استشعار المؤمن الواعي لقيمة وقدر العمر واستقبال شهر رجب

للاستماع إلى الخطبة

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الشيخ أبي بكر في منطقة عينات، بوادي حضرموت، 28 جمادى الآخرة 1447هـ  بعنوان:

 استشعار المؤمن الواعي لقيمة وقدر العمر واستقبال شهر رجب

يبيّن في الخطبة عِظَم قيمة الوقت عند المؤمن وخطورة الغفلة، ويدعو إلى اغتنام الأزمنة بالأعمال الصالحة، خاصة الأشهر الحُرُم وشهر رجب، مع الحثّ على التقوى، وكثرة الاستغفار، وتلاوة القرآن، والاستعداد لرمضان، وبيان أن البركة في الأعمار والأوقات تكون بحسن التوجّه إلى الله واتباع هدي نبيه ﷺ.

لتحميل الخطبة مكتوبة pdf

نصيب المؤمن من القرآن الكريم والاستغفار

 

نص الخطبة:

 

الخطبة الأولى:

   الحمد لله الحيِّ القيُّوم، القويِّ القادر، الإلهِ الحقِّ العزيزِ الغافر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأوَّل والآخِر والظَّاهر والباطن وهو بكلِّ شيءٍ عليم. 

   وأشهد أنَّ سيِّدنا ونبيَّنا وقرَّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبدُه ورسولُه، ونبيُّه وصفيُّه وحبيبُه وخليلُه، اللهمَّ صلِّ وسلِّم على الرحمة المُهداة والنعمة المُسداة، خاتمِ أنبيائك وأصفى أصفيائك، سيِّدنا المختار محمد، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومن والاهم وعلى منهاجهم سار على ممرِّ الأعصار، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين معادنِ الحقِّ والصدق والأنوار، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقرَّبين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أمَّا بعدُ،،، 

   عباد الله، فإنِّي أوصيكم وإيَّايَ بتقوى الله، فاتَّقوا الله عباد الله وأحسِنوا يرحمْكم الله، (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ).

قيمة الوقت عند المؤمن وحال الغافلين:

   أيُّها المؤمنون بالله، بقدر ما يتعمَّق الإيمان ويعقل المؤمنُ المهمَّةَ التي خُلق من أجلها، يعِزُّ عليه وقتُه وعمرُه وزمنُه، ويعرف اغتنام الأزمنة والانتباه من الأوقات، ومُضيَّ الساعات واللحظات ما بين ليلٍ ونهار، (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا). 

فتجد لهم اهتمام باغتنام الليالي والأيام، وقضاء العمر فيما يُقرِّب إلى الحقِّ ويُرضي الإلهَ الحقَّ، ويزيدهم معرفةً به ورضوانًا منه ورضًا عنه ودنوًّا من حضرته، أولئكم الذين أدركوا الحقيقة، ومَشَوا في أقوم الطريقة، فكانوا خيار الخليقة.

وأكثر الناس كما وصف الرحمن ﷻ: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ).

  • (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ): فلا يحضرون مع الله ولا يتدبَّرون آيات الله!
  • و (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ): يتتبَّعون الملاهي ليلًا ونهارًا في البيت وخارجه، حتى تلهى قلوبهم وهم في المساجد، وهم في أثناء الصلوات والعياذ بالله تعالى. 

(لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)، وبينهم البَينُ يتناجَون، وينسبون الصادق المصدوق إلى السحر والجنون، صلوات ربِّي وسلامه عليه.

الفارق بين المؤمنين والغافلين:

   أيُّها المؤمنون بالله، فارِقٌ بينكم وبين الغافلين، وبين المنافقين والكافرين: 

  • شعورُكم بقيمة العمر، 

  • انتباهُكم كيف ينقضي الدهر، 

  • كيف تمرُّ الأيام والساعات؛ 

فشوقُ أحدهم إلى ساعاتٍ يخلو بها مع الله، إلى قيام الليل، إلى تدبُّر القرآن، إلى حضور الجماعة في المسجد، إلى حضور مجلس علم، إلى تلاوة الكتاب العزيز، إلى تأمُّل كلام رسول الله ﷺ، إلى صِلة الأرحام، إلى بِرِّ الوالدين، إلى الصدقة على الفقير والمحتاج، إلى تفقُّد الجار وأمثال ذلك.

يُمضي عمرَه بهذه الأعمال مغتنمًا، مُترقِّبًا زيادةَ قُرب، ونيلَ وَهْبٍ، ورضًا من الربِّ، وزيادةَ إيمان وطُهرًا في الجَنان، ومغفرةً للذنوب والعصيان، وارتقاءً في الدرجات العُلا في الجِنان. 

هذا شأن كلِّ من أدرك الحقيقة، ويعرف كيف مُضيَّ الأيام والليالي، ثمَّ الأسابيع، ثمَّ الأشهر شهرًا بعد شهر.

 

الأشهر الحُرُم في كتاب الله:

ويعلم الحكمة في خطاب الله لنا وقوله: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ).

ومن عجائب مظاهر الغفلة أنَّه حتى هذه الأشهر تذهل أذهانُ بعض المسلمين عنها، ويأخذ التوقيت بيناير وفبراير وأبريل ومايو ويونيو، ويغفل عن معاني (اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ)، حتى لا يدري متى يدخل رجب ومتى يخرج إلا أن يسمع في أثنائه من الناس.

 ما أشدَّ غفلة هذا حتى عن التوقيت الذي ارتضاه الله! ارتضاه لأجل الزكاة رُكنٍ من أركان الإسلام، ولأجل الصوم رُكنٍ من أركان الإسلام، ولأجل الحجِّ رُكنٍ من أركان الإسلام.. 

ارتضى هذا التوقيت بهذه الأشهر وما فيها من الأربعة الحُرُم، حتى صار يكتب في بعض رسائله ومناسباته التاريخ بالسنين الشمسية الميلادية ولا يذكر هجرة نبيِّه محمد، ولا التاريخ بالأشهر التي قال الله في القرآن عنها أنَّها هي عِدَّة الشهورٍ عنده يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حُرُم، ذكرها نبيُّنا فقال: "ثلاثة سَرْد: ذو القَعدة وذو الحِجَّة ومحرَّم، وواحد فَرْد: رجب".

استقبال شهر رجب:

    هذا الذي استقبلنا واستقبل الأمَّة ليدخل علينا في هذا الأسبوع، شهر رجب الحرام، الذي كان فيه حَمْلُنا في سفينة نوح، وكان فيه حَمْلُ أمِّ النبيِّ محمد بنبيِّنا محمد صلى الله عليه على آله وصحبه وسلم، وكان فيه الإسراء والمعراج على أشهر الأقوال، وكان فيه بعض غزواته ﷺ.

   أيُّها المؤمنون بالله، وكان الإمام الشافعيُّ إمامُنا عليه رضوان الله يقول: "بلغنا أنَّه كان يُقال: إنَّ خمس ليالٍ في السنة يُستجاب فيها الدعاء: ليلة الجمعة، وليلة الأضحى، وليلة الفطر، وأوَّل ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان".

   أيُّها المؤمنون، وكان سيِّدنا عليُّ بن أبي طالب يُفرِّغ نفسه للعبادة في أربع ليالٍ في السنة: 

  • أوَّل ليلة من رجب، 
  • وليلة النصف من شعبان، 
  • وليلة الفطر، 
  • وليلة الأضحى،

وقد علمتم من أين يأتي بعلمه، وما الذي يدفعه لمثل هذا الاغتنام لهذه الليالي المباركة.

صيام رجب وفضله:

ولقد صحَّ أنَّ بعض التابعين قال لسيِّدنا عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم قال: أكان رسول الله ﷺ يصوم في رجب؟ قال: "نعم ويُشرِّفه، نعم ويُشرِّفه". 

وجاء بسندٍ ضعيف عند عددٍ من أهل السُّنَّة أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ في الجنَّةِ نَهْرًا يُقالُ لَهُ رجبٌ، من صامَ من رجبٍ يومًا سقاهُ اللَّهُ من ذلِكَ النَّهرِ". 

الاستغفار في رجب:

    أيُّها المؤمنون، اغتنام الليالي والأيام شأنُ من عَقَل ووَعى وحيَ الله وتنزيلَه، وعرف مهمَّته في هذه الحياة واغتنامها فيما يُرضي مولاه. فاستعدُّوا للشهر الكريم وأكثِروا فيه من الاستغفار، وفي جميع الأشهر بالليل والنهار.

وقد كان وهب بن مُنبِّه يقول: قرأتُ في بعض كتب الله المنزَلة أنَّ من دعا اللهَ في رجب عشيَّةً وغُدوَةً سبعين مرة: اللهمَّ اغفر لي وارحمني وتُب عليَّ، لم تَمَسَّ النارُ له جِلدًا.

قال نبيُّنا المصطفى: "مَن لَزِمَ الاستغفارَ ، جعل اللهُ له من كلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا ، ومن كلِّ هَمٍّ فَرَجًا، ورَزَقَهُ من حيثُ لا يَحْتَسِبُ"، وقال ﷺ: "طوبى لِمن وجدَ في صَحيفتِهِ استغفارًا كثيرًا".

ولقد كان يُعَدُّ له في مجلسه، في المجلس الواحد يُعدُّ له جليسُه مئةَ مرة من قوله ﷺ: "ربِّ اغفر لي وتُب عليَّ إنَّك أنت التوَّاب الرحيم"، ويسمعها ثانيةً، ويسمعها ثالثةً، حتى يَعُدَّ مئةَ مرة في المجلس الواحد، هكذا كانت مجالسه ﷺ، وهكذا كان الأخيار يتجالسون، و"مَا مِنْ قَوْمٍ جَلَسُوا مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ إِلَّا رَأَوْهُ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ". 

"مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لاَ يَذْكُرُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ، وَلا يُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ، إِلاَّ كأنما تفرقوا عن جيفة حمار".

دعاء الخطبة الأولى:

اللهمَّ اعمُر أيَّامنا وليالينا وأسابيعنا وأشهرنا بذكرك وشكرك وحُسن عبادتك، والتزوُّد للقائك وللوُرود عليك وأنت راضٍ عنَّا يا أكرم الأكرمين.

والله يقول وقوله الحقُّ المبين: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). 

وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا * وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا * وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا * مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ثبَّتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا من خِزيه وعذابه الأليم. 

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولوالدِينا ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنَّه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

    الحمد لله، عالم السرِّ والنجوى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جعل العاقبة للتقوى، وأشهدُ أنَّ سيِّدنا ونبيَّنا وقرَّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبدُه ورسولُه، سيِّد أهل العبادة والصدق والإنابة والخشوع والتقوى.

اللهمَّ أدِم صلواتك على جامع المحاسن والمحامد، عبدك المختار المصطفى محمد خاتم النبيِّين الأماجد، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك سادات أهل محبَّة الله وأهل قربه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقرَّبين وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

حقيقة التقوى:

أمَّا بعدُ،،، 

   عباد الله، فإنِّي أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

 اللهمَّ ارزقنا حقيقة تقواك، في سرِّنا ونجوانا يا حيُّ يا قيُّوم.

   عباد الله، مَن اتَّقى الله شقَّ عليه أن يَمضي الوقتُ في غير تقرُّبٍ إليه، فكيف في غفلةٍ عنه؟ فكيف في وقوعٍ في معصيةٍ قلبية أو بشيءٍ من الأعضاء؟! 

   أيُّها المؤمنون، إنَّ شأن التقوى آخذٌ بزمام إرادة المؤمن حتى يترك كثيرًا ممَّا يحبُّ من أجل الله، ويتكلَّف كثيرًا من المشقَّات من أجل مولاه، ولن يبلغ العبد أن يكون من المتَّقين حتى يترك ما لا بأس به حذرًا ممَّا به بأس.

نصيب المؤمن من القرآن والاستغفار:

    أيُّها المؤمنون بالله، يجب أن لا نهجر القرآن، وأن يكون لنا في كلِّ يومٍ وليلة نصيبٌ من تدبُّره، ونصيبٌ من تلاوته، ونصيبٌ من التفكُّر في معانيه. 

ولقد قال الحقُّ على لسان رسوله محذِّرًا: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا).

     أيُّها المؤمنون بالله، من جعل القرآن أمامه قاده إلى الجنَّة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار. "إنَّ الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين".

لازِموا الاستغفار، وخصوصًا في وقت السَّحَر وفي العَشيِّ والغُدوة، فإنَّها أوقاتٌ يعظُم فيها شأن الاستغفار ويكبُر أجرُها من الغفَّار جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

اغتنام شهر رجب:

وأحسِنوا استقبال رجب في إقامة أمر الاهتمام بكيفية تقضية الوقت وتَمضيته معكم ومع أُسَركم وأهاليكم، وكيفية اغتنامكم للخير ومجالس الخير في بلدانكم وقُراكم، وتعاونكم على مرضاة ربِّكم.

إنَّه الأمر الذي أُهدي من الحقِّ ليكون سُلَّمًا للرقيِّ في الدرجات العُلا، ويكون للغافل والمُعرِض هُوِيًّا في الدَّركات السُّفلى، وسببًا لما يوجب اسوداد الوجه (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ)، ولإعطاء الكتاب بالشِّمال يوم تُلقى الكُتب إمَّا بالأيمان وإمَّا بالشمائل.

    أيُّها المؤمنون بالله، وهل رُجحان الميزان إلا بالأعمال الصالحة؟ 

واقتسام الدرجات في الجنَّة إلا بكسب الصالحات؟ 

(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

القدوة في الشيخ أبي بكر بن سالم:

   أيُّها المؤمنون بالله، أنتم في مسجد إمامٍ من أئمَّة دين الله تعالى، من صِباه وصِغَره لم يترك قيام الليل ولا إكمال الوِتر إحدى عشرة، والضُّحى ثمانية، ثمَّ بقي أربعين سنة صلاة الصبح بوضوء العشاء، قانتًا لله طيلة ليلته (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)، فلنكُن من أولي الألباب.

ولنتذكَّر في جامع الشيخ أبي بكر بن سالم معاني الاغتنام لليالي والأيام، والاستعداد للقاء ذي الجلال والإكرام، عسى أن نمتلئ بحقائق الإيمان التي إذا انتشرت في باطن الإنسان ظهرت أنوارُها عليه. 

"إنَّ النور إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفسح"، قيل: فهل لذلك من علامة؟ قال: "نعم، التجافي من دارِ الغرورِ، والإنابةُ إلى دارِ الخلودِ، والاستعدادُ للموتِ قبل نزولِه".

دعاء استقبال رجب والبركة فيه:

   أيُّها المؤمنون، وفي ترقُّب النبيِّ للأوقات وحُسن تقضيتها في أفضل الطاعات، إذا هلَّ هلالُ رجب قال دعوته المشهورة: "اللهمَّ بارِك لنا في رجب وشعبان وبلِّغنا رمضان".

 يحنُّ القلب إلى رمضان ولياليه وأيَّامه، ويبدأ الاستعداد من أوَّل ليلة من رجب، والدعاء بالبركة في ليالي رجب وأيَّام رجب وفي شعبان وأيَّامه.

ومن كان في غفلة في أيَّامه ولياليه لم يُبارَك له فيه:

  • من كان مُصِرًّا على قطيعة رحمٍ في ليالي رجب فما بُورك له في رجب، 
  • من كان مُصِرًّا على تأخير وقت صلاةٍ عن وقتها في أيَّام رجب فما بُورك له في رجب،
  •  من كان هاجرًا للقرآن في ليالي رجب وأيَّام رجب فما بُورك له في رجب.

 

بارك الله لنا في رجب وشعبان وبلَّغنا جميعًا رمضان، وجعلنا من خواصِّ أهله المقبولين لديه في عافيةٍ آمين، وأرانا في هذه الأشهر صلاحًا للبلاد والعباد، رفعًا للبلايا والضُّرِّ والفساد والأنكاد، يا محوِّل الأحوال حوِّل حالنا والمسلمين إلى أحسن حال.

الصلاة على النبي ﷺ:

وتمسَّكوا بصدق الوجهة إلى الربِّ، والاعتماد عليه والتوكُّل والدعاء والتضرُّع، ومن أقوى وسائل نجاتكم ودفع الآفات عنكم كثرةُ صلاتكم على نبيِّه محمد، فإنَّ من صلَّى عليه واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا، وهو القائل: "أَولَى النَّاسِ بي يومَ القيامَةِ أكثَرُهم علَيَّ صلاةً". 

وإنَّ الله لمَّا أمَرنا بالصلاة عليه ابتدأ بنفسه وثنَّى بالملائكة وأيَّهَ بالمؤمنين، فقال مُخبرًا وآمرًا لهم تكريمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

اللهمَّ صلِّ وسلِّم على الرحمة المُهداة والنعمة المُسداة، عبدِك المختار سيِّدنا محمد، وعلى آله الأطهار وأصحابه الابرار.

وعلى صاحبه في الغار، مؤازِرِه في حالَي السَّعة والضيق، خليفةِ رسول الله سيِّدنا أبي بكر الصدِّيق. 

والناطقِ بالصواب حليفِ المحراب، أميرِ المؤمنين سيِّدنا عمر بن الخطاب. 

والناصحِ لله في السرِّ والإعلان، مَن استحيَتْ منه ملائكةُ الرحمن، مُحيي الليالي بتلاوة القرآن، أميرِ المؤمنين ذي النورَين سيِّدنا عثمان بن عفَّان. 

وأخ النبيِّ المصطفى وابنِ عمِّه، ووليِّه وبابِ مدينة علمه، إمامِ أهل المشارق والمغارب، أميرِ المؤمنين سيِّدنا عليِّ بن أبي طالب.

وعلى الحَسَن والحسين سيِّدَي شباب أهل الجنَّة في الجنَّة، وريحانتَي نبيِّك بنصِّ السُّنَّة. 

وعلى أمِّهما الحوراء فاطمة البَتول الزهراء، وأخواتها وإخوانها، وعلى خديجة الكبرى وعائشة الرِّضا وأمَّهات المؤمنين، ومريم وآسية.

وعلى الحمزة والعبَّاس وسائر أهل بيت نبيِّك الذين طهّرتهم من الدنس والأرجاس، وعلى أهل بيعة العقبة وأهل بدر وأهل أُحُد وأهل بيعة الرضوان، وسائر الصحب الأكرمين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

الدعاء:

اللهمَّ أعِزَّ الإسلام وانصُر المسلمين، اللهمَّ أذِلَّ الشرك والمشركين، اللهمَّ أعلِ كلمة الدين، اللهمَّ أعلِ كلمة المؤمنين، اللهمَّ دمِّر أعداءك أعداء الدين، ولا تُبلِّغهم مُرادًا فينا ولا في أحدٍ من المسلمين.

آمِن أوطاننا، وأمِّنَّا في أوطاننا، واجعلها يا مولانا آمنةً بعنايتك ورعايتك ودفع الآفات والمُفسدين والضالِّين والمُجرمين والفاسقين.

اللهمَّ خُذ بأيدينا إليك أخذَ أهل الفضل عليك، قوِّمنا إذا اعوَجَجنا، وأعِنَّا إذا استقَمنا، وخُذ بأيدينا إذا عثرنا، ولا تَكِلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحدٍ من خلقك طرفةَ عين.

اللهمَّ اجعلها أشهرَ فتحٍ ونُجحٍ وفوزٍ وفلاح، ودفعٍ للبلايا والآفات والعاهات في جميع النواحي.

 اللهمَّ تدارَك حضرموت واليمن والشام والشرق والغرب بنظرةٍ من عندك، تُزيل بها العَنا والآفات، وتُصلح بها الظواهر والخفِيَّات، وتُعلي بها رايات الحقِّ والهُدى، وتُثبِّتنا عليه أكمل الثبات.

اللهمَّ اكتُب لنا السعادة، وكُن لنا بما أنت أهلُه في الغَيب والشهادة، لا صَرَفتَنا من الجمعة إلا والقلوب عليك مجموعة، متوجِّهة إليك، عاملة بطاعتك، مراقِبة لك في سرِّها ونجواها، عامرة لياليها وأيَّامها وساعاتها بحُسن التقرُّب إليك والتذلُّل بين يديك، وطلب المنزلة عندك يا أرحم الراحمين.

انظُر إلينا وإلى الأمَّة واكشف الغُمَّة، وعامِل بمَحض الجود والرحمة، واغفر للمتقدِّمين في مساجدنا هذه وديارنا هذه وبلداننا هذه، واجمَعنا بهم في أعلى درجات دار الكرامة، وأن ترضى عنَّا من غير سابقة عذابٍ ولا عِتاب، ولا فتنة ولا حساب، ولا توبيخٍ ولا عقاب، يا ربَّ الأرباب، يا مسبِّب الأسباب، يا غفور يا توَّاب، يا مَن لم يزل عطاؤه مُنهَل ومنسابٍ، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ). 

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). 

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).

نسألك لنا وللأمَّة من خير ما سألك منه عبدُك ونبيُّك سيِّدنا محمد، ونعوذ بك من شرِّ ما استعاذك منه عبدُك ونبيُّك سيِّدنا محمد، وأنت المُستعان وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العليِّ العظيم.

عباد الله، إن الله أمر بثلاث ونهى عن ثلاث: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). 

فاذكروا الله العظيم يذكُركم، واشكروه على نِعَمه يزِدكم، ولَذِكرُ الله أكبر.

 

تاريخ النشر الهجري

02 رَجب 1447

تاريخ النشر الميلادي

21 ديسمبر 2025

مشاركة

اضافة إلى المفضلة