(639)
(489)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع الروضة في مدينة المكلا، ساحل حضرموت، ليلة السبت 15 ربيع الثاني 1448هـ بعنوان:
مكانة مجالس الذكر وضرورة احتفال المؤمنين بشئون نبيهم وحال الصحابة مع أحواله وشئونه
يتحدث عن غاية الخلق ومكانة النبي محمد ﷺ وشرف الصلاة عليه، وذكر القرآن لميلاد الأنبياء، كما يعرض أحوال الصحابة في محبته وتعظيمه ﷺ، وأدلة حِلَق الذكر وإنشاد الشعر في المساجد، داعياً إلى تصحيح المفاهيم وترك التفرقة، والاقتداء بالنبي ﷺ في الرحمة بالخلق..
اقرأ المحاضرة، وتعرّف على هذه المعاني وشواهدها من القرآن والسنة وأحوال الصحابة رضي الله عنهم
الحمدُ لله الذي إذا عَلِمَ في القلوب خيراً أنزل عليها السكينة، وأحلَّ فيها الطمأنينة، ووهبها منه مواهب وعطايا ثمينة، لا إله إلا هو ربُّنا وربُّ كلِّ شيء، خلقنا لنربح عليه لا ليربح علينا جلَّ جلاله.
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)، تكرَّم وجاد، وجعل أعظمَ الكرامة لمن استجاب من المُكلَّفين من العباد؛ أن يقوم بحُسن عبادته تبارك وتعالى، وهذا معنى الآية.
وإلا فالحكمة في الخلق والإيجاد للجميع ما قال في الآية الأخرى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، هذه الحكمة المُرادة.
وأما حكمة الإكرام والإعظام، حكمة التفضُّل والإحسان، فهي خاصة بالعُبّاد: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)؛ فهم المقصودون بهذا الخلق وما يقومون به من عبادة، ومَن سواهم ليس في محلِّ الإكرام ولا في محلِّ التفضُّل، ولا هو المقصود بهذا الوجود.
الوجود أُوجِد مِن أجل هؤلاء العُبَّاد لا لسواهم، وإن كان مائدةً يستوي فيها البَرُّ والفاجر في أخذ مصالحها الحِسية والمادية والظاهرية؛ إنْ يكُن صالحاً أو يكُن فاسقاً، إنْ يكُن مسلماً أو يكُن كافراً، يستفيدُ من ترابها، يستفيد من زَزعها، يستفيد من مبانيها، يستفيد ممَّا فيها بحسب اجتهاده؛ فهي أمرٌ مقدور، ولكن لكون هذا الأمر ليس له غاية، وليس له كبيرُ شأن، وليس له أبدٌ وخلودٌ ما اعتُبِر، ما اعتُبِر في عظمة الإكرام والإرادة الإلهية لمن يُكرِمه.
ولكنَّ هؤلاء الذين يعبدونه ويُحسِنون عبادته هم الذين قُصِدوا بخلق الكون وما في الكون، وخَلقِهم ووجودهم وبروزهم إلى عالم الشهادة من عالم الغيب، بل إلى عالم الوجود من العَدم المَحْض الذي هو أصل كلِّ مخلوق.
أصل كلِّ مخلوقٍ عدمٌ محض؛ العرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار، والملائكة والإنس والجن والسماوات والأرض وما بينهما، أصلُها وحقيقتُها عَدَمٌ محض، لا شيء، لا شيء، لا شيء! اللهُ أوجدها، اللهُ برَأها، اللهُ أبرزها، اللهُ كوَّنها، اللهُ خلقها؛ ليُعِزَّ أهل طاعته، ويُذِلَّ أهل معصيته، وهذه الغايات التي تنتهي إليها الحكمة المرادة من قِبَل الله.
وإذا أعزَّ أهل طاعته، كان مُقدَّميهم وأئمَّتَهم وعظماءَهم الأنبياءُ والمرسلون -صلوات الله وسلامه عليهم- الأنبياء والمرسلين-، وكان مُقدَّمَ الكلِّ خاتمُ النبيين ﷺ، الذي تذكرون مولده، وتذكرون نشأته، وتذكرون بعثته، وتذكرون إسراءه ومعراجه، وتذكرون هجرته، وتذكرون غزواته، وتذكرون تعاليمه.
ومَن ذا الذي ينقطع عن ذكر هذا وعنده ذرَّةٌ من إيمان؟! حتى الذي تَخيَّل خيالاً باطلاً عن المولد النبوي الشريف والذكرى له، هو في خلال حياته -بصدقٍ أو بغير صدقٍ، بتعظيمٍ أو بغير تعظيمٍ- يذكر نشأته، يذكر أخلاقه، يذكر هجرته، يذكر سيرته.. ضرورةً، بل يذكر صِفَته العُظمى ويُسلِّم عليه بها في كلِّ صلاة؛ فيريد أن يتنصَّل عن ماذا؟!
أنت وسط الصلاة تقول: «السلام عليك أيها النبيُّ ورحمة الله وبركاته»، فتريد بعد الخروج من الصلاة تتنصَّل من ذكره، أو ذكر مولده، أو ذكر سيرته، أو الصلاة عليه؟ تريد أين؟! الرحمن يقول لك وسط الصلاة التي هي حضرتي: اذكر عبدي محمداً بالوصف الأعلى -وهو وصف النبوة- وسلِّم عليه، وقل: «السلام عليك أيها النبيُّ ورحمة الله».
إذا كان هذا ليس احتفال، فما معنى الاحتفال؟! هُم يحتفلون بذكره في كلِّ صلاة، وإذا خرجوا من الصلاة يقولون: لا تذكروه، لا تحتفلوا، هذا بدعة! وإذا ذكرُه وسط الصلاة فرضاً، كيف يكون خارج الصلاة بدعةً من سنة كم؟! سنة كم تحول إلى بدعة؟
ويجيء يقول: الصحابة ما احتفلوا! ما عرفت الصحابة أنت؟ ما أجهلَك بالصحابة! ما أجهلَك بشعور الصحابة! ما أجهلَك بعقيدة الصحابة! ما أجهلَك بأدب الصحابة! ما أجهلَك بحال الصحابة! الصحابة من الرؤوس إلى الأقدام محتفلين بمحمد ﷺ؛ مولدِه، ونشأتِه، وبعثتِه، وهجرتِه، وأخلاقِه، وشمائلِه، وصفاتِه.
ومَن الذي نقل إلينا أخبار مولده؟ عسى ما جئنا بها من عند عمك أو خالك! الصحابة حدَّثونا، الصحابة حدَّثونا عن مولده، وإلا نحن ما حضرنا المولد ولا عرفنا ماذا جرى في المولد، لكن هو تحدَّث، والصحابة شهدوه وحدَّثوا ووصل إلينا الخبر، من أين جئنا بأخبار المولد؟ عسى ما هي من عند زيدٍ أو عمرٍو أو من أمريكا! من أين جئنا بها؟ جئنا بها من سنَّته، جئنا بها من بلاغه.
هو الذي يقول عن مولده: «وأنا رؤيا التي رأت»، «وإنَّ أمي رأت حين وضعتني»؛ ما معنى «وضعتني»؟ هو مولد أو شيءٌ ثانٍ؟! بالله قُل لي، شيءٌ ثانٍ؟ ممكن ليس مولد هذا؟ «وضعتني» هذا شيءٌ ثانٍ ليس مولد؟ هل فيه عقلٌ أم لا؟!
«وإنَّ أمي رأت حين وضعتني نوراً أضاءت له قصور الشام»؛ بالله عليك، هذا احتفالٌ من محمد ﷺ بمولده أم لا؟ أو استخفاف؟ هل استخفَّ بمولده؟ هل منع ذكره؟ ذكر مولده بالتمجيد بنفسه: «وإنَّ أمي رأت حين وضعتني نوراً أضاءت له قصور الشام». هي وسط مكة وترى قصور الشام! الشمس تطلع كلَّ يوم ما أحدٌ يرى قصور الشام من مكة؛ فأيّ نورٍ هذا الذي قطع الحُجُب، وأرى العينَ المُجرَّدة من وسط دارٍ في مكة قصورَ أرض الشام، حتّى رأت أعناقَ الإبل ببُصرى؟! أعناقُ الإبل ببُصرى رأتها عينُ آمنةَ بنتِ وهبٍ حين وَضْع محمد حبيب الربِّ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
والحقُّ يقول عن مولده: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى)، و(يَجِدْكَ) هذا مولدٌ أو شيءٌ ثانٍ؟ (يَجِدْكَ) يعني ليس مولد؟! فسِّروا لي كيف (يجدك)؟ (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) صلى الله عليه وسلم.
ثم يُقسِم بِعُمره الشريف، يقول: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)، المعنى: أُقسِم بعُمرك أنَّ أولئك كانوا في سكرةٍ عامهين فيها، (لَعَمْرُكَ) أي: لعمرُك قَسَمي.
وأقسمَ ربُّ العالمين بعَمرهِ ** وأعظِمْ بها من مالك المُلك قادرِ
جلَّ جلاله، هو القادرُ يُقسم بعمر النبي ﷺ! فهذا الذي هو عمره مِن أين يبدأ؟ يمكن من غير مولد؟! يبدأ عمره من غير مولد، ممكن؟! من أين يبدأ عمره؟ مِن لحظة المولد، مِن ساعة المولد إلى لحظة الوفاة؛ فسلامٌ عليه يوم وُلِد، وسلامٌ عليه يوم مات، وسلامٌ عليه يوم يُبعث حيّاً.
وهذه المواطن الثلاثة اعتنى الله بذكرها في القرآن ليحيى ولعيسى، وتريد محمداً ﷺ ما أحدٌ يذكرها له هذه الساعات؟! يقول على سيدنا يحيى عليه السلام، يقول: (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ)، (يَوْمَ وُلِدَ)، (يَوْمَ وُلِدَ)! لماذا (يَوْمَ وُلِدَ)؟ لو ما كان في يوم المولد معنىً ومزيَّة وخصوصية، لماذا (يَوْمَ وُلِدَ)؟ المواقع والأيام العظيمة الكبيرة في حياة كلِّ فرد: يوم الميلاد، يوم الوفاة، يوم البعث؛ إذا كانت هذه أعظم الأيام للإنسان: (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا).
وبعد ذلك يذكر خبر سيدنا عيسى وخطبة وهو في المهد؛ فقُل للعقول -وهم يدَّعون الإيمان- متى تتأدَّب؟ إذا سمعوا معجزةً للنبي ﷺ أو كرامةً من كراماته يقولون: مش معقول! وطفلٌ هكذا صغير يتكلم في المهد ويُلقي خطبة، معقول أو ما ليس معقول؟! إذا قلت: غير معقول، كفرت! هذا ربُّك يقول لك: (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ) خُطبة! (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا)؛ أيُّ مباركٍ هذا؟ ممكن صوفي عيسى! ما معنى (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا)؟ ما هي البركة؟ هو مخلوقٌ آدميٌّ مبارك، ما مبارك تعني؟ يعني ما أحد يتبرَّك بأحد؟ هذا المعنى؟ يعني ليس فيه شيء؟!
(وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ)، المحل الذي أقع فيه يقع مباركاً، أينما كنتُ البركة معي تمشي! (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ)، (وُلِدْتُ)، وُلِدْتُ، وُلِدْتُ! (يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا).
فإنْ كانت هذه من أعظم الأيام في حياة الأنبياء، فلا يومَ مولدٍ أعظمُ من يوم مولد محمد ﷺ، عليهم سلامُ الله جميعاً يوم وُلِدوا، وعلى محمدٍ أضعافُ أضعافِ السلام وآلافُ السلام، وعليهم سلامُ الله جميعاً يوم ماتوا، ولكن على محمدٍ يوم مات أضعافُ أضعافِ آلاف السلام، وإذا بُعثوا ما أحدٌ ينشقُّ القبر منهم عنه قبله، وما أحدٌ يُحشر قبله، ويوم يُبعث حيّاً فعليه سلامُ الله، هو في ذاك اليوم صاحبُ الصَّولة والجَولة، هو صاحب مقام: «أنا لها»، محمدٌ ﷺ!
محمد، مَن به شُرِّفتم، يعِزُّ عليكم أن تذكروه؟! مَن عنده مثقالُ ذرَّةٍ من الإيمان به يفرح بذكره، يفرح بالصلاة عليه، وكيف وقد أُمرنا بها؟ ولمَّا أراد ربُّنا يأمرنا بها ابتدأ بنفسه هو، وقال: (إِنَّ اللَّهَ)، وثنَّى بالملائكة: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ)؛ وانظروا ما آمُرُكم بأمرٍ إلا وأنا أوَّلُ قدوتكم فيه، يقول بعض العلماء: العجب أنَّ جميع العبادات القدوةُ فيها سيدنا رسول الله ﷺ، إلا الصلاة عليه القدوة الربُّ؛ اللهُ أمرنا وقال لنا: أنا أُصلِّي، أنتم صلُّوا! الله أكبر!
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا). فنحن نعمل هذا العمل الذي نسبه الله إلى نفسه ونسبه إلى الملائكة؛ فما أشرفَه! ما أشرفَ الصلاة على سيدنا ﷺ!
ولولا شرفُها وكرامتُها ومنزلتُها لدى الربِّ، لَمَا قال حبيبُ الربِّ ورسولُه ﷺ فيما روى الترمذي في سننه وغيره: «إنَّ أَولى الناس بي يوم القيامة أكثرُهم عليَّ صلاةً»، ليس ليشمئز بالصلاة، عيب عليك! سابِقْ، أكثِرْ حتى تقرب منه، فالأَولى به في القيامة مَن كان أكثرَ صلاةً عليه.
ما معنى أَولى به؟ أَولى بقُربه، أَولى بشفاعته، أَولى بمرافقته، أَولى بالدخول معه إلى الجنة، أَولى بالمرور معه على الصراط؛ «أَولى الناس بي يوم القيامة أكثرُهم عليَّ صلاةً»، يا ربِّ صلِّ عليه، يا ربِّ صلِّ عليه وآله وصحبه أبداً سرمداً، عددَ ما علمتَ، وزِنةَ ما علمتَ، وملءَ ما علمتَ.
فكيف يكون حال الذي ينفر من الصلاة عليه؟ يكون مِن أبعد الناس منه! وقد جاء النصُّ في ذلك فيما روت السيدة عائشة -عليها رضوان الله- أمُّ المؤمنين، قالت: كنتُ أَخيطُ ثوباً لي وقت السَّحَر، وبينما أنا أخيط انطفأ السراج وسقطت الإبرة من يدي، فأخذتُ أبحث عنها بأصابعي.. لم تعثر عليها، قالت: فأقبلَ رسول الله ﷺ، وحين رفع الستارة عن الحجرة أشرقَ نورُ وجهه فرأيتُ الإبرة، فالتقطتُها، وقلتُ: ما أضوأَ وجهَك يا رسول الله! قالت: فقال لي: «الويلُ لمن لا يراني يوم القيامة يا عائشة»، قالت: ومَن لا يراك يوم القيامة يا رسول الله؟ قال: «مَن ذُكِرتُ عنده فلم يُصلِّ عليَّ»، مَن ذُكِرتُ عنده فلم يُصلِّ عليَّ! الذي ما في قلبه مودَّة ولا محبة ولا تعظيم ولا اهتمام ولا انتباه ولا عِبرة، يسمع ذكري ولا يهتزُّ للصلاة عليَّ!
يا ربِّ صلِّ عليه، يا ربِّ صلِّ عليه وعلى آله وصحبه وآبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم وتابعيهم بإحسان، وعلينا معهم وفيهم، وأعِنَّا على ذِكرِك وشُكرِك وحُسنِ عبادتِك، يا الله.
ألحِقْنا بالعابدين الصادقين الذين أوجبتَ كرامتهم، وأعظمتَ إكرامهم، ونشرتَ أعلامهم، برحمتك يا أرحم الراحمين.
وقال عن كُبارهم من النبيين: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)، وقال: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)، (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)؛ أعِنَّا على ذِكرِك وشُكرِك وحُسنِ عبادتِك، يا ربَّ العالمين ويا أكرمَ الأكرمين.
وجمعتكم عنايةُ الله ورعايتُه على سرِّ العبادة: صلاةِ مغربٍ في جماعة، وانتظارِ صلاة العشاء في جماعة، وأنتم في صلاةٍ ما انتظرتم الصلاة، وفيما بينهما ذِكرٌ وتسبيحٌ وتحميدٌ في بيتٍ من بيوت الله، (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ)؛ ربِّي يمدحهم وأنتَ تجيء تقول لهم: مبتدعين! عيب عليك، أنت تجيء تقول لهم.. وربي يمدحهم في كتابه: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ).
ثم ذكر عمَّن يفكِّر في منع الذكر في المساجد، قال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا)؛ قال: هذا خراب! تُبطِل ذكرَ اسمي في المسجد، خرَّبتَ المسجد! (وَمَنْ أَظْلَمُ) قال: هذا ظلم! (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ)؛ يقول: معشر المؤمنين، إذا كانت الشوكة لكم، هؤلاء الذين يشمئزُّون من ذكري أرهِبوهم، ولا يدخلوا المساجد إلا وهم خائفون، أي لا تكون لهم صَولةٌ في المساجد، لا تكون لهم كلمةٌ في المساجد: (أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ)، كما قال جلَّ جلاله.
ثم صحَّ في الحديث: «إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: سيعلم الجمعُ اليومَ مَن أهلُ الكرم»، أي: الكرماء على الله، مَن أهلُ الكرم؟ «قالوا: ومَن أهلُ الكرم يا رسول الله؟ قال: أهلُ حِلَق الذكر في المساجد»، وهذا تشريعٌ واضح وتصريحٌ بيِّن من سيدنا المصطفى ﷺ على عقد حِلَق الذكر في المساجد.
وروى الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «إنَّ رفع الناس أصواتهم بالذكر عقب الفريضة في المساجد كان على عهد رسول الله ﷺ، وكنتُ أعلم أنهم انصرفوا بذلك إذا سمعتُه»؛ يقول: أكون خارج المسجد، إذا سمعتُ الأصوات بالذكر أقول: النبيُّ سَلَّم الآن من الصلاة، خرجوا من الصلاة؛ «أعلم أنهم انصرفوا بذلك إذا سمعتُه»، لكن ما أدري سنة كم تحوَّل بدعة! سُننه وبين يديه ومسمعه ومبصره، تتحوَّل بدعةً في سنةٍ من السنين؟!
أعوذ بالله من غضب الله! أعوذ بالله من الجراءة على دين الله! دينُ الله ليس لعبة، دينُ الله ليس مسخرة! لو جئتَ تتكلَّم في الهندسة ولم تكن متخصِّصاً ضحك عليك الكبير والصغير، وإذا زيَّدتَها حبسك القانون وغرَّمك ومنعك، وإذا جئتَ تتكلَّم في الطب وتُجري عمليات وليس تخصُّصَك أُوقِفت وحاكموك، والدِّين تلعب به؟ وتتكلَّم على غير بصيرة، تتكلَّم بلا سند، تتكلَّم بلا وعيٍ وإدراك، تتكلَّم بلا مرجعيةٍ ترجع إليها في فهم خطاب الحقِّ وخطاب رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟!
وهؤلاء صنفٌ من الذين يُرثى لهم من المسلمين، ويجب أن يُحسِنوا النظر ليدركوا أحوالهم ويتركوا التعصُّب، ومَن كان يقول ذلك لأجل مال، فقل له: سيزول المال وتخسر المآل، ولا خير في مالٍ يُخسِّرك المآل، لا خير في مالٍ يسودُّ به وجهُك أمام الكبير المُتعال، لا خير في مالٍ يُوردك إلى نار جهنم، لا خير في مالٍ يمنعك من رؤية وجه محمد في القيامة: «الويلُ لمن لا يراني يوم القيامة»! وإن كان من أجل طمعٍ في شيءٍ من الأشياء، فقل: ما تطمع فيه -سلطةٌ فما دونها- لن يُنقذك ولن يُفيدك، وبئس ما تطمع فيه يقطعك عن المشفَّع يوم الشفاعة، ويقطعك عن رؤية وجهه يوم الطامّة!
أيها الجمع الكريم، بفضل الله اجتمعتم والسكينة نازلةٌ عليكم، ذكرتموه وصلَّيتم على نبيِّه محمد ﷺ، وتذاكرتم في مهمَّاتكم وواجباتكم في استقبال خطاب الله على ما أراد، والصدقِ مع الله في تنفيذ أوامره واجتناب نواهيه، في تبعيَّةٍ لمحمد قائمةٍ على السند إليه من مُتَّبِعٍ عن متَّبِعٍ عن متَّبِعٍ عن متَّبِعٍ إلى الصحابة، وكانوا النموذجَ الأول في هذه الأمة.
وقال الله عن كُبارهم وخُلاصتهم: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ)؛ ما معنى (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ)؟ يقول الرحمن: أنا جعلتُ هؤلاء محلَّ قدوة، فعلى مَن بعدهم أن يتَّبعهم: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)، عظَّموا رسول الله، وأحبُّوه أكثر من أنفسهم وأموالهم وأولادهم -عليهم رضوان الله- وكان هذا شأنهم.
ثم عَلمنا أخبار مولده عنهم، ثم سمعنا العباسَ عمَّ النبي ﷺ ينظم قصة المولد ويقرأها على النبي ﷺ، ويسمعها النبي، يقول لك الصحابة ما احتفلوا! ما عرفتَ الصحابة! ماذا قرأتَ عن الصحابة؟ يا أجهلَ الناس بحال الصحابة، بشعور الصحابة، بأدب الصحابة؟!
سيدنا العباس آخرَ عمر النبي ﷺ لمَّا رجع من غزوة تبوك -في آخر غزوةٍ غزاها- يقول له: ائذن لي أن أمتدحك بشعرٍ، ورسول الله قال: «قُلْ، لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ»، نظم المولد بالضبط:
«مِن قَبلِها طِبتَ في الظِّلالِ» -قبل الحياة الدنيا طبتَ في الظلال، أي: روحُك هناك كان في الجنة عند آدم وحواء-
مِن قَبلِها طِبتَ في الظِّلالِ وَفي ** مُستَودَعٍ حَيثُ يُخصَفُ الوَرَقُ
-لمَّا أكلا من الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفِقا يخصِفان عليهما من ورق الجنة- حيث يُخصَف الورقُ..
ثُمَّ هَبَطتَ البِلادَ لا بَشَرٌ أَنتَ -ما تكوَّنتَ بشراً- وَلا مُضغَةٌ وَلا عَلَقُ
بَل نُطفَةٌ تَركَبُ السَّفينَ -يرعاكَ الله من صُلبٍ إلى رحمٍ إلى صُلبٍ فيمن اختارهم لك آباءً حتى ركبتَ مع نوحٍ السفينة-
بَل نُطفَةٌ تَركَبُ السَّفينَ وَقَد ** أَلجَمَ نَسراً وَأَهلَهُ الغَرَقُ
تُنقَّلُ مِن صالِبٍ إِلى رَحِمٍ ** إِذا مَضى عالَمٌ بَدا طَبَقُ
حَتّى احتَوى بَيتُكَ المُهَيمِنُ مِن ** خِندِفَ عَلياءَ دونها النُّطُقُ
وَأَنتَ لَمّا وُلِدتَ أَشرَقَتِ الـ** أَرضُ وَضاءَت بِنورِكَ الأُفُقُ
والمولد ما هو؟ أليس هذا؟! إذا كان هذا ليس مولد فما هو إذن المولد؟! المولد كلُّهم يأتون بهذا الكلام، كلُّهم يطلقون به نَثر أو نظم، وهذا الكلام هو الذي يكرِّرونه والذي يأتونه، سمعته أُذُن محمد ﷺ، ما قال له: ابتدعتَ، ولا قال له: بالغتَ!
«وَأَنتَ لَمّا وُلِدتَ أَشرَقَتِ الأَرضُ»؛ قال: ما يحتفلون بالمولد! وماذا «أشرقت الأرض»؟ يحتقرون المولد يعني أو ماذا؟! «أَشرَقَتِ الأَرضُ وَضاءَت بِنورِكَ الأُفُقُ»، اسمع بعدها، قال: إلى اليوم آخرَ عمرك ونحن في هذا التوحيد والإسلام والإيمان والإحسان والقرآن والغزوات، نحن في ذلك النور، هو حق الولادة، النور حقّك!
فَنَحنُ في ذَلِكَ الضِّياءِ وَذلك الـ** نورِ وَسُبلِ الرَّشادِ نَختَرِقُ
هذه عقيدة الصحابة! ما معنى ما احتفلوا يا أبله؟! تعالَ اقرأ تاريخ الصحابة، اقرأ حال الصحابة، اقرأ ذوق الصحابة! فلو رأيتَهم كأنَّ على رؤوسهم الطير بين يديه، أتنفر منهم؟ تقول مبالغين هؤلاء؟! لو رأيتَهم يقدِّمون إناءً فارغاً عند الوضوء، يتلقَّى كلَّ الماء الذي يخرج من أعضائه، فإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وَضوئه؛ ستقول عنهم ماذا؟ يعني صوفية مبتدعين؟! بينهم أبو بكر وعمر وعثمان، السابقين الأوَّلين!
يقول الإمام البخاري في صحيحه عن الصحابي: "فرأيتُ مَن لا يُصِب شيئاً من ذلك الماء أخذ من بَلَلِ صاحبه فتمسَّح به"! ويتمسَّحون، ويتمسَّحون لا حول ولا قوة إلا بالله، كيف هل من مشكلة؟! وبين يدي مَن؟ أحدٌ يعرف التوحيد أحسن منه بالله عليكم؟! أحدٌ يعرف الإسلام أحسن منه بالله عليكم؟! أحدٌ يعرف الحقيقة أحسن منه بالله عليكم؟! بين يديه يتمسَّحون بأثر البلل مِن يدِ واحدٍ ليدِ ثانٍ؛ لأنه مسَّ جسدَ محمد ﷺ! «وإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وَضوئه»، فعلى هؤلاء أن يتَّقوا الله في تكفير أهل «لا إله إلا الله»، وفي نسبة السنة الخالصة إلى البدعة وإلى الزيغ، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
وإذا جاء فَهمٌ خاطئ وباطل في حديث: «كلُّ محدثةٍ بدعة، وكلُّ بدعةٍ ضلالة»، أولاً عرفنا هذا ليس مُحدَث، ولو كان مُحدَث شيء من مظاهره وأسمائه؛ فلا يتناول الحديثُ إلا ما خرج عن الدين وخالف أصوله، يُبيِّنه القائلُ ﷺ بنفسه: «مَن سنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً كان له أجرُها وأجرُ مَن عمل بها إلى يوم القيامة، ومَن سَنَّ في الإسلام سنَّةً سيئةً كان عليه وزرُها ووزرُ مَن عمل بها إلى يوم القيامة»، وبعد هذا البيان منه، تجيء لأحسن الأشياء: قرآن، وذكر، وصلاة على النبي ﷺ، وتذكير، وتسمِّيها ما أدري ايش، وتنهى عنها؟! واللهُ يأمر بها ورسولُه ﷺ يأمر بها!
واللهِ ما تعلَّمنا الذكر في المساجد إلا على يد محمد ﷺ، ولا تعلَّمنا إنشاد الشعر في المسجد إلا على يده!
يروي البخاري في صحيحه قال: دخل عمر بن الخطاب -أيام إمارته رضي الله عنه- وحسَّانُ في المسجد يُنشد الشعر، التفت سيدنا عمر، قال: حسَّان، أشِعْرٌ في مسجد رسول الله؟! -سيدنا عمر يعرف، ولكن أراد الناس يسمعونه- قال: حسَّان، أشِعْرٌ في مسجد رسول الله؟ فالتفت حسَّان قال: «كنتُ أنشده في المسجد وفي المسجد مَن هو خيرٌ منك!» أنا كنتُ أُنشد الشعر وسط المسجد وفي المسجد مَن هو خيرٌ منك، يعني رسول الله ﷺ! تبسَّم سيدنا عمر؛ لأنه كان يدري به.
وجاء في بعض روايات أخرى في غير البخاري، قال: فانصبوا لحسَّان كرسي.. انت اقعد على الكرسي، الشعر وألقِ الشعر في مدح النبي ﷺ، ثم صحَّ في الحديث أنه قال: حسَّان - النبيُّ ﷺ يقول له- إنَّ جبريل وميكائيل معك ما نافحتَ عن رسول الله»؛ ما دُمتَ تدافع عن النبي ﷺ وتذكر فضائله وتردُّ على أعدائه المخالفين، جبريل وميكائيل معك! وأحد يسمِّي جبريل مبتدعاً أو ميكائيل يا عباد الله؟! لا إله إلا الله!
ما الفهم هذا الخاطئ للبدعة ومعنى البدعة؟! وعليه بعد ذلك تقوم مهاتراتٌ وسبابٌ وشتائمُ ومضاربات، أعوذ بالله من غضب الله! لماذا؟ لماذا و «سِبابُ المسلم فسوقٌ وقتالُه كفر»؟! ولماذا مِن أجل فهمٍ خاطئ نُخرِّب عقولنا، نُخرِّب مساجدنا، نُخرِّب الصِّلات بيننا معشرَ أهل «لا إله إلا الله»؟! تكره واحداً لأنه يرفع صوته بالصلاة على النبي ﷺ؛ أنت خصمُ مَن الآن؟ خصمُه؟ أو خصمُ النبي؟ أو خصمُ الحقِّ تعالى الذي يحبُّ هذا؟!
قال الله: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ)؛ فبالله عليك، الصلاةُ على النبي ﷺ سوء؟ سوء أو حُسن؟! لا والله، إذا ما كانت الحُسن فلم يعد هناك حُسن! تسبيح وتحميد، سوءٌ أو حُسن؟ السوء هذا حقّك: السبُّ والشتم هو الذي ما يحبُّه الله، ليس الصلاة على النبي ﷺ ولا التسبيح ولا التحميد!
(لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ)؛ السوء من القول! السوء من القول: كذبٌ، غيبةٌ، سبٌّ، شتمٌ، هذا الذي ما يحبُّه.. أمَّا الحَسَن من القول والطيِّب من القول: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ)، «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، وما رياض الجنة؟ قال: حِلَق الذكر» صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وكلُّ هذه المعاني تدعوكم لأن تُحسنوا الاقتداء به، وترحموا إخوانكم هؤلاء؛ لأننا من سنَّته عرفنا حتى رحمةَ المعادين من الكفار وتمنِّينا إسلامهم، فكيف بإخواننا الذين من أجل غرضٍ أو غيره، أو اشتباهِ أمرٍ ومشيٍ على غير بصيرة، زلُّوا وزاغوا؟!
انشُر الهداية يا ربِّ في قلوب المسلمين، انشُر إدراك الحقيقة في قلوب أهل «لا إله إلا الله»، حقِّقنا بحقائق الصدق معك، ولا تجعل فينا مشَّاءً بالنميمة ولا بالغيبة، ولا مُفرِّقاً بين المؤمنين، ولا مفرِّقاً بين المسلمين، يا أرحمَ الراحمين ويا أكرمَ الأكرمين.
فإنَّ قدوتنا ﷺ قالوا له: القوم خضَّبوا وجهك بالدم، وشقّوا شفتك، وكسروا رباعيتك، وقتلوا أصحابك ومَثَّلوا بهم، فادعُ عليهم! فرفع يديه وقال: «اللهمَّ اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون». يا ربِّ صلِّ عليه.
رَحمَةٌ كُلُّهُ وَحَزمٌ وَعَزمٌ ** وَوَقارٌ وَعِصمَةٌ وَحَياءُ
مُعجِزُ القَولِ وَالفِعالِ كَريمُ الـ ** ـخَلقِ وَالخُلقِ مُقسِطٌ مِعطاءُ
يا ربِّ صلِّ عليه وارزقنا حُسنَ متابعته، ولا تصرِف مِن مجمعنا أحداً إلا نظرتَ إليه نظرةً تربط بها قلبه بقلب حبيبك، وبمحبتك ومحبته، ومودَّتك ومودَّته، حتى تحشرنا جميعاً في زمرته، يا الله، وافعل كذلك بأهالينا ومَن في ديارنا وأولادنا وقراباتنا وجيراننا، يا أرحمَ الراحمين.
اللهمَّ انظر إلى جمعنا نظرةً تجمعهم بها يوم القيامة في ظلِّ عرشك، وعلى حوض نبيِّك، آمين يا أكرمَ الأكرمين.
اللهمَّ انظر إلى يَمَنِنا وارفع الفتن والآفات والبلايا عنه ظاهراً وباطناً، اللهمَّ انظر إلى يَمَنِنا وشامِنا وشرقِنا وغربِنا، وفرِّج الكرب عن المؤمنين، وادفع البلاء عن المسلمين، ورُدّ كيد المعتدين الذين طال منهم الأمد في قتل النساء والصبيان والأطفال والبُرآء، وفي تكسير البيوت والمساجد والمستشفيات إلى غير ذلك، ويتجاهرون بذلك ويتظاهرون؛ رُدَّ كيدهم في نحورهم، ادفع عن المسلمين جميع شرورهم.
يا ربِّ خلِّص بيت المقدس من اعتدائهم ومن مكرهم ومن طغيانهم، يا ربِّ تدارك الأمة وأغِثها بغياثٍ من عندك، يا ربِّ لا تجعل فينا سبباً للفتنة على المسلمين، ولا للبليَّة ونزول الضُّرِّ بالمؤمنين، اللهمَّ حوِّل أحوال المسلمين إلى أحسن الأحوال، اللهمَّ رقِّنا إلى أعلى مراتب حُسن العبادة في الغيب والشهادة يا الله.
أعلِ درجات المتقدِّمين في هذا المسجد، وعلِمتُم من بداية تأسيسه؛ وكان الكبار منكم يشهدون الماء يدخل من هذه النوافذ إلى المسجد في أوقات البحر، بل كان البحر يصل إلى وراء هذا المسجد، ولمَّا لم يجد بقعةً سأل ربَّ البحر أن يُبعِد البحر؛ ما كانت عنده إمكانياتٌ حسِّية من هذا الردم والهدم الذي عملوه الآن، لكن معه اتصالٌ بربِّ البحر وربِّ البرِّ، قال: اقبضه، فقبضه! جلَّ جلاله وتعالى في علاه، وبنى مسجده في هذه البقعة -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- وأعلى درجاته، وجمعنا به في أعلى جنَّاته، وغفر لآبائنا وأمهاتنا.
وبارك لكم في قدوم منصب الشيخ أبي بكر بن سالم، ومَن حضر معكم مِن هؤلاء المناصب: منصب سيدنا الجيلاني، ومنصب سيدنا المحضار، ومنصب سيدنا الحامد، ومنصب سيدنا العطاس، واللهُ يطوِّل أعمارهم في عافية، وينفعنا بجميع الصالحين والمُصلحين والساعين في الخير، ويجعل كلَّ واحدٍ من الحاضرين مفتاحاً للخير مِغلاقاً للشر، سبباً للرحمة، سبباً للنعمة، سبباً للنور، سبباً للهدى.
اللهمَّ ولا تجعل فينا مفتاحاً للشر ولا مِغلاقاً للخير، وثبِّتنا على أقوم السَّير، ولا تصرِفنا من الجمع إلا مغفورةً ذنوبُنا، مستورةً عيوبُنا، مكشوفةً كروبُنا، مدفوعةً الآفات والعاهات عنَّا.
يا سامعَ دعائنا، يا مُلبِّيَ ندائنا، يا مَن ليس لنا غيرُه إله، يا الله يا الله، تداركنا والمسلمين، أغِثنا والمسلمين، فرِّج كروبنا والمسلمين.
اللهمَّ أصلح الراعي والرعيَّة، وادفع كلَّ أذيَّةٍ وبليَّة، أصلح غنيَّنا وفقيرنا، وأصلح أميرنا ومأمورنا، وأصلح اللهمَّ مريضنا واشفِه، وأصلح اللهمَّ صحيحنا وأدِم لهم العافية الظاهرة والخافية.
اللهمَّ فرِّج الكروب، وادفع الخطوب، وأصلح القوالب والقلوب، يا مَن إليه نلجأ ونلوذ به وإليه نتوب، لا ملجأ ولا منجى لنا منك إلا إليك، والحال لا يخفى عليك؛ فانظر إلينا يا رب، وتداركنا يا ربَّنا، وأغِثنا يا ربَّنا، وأصلحنا يا ربَّنا، وفرِّج كروبنا يا ربَّنا، وأصلح قلوبنا يا ربَّنا، واشفِ مرضانا، وعافِ مبتلانا، واقضِ حاجاتنا، وبلِّغنا فوق أمنياتنا من خيرات دنياك وآخرتك، يا ربَّ العالمين ويا أرحمَ الراحمين، والحمد لله ربِّ العالمين.
16 ربيع الثاني 1448