٍ يجتمعُ فيه الأولون والآخرون، (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ).

وماذا يكون في ذلك المستقبل الأكبر؟ 

موازين يجب أن يقومَ عليها الفكر ويتنوَّر، ويقومَ عليها السلوك ويستقيم ويتطهَّر

وبغير هذا الميزان فالناس واقعون في الطغيان والانحراف عن سواء السبيل، والخروج عما أحبَّ منهم الخالق الجليل جل جلاله وتعالى في علاه.

ميلاد بضعة النبي ﷺ فاطمة الزهراء:

ومما نحن في صَدَده، ما يُخالِج وينازل أفكار المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها عن الرجال وعن النساء. 

ونحن في ذكرى ميلادٍ لبضعة رسول الله، سيدة نساء أهل الجنة، وسيدة نساء العالمين، فاطمة بنت محمد بن عبد الله، عليها سلام الله تبارك وتعالى، صلى الله على أبيها وعليها وآله وصحبه ومن سار في دربه.

فماذا يُخالِج وينازل أفكار المسلمين فيما يتعلَّق بالمرأة والرجل؟ 

فيما يتعلَّق بالواجبات؟ 

فيما يتعلَّق بالاقتِداء والاهتِداء؟

حكمة الله من خلق الذكر والأنثى:

   يا أيها المؤمنون، الرجل والمرأة جنسٌ خلقه الله تبارك وتعالى لحكمةٍ اقتضتها إرادتُه الأزلية وعلمُه المُحيط، جل جلاله وتعالى في علاه، وخلق الذكر والانثى، وان سعيكم بعد ذلك لشتى؛ مختلف، سعيٌ واحدٌ مقبول، وهو الذي قام على ميزان العليم بكل شيء، الخالق لكل شيء، من بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع الأمر كله، وهو الله تعالى؛ ميزان الله!

وكل سعيٍ قام على مخالفة ميزان الله فهو السعي المرذول، وهو السعي المردود، وهو السعي الذي انتهى أصحابه إلى سوءٍ وعذابٍ، وإلى شدةٍ وعقابٍ، وإلى دخول نار جهنم والعياذ بالله تبارك وتعالى، وما فيها مما لا يُطاق.

استقامة الميزان باتباع القدوات:

أيها المؤمنون بالله، لا بد من إقامة الميزان. 

كم لُعِبَ على أفكار الأمة! 

من الذي يُعَدُّ في الرجال هم الأسوة وهم القدوة، فكراً واعتقاداً ونظراً وسلوكاً وعملاً ومعاملة؟ 

والله لا يجوز لمؤمنٍ أدرك الحقيقة وآمن برب الخليقة؛ أن يجعل في ذهنه أسوةً ولا قدوة غير الأنبياء والمرسلين ومن ورثهم وخَلفهم، فوحدهم.. وحدهم.. وحدهم.. هم القدوة المُختارة من قِبل الإله خالق السماوات والأرض والحاكم يوم العرض، (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ).

ولا والله لا نقص في هديهم، في فكرٍ ولا سلوك، ولا معاملةٍ ولا أخذٍ ولا عطاء، ولا في تعاملٍ مع الأسر ولا المجتمعات، ولا مع الشعوب ولا الدول، ولا مع الزراعات ولا مع الصناعات، ولا مع البحار ولا مع طبقات الأرض، ولا مع أجواء الفضاء، ولا مع أنواع ما يسعى الناس فيه على ظهر الأرض. 

فيهم القدوة الكاملة، فيهم الأسوة التامة، فيهم الغِنى عما سِواهم، كل ما خالَفَ مناهِجَهم وفِكرَهم فشرٌّ وشُؤمٌ وضلالٌ وباطلٌ وسُوءٌ يقعُ فيه من يقع.

جزاء حسن الاقتداء:

   ولقد أعدَّ الله تعالى حُسنَ المصير وجناته لمن أحبَّ هؤلاء الرسل ولهم اتَّبَع، يقول جل جلاله وتعالى في عُلاه: (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّت..)؛ خُلِقَت وأُنشِئَت وهُيِّئَت؛ للذين آمنوا بالله ورسُله، (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ).

الجناتُ لهم، نعم والله حُسنُ المصير لهم، وحُسنُ الحياة لهم، وحُسنُ الوفاة لهم، وحُسنُ البرزخ لهم، وحُسنُ القيامة للذين آمنوا بالله ورُسُلِه، (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).

الفرق بين الفريقين:

ويقول جل جلاله في المسار للعباد والفرق بين الفريقين:

  • واتباع من ارتُضي متبوعًا من قِبل الخالق، 
  • واتباع من ادَّعى الدعاوى ونصب نفسه بلا حُجَّةٍ ولا بَيِّنَة، واستخفَّ الناس فأطاعوه. 

يقول ﷻ: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ).

كان الرشدُ اتباع موسى رسولِ الربِّ الإله، الآتي بالهُدى من عند الله، أما هذا المُدَّعي القائل "أنا ربُّكم الأعلى"، ثم القائل "ما علمتُ لكم من إلهٍ غيري"، فبأي حقٍ يُتَّبَع؟ 

ولكن (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ)، وما كرَّر الله علينا القصة في القرآن إلا لأن معناها متكرِّر في واقع الناس، متكرِّر في واقع هذه الأمة كما تكرَّر في الأمم السابقة والعياذ بالله تبارك وتعالى.

مصير من اتبع أهل الاستكبار:

ويقول الله عن الذين اتبعوا غير الأنبياء والمرسلين، وسوَّدوهم وما يستحقون السيادة، وسلَّموا لهم القيادة وما يستحقون القيادة، يقولون في نار جهنم وهم يتلظّون: (رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا)، هذا مصيرهم وهذه نهايتهم! 

وأحوال كل الذين خرجوا عن منهج الله واتباع الرّسل صلوات الله وسلامه عليهم ما قال جل جلاله: (وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ)، قعدتم على الطريق وتخطيطكم وزُخرف، قولكم كذَّبنا بربنا ورسولنا بسببكم أنتم، (لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ). 

(قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ).. تلك الخطط والتحزُّبات، وتلك المنشورات والمعروضات، وتلك الأفكار والجلسات المُغلقات.. (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

لكن أتباع الرسل في ظلِّ العرش، وفي دائرة الرحمة، ويُعطَون كتُبَهم بأيمانهم، ويُقال: (هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ).

تحذير من تبعية غير أهل الإيمان:

   أيها المؤمنون بالله، مصائب البشر في نسيان الله وعظيم أمره، والبُعد عن اتباع الرسل واستبدال ذلك باتباع السفهاء والفساق والفجار والعياذ بالله تبارك وتعالى.

 وهكذا يتكرَّر الكلام كلما جاء رسول من الرسل، قالوا (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) وقالوا وقالوا.. (فَهَلْ يَقُولُونَ إِلَّا كَمَا قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ)، (مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ).

أيها المؤمنون بالله: الرسل وأتباعهم، من آلهم وصحبهم وخلفائهم من المستقيمين على منهاجهم، هم القدوة في الرجال!

وبنات سيد المرسلين وأمهات المؤمنين، ومريم وآسية المضروبتين مثلاً للمؤمنين في القرآن، هُنّ القدوات في جانب النساء!

لا قدوة غيرهن! ولا يجوز لمؤمنة أن تجعل في ذهنها اقتداءاً بشرقيَّة ولا غربيَّة، نصرانيَّة أو يهوديَّة أو مجوسيَّة أو ملحدة أو كافرة والعياذ بالله.

ما الذي حصل على عقليَّات بناتنا وعقليَّات نسائنا؟ 

من الذي زيَّن لهم الاقتداء بالفاسقات المجرمات والكاسيات العاريات؟ 

ومن الذي حجب عقولهن عن معرفة قدر فاطمة سيدة نساء أهل الجنة والرغبة في الاقتداء بها والاهتداء بهداها؟ 

وهي بضعةٌ من حبيب الرحمن، يسُوءه ما يسُوؤها ويسُرُّه ما يسُرُّها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

يجب أن نعود إلى ميزان الله، وأن نصدُق في المعاملة مع الله تبارك وتعالى، فكراً وسلوكاً واعتقاداً ومعاملة.

خاتمة الخطبة الأولى:

اللهم املأ قلوبنا بالإيمان واليقين، واجعلنا في الهداة المهتدين، ورَقِّنا مراقي أهل التمكين، وأعِذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، واجعل هوانا تبعاً لما جاء به دليلنا إليك وهادينا إليك ودالنا عليك، عبدك المختار محمد. 

اجعل هوانا تبعاً لما جاء به، وثبتنا على دربه، واسقنا من شربه يا أكرم الأكرمين.

والله يقول وقوله الحق المبين: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). 

وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا).

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ).

بسم الله الرحمن الرحيم:

(الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ ۚ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ).

(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وثبتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا من خزيه وعذابه الأليم. 

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم والوالدين ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية :

    الحمد لله الملك الحق، منه المبتدأ وإليه المآب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرباب، يحكم بين عباده يوم الحساب. 

   وأشهد أن سيدنا ونبينا وقُرة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، رأس القدوات الأطياب، لا يسعُ أحداً من النبيين فضلاً عمن سواهم إذا حضر إلا أن يقتدوا به، وأن يتبعوه في جميع شؤونه، وهو القائل: "لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي".

فصلّ يا رب على المتبوع الأعظم، والحبيب الأكرم، والسيد الأفخم، والإمام المُقدم، حبيبك المختار محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وآبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك قادة أهل قُربك، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين.

أما بعد،،،

   عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله وأقيموا ميزان الله. 

بمن نقتدي:

لا يجوز أن يكون في مخيلاتكم وذاكرتكم وعقولكم، ولا في بيوتكم ومنازلكم قدوة من الرجال فيرغبون في اتباعهم إلا رسل الله وسيدهم محمد، ومن أمر الله ورسوله بالاقتداء بهم من آله وصحابته وخلفائه في دين الله تبارك وتعالى، الهُدَاة المُهتدين، (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).

ولا تدعوا في دياركم ولا في أذهانكم وأذهان أهليكم قدوة في الفكر، ولا في السلوك، ولا في اللباس، ولا في الطعام، ولا في الشراب، ولا في الأخذ، ولا في العطاء، ولا في القبول، ولا في الرفض، ولا في المحبة، ولا في البغض من النساء إلا بضعة المصطفى، وأخواتها سيدات أهل الوفاء، وأمهات المؤمنين زوجات المُجتبى المُقتفى، ومن ضربهن الله مثلاً.

أمثلة لتبعية أهل الهداية :

(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ) هذا فكرها (إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، وهذا سلوكها وهذه معاملاتها، وكانت في قصر فرعون فلم تغتر، ولم تُضر بعنجهيته ولا بسلطانه، ولا بزخرفه ولا بذهبه ولا بفضته، ولا بما عنده، وقالت: (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).

والمثال الآخر: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ).

وأمهات المؤمنين اللاتي في تهيئة الله لهن ليجعلهن قدوة لنساء أمة محمد، يقول لهن: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى). 

دعنَ أفكار المتخبطين المضلين.. 

القائل: المرأة المرأة المرأة! 

ما يريدون من المرأة؟ 

تكشف محاسنها لهم ويقضون شهواتهم منها والسلام، هذا هو الحرية عندهم وهذا هو التقدُّم! كذبوا وبئس ما جاءوا به.

(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ).

برامجكن والمسلسلات؟ آيات الله والحكمة: القرآن والسنة النبوية، هذا الذي يقرأ في البيوت، هذا الذي يتلى في البيوت. 

ما فيه مخازي ومهاوي الصور القبيحة الخبيثة التي تحملها بنتك العذراء في جوالها، يا غافل يا متجاهل، يا متصامم يا متعامي، لا ينجيك يوم القيامة من سؤال الله إياك عن بنتك تصاممك ولا تغافلك ولا تجاهلك، تعرضها للأخطار ورؤية الأقذار ثم لا تبالي! 

ومن في رأسها القدوة؟ 

ومن في ذهنها ومشاعرها الأسوة؟ 

أتعرف سيرة بنات المصطفى؟ 

أتعرف سير أمهات المؤمنين؟ 

أتعرف سيرة مريم وآسية؟ 

ربما كانت خالية الذهن عن هذا كله، ولكنها محشوة بالكاسية العارية الفلانية، والممثلة الساقطة الفلانية، والمغنية الهابطة الفلانية! وتحب أن تقلدهن.

سبب خراب ميزان الهداية:

    يا أيها المؤمن، ما الذي خرّب ميزان الله في ذهنك وذهن بنتك وزوجتك؟ 

ما الذي أقام ميزان العدو حتى تتخذه ميزاناً تخرج به عن ميزان ربك؟

سبق سواء في بلدكم أو في مصر أو في عدن أو في الشام، أن كثيراً من الأسر المحافظة كانوا يجعلون منازل النساء وسط البيوت، لا منافذ لها إلا عاليات لا يُستطاع أن تُشرِف منهن أحد. 

وما عملوا ذلك عَصبيةً ولا تحجُّراً ولا قلة وعي، ولكن إيقانًا وإيمانًا بِحَقٍّ وصدقٍ، وتهيئةً وتهيؤًا للقاء الخلاق، وحراسةً وحمايةً للأسرة من الأسواء والأدواء، صغيرها قبل كبيرها، وقليلها قبل كثيرها. 

فرضي الله عنهم، أقاموا الميزان واستجابوا لنداء الرحمن، والحق يخاطب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).

أيها المؤمنون، يجب أن نقيم ميزان الإله، ونعمل ما أحب وما فرض، وننتهي عما نهانا عنه تعالى في علاه (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

خاتمة الخطبة الثانية:

أكثروا الصلاة والسلام على الهادي الإمام، خير الأنام، مسك الختام، مصباح الظلام، الشفيع الأعظم في يوم القيام، محمد بن عبد الله، ليلاً ونهاراً، سراً وإجهاراً، وفي يومكم هذا خاصة وبقية الأيام عامة، فإنّ أولاكم به يوم القيامة أكثركم عليه صلاة، ولا يُصلِّي عليه مُصلٍّ مرة إلا صلَّى الله عليه عشر صلوات.

اللهم صلِّ وسلِّم على من قُلتَ في شأنه -والأمر بالصلاة عليه مبتدئًا بنفسك، وثَنَّى بملائكته، وأَيَّهَ بالمؤمنين تعظيمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

صلِّ وسلِّم يا ربنا على الرحمة المهداة، والنعمة المُسداة، عبدك المختار سيدنا محمد، وعلى صاحبه وأنيسه في الغار، مؤازره في حال السعة والضيق، خليفة رسول الله سيدنا أبي بكر الصديق.

وعلى الناطق بالصواب، حليف المحراب، أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب.

وعلى مُحيي الليالي بتلاوة القرآن، من استحيت منه ملائكة الرحمن، أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان.

وعلى أخ النبي المصطفى وابن عمه ووليه وباب مدينة علمه، إمام أهل المشارق والمغارب، أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب.

وعلى الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة في الجنة، وريحانتَي نبيك بِنَص السنة. 

وعلى أمهما الحوراء فاطمة البتول الزهراء، وعلى خديجة الكبرى وعائشة الرضا وبنات سيد المرسلين.

وعلى الحمزة والعباس، وأهل بيت نبيك أن يطهرهم من الدنس والأرجاس، وعلى أهل بيعة العقبة، وأهل بدرٍ وأهل أُحُدٍ، وأهل بيعة الرضوان، وسائر الصحب الأكرمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

الدعاء:

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم أعلِ كلمة المؤمنين، اللهم دمِّر أعداء الدين، اللهم أصلح شأن اليمن والشام، وانظر إلى جميع أهل الإسلام، ارفع الآفات عن أهل السودان والصومال وليبيا والشرق والغرب من أهل الإيمان.

اللهم ادفع كيد النفس والهوى والشيطان، واجعل هوانا تبعا لما جاء به من أنزلت عليه القرآن. 

حوِّل أحوال المسلمين إلى خير حال، وادفع عنا البلايا والأهوال، وتولنا بما أنت أهله يا خير والٍ، برحمتك يا أرحم الراحمين في الدنيا وفي المآل.

اللهم أصلحنا وأصلح من في صلاحه صلاح المسلمين، ولا تهلكنا وأهلك من في هلاكه صلاح المسلمين.

اللهم فرِّج الكربة، واكشف الغمة، وأجلِ الظلمة، وارفع النقمة، وابسط بساط النعمة، وعامل بالجود والرحمة يا حي يا قيوم.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).

ارزقنا إقامة ميزانك، واتباع رضوانك، والصدق معك في جميع الشؤون، يا من يقول للشيء كن فيكون، عاملنا بما أنت أهله في الظهور والبطون، يا أرحم الراحمين. 

واغفر لنا ولوالدينا ومشايخنا وذوي الحقوق علينا، واغفر لموتانا وأحيانا بالمغفرة الواسعة، وارفعنا مراتب قربك الرافعة يا أكرم الأكرمين.

نسألك لنا وللأمة من خير ما سألك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

عباد الله: إن الله أمر بثلاث، ونهى عن ثلاث: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر.

 

تاريخ النشر الهجري

23 جمادى الآخر 1447

تاريخ النشر الميلادي

14 ديسمبر 2025

مشاركة

اضافة إلى المفضلة