أسرار الخلافة عن الله في الأرض وامتداد معانيها وآثارها في العقبى

للاستماع إلى الخطبة

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الشيخ أبي بكر بن سالم، في منطقة عينات، بوادي حضرموت، 8 شوال 1447هـ، بعنوان: 

أسرار الخلافة عن الله في الأرض وامتداد معانيها وآثارها في العقبى

لتحميل الخطبة نسخة Pdf

 

نص الخطبة:

الخطبة الأولى:

    الحمدُ لله، الحمدُ لله ربِّ السماواتِ والأرضِ، وجامعِ الخلائقِ في يومِ العَرْضِ. 

وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، بيدِهِ ملكوتُ كلِّ شيءٍ، منه ابتدأ الأمرُ وإليه يرجعُ الأمرُ كلُّه، وهو الذي يحكمُ بينَ عبادِهِ يومَ القيامةِ فيما كانوا فيه يختلفونَ.

وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا وقرةَ أعينِنا ونورَ قلوبِنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وأمينُهُ المأمونُ وحبيبُهُ وخليلُهُ، مركِزُ الخلافةِ عن اللهِ تباركَ وتعالى في هذه الأرضِ، والشفيعُ الأعظمُ المقدَّمُ في يومِ العَرْضِ. 

اللهم أدم صلواتك على السراج المنير البشير النذير خاتم النبيين وسيد المرسلين، عبدك المصطفى الأمين سيدنا محمد وعلى آله واهل بيته الطاهرين المقترنين بالقرآن لن يتفرقا حتى يَرِدا علي الحوض يوم الدين، وعلى أصحابه من الأنصار المهاجرين حماة هذا الدين الغرّ الميامين، وعلى من والاهم فيك واتبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، وعلى آبائهِ وإخوانِهِ من الأنبياءِ والمرسلينَ، وآلهمْ وصحبهمْ وتابعيهمْ، وعلى ملائكتِكَ المقربينَ وجميعِ عبادِكَ الصالحينَ، وعلينا معهمْ وفيهمْ برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمينَ.

 

سر الخلافة عن الله في الأرض:

    أما بعدُ عبادَ اللهِ، فإني أوصيكمْ وإيايَ بتقوى اللهِ، تقوى الله التي لا يُقبلُ غيرها، ولا يُرحَمُ إلا أهلها، ولا يُثابُ إلا عليها، فهي سرُّ الخلافةِ عن اللهِ في هذه الأرضِ.

وإنَّ للذينَ يعيشونَ على ظهرِ هذه الأرضِ من المكلفينَ في حياتِهم على ظهرِ الأرضِ شأنٌ عظيم، وخطَرٌ جسيم يترتبُ عليه الأمرُ في المستقبلِ الكبيرِ الفخيمِ، في مستقبلِ البرازخِ، ومستقبلِ يومِ القيامةِ والحكمِ فيها، ومستقبلِ الخلودِ والتأبيدِ، بإذنِ الحميدِ المجيدِ المبدئِ المعيدِ الفعَّالِ لما يريدُ، إما في الجنةِ، وإما في نارِ الجحيمِ والعذابِ الشديدِ، (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) .

 

المكلفون وحقيقة الأمانة :

   أيها المؤمنونَ الذينَ يعيشونَ على ظهرِ هذه الأرضِ، خصوصًا المكلّفينَ منهم، من الإنسِ والجنِّ، مِن كلِّ من بلَغَ عاقلاً، ووصلتْهُ دعوةُ اللهِ تعالى التي أرسلَ بها رُسلَهُ، أولئك هم المكلّفونَ، أولئك الذينَ حملوا الأمانةَ وقاموا بحقِّها، وحُفِظوا من الخيانةِ والانحرافِ والتبديلِ والتغييرِ، أولئك محلُّ نظرِ اللهِ تعالى، ومحلُّ إكرامِهِ، وإجلالِهِ وتفضيلِهِ. 

وكلُّ من عاشَ منهم على ظهرِ الأرضِ غيرَ مؤمنٍ بهذا الإلهِ، أو متظاهرٍ بالإيمانِ به ليس له صدقٌ في الإيمانِ بربِّهِ، فلا يعملُ بالصالحاتِ، ولا يعملُ بالطاعاتِ، ولا يجتنبُ المُحرماتِ في قلبِهِ وعينَيْهِ وأذنَيْهِ، وفي لسانِهِ وبطنِهِ ويدَيْهِ وفرجِهِ ورجلَيْهِ، لا يتورّعُ عن المحرماتِ في ذلك؛ أولئك الذينَ هم شرارُ خلقِ اللهِ، والذينَ يُعرَّضونَ لنارِ اللهِ الموقدةِ التي تطلَّعُ على الأفئدةِ.

 

مرور الأجيال واقتراب الساعة :

    أيها المؤمنونَ، لقد مرَّتِ الأجيالُ تلوَ الأجيالِ، والقرونُ بعدَ القرونِ، من أيامِ آدمَ إلى يومِنا هذا، وما بقيَ من عمرِ الدنيا إلا القليلُ، وما بقيَ من مدَّتِها إلا الأقلُّ، فكانَ من علاماتِ اقترابِ الساعةِ بعثةُ المصطفى محمدٍ، وانشقاقُ القمرِ معجزةً له.

كنا آخرَ الأممِ، وكنا علامةَ اقترابِ الساعةِ، وقد مضى على الأمةِ ألفٌ وأربعمئةٌ من السنينَ، فهم في القرنِ الخامسَ عشرَ من بعدِ هجرةِ نبيهمِ الأطهرِ، صلى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ.

 

مصير المكذبين والمؤمنين :

  وكلُّ من مَرَّ في هذه الأمةِ كالذينَ مَرُّوا من قبلِها، من آمنَ باللهِ ورُسلِهِ وعملَ بمقتضى ذلك، نالَ نصيبًا من سرِّ الخلافةِ عن اللهِ في هذه الأرضِ، أفرادًا وجماعاتٍ، ومن لم يؤمنْ ويعملِ الصالحاتِ، وقد بلغتْهُ دعوةُ الرسلِ، أولئك هم الخاسرونَ. 

من كلِّ من ماتَ على الشركِ والكفرِ، ممن بلغتْهم دعوةُ نبينا في أيامِهِ، ومن جاءَ بعدهم في القرنِ الثاني والثالثِ والرابعِ إلى القرنِ الخامسَ عشرَ، أفرادٍ وجماعاتٍ، كلُّ من مضى منهم على غيرِ الاتباعِ لهذا النبيِّ المصطفى، والاهتداءِ بهديه، هم الخاسرونَ والله! 

هم الفاسقونَ! هم الأخسرونَ! هم النادمونَ! هم أهلُ الحسرةِ يومَ القيامةِ! وهم أهلُ النارِ الموقدةِ التي تطلَّعُ على الأفئدةِ، أجارنا اللهُ منها إنَّه خيرُ مجيرٍ!

 

أسرار الخلافة في القرآن :

   أيها المؤمنونَ باللهِ.. أسرارُ الخلافةِ عن اللهِ في أرضِهِ ينالُها الفردُ والجماعةُ بحسبِ الإيمانِ والعملِ الصالحِ بشاهدِ القرآنِ. 

قال تباركَ وتعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). 

يا من وعيتمُ الأمانةَ في الحياةِ، وقمتمْ بالإيمانِ والعملِ الصالحِ، وشأنُ غيرِكم: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۖ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ) والعياذُ باللهِ تباركَ وتعالى.

 

بداية الخلافة خلقُ آدم وحواء :

    ولقد قامتْ هذه الخلافةُ أولَ ما قامتْ على يدِ رجلٍ وامرأةٍ، أولِ أسرةٍ، آدمَ وحوَّاءَ، أهبطَهُما اللهُ من الجنةِ إلى الأرضِ بعد أن خلقَ آدمَ على ظهرِ الأرضِ.

 وكوّنَ جسمَهُ من ترابِ الأرضِ، الذي مزجَهُ بماءٍ فصارَ حمأً مسنونًا، ثم تصلَّبَ فصارَ صلصالاً كالفخارِ، ثم نفخَ فيه من روحِهِ وأمرَ الملائكةَ بالسجودِ له، وكان قد قال لهم: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً).

واستعظمَ الملائكةُ مكانةَ الخلافةِ عن اللهِ في الأرضِ ومنزلتَها وشرفَها وعرضوا أنفسَهم على الربِّ، وقالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) كما شاهدوا من الجانِّ قبلَنا على ظهرِ الأرضِ (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) أي إذا شئتَ أن تستعملَنا خلفاءَ في الأرضِ، (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ).

وابتدأتِ الخلافةُ بعد توبةِ أبينا آدمَ عليه السلامُ وأمنا حوَّاءَ واعترافِهما على هذا القدمِ الراسخِ: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) عبوديةً للإلهِ، واعترافًا بالذنبِ والمخالفةِ والمعصيةِ، واليقينِ أنه لا منجى إلا إلى اللهِ ولا ملجأ إلا إلى اللهِ، وأنه إن لم يغفرْ ويرحمْ فعبده خاسرٌ كائنٌ من كان، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

فكانتْ أسسُ الخلافةِ: عبوديةً للحقِّ، وانكسارًا وأوبةً وتضرعًا، ورجعةً صادقةً سريعةً عند الوقوعِ في الزلةِ أو الذنبِ.

 

بداية الانحراف موقف قابيل مع هابيل :

    وخرجَ آدمُ وحوَّاءُ فابتدأتِ الخلافةُ المنوّهُ بشأنِها في القرآنِ الكريمِ على ظهرِ هذه الأرضِ، ثم وُلِدَ لهما الأولادُ فشاركوا أباهمُ الكريمَ وأمَّهم في هذه الخلافةِ وأسرارِها، حتى ابتدأ الانحرافُ والانجرافُ وراءَ الشهواتِ والأهواءِ والحسدِ والمخالفةِ للربِّ؛ خروجًا عن القيامِ بحقِّ هذه الأمانةِ والخلافةِ من قبلِ قابيلَ، الذي أغرتْهُ نفسُهُ وسوَّلتْ له أن يقتلَ أخاه هابيلَ حسدًا منه وتكبرًا.

كان بدايةَ الطغيانِ والخروجِ عن شرفِ الخلافةِ ذلكم الانحرافُ عن الطاعةِ وضعفُ الإيمانِ الذي ينقادُ صاحبُه لما يُملي عليه عدوُّه إبليسُ بوكالةِ النفسِ الأمارةِ بالسوءِ، قال جلَّ جلالُه: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

فهو خاسرٌ خُسرانَ الأبدِ، وكذلك كلُّ من تنكَّرَ للخلافةِ عن الواحدِ الأحدِ وآثرَ شهوتَهُ وهواهُ وخالفَ أمرَ اللهِ جلَّ جلالُه.

 

نور النبوة في الخلافة :

    وأقامَ آدمُ الخلافةَ كما ينبغي وورثَهُ أولادُه، وكان رأسُهم في هذه الخلافةِ شيثَ بنَ آدمَ، وكان سرُّ الخلافةِ منوطًا بسيدِ الخلفاءِ عن اللهِ في أرضِه.

ولقد كان نورُ رسولِ اللهِ يظهرُ على جبينِ وجبهةِ آدمَ، فلما حملتْ زوجتُه حوَّاءُ بشيثٍ انتقلَ إلى جبهةِ حوَّاءَ، فلما ولدتْ شيثًا انتقلَ النورُ إلى شيثٍ، وهكذا حتى حملتْ زوجتُه بالذي يكونُ من أولادِه جدَّ رسولِ اللهِ فانتقلَ النورُ إليها ثم إلى ولدِها، وهكذا لم يزلْ أمًّا بعد أبٍ، وأبًا بعد أُمٍ، إلى أن لاحَ قويًا في جبهةِ عبدِ المطلبِ.

فلما حملتْ زوجتُه فاطمةُ بعبدِ اللهِ بنِ عبدِ المطلبِ انتقلَ النورُ إلى جبينِها وصارَ واضحًا على غُرتِها، فلما ولدتْ عبدَ اللهِ انتقلَ النورُ إلى جبهةِ عبدِ اللهِ وكان أوضحَ وأفصحَ في جبهةِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المطلبِ حتى تزوَّجَ آمنةَ بنتَ وهبٍ.

فلما حملتْ بسيدِنا رسولِ اللهِ انتقلَ النورُ إلى جبهةِ آمنةَ بنتِ وهبٍ، فلما وضعتْهُ أشرقَ النورُ، وهي التي قالت -وهو الذي أخبرَ عن حالِها وقال في حديثِهِ الصحيحِ-: "وإن أمي رأتْ حين وضعتْني نورًا أضاءتْ له قصورُ الشامِ"، "أنا رؤيا أمي التي رأتْ، وكذلك أمهاتُ النبيينَ يرينَ".

مراتب الخلافة في الأنبياء والأتباع :

    فكانتْ أسرارُ هذه الخلافةِ في الأنبياءِ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم على قدرِ مراتبِهم عن اللهِ، ثم في أتباعِهم من آلِهم وأصحابِهم ومن آمنَ بهم من بعدِهم على قدرِ اتباعِهم واقتدائِهم واهتدائِهم. 

وكلُّ من خالفَ من زمنِ آدمَ كقابيلَ ومَن بعده من المخالفينَ للأنبياءِ أولئك شرارُ بني آدمَ، شرارُ من يعيشُ على ظهرِ الأرضِ، أولئك أهلُ الخزيِ يومَ العرْضِ، أولئك أهلُ الفضيحةِ يومَ القيامةِ كالكافرينَ في زمانِنا، والغافلينَ الفاسقينَ المصرينَ على المعاصي في زمانِنا. 

كلُّ من ماتَ منهم لَحقَ بأولئك الأشرارِ الفجارِ الكفارِ أهلِ الخزيِ في يومِ القيامةِ، أهلِ الحسرةِ والندامةِ، والعياذُ باللهِ تباركَ وتعالى.

 

شر البرية :

     قال جلَّ جلالُه في بيانِ هذه الحقيقةِ: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ).

شرُّ الخليقةِ، (شرُّ البريةِ) وإن سَمّوا أنفسَهم متقدمينَ، وإن سَمّوا أنفسَهم متطورينَ، وإن سموا أنفسَهم مثقفينَ، هم شرُّ البريةِ بميزانِ ربِّ البريةِ. 

فشرارُ البريةِ كفارُ زمانِنا والكفارُ من قبلُ من كلِّ من يموتُ على الكفرِ، وفُساقُ زمانِنا من كلِّ من يموتُ على الفسقِ، ومن تقدَّمَ من الفاسقينَ ممن ماتَ على الفسقِ، هم شرارُ البريةِ، هم أخسُّ البريةِ، هم أرذلُ البريةِ بميزانِ ربِّكَ، فلا تعتقدْ غيرَ ميزانِ ربِّكَ فتشركَ بإلهِكَ، إنهم شرُّ البريةِ.

خير البرية :

   لكنْ خيرَ البريةِ الأنبياءُ وآلهم وصحبُهم ممن اتبعَهم، ومن آمنَ بهم من بعدِهم وسارَ على خطاهم. 

قال تباركَ وتعالى: (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).

وتمّتْ وكمُلتِ الخلافةُ ببعثةِ زينِ الوجودِ محمدٍ، فكان إمامَ الخلفاءِ وسيدَهم ﷺ، وأعظمَهم شأنًا وأجلَّهم قدرًا ومكانًا لدى الرحمنِ صلواتُ ربي وسلامُه عليه.

وساداتُ أهلِ الخلافةِ مع أتباعِهم يجتمعونَ تحت رايتِهِ ولوائِهِ يومَ القيامةِ، "ولواءُ الحمدِ بيدي، آدمُ فمن دونِه تحت لوائي"، جمعنا اللهُ تحت ذاك اللواءِ مع خواصِّ الخلفاءِ الشرفاءِ الحُنفاءِ، اللهم آمينَ، برحمتِكَ يا أرحمَ الراحمينَ.

الخلافة بخاتم النبيين :

    أيها المؤمنونَ باللهِ، قال نبينا في شأنِ هذه الخلافةِ وعظمتِها: "إن مثلي ومثلَ الأنبياءِ من قبلي كمثلِ ملك ابتنى دارًا فأحسنَ بناءَها إلا موضعَ لبنةٍ منها، فجعل الناسُ يطيفونَ بها ويقولونَ ما أحسنَها لولا موضعُ هذه اللبنةِ، قال: فأنا موضعُ تلك اللبنةِ".

كمُلتِ الخلافةُ ببعثتِهِ وجاءَ بكمالِ الخلافةِ والنبوةِ التي عمَّتِ العالمينَ وعمَّتِ الكائناتِ، فهو نبيُّ اللهِ ورسولُهُ إلى جميعِ الكائناتِ والخلائقِ، إلى المكلفينَ إرسالَ تكليفٍ، وإلى غيرِهم من الملائكةِ ومن الحيواناتِ والنباتاتِ والجماداتِ إرسالَ تشريفٍ. 

ولقد قال في حديثِهِ الشريفِ: "ما من شيءٍ إلا يعلمُ أني رسولُ اللهِ، إلا كَفَرةُ الجِنِّ والإنسِ"، هؤلاء الذينَ أبوا أن يُقِرُّوا بالرسالةِ، وإلا كلَّ شيءٍ يعلمُ أنه رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّمَ.

وهو القائلُ: "إنِّي لأعرِفُ حَجَرًا بمَكَّةَ كانَ يُسَلِّمُ عليَّ قَبلَ أن أُبعَثَ، -إذا مر به قال: السلام عليك يا نبي الله- قال: إنِّي لأعرِفُه الآنَ" صلواتُ ربي وسلامُه عليه.

 

الخلافة الراشدة :

    وقامتِ الخلافةُ في أمتِهِ في صحابتِهِ وآلِ بيتِهِ الذينَ كانوا في زمنِه على مراتبِهم العظيمةِ، وكانتْ مظاهرُ الخلافةِ منها ما اتصل بالحكمِ الظاهرِ وكان فيه الخلفاءُ الراشدونَ، وكان أصفى تلك الخلافةِ ما كان في الثلاثينَ عامًا التي أشارَ إليها في حديثِهِ: "الخلافةُ بعدي ثلاثونَ سنة".

ابتدأتْ من يومِ موتِهِ ﷺ في ربيعٍ الأولِ، وتولاها الصديقُ سنتان وستةَ أشهرٍ وأيامًا، فتولاها الفاروقُ عشرَ سنينَ وأشهرًا، فتولاها عثمانُ بنُ عفانَ عليه الرضوانُ فمكثَ اثنتي عشرةَ سنةً، فتولاها عليُّ بنُ أبي طالبٍ فمكثَ أربعَ سنواتٍ، فتولاها الحسنُ بنُ عليٍ -توفي عليٌّ في رمضانَ فتولى الحسنُ إلى ربيعٍ الأولِ الشهرِ الذي توفي فيه ﷺ- وكملتِ الثلاثونَ عامًا فسلَّمَ الخلافةَ لمعاويةَ، وانتهتْ خلافةُ الرشدِ الأولى العظيمةُ بهذا الزمنِ المحددِ القصيرِ.

استمرار الخلافة في الأمة :

   ولكنْ واللهِ أسرارُ خلافتِهِ في الأمةِ ليستْ في مجردِ إقامةِ من يحكُمُ بحُكمِ اللهِ وشريعتِهِ ليكونَ خليفةً صحيحاً، ولكنْ خلافتُهُ في العلومِ والأعمالِ والمعارفِ والسنةِ والبرِّ والتقوى قائمةٌ في أمتِهِ قرنًا بعد قرنٍ وجيلاً بعد جيلٍ. 

تشيرُ إليهم فيما جاءَ في الصحيحينِ وكتبِ السننِ وغيرِها: "لا تزالُ طائفةٌ من أمتي ظاهرينَ على الحقِّ، لا يضرُّهم من ناوأهم، لا يضرُّهم من خذلهم، لا يضرُّهم من خالفهم".

يعني هؤلاء أهلُ الخلافةِ الصحيحةِ النبويةِ، يوجدُ من يُخالفُهم ومن يَناؤُهم ومن يَخذلُهم، ولكن كلُّ ذلك لا يضرُّهم، وهم ظاهرونَ بأمرِ اللهِ بالصدقِ والإخلاصِ. 

أولُ ذلك كلُّ من تحقَّقَ من كلِّ فردٍ بحقيقةِ الإيمانِ والعملِ الصالحِ فضبطَ نفسَهُ ومسارَهُ في الحياةِ على تقوى اللهِ وتجنَّبِ المخالفاتِ والشرورِ، له نصيبٌ من الخلافةِ الفرديةِ، التي أشارتْ إليها الآيةُ: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ)، هذا الذي قال: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً). 

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) من آدمَ إلى سيدِهم محمدٍ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

سنة الله في التمكين :

   وكما أن الظروفَ في الحياةِ تتنوعُ وتختلفُ وتتقلّبُ (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا)، ينالُهم ما ينالُهم من سنةِ اللهِ التي قال عنها سبحانَه وتعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)، أهل الثبات، أهل السنة، أهل الخلافة، ومهما تقلبتِ الأحوالُ والحوادثُ بشّرهم (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)، وهم الذينَ قال لهم سبحانَه وتعالى: (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا). 

فلا يزالونَ في كلِّ قرنٍ من القرونِ، مهما حصلَ من شدةٍ على المؤمنينَ، فيهم الظاهرونَ بأمرِ اللهِ جلَّ جلالُه وتعالى في علاه، لا يضرُّهم من خالفهم ولا من خذلهم ولا من ناوأهم، يعبدونَ اللهَ آمنينَ لا يشركونَ به شيئًا، جعلنا اللهُ منهم.

 

 

حملة العلم وأهل الخلافة:

    وقد مَنَّ اللهُ تعالى على هذا القُطرِ بكثيرٍ من هذا الخيرِ على مدارِ القرونِ التي مَرَّتْ بيننا وبين نبينا محمدٍ صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّمَ.

ولقد قال في خصوصِ هذه الخلافةِ: "يحملُ هذا العلم -وفي بعضِ الرواياتِ: يرثُ هذا العلمَ- من كلِّ خلفٍ عدولُه، ينفونَ عنه تحريفَ الغالينَ، وانتحالَ المبطلينَ، وتأويلَ الجاهلينَ". 

وأشارَ إلى العلمِ الذي جاءَ به عن اللهِ وبه الشّرفُ والرّفعةُ، وأنه لا يزالُ قائمًا في الأمةِ ومحمولاً بحملِ أهلِ الأمانةِ، وأنه يحومُ حولَه انتحالُ المبطلينَ، تأويلُ الجاهلينَ، تحريفات مُغالين، ولكن هذا الصنفَ المستقيمَ ينفونَ عنه كلَّ ذلك.

فيجدُ الصادقُ المُنصفُ في كلِّ زمانٍ إذا استمعَ بالإنصافِ من يدلُّه ويرشِدُه على الحقِّ الموروثِ المسندِ إلى النبيِّ محمدٍ صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّمَ.

 

خصوصية أهل الخلافة:

    وكان من مظاهرِ هذه الخلافةِ وجودُ العلماءِ الذينَ يكثرُ الانتفاعُ بعلمِهم ويكثرُ بين الأمةِ أتباعُهم كأمثالِ الأئمةِ الأربعةِ في فقهِ الشريعةِ، وكأمثالِ أئمةِ التابعينَ وتابعيهم من عليِّ زينِ العابدينَ والحسنِ البصريِّ وسعيدِ بنِ المسيبِ وأضرابهم في التابعينَ من الذينَ حملوا العلمَ على وجهِهِ وأدَّوه.

وعلى ذلك أيضًا يُحملُ ما رُوِيَ ويؤيدُه ما ذكرنا من قولِهِ صلى اللهُ عليه وآلِه وصحبِه وسلَّمَ، فيما رواه ابنُ عساكرَ والطبرانيُّ في الأوسطِ: "اللهم ارحمْ خلفائي"، وجاءَ في روايةٍ عن سيدِنا عليِّ بنِ أبي طالبٍ أنه خَرجَ عليهم ﷺ  فقال: "اللهم ارحمْ خلفائي، اللهم ارحمْ خلفائي، اللهم ارحمْ خلفائي" ثلاثَ مرات، قالوا: من خلفاؤك يا رسولَ اللهِ؟ قال: "القومُ يأتونَ من بعدي يروونَ أحاديثي يعلمونَها عبادَ اللهِ" وفي رواياتٍ: "يعملونَ بسنتي ويعلمونَها عبادَ اللهِ".

   فكان هؤلاء محلّ خصوصيةٍ في الخلافةِ عن اللهِ على ظهرِ هذه الأرضِ، وكان منهم الصلحاءُ والأتقياءُ الذينَ نشروا راياتِ الحقِّ والهدى في عبوديةٍ كاملةٍ، وإنابةٍ وخضوعٍ وخشوعٍ وتواضعٍ، وزهدٍ في العاجلةِ، وتعظيمٍ للهِ تباركَ وتعالى.

وقد كثُروا في هذه الأمةِ بفضلِ اللهِ، وبركةِ نبيِّها المصطفى الأواهِ، محمدِ بنِ عبدِ اللهِ صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّمَ. 

فكثُر أولئك الصالحونَ الأولياءُ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها، خصوصًا منهم القائمونَ بأمرِ الشرعِ المصونِ، ونفعِ العبادِ وحسنِ الصلةِ بالخلقِ من أجلِ الخالقِ، لا يرتجونَ من أحدٍ مالاً ولا جاهاً ولا مدحًا ولا ثناءً، هم في كلِّ ما يقومونَ به نظرُهم إلى الواحدِ الأحدِ. 

وأوائلُهم في عصرِهِ ﷺ أنزلَ اللهُ فيهم قولَه تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}، وحالُهم هذا: (إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) ونهايتُهم هذا: (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا).

وهم الداخلونَ فيما قال اللهُ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ)، جعلنا اللهُ منهم.

 

مدرسة حضرموت الشيخ أبو بكر بن سالم :

   وبذلك قامتْ هذه الخلافات على ظهرِ الأرضِ، وفي حضرموتَ كان الكثيرُ منها. 

وكان مما برزَ في مدرسةِ حضرموتَ وفي سلالةِ المصطفى من أهلِ حضرموتَ بروزُ الشيخِ أبي بكرِ بنِ سالمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ السقافِ رحمه اللهُ تباركَ وتعالى.

كان فردًا من أفرادِ أهلِ الخلافةِ الكبرى عن الحقِّ ورسولِهِ صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّمَ، انتزح إلى هذه البلدةِ يريدُ الخلوةَ والعبادةَ، فحرَّكَ اللهُ إليه القلوبَ من شرقِ الأرضِ وغربِها، ولم يبقَ أصنافٌ من المسلمينَ من علمائِهم أو ملوكِهم وحكامِهم أو تجارِهم أو فقرائِهم أو أعيانِهم أو عامتِهم إلا وردتْ منهم ثُلَل وقصدتْهُ إلى هذا البلدِ وإلى هذه القريةِ، في آثارِ خلافةٍ عن الحقِّ ورسولِهِ صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلَّمَ، شيَّدَ اللهُ بنيانَها ومكَّنَ اللهُ تباركَ وتعالى لها على الأرضِ تمكينَهُ لهذا الدينِ المتينِ، إنه أكرمُ الأكرمينَ وأرحمُ الراحمينَ.

 

خاتمة الخطبة الأولى :

    اللهم يا جامعَنا على أسرارِ الوجهةِ إليكَ والخلافةِ على ظهرِ الأرضِ، ارزقنا الصدقَ والإخلاصَ وكمالَ الإيمانِ وحسنَ العملِ الصالحِ؛ حتى ننالَ نصيبَنا من الخلافةِ ونؤديَ حقَّ الأمانةِ، ونُحشرَ مع المحبوبينَ من عبادِكَ من خواصِّ أتباعِ سيدِ أهلِ ودادِكَ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يا أكرمَ الأكرمينَ.

واللهُ يقولُ وقولُهُ الحقُّ المبينُ: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وقال تباركَ وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).

أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ:

(وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ۖ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأجارنا من خزيه وعذابه الأليم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

     الحمدُ لله جامعِنا في يومِ العَرْضِ، في يومٍ يجمعُ فيه أهلُ السماءِ وأهلُ الأرضِ، ويحكمُ ويرفعُ شأنَ من كانوا على ظهرِ الأرضِ مقيمينَ للخلافةِ على وجهها.

نشهدُ أنه اللهُ الذي لا إلهَ إلا هو وحدَه لا شريكَ له، هو الواحدُ الأحدُ الفردُ الصمدُ، ونشهدُ أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه وحبيبُه سيدُ الهادينَ إلى المنهجِ الأرشدِ.

اللهم صلِّ وسلِّمْ وباركْ وكرمْ على عبدِك الأسعدِ سيدِنا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه ومن سارَ في سبيلِه في الغيبِ والمشهدِ، وعلى آبائِه وإخوانِه من الأنبياءِ والمرسلينَ من كلِّ مقرَّبٍ أمجدِ، وعلى آلِهم وصحبِهم وتابعِيهم، وعلى ملائكتِك المقرَّبينَ وجميعِ عبادِك الصالحينَ، وعلينا معهم وفيهم برحمتِك يا أرحمَ الراحمينَ ويا أكرمَ الأكرمينَ.

    أما بعدُ عبادَ اللهِ، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ، فاتقوا عالمَ الغيبِ والشهادةِ؛ لتنالوا حقائقَ السعادةِ، وتقوموا بنصيبِكم من الخلافةِ عن اللهِ تباركَ وتعالى.

الفردُ منكم ومع أسرتِه ومع جماعتِه، ومع ما أقامَ اللهُ في بلدِه ومكانِه من وجوهِ أهلِ الخيرِ ومن أعلامِ هذه الخلافةِ عن اللهِ ورسولِه ﷺ، من الذينَ يقيمونَ الصِّلات بالخلقِ من أجلِ الخالقِ، لا غرضَ لهم في الخلقِ ولا التفاتَ، على العبوديةِ المحضةِ الخالصةِ.

جلسة العبد بين يدي سيده :

    ولقد عَجِبَ من عَجِبَ من حالِ الشيخِ أبي بكرِ بنِ سالمٍ وهو في مجالسِه جالسٌ متوركًا كأنه في صلاةٍ، سنةً وسنتينَ وثلاثًا وأربعًا وخمسًا وسبعًا وعشرًا إلى خمسةَ عشرَ سنةً، ألا تتعبُ من هذه الجلسةِ وتقلِب جلستَك وتحركُ رجليك؟ 

قال: هذه جلسةُ العبدِ بين يديِ السيدِ، أنا عبدٌ بين يديِ سيدي، سيدي حاضر… اللهُ، هذه جلسةُ العبدِ بين يديِ السيدِ.

هذه العبوديةُ التي قامَ بها شأنُ الصدقِ مع اللهِ تباركَ وتعالى والخضوعُ لجلالِه والتذلُّلُ لعظمتِه.

ولقد كان يقولُ بعضُ العارفينَ: رأيتُ اللهَ رفعَ أحوالَ ثلاثةٍ من كبارِ أوليائِه في الأمةِ بقوةٍ وشدةِ تواضعِهم: 

  • الإمامُ أحمدُ الرفاعيُّ عليه رحمةُ اللهِ،
  • والإمامُ عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ العيدروسُ،
  • والإمامُ الشيخُ أبو بكرِ بنُ سالمٍ، 

أعلى اللهُ لهم الدرجاتِ. 

كانوا ممن امتازَ بين هؤلاءِ الخُلفاءِ بقوةِ الخضوعِ والخشوعِ والانكسارِ والافتقارِ والتذلُّلِ، والجميعُ منكسرٌ والجميعُ مفتقرٌ، غلبَ عليهم هذا الوصفُ غلباً،  فرفعَهم الحقُّ تباركَ وتعالى وأعلى مقامَهم جلَّ جلالُه وتعالى في علاه.

 

التواصل والتعاون على الخير :

   يا أيها الحاضرونَ في هذه الجمعةِ في اتصالٍ بهذه المعاني، إنها تخاطبُكم في أفرادِكم وأُسرِكم وواجباتِكم. 

كان شأنُ اتصالِ الشيخِ ثم من خَلَفَه من بعد بقبائلِ المنطقةِ وما حواليها، وبالأعيانِ وبالعلماءِ، في التعاونِ على:

  • إصلاحِ ذاتِ البينِ،
  • والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ،
  • وإكرامِ الضيفِ والواردِ،
  • وتفقُّدِ المصالحِ العامةِ للمسلمينَ. 

على ذلك تواصوا وتواصلوا في دائرةِ: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ) جعلنا اللهُ وإياكم منهم، (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

 

مدرسة حضرموت عبودية وعبادة :

    أيها المؤمنونَ، ليستْ هذه المظاهرُ مظاهرَ دنيا ولا مظاهرَ عادةٍ، ولكنها مظاهرُ عبوديةٍ ومظاهرُ عبادةٍ، ومظاهرُ اتصالٍ بإمامِ القادةِ وسيدِ السادةِ، من أنزلَ اللهُ عليه الكتابَ وبيَّنَه لنا بالسنةِ التي بلَّغَها ذلك الجنابُ ﷺ،  وشُرِحَتْ لنا في أقوالِ الصحابةِ والتابعينَ فتابعِيهم بإحسانٍ

   أيها المؤمنونَ، مدرسةُ حضرموتَ صبغَتِ الصادقينَ منهم في حقائقِ الوحيِ والتنزيلِ وحقائقِ السنةِ للهادي والدليلِ، فعاشوا للهِ لا لأنفسِهم، وصدقوا في معاني (إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). 

إنها أمانةُ وتكاليفُ: الصبرُ والحلمُ والتقوى، والتعليمُ والدعوةُ إلى اللهِ وإصلاحُ ذاتِ البينِ، وإيواءُ الغريبِ واللهيفِ، وتفقُّدُ المحتاجِ، ونشرُ الهدى والعلمِ وما إلى ذلك. 

على ذلك قامتْ مقاماتُ الصالحينَ في شرقِ الأرضِ وغربِها عليهم رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى، في أسرارِ الخلافةِ للخاصةِ عن اللهِ تعالى في هذه الأرضِ حتى تتصلَ بالخلافةِ التي تظهرُ آخرَ الزمانِ وتعمُّ الحُكمَ كما تعمُّ العلمَ، فتجتمعُ الخلافتانِ في آخرِ الزمانِ، لا على مستوى الأفرادِ ولكن على مستوى الجمعِ.

 

الخلافة في آخر الزمان :

   وفي بداياتِها يقولُ ﷺ  في تعظيمِ شأنِ هذه الخلافةِ: "ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً" ، "فإمامُكم منكم"، وجاءَ في الصحيحينِ أنه يقولُ له الإمامُ -وذلكم المهديُ في ذلك الوقتِ- يقولُ: "تعالَ صلِّ بنا" فيقولُ: "لا، إمامُكم منكم". قال ﷺ  تكرمةً من اللهِ لهذه الأمةِ، وإشارةً إلى شرفِ هذه الخلافةِ. 

فيصلِّي عيسى ابنُ مريمَ صلاةَ الصبحِ أولَ فريضةٍ يصلِّيها على ظهرِ الأرضِ بعد نزولِه مأمومًا، والإمامُ واحدٌ من خلفاءِ محمدٍ ﷺ  من هذه الأمةِ، تكرمةً من اللهِ لهذه الأمةِ في أسرارِ هذه الخلافةِ.

 

الدعاء والتضرع :

  يا رب باركْ لنا في وجهاتِنا وإيمانِنا والعملِ الصالحِ، وفي اجتماعِنا هذا اليومَ في هذه البلدةِ، واجعلِ اتصالَ قلوبِنا وأرواحِنا بأسرارِ الخلافةِ قويًا، واسلكْ بنا في سبيلِ الصدقِ معك سبيلاً سويًا، فإنه السبيلُ الذي يفوقُ فكرَ المفكرينَ وجميعَ ما ينازلُ الناسُ من أحاسيسِ ظلمةِ هذه الدنيا والرغبةِ فيها، الأمرُ أكبرُ من ذلك. 

ثبتنا اللهُ وجعلنا من الذينَ لا يريدونَ علوًا في الأرضِ ولا فسادًا، ومن أهلِ العاقبةِ وهم المتقونَ، اللهم آمينَ.

 

وأكثروا الصلاةَ والسلامَ على أعظمِ خليفةٍ، صاحبِ الأحوالِ العاليةِ الشريفةِ، سيِّدِ أهلِ القلوبِ النظيفةِ، محمدِ بنِ عبدِ اللهِ، فإن من صلى عليه واحدةً صلى اللهُ عليه بها عشرًا. 

وإن اللهَ تعالى أمرَنا بأمرٍ بدأَ فيه بنفسِه وثنى بالملائكةِ وأيَّه بالمؤمنينَ، فقال مخبرًا وآمرًا لهم تكريمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

 اللهم صلِّ وسلِّمْ على الرحمةِ المهداةِ والنعمةِ المسداةِ، السراجِ المنيرِ البشيرِ النذيرِ، عبدِك الهادي إليك سيدِنا محمدٍ، وعلى مؤازرِه في حاليِ السعةِ والضيقِ، خليفةِ رسولِ اللهِ سيدِنا أبي بكرٍ الصديقِ. 

وعلى الناطقِ بالصوابِ حليفِ المحرابِ، أميرِ المؤمنينَ سيدِنا عمرَ بنِ الخطابِ. 

وعلى محيي الليالي بتلاوةِ القرآنِ من استحيتْ منه ملائكةُ الرحمنِ، أميرِ المؤمنين ذي النورينِ سيدِنا عثمانَ بنِ عفانَ. 

وعلى أخ النبيِّ المصطفى وابنِ عمِّه وولِيِّه وبابِ مدينةِ علمِه، إمامِ أهلِ المشارقِ والمغاربِ، أميرِ المؤمنينَ سيدِنا عليِّ بنِ أبي طالبٍ. 

وعلى الحسنِ والحسينِ سيِّدَيْ شبابِ أهلِ الجنةِ في الجنةِ، وريحانتَيْ نبيِّك بنصِّ السنةِ، وعلى أمِّهما الحوراءِ فاطمةَ البتولِ الزهراءِ، وعلى خديجةَ الكبرى وعائشةَ الرضا، وعلى الحمزةِ والعباسِ، وسائرِ أهلِ بيتِ نبيِّك الذينَ طهرتَهم من الأدناسِ والأرجاس، وعلى أهلِ بدرٍ وأهلِ أحدٍ وأهلِ بيعةِ الرضوانِ، وعلى الآلِ وسائرِ الصحابةِ الطاهرينَ ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.

الدعاء للأمة وللمسلمين :

اللهم أعزَّ الإسلامَ وانصرِ المسلمينَ، اللهم أذلَّ الشركَ والمشركينَ، اللهم أعلِ كلمةَ المؤمنينَ، اللهم دمرْ أعداءَ الدينِ. 

اللهم أقمْ فينا خلافةَ خاتمِ النبيينَ واقسمْ للفردِ منها بنصيبٍ، وللأسرةِ والمجتمعِ بنصيبٍ، ولأهلِ الخصوصيةِ في القيامِ بحقِّها من العلماءِ والأولياءِ بالنصيبِ الأوفى، وارزقنا اللهم كمالَ التعاونِ على أدائِها على الوجهِ الأحبِّ إليك والأرضى لك، والأسعدِ لنا يومَ لقائِك. 

اللهم ألحقْنا بخيارِ البريةِ وثبتنا على الطريقةِ السويةِ، وطهِّرْ لنا يا مولانا كلَّ قلبٍ وسريرةٍ وطويةٍ، ونقِّنا عن الشوائبِ واسقِنا من أحلى المشاربِ. 

اللهم احفظْ حضرموتَ واليمنَ والشامَ والشرقَ والغربَ، واكشِفِ الكربَ عن أمةِ نبيِّك محمدٍ وادفعْ عنا الخطوبَ والبلاءَ والآفاتِ والعاهاتِ، وكلَّ من نوى بالصدقِ صلاحًا ونفعًا للأمةِ باركْ له في خطاه ومسعاه، وكلَّ من نوى سوءًا وشرًا وموالاةً لأعدائِك فارددْ كيدَهم في نحورِهم وادفعْ عن المسلمينَ جميعَ شرورِهم. 

يا حيُّ يا قيومُ تدارَكْنا والأمةَ واكشِفْ كلَّ غمةٍ، برحمتِك يا أرحمَ الراحمينَ. 

ولا تصرفْنا من جمعتِنا إلا مغفورةً ذنوبُنا، مستورةً عيوبُنا، مقضيةً حوائجُنا، صالحةً أفئدتُنا، موفقينَ لزيادةِ الإيمانِ والعملِ الصالحِ في كلِّ يومٍ وليلةٍ، بل في كلِّ ساعةٍ ولحظةٍ برحمتِك يا أرحمَ الراحمينَ.

باركْ في أعمارِنا واختمْها لنا بأكملِ الحسنى، وارحمْ موتانا وموتى المسلمينَ، خُصَّ بواسعِ الرحمةِ عبدَك الحسنَ بنَ أحمدَ بنَ عليٍّ، ومن تقدَّمَ في هذا المنبرِ وهذا المسجدِ وهذه البلدةِ من المؤمنينَ والمؤمناتِ، واعممْ جميعَ المؤمنينَ والمؤمناتِ موتاهم وأحياهم بالرحمةِ الواسعةِ، واجمعْنا بهم في دارِ الكرامةِ وأنت راضٍ عنا. 

وباركِ اللهم في أهلِ القيامِ بهذه الخلافةِ وأيِّدْهم وأعنْهم وأسعدْهم وارزقْهم الإخلاصَ والصدقَ والتوفيقَ التامَّ، وارزقْنا وإياهم التعاونَ على ما يرضيك في كلِّ خاصٍّ وعامٍّ يا ذا الجلالِ والإكرامِ.

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، 

(رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، 

(رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). 

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).

عبادَ اللهِ، إن اللهَ أمر بثلاثٍ ونهى عن ثلاثٍ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). 

فاذكروا اللهَ العظيمَ يذكرْكم، واشكروه على نعمِه يزدْكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ. 

تاريخ النشر الهجري

09 شوّال 1447

تاريخ النشر الميلادي

28 مارس 2026

اضافة إلى المفضلة