من يحمل القيم وأمانة التقويم والتكريم للإنسانية بين البشرية؟

للاستماع إلى الخطبة

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الروضة، بحارة الروضة، عيديد، مدينة تريم، 29 شوال 1447هـ بعنوان: 

من يحمل القيم وأمانة التقويم والتكريم للإنسانية بين البشرية؟

لتحميل الخطبة مكتوبة pdf

 

نص الخطبة:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الخطبة الأولى:

    الحمدُ للهِ، الْمَنَّانِ بإنزالِ الكتبِ وإرسالِ الرُّسلِ؛ لِحِيَازَةِ عظيمِ شرفِ الصدقِ معهُ، والوعيِ عنهُ، والقيامِ بما يحبُّ ﷻ في الأقوالِ والنيَّاتِ والفعلِ. 

     وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، أصلُ الشرفِ لكلِّ شريفٍ، ومفتاحُ النظافةِ لكلِّ نظيفٍ، تعلو بصاحبِها إلى مراتبِ التمجيدِ والتشريفِ؛ بتحرُّرِهِ من رقِّ النفسِ والهوى، والشهواتِ وشياطينِ الإنسِ والجنِّ، إلى العبوديَّةِ المحضةِ للهِ الحيِّ القيُّومِ، عالِمِ الظاهرِ والباطنِ والسرِّ والعَلَانِيَةِ، وإليهِ يرجعُ الأمرُ كلُّه، وإليهِ كلٌّ من المكلَّفينَ في يومِ القيامةِ يقومُ.

    وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا وقرَّةَ أعيُنِنا ونورَ قلوبِنا محمداً عبدُه ورسولُه، وحبيبُه الطاهرُ السيدُ المعصومُ، أكرمُ خلقِ اللهِ على اللهِ، وأعظمُهم أمانةً وبِرَّاً وقِسْطاً، ووعياً وفهماً وأدباً وخُلُقاً، وتعلُّماً وتعليماً وتفهُّماً وتفهيماً، فهوَ الأكرمُ على الخلَّاقِ على الإطلاقِ، وهوَ السابقُ لجميعِ أهلِ السباقِ.

   اللهمَّ أدِمْ صلواتِكَ على القدوةِ العُظمى والأسوةِ المُثلى، عبدِكَ المختارِ سيِّدِنا محمدٍ الطُّهرِ الطاهرِ، وعلى آلهِ وأصحابِهِ الأكابرِ، وعلى مَن والاهُم فيكَ واتَّبعَهُم بإحسانٍ في الباطنِ والظاهرِ، وعلى آبائهِ وإخوانِهِ من الأنبياءِ والمرسلينَ؛ معادنِ الصدقِ مع الرحمنِ، وآلِهم وصحبِهم ومَن تبعَهم بإحسانٍ، وعلى ملائكتِكَ المقرَّبينَ وجميعِ عبادِكَ الصالحينَ ذوي العرفانِ، وعلينا معهم وفيهم برحمتِكَ يا كريمُ يا منانُ.

 

 أمانةُ الصدقِ والعدلِ في حياةِ المؤمنِ:

    أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ، فإني أُوصيكم وإيَّايَ بتقوى اللهِ، التي تقومُ على الإيمانِ وهوَ إدراكُ الحقيقةِ، وعلى المعرفةِ للحقيقةِ، وعلى الاستمساكِ بالعروةِ الوثيقةِ، فأهلُها هُم واللهِ خيارُ الخليقةِ، بلا ريبٍ ولا شكٍّ، وأشرفُ المخلوقينَ في الدنيا ويومَ الوقوفِ بينَ يدَيْ مَن استحقَّ العبادةَ ومَلَك، وكلُّ مَن خالفَ أمرَهُ فقد هَلَك.

    أيُّها المؤمنونَ باللهِ، يعيشُ الناسُ على ظهرِ هذهِ الحياةِ، وقليلٌ منهم مَن يحملُ الأمانةَ ويؤدِّيها، ومَن يسعى لتقويمِ نفسهِ وتهذيبِها وتزكيتِها، ولإصلاحِ أسرتهِ ومحيطهِ، ولنشرِ الخيرِ في البريَّةِ.

يحملُ أمانةَ الصدقِ، وأمانةَ العدلِ، وأمانةَ البِرِّ والإحسانِ، وأمانةَ الرحمةِ والشفقةِ، وأمانةَ العطفِ والحنانِ، وأمانةَ إرادةِ الإنقاذِ والإصلاحِ والهدايةِ والرشادِ، في الخافي وفي الباد، يهمُّه إبعادُ الظلمِ والطغيانِ، يهمُّه إنصافُ المظلومِ والضعيفِ والفقيرِ المهانِ؛ يحملُ هذا مَن آمنَ باللهِ حقَّاً، واتَّبعَ الرسلَ صِدقاً، فهُم خيارُ الخليقةِ. 

وربَّما كانَ من طرفِ هذا شيءٌ يحملُه بعضُ الناسِ بحكمِ الفطرةِ والعقلِ، وهوَ خيرٌ دونَ خيرِ الإيمانِ باللهِ، ودونَ خيرِ إدراكِ الحقيقةِ؛ أنَّنا عبادٌ لإلهٍ قويٍّ متينٍ حيٍّ قيُّومٍ، بيدهِ ملكوتُ كلِّ شيءٍ وإليهِ مرجعُ كلِّ شيءٍ.

 

 الحسابُ والنجاةُ يومَ القيامةِ:

    وكلُّ مكلَّفٍ يُوقَفُ بينَ يديهِ ويُعرَضُ عليهِ، فلا يفُكُّ الناسَ في ذاكَ اليومِ والموقفِ جَورٌ ولا فِسقٌ، ولا رياءٌ ولا غطرسةٌ، ولا اعتداءٌ ولا ظُلمٌ، ولا استهانةٌ بحقوقِ الآخرينَ، لا استهانةٌ بالأنفُسِ ولا بالأموالِ ولا بالأعراضِ. 

واللهِ لا يفُكُّهم ويُنقذُهم إلَّا العدلُ والبِرُّ والإحسانُ والإنصافُ، وإعطاءُ ذي الحقِّ حقَّه! هذهِ الخصالُ التي بها الإنقاذُ يومَ القيامةِ، (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).

 

 أوصافُ عبادِ الرحمنِ:

    أيُّها المؤمنونَ، حملَ الرسلُ صلواتُ اللهِ عليهم عن اللهِ أمانةَ التبليغِ للهدى، وهدايةِ الناسِ إلى تركِ الخبائثِ والمنكراتِ والفضائع، والبُعدِ عن الظلمِ والإضاعةِ للحقوقِ، للإنسانِ بل حتى للحيوانِ، بل حتى للنباتِ بل حتى للجمادِ. 

وعبادُ الرحمنِ نقرأُ أوصافَهم في كتابِ الرحمنِ: (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)؛ ليسوا بعناصرِ إشاعة جهلٍ ولا سبٍّ ولا شتمٍ، قالوا سلاماً.

ولهم أحوالٌ شريفةٌ مع الربِّ اللطيفِ: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)

ولهم اهتمامٌ بالنجاةِ من المستقبلِ الأخطرِ الشديدِ: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا). 

ولهم انتظامٌ حسنٌ في تصريفِ حياتِهم وماديَّاتِهم وأموالِهم: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا)، وتَابعْ خِصالَهم المَرضيَّةِ فيما أثنى عليهم ربُّ البريَّةِ.

 

المادية والبعد عن القِيَمِ:

فبِرَبِّكَ ممَّن تُستقى هذهِ الأخلاقُ وعمَّن تُتلقَّى؟ وأينَ نجدُها؟ 

فتحوا لنا كثيراً في العالمِ من المدارسِ والجامعاتِ والدوراتِ والخبراتِ والمؤسساتِ، فمَن يُربِّي هذهِ المعاني؟ 

ومَن يُقوِّمُ هذهِ الصفاتِ؟ 

صارَ الأكثرُ في تلكَ المُستحدَثاتِ ما يُبعِدُ عن حقائقِ هذهِ الصفاتِ، ومَن يُضيِّعُ ذاتَ الإنسانِ ليكونَ مادياً مَصلحيّاً، لا يرى إلَّا شهواتِهِ وآفاتِه. 

وأقاموا على ذلكَ اتجاهاتٍ ومسالكَ فرديةً وجماعيةً بل ودوليةً؛ يقولُ هذا: الأمنُ القوميُّ، ويقولُ هذا: مصالحُ البلدِ، وبلدي قبلَ أيِّ شيءٍ غيرِها في الدنيا كلِّها.

فأينَ مَن يحملُ القِيَم؟ 

فأينَ مَن يحملُ الإنقاذَ من الظلم؟ 

فأينَ مَن يُراعي الحقوق؟ 

فأينَ مَن يحملُ الأمانة؟ فأينَ مَن يحملُ العدل؟ 

إنَّها انحرافاتٌ وانجرافاتٌ وراءَ الأفكارِ التافهاتِ، صارت عندَ مَن يُسَمَّونَ بقاداتٍ، وخَرِبَ وفسدَ الفردُ والمجتمعاتُ بهذهِ الإغراءاتِ وهذهِ الإلقاءاتِ، والصدِّ عن تلقِّي ما أوحى ربُّ الأرضِ والسماواتِ، وما حملَهُ من الأمانةِ الرسلُ والأنبياءُ الذينَ خُتِموا بالأصدقِ والأسبَقِ والأنطقِ بالحقِّ، محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

 

شروطُ استكمالِ الإيمانِ:

    أيُّها المؤمنونَ، إنَّما تُكتَسَبُ هذهِ الفضائلُ، ويصلُحُ للخلافةِ عن اللهِ بين خلق الله على هذه الأرض من: 

  • استمعَ لوحيِ اللهِ، وأصغى لخطابِ اللهِ،
  • ووعى عظمةَ المولى تعالى في عُلاه،
  • وطهَّرَ نفسَهُ وزكَّاها،
  • وقامَ بالأمانةِ في نفسهِ وأسرتهِ ومحيطهِ بكلِّ ما يستطيعُ؛ لا ظُلمَ ولا إجحافَ ولا استهانةَ بحقٍّ لذي حقٍّ. 

فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه؛ من نفسِكَ، من أهلِكَ، من ولدِكَ، من ضيفِكَ، من زَورك، من جارِكَ، من معاملِكَ، ممَّن يتوظَّفُ عندَكَ، ممَّن تتوظَّفُ عندَه، أعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه؛ مناهجَ نبوَّةٍ ورسالةٍ، ومناهجَ وحيٍ ربانيٍ أوحاهُ اللهُ إلى خلقه على أيدي الأنبياءِ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم.

    أيُّها المؤمنونَ باللهِ جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه، وفي مَنْحى هذا الحَمْلِ للأمانةِ، والوعيِ والفِطانةِ لحقائقِ الإيجادِ ومقصودِ الخلقِ والمعادِ، يقولُ ﷺ: "ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه استكمل الإيمانَ". 

قالَ عليه الصلاة والسلام: "رجلٌ لا يخافُ في اللهِ لومةَ لائمٍ، ولا يُرائي بشيءٍ من عملِه، ومَن إذا عُرِضَ لهُ أمرانِ، أحدهُما للدنيا والآخرُ للآخرةِ، آثرَ أمرَ الآخرةِ على أمرِ الدنيا". رواه ابنُ عساكر والديلمي والأصبهاني في الترغيب.

ثلاثةٌ مَن كُنَّ فيهِ يُستكمَلُ إيمانُه: 

  • رجلٌ لا يخافُ في اللهِ لومةَ لائمٍ،
  • ولا يُرائي بشيءٍ من عملِه،
  • ومَن إذا عُرِضَ لهُ أمرانِ، أحدهُما للدنيا والآخرُ للآخرةِ، آثرَ أمرَ الآخرةِ على أمرِ الدنيا. 

استكملَ استقامةَ الميزانِ في عقلهِ وفكرهِ ورأيهِ وثقافتهِ ومشاعرهِ وأحاسيسهِ، إنسانٌ إنسان، متحققٌ بالإنسانيةِ، لا يخافُ في اللهِ لومةَ لائمٍ، لا وزنَ عندَه للومةِ ذا ولا ذاكَ إذا أرضى مَلِكَ الأملاكِ. 

إنسانٌ عرفَ إنسانيته، وعرفَ أينَ الكرامةُ وأينَ الشرفُ، وأينَ العزةُ وأينَ الرفعةُ، فتوجَّه صادقاً مخلصاً، فلا يُرائي بشيءٍ من عملِه: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا). 

وإذا عُرِضَ الأمرانِ، آثرَ أمرَ الآخرةِ على أمرِ الدنيا، يا لها من رتبةٍ عُليا، رقَّانا اللهُ في مراقيها، وجعلَنا عندَهُ من خواصِّ أهليها.

 

خاتمة الخطبة الأولى:

اللهمَّ كمِّل لنا الإيمانَ، وثبِّتنا على ما تُحبُّه في السرِّ والإعلانِ، وارزقْنا حُسنَ المتابعةِ لِمَن أنزلتَ عليهِ القرآنَ، ورفعتَ لهُ القدرَ والمكانةَ والشأنَ، يا كريمُ يا منانُ. 

واللهُ يقولُ وقولُه الحقُّ المبينُ: (فَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). 

وقالَ تباركَ وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنُ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).

أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيمِ: 

(الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ هِيَ حَسْبُهُمْ ۚ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ * كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).

بارك اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ، ونفعَنا بما فيهِ من الآياتِ والذكرِ الحكيمِ، وثبَّتنا على الصراطِ المستقيمِ، وأجارَنا من خِزيهِ وعذابهِ الأليمِ، أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولوالدينا ولجميعِ المسلمينَ؛ فاستغفروهُ إنَّه هوَ الغفورُ الرحيمُ.

 

الخطبة الثانية:

    الحمدُ للهِ (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ عالِمُ الظواهرِ والخفيَّاتِ، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا وقرَّةَ أعيُنِنا ونورَ قلوبِنا محمداً عبدُه ورسولُه، خيرُ الكائناتِ وسيدُ أهلِ الأرضِ والسماواتِ. 

    اللهمَّ أدِمْ صلواتِكَ على عبدِكَ المجتبى المختارِ سيِّدِنا محمدٍ، وعلى آلهِ الأطهارِ وأصحابِهِ الأخيارِ، ومَن على منهاجِهم سارَ، وعلى آبائهِ وإخوانِهِ من الأنبياءِ والمرسلينَ معادنِ الأنوارِ والصدقِ والأسرارِ، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكةِ المقربين وجميعِ عبادِ اللهِ الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمينَ.

 

 الوصيةُ بالتقوى وإيثارِ الآخرةِ:

    أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ، فإني أُوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ. 

فاتَّقوا اللهَ، وارتقوا في مقاصدِكم وإراداتِكم ومساعيِكم: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا).

(مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا).

    أيُّها المؤمنونَ، اخرجوا من الجمعةِ بقلوبٍ وأرواحٍ سمعت نداءَ اللهِ ولبَّت، وسمعت خطابَ اللهِ فوَعَت واستجابت، (ومَن لا يُجب داعيَ اللهِ فليسَ بمعجزٍ في الأرضِ).

خلقَكم لِيُكرمَكم بشرفِ العبوديَّةِ لهُ، والقيامِ بأمرهِ والانتهاءِ عن الخبائثِ التي نهاكم عنها، وأنْ تحملوا حسبَ استطاعتِكم لأنفُسِكم وأسرِكم ومَن حوالَيكم أمانةَ الصدقِ، وأمانةَ البِرِّ والعدلِ، والإحسانِ والإنصافِ، والرحمةِ والشفقةِ؛ تِلكم مجالاتُ أصفياءِ الخلقِ وخيارِ الخلقِ على ظهرِ الأرضِ من الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ، أولئك هم خيرُ البريَّةِ.

 

التربية النبوية في بيوت النبي ﷺ:

   تُتلقَّى حقائقُها من تربياتِ الأنبياءِ وتزكياتِهم، وما بعثَهم اللهُ تعالى بهِ، وبذلكَ تتقوَّمُ الأُسَرُ كما سمعتُم؛ في أعلى الأُسَرِ وأشرفِها أسرةِ محمدٍ ﷺ؛ أنزلَ اللهُ يأمرُه أنْ يُخاطبَ أمَّهاتِ المؤمنينَ لِتتقوَّمَ بهم بيوتُه ﷺ وحُجَرُه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) لستُنّ بأهلٍ للشرف للخصوصية في الخلافة، ولا القرب من النبوة وبيت النبوة؛ (فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا). 

خُيِّرْنَ فاختَرْنَ النبيَّ المصطفى، وأرَدْنَ اللهَ ورسولَهُ والدارَ الآخرةَ، وكذلكَ تقومُ الأُسَرُ الصالحةُ المباركةُ، الأُسر المنوَّرة الطاهرة؛ يُريدونَ اللهَ ورسولَهُ والدارَ الآخرةَ، ويُقدِّمونَ أمرَ اللهِ. 

وإذا عَرَضَ لهم أمرانِ أمرٌ للدنيا وأمرٌ للآخرةِ، آثَروا أمرَ الآخرةِ على أمرِ الدنيا.

 

 الدعاءُ والتضرعُ للمولى عزَّ وجلَّ:

بذلكَ الميزانِ يَستقرُّ الإيمانُ، ويَتحقَّقُ الطُّهرُ للجَنَانِ، وترتفعُ الدرجةُ والشأنُ، ويصلح السرُّ والإعلان، ويُجمع بين خير الدنيا وخير الآخرة ونعيمها الذي ليس بِفَان.

    أيُّها المؤمنونَ بالله، انصرفوا من الجمعة بقلوبٍ وَعَت خطاب الإله، ولبَّت نداء مُصطفاه. 

(رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ).

وأكثروا الصلاةَ والسلامَ على السراجِ المنيرِ البشيرِ النذيرِ هاديكم إلى أقوَم سبيل وخير مسير، صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله، فإنَّ أولاكم بهِ يومَ القيامةِ أكثرُكم عليهِ صلاةً، ومَن صلَّى عليهِ واحدةً صلَّى اللهُ عليهِ بها عشراً. 

ولقد أمرنا الرحمنُ الحقُّ الإلهُ جلَّ جلالُه بأمرٍ ابتدأ فيه بنفسه وثنَّى بالملائكة وأيَّه بالمؤمنين، فقال مخبراً وآمراً لهم تكريماً: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

اللهمَّ صلِّ وسلِّم على الرحمةِ المهداةِ والنعمةِ المزداةِ السراجِ المنيرِ، عبدِكَ البشيرِ النذيرِ سيِّدِنا محمدٍ.

وعلى مؤازرِهِ في حالَيِ السعةِ والضيقِ، خليفةِ رسولِ اللهِ سيِّدِنا أبي بكرٍ الصدِّيقِ، 

وعلى الناطقِ بالصوابِ، حليفِ المحرابِ المنيبِ الأوَّابِ، أميرِ المؤمنينَ سيِّدِنا عمرَ بنِ الخطابِ، 

وعلى مُحيِي الليالي بتلاوةِ القرآنِ، مَن استحيَتْ منهُ ملائكةُ الرحمنِ، أميرِ المؤمنينَ ذي النورينِ سيِّدِنا عثمانَ بنِ عفَّانَ، 

وعلى أخِ النبيِّ المصطفى وابنِ عمِّهِ، وولِيِّهِ وبابِ مدينةِ عِلمِهِ، إمامِ أهلِ المشارقِ والمغاربِ أميرِ المؤمنينَ سيِّدِنا عليِّ بنِ أبي طالبٍ. 

وعلى الحسنِ والحسينِ سيِّدَي شبابِ أهلِ الجنةِ في الجنةِ، وريحانتَي نبيِّكَ بِنصّ السُّنةِ، 

وعلى أمِّهما الحوراءِ فاطمةَ البتولِ الزهراءِ، وعلى خديجةَ الكبرى وعائشةَ الرضا، وعلى الحمزةِ والعباسِ، وسائرِ آلِ بيتِ نبيِّكَ الذينَ طهَّرتَهم من الدَّنَسِ والأرجاسِ، 

وعلى أهل بدرٍ وأهلِ أُحُدٍ وأهلِ بيعةِ الرضوانِ، وعلى جميعِ الصَّحبِ الكرامِ وأهلِ البيتِ المطهَّرِ، 

وعلى الأنبياء والمرسلين وآلهم وأصحابهم والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمينَ.

الدعاء :

اللهمَّ أعِزَّ الإسلامَ وانصُرِ المسلمينَ، اللهمَّ أذِلَّ الشركَ والمشركينَ، اللهمَّ أعلِ كلمةَ المؤمنينَ، اللهمَّ دمِّر أعداءَ الدينِ، اللهمَّ اجمع شملَ المسلمينَ، اللهمَّ ألِّف ذاتَ بينِ المؤمنينَ، اللهمَّ أنقِذ وأيقِظ قلوبهم من سِنَةِ الغفلات ومن إرادة سواك، ومن الاقتداء بغير رُسلك وأنبياءك وأهل رضاك. 

اللهمَّ حوِّل حالَ المسلمينَ إلى خيرِ حالٍ، واقبل الحجَّاجَ والزوَّارَ والعُمَّارَ؛ وفدك وفد رسولك، واجعل قلوبهم تعي خطابك وتدرك نداءك وتُلَبِّيه، حقِّقهم بحقائق التلبية، وأعِدهم إلى أوطانهم سالمين وأشركنا في دعواتهم.

اللهمَّ وتدارَكِ الأمةَ واكشف الغُمَّةَ عن جميعِ الأمةِ في شرقِ الأرضِ وغربِها، رُدَّ كيدَ المفسدينَ والمعتدينَ والظالمينَ والغاصبينَ والهاتكينَ للحُرماتِ، المنتهكينَ للدماءِ الحرامِ، والمنتهكينَ للأموالِ الحرامِ، والمُخرِّبينَ للديارِ والمنازلِ والمستشفياتِ وللمصالحِ للخلائقِ. 

اللهمَّ حوِّل أحوالَ المسلمينَ إلى أحسنِ حالٍ، اللهمَّ رُدَّ كيدَ المعتدينَ والظالمينَ والمفسدينَ ولا تُبلِّغهم مراداً فينا ولا في أحدٍ من المؤمنين. 

اللهمَّ اصرِف أهلَ الجمعةِ بقلوبٍ وَعَت سرَّ خطابك، وتعلَّقت بالإقبالِ عليك في جميعِ الشؤونِ مُلبِّيةً لندائك، مقتديةً مُتّبعةً بخاتمِ أنبيائك.

اللهم فرِّج كروب الأمة واكشف الغمة وعامل بمحض الجود والرحمة، واغفر للأحياء والأموات مغفرةً واسعةً، يا رب العالمين يا رب البريات.

اللهمَّ اغفر لنا ووالدينا ومشايخنا وذوي الحقوق علينا، والمؤمنينَ والمؤمناتِ والمسلمينَ والمسلماتِ أحيائِهم والأمواتِ إلى يومِ الميقاتِ، يا خيرَ الغافرينَ يا غافر الذنوب والخطيئات.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ). 

(ربَّنا آتِنا من لدُنكَ رحمةً وهيِّئ لنا من أمرِنا رشداً)،

(رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، 

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).

عبادَ اللهِ، إنَّ اللهَ أمرَ بثلاثٍ ونهى عن ثلاثٍ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). 

فاذكروا اللهَ العظيمَ يذكركم، واشكروهُ على نِعمهِ يزدكم، ولَذكرُ اللهِ أكبرُ.

 

تاريخ النشر الهجري

01 ذو القِعدة 1447

تاريخ النشر الميلادي

18 أبريل 2026

اضافة إلى المفضلة