(368)
(637)
(484)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في الاحتفال بالذكرى السنوية الرابعة والعشرين لافتتاح رباط الهدى، واختتام مجالس السيرة النبوية، واختتام العام الدراسي، بسيحوت، محافظة المهرة، ليلة الجمعة 14 ربيع الثاني 1448هـ
الله لا إله إلا هو، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.
أرسل إلينا البشير النذير، السراج المنير: (بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ). أَشْرَقَ أنواره فلا تزال تُضِيء، وبها كُلّ صادقٍ إلى الرحمن يَمْضِي على مدى القرون، حتى يتمّ نصر الله للمختار فيما وعده جل جلاله، وهو القويُّ القادر الذي يقول للشيء: (كُن فَيَكُونُ).
وكل ما على ظهر الأرض من دعوات الفتن، والإفساد، والإضلال، والتفريق، والتشتيت، التي يرأسها إبليس عدو الله، ويَتَجَنَّدُ لها جنوده من شياطين الإنس والجن، يعادون النبوة والرسالة وما جاء به حبيب الحق عن الحق، بِشاهد خبر الصدق عن ربنا في قرآنه: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ).
ضَعْفُ الإيمان بالآخرة به تنفتح القلوب ضعيفة الإيمان لتصديق هذا الوسواس، ولقبول ما يأتي به جنود الخَنَّاس، المملوء بالعِلّة والبأس، والذي يُوقِع الناس في الشر في الدنيا، ويوم يقوم الناس لرب الناس؛ فيقضي بينهم، فلا يرون في القيامة أكرم من محمدٍ ﷺ على القاضي الحق، ولا أوسَع جاهاً منه لدى مَلِكِ يوم الدين.
وبذلك يكون أول شافع، وأول مُشَفَّع، وأول من يجوز بأمته على الصراط، وأول من يأتي الجنة فيُحرِّك حِلَقَهَا، ويقول خازن الجنة سيدنا رِضْوَان: مَن؟ فيقول: محمد، فيقول: مرحباً وأهلاً بك، أمرني ربي أن لا أترك أحداً يدخلها قبلك، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا)، (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا)! ولا يتمنى أحدٌ في ذاك اليوم سبيلاً مع حزب، ولا دولة، ولا اتجاه من الاتجاهات، ولا حزب من الأحزاب، ولا مَرفق من المرافق، ولا وزارة من الوزارات، ولكن مع الرسول.
(يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا)، لِمَ؟ لأن كل ما لم يتصل بالرسول كان في ذاك اليوم هباءً منثوراً، وكان زوراً وغروراً: (وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا * أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا * وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَٰنِ ۚ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا * وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا).
والعلاقات والوثائق والارتباطات التي كانت بينكم؛ أفراداً ومؤسسات وجماعات، قال: (يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا)، ليتنا ما عرفتهم، ولا صاحبتهم، ولا دريت بهم مَن هم، ولا اتبعتهم، ولا جلست معهم، ولا استلمت شيئاً منهم، ولا حضرت محاضرهم! (يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا).
أيها الجمع الكريم المبارك، تحت صَبَّابِ رحمات الإله الفَيض المالك جل جلاله، في معاني إحسانٍ رباني، وفَيْضٍ امتناني، وإنجازِ وعودٍ من المعبود لزين الوجود، أن لا تزال في أمته طائفة ظاهرين على الحق، لا يضرهم من نَاوَأَهُم، لا يضرهم من خَذَلَهُم، لا يضرهم من عاداهم.
والمعنى: أن أهل الحق على مختلف الأزمان في هذه الأمة سيقف أمامهم مناوئون ومخاذلون ومعادون، لكنهم لا يضرونهم؛ كما قال الله لإمامهم وقائدهم: (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ). (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ)، وهم يودون أن يُضِلُّوا، وأن يُؤْذُوا، وأن يقطعوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا).
فلا يضرون أتباعه الصادقين من شيء، بمناوأتهم، ولا بخُذلانهم، ولا بِعِداهم، لا يضرهم من نَاوَأَهُم، لا يضرهم من خَذَلَهُم، لا يضرهم من عاداهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون.
إلا أنّ هذه الفتن تأخذ من سبقت عليه الشقاوة، فيَنْحَرِف، ووراء الشر يَنْجَرِف، بأي صورة؛ بصورة رغبة في مال أو دنيا، أو صورة أوهام عن الدين باطلة، لا عذر له أن يُصدِّقها ولا أن يُحَكِّمَهَا، وعنده الطريق لمعرفة السير الصحيح مع خير فريق؛ علامات قالها الـمُنْزَل عليه الكتاب، سوادٌ أعظم من الأمة، عِتْرَةٌ مربوطة بالقرآن لن يتفرّقا حتى يرِدا عليه الحوض يوم القيامة، جعلنا الله في الواردين على حوضه المورود.
وهو الشأن الذي تتحدثون عنه في مثل قبائل المَهْرَة وما خصهم الله به، وهنيئاً لأهل الزوَيْدِي وما جعل الله لهم من اتصال بهذا الموروث عن صاحب الأنباء والإرسال، خاتم الأنباء والإرسال، محمد باهي الجمال، بدر الكمال، حبيب الكبير المتعال صلى الله عليه وآله وسلم.
وما كانت محبتهم - كمحبة أهل السنة والجماعة لأهل البيت - إلا ديناً قَويماً، لا علاقة له بسبِّ صحابة، ولا برفض يَتَرَفَّضُهُ المغالون الـبعيدُون.
ولكنه محبة قلب محمد لآل بيته، ومحبة قلب الصّدِّيق، ومحبة قلب ابن الخطاب، ومحبة قلب عثمان، ومحبة قلوب الخلفاء الراشدين والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لآل بيت محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
حتى كان يقول بعض الصحابة وقد مرّ الحسن ابن علي: ما على ظهر الأرض أكرم على أهل السماء من هذا! ما على ظهر الأرض أكرم على أهل السماء من هذا! مَن؟ من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يتكلمون عن الحسن بن علي وقد مرّ بينهم عليه رضوان الله تبارك وتعالى.
فهي المحبة الخالصة، لا شأن لها بانحراف عن السنة، ولا بطلب سياسة ولا غير ذلك، لكنها دين.. قال عنها الفرزدق في القرن الأول:
مَحَبَّتُهُمْ دِينٌ وَبُغْضُهُمُ كُفْرُ وَقُرْبُهُمُ مَلجَى وَمُعْتَصَمُ
قالوا وقد سألوه عن علي زين العابدين بن الحسين، افترق عنه الناس وقبَّل الحجر، وعَجِبَ أهل الشام من جنود هشام بن عبد الملك: مَن هذا الذي هابه الناس هذه الهيبة؟ قال: لا أعرفه، قال الفرزدق: ولكني والله أعرفه، من هو يا أبا فراس؟ قال:
هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ البَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ ** وَالبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللهِ كُلِّهِمُ ** هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ
هَذَا ابْنُ فَاطِمَةٍ إِنْ كُنْتَ جَاهِلَهُ ** بِجَدِّهِ أَنْبِيَاءُ اللهِ قَدْ خُتِمُوا
يقول:
إِذَا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا ** إِلَى مَكَارِمِ هَذَا يَنْتَهِي الكَرَمُ
إلى أن قال: مَنْ يَعْرِفِ اللهَ يَعْرِفْ أَوَّلِيَّةَ ذَا
مَنْ يَعْرِفِ اللهَ يَعْرِفْ أَوَّلِيَّةَ ذَا ** فَالدِّينُ مِنْ بَيْتِ هَذَا نَالَهُ الأُمَمُ
مِنْ مَعْشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ وَبُغْضُهُمُ ** كُفْرٌ وَقُرْبُهُمُ مَلْجَأ وَمُعْتَصَمُ
إِنْ عُدَّ أَهْلُ التُّقَى كَانُوا أَئِمَّتَهُمْ ** أَوْ قِيلَ مَنْ خَيْرُ أَهْلِ الأَرْضِ قِيلَ هُمُ
أو قيل من خير أهل الأرض قيل هُمُ، سنة ودين مضى عليه الأكابر، وكان عليه أبو حنيفة النعمان بن ثابت، وكان عليه الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، إذا ذكر شيخه جعفر الصادق يقول: مولاي، مولاي جعفر.
وكان إذا ذَكَر النبي ﷺ بكى واشتد بكاؤه، ويقول له بعضهم: ما لكَ يا إمام؟ قال: لو رأيتم شيخي حَمَّاد بن سلمة إذا ذُكِر رسول الله كيف يكون حاله، حتى نرثي له أشدّ مِمّا ترون مني، ولو رأيتم مولاي جعفر الصادق بن محمد الباقر إذا ذَكَر رسول الله وذُكر عنده، كان يضحك بيننا ويباسطنا، فإذا ذُكِر رسول الله احمرَّ وجهه وصار بحالٍ آخر، لو رأيتموهم ما رأيتم هذا شيئاً مني؛ عليه رضوان الله.
وكان عليه سيدنا محمد بن إدريس الشافعي عليه رضوان الله، وفي أبياته يقول في معناها: إذا ذكرنا يوماً أبا بكر وعمر، قالوا: أنتم من النَّوَاصِب، وإذا ذكرنا علياً والحسين، قالوا: أنتم من الرَّوَافِض. قال: لا والله..
فما زلتُ ذا رفضٍ ونصبٍ كِلَيهما ** بحُبَّيهما حتى أوسَّدَ في الرملِ
أنا أحب أبا بكر وأحب علياً، ولا أُفرِّق بين أبي بكر وعلي، كما يحبهم النبي، وكما فرض عليّ محبتهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
وأخذ ينازعه بعض الناس يقول: إذا افترق الناس قسمين، وكانت فرقة آل محمد في جانب، فتقول الحق مع من؟ فإن قلت معهم فأنت مثلي، وإن كانت الأخرى فَخَلِّ علياً لي ولياً، وأنت مع الباقين في أوسع الحِل، اذهب خلِّني مع العِتْرَة وأنت ابحث من تشاء من على أهل الأرض كلهم، وخلِّني مع قوم يقول فيهم نبي الله: "لن يتفرقا عن القرآن"، (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ).
أصاب المرض قلب أعرابي، ورآه ﷺ فيما أُنزِل عليه يأمر بمودّة أقربائه، ويراه يُقدِّم سيدنا علياً ويُعظمه، فجاء يقول في قلبه نفاقاً: آمنا بك واتًبعناك، والآن تقول لنا عن علي وولاء علي! فهل هذا من عندك أم من عند الله؟ قال: بل من عند الله! قال اتبعناكَ والآن ستجيء بآلك وقرابتك؟ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطِر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، وتوجَّه، وبينما يمشي على ناقته، إذا حجارة من السماء تقع على رأسه وتدقه! لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، صادق في كل ما جاء به.
تحت أنواره اجتمعتم، رأيتم هذه النماذج الطيبة.
إبليس وأحزابه وجنده اخطَطُّوا خططهم على أن ينقطع أبناؤكم عن الفقه في الدين، وعن ذكر شمائل سيد المرسلين، وعن معرفة حقيقة تاريخكم وحقيقة ماضيكم، لأنه ماضٍ مُشرِّف مُتَّصل بالشرف الأفخر، يريدون أن يلووكم عن ذلك، وتجدون الآن من أبنائكم.. الحمد لله!
هؤلاء أبناء كان في خطة إبليس وجنده أن ينطقوا بكلام السوء، وأن يتعلّموا الأغاني الماجنة، وأن يتكلموا بسبّ الحق والدين، ولكنهم على الرغم من ذلك، يجد عدو الله وجنده أنهم ينطقون بالحق، ويوالون رسول الحق، ويذكرون شريعة الدين والفقه فيها.
في أبنائكم هذا التفصيل في مسألة الجلوس على الكرسي في الصلاة وأحواله وتقسيماته، كثير من خريجي الجامعات لا يفقهونه، ومن حاملي شهادة الدكتوراه والبروفيسورات لا يعرفونها، وهي من صُلب الدين متعلقة بعماد الدين.
كيف حُفِظَت في أبنائنا وأبناء هذه القبائل من هذه الجهات بعد مُضي ألف وأربعمائة سنة على رسالة المصطفى؟ وعلى بلاغه! هذا من هجرته، أما من يوم بعثته في غار حراء صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله، فكانت قبل ألف وأربعمائة وواحد وستين من السنين.
ألف وأربعمائة وواحد وستين من السنين مرت على بعثته، ودقائق شرعه تُحفَظ وتتداول وتُذكر بيننا، لأنه رسول الحق الذي أيَّده، ولن تمر الأيام والليالي، والخطط تعمل عملها ويُتأثر من يتأثر بها، ولكن لابد أن يأتي وقت على ظهر الأرض في شرقها وغربها، لا يبقى فيه بيت من حجر أو من مَدَر أو من شجر إلا دخله دين النبي محمد، وشُهِدَ فيه أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وصدق الصادق المصدوق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فاجعلنا الله من جنوده وجنود رسوله، الصادقين معه، المتعاونين على مرضاته جل جلاله، ويبارك لنا في هذه الاتصالات والحصون الحصينات، ويرزقنا الإخلاص والصدق.
وتعلمون في سر هذا المسلك والمدرسة المباركة، أنها تحمل الخير وإرادة الخير، حتى للسَّابِّين والمكفرين والشاتمين والمعادين، من المنتسبين للإسلام ومن غير المسلمين، وإسلام أحدهم أحب إلينا من أن نحوز ماله أو أن نقتله.
وما بعث الله نبينا وأمر أتباعه أن يجاهدوا إلا لإخراج الناس من النار إلى الجنة، ومن الشقاء إلى السعادة، وحتى مع المقاتلين جاء بشريعته وهديه وسنته: لا تقتلوا صبياً، لا تقتلوا امرأة، لا تقتلوا مُدْبِراً، لا تقتلوا من في الصوامع والعُبَّاد، ولا تُمَثِّلُوا بأحد.. هل هناك نظام في العالم أحسن من هذا النظام؟ أكرم من هذا النظام؟
ماذا يعمل أدعياء حقوق الإنسان في أيامكم؟ ماذا عملوا بالأطفال؟ ماذا عملوا بالنساء؟ ماذا عملوا بالمساجد؟ ماذا عملوا بالمستشفيات؟ ماذا عملوا بالبنية التحتية؟ أولئك الخونة، أولئك الفَسَقَة، أولئك الظَّلَمة، أترضونهم قادة بدل محمد؟ أترضونهم أئمة بدل الصّدِّيقين والمقربين؟ والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وآل البيت الطاهر؟ مَن تولاهم فإنه منهم -والعياذ بالله تبارك وتعالى- (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).
إننا نتمنى لهم الإسلام وهو أحبّ إلينا من قتلهم على الكفر، أو مِن أن نغنم أراضيهم، ولكننا لا نواليهم، ولا نُوَادُّ من حادّ الله ورسوله، ولا نرضى بهم متبوعين ولا قادة، قائدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف صلى الله عليه وسلم، ثبَّتنا الله على اتباعه ظاهراً وباطناً، وأحيانا وتوفانا على ذلك.
بارك الله في هذا الرباط، وهذه المدارس، من مدرسة الحبيب علي - الحامد -، والحلقات التي في دِرْفَات والتي في بقية مساجدكم، وهي المتصلة بحبال نور هذا المسلك والمَشرع والطريقة والإرث النبوي المُحمدي الأحمدي، اللهم لك الحمد، فأيِّدهُم وأعِنهم، وثبِّتهم وخُذ بأيديهم.
وبارك في جمعنا وحضور منْصب الشيخ أبي بكر بن سالم، من أحيا الله به المعالم، وفي قرية عِينَات تحركت قوافل من أرض الروم لتصل إلى قرية عِينَات؛ لأنّ فيها وارثاً عظيماً لخير البَرِيَّات.
لم يكن فيها مَلِكاً، لم يكن فيها سلطاناً دنيوياً، ولم يكن فيها ذا ثروة وتجارة، ولكنه كان ذا عبودية حقّة للحق في أعلى مراتبها، في إرث تامٍّ لسيد الخلق.
وحطّت القوافل تحت بيته من أرض الروم، وتحركت قلوب من مغرب العرب، وتحركت قلوب من الشام، وتحركت من مصر، بل من وسط مكة المكرمة، وقصدوا عِينَات في حياة فخر الوجود الشيخ أبي بكر بن سالم؛ لينهلوا من إرث محمد صافياً نقياً، خالصاً لا شائبة فيه، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.
وجاءكم منْصب مقام الإمام أحمد بن محمد الـمَحْضَار، أحد خلفاء هذا المسلك والطريقة، والذي امتزج بالقرآن لحمه ودمه، وحفر قبره في حياته، وكان يخلو فيه يقرأ القرآن.
قال بعض أولاده: كلما سألنا أين الوالد؟ قالوا: عند القبر.. تفزعنا يا أبي! قال: إن رابعة العدوية قرأت سبعة آلاف ختمة في قبرها قبل أن تموت، وأبوك ما تريده حتى مثل امرأة؟ امرأة صالحة، أبوك رجل ما تريده مثل امرأة صالحة؟! أكمل السبعة الآلاف! قال: لابد أنا أزيد، فزاد واحدة، ثنتين، ثلاث، أربع، خمس ختمات، مئة، مئتين، ثلاث، أربع، خمسة آلاف… فصار ثمانية آلاف ختمة، ما وصل إلى القبر إلا وقد قرأ فيه ثمانية آلاف ختمة!
و "البيت الذي يُقرأ فيه القرآن يتراءى لأهل السماء كما تتراءى النجوم لأهل الأرض"، فما ظَنَّك بقبر فيه ثمانية آلاف ختمة؟!
وكان إذا جاء عند الناس شدة وقحط وحاجة يملأ القبر حَبّاً من الطعام، وينزل ويُفرِّقه، وملأ قبره أول مرة وثاني مرة وثالث مرة، يملأ القبر طعاماً وينفقه في سبيل الله تبارك وتعالى، في تبعيّة، في طريقة سويّة، الحمد لله.
وكان استقبال المَنْصَب، وكان استقبال شيخ آل الزُّوَيْدِي والمدير العام عندكم، وكان استقبال وجهاءكم في هذا الترابُط الذي نرجو أن يكون في نقائه وصفائه مُخلَصاً لوجه الله، ينفعنا به في الحياة وعند الوفاة وفي البرزخ ويوم الموافاة، ونجني ثماره في جنّة الله ومرافقة مصطفاه، آمين اللهم آمين.
فتِلكُمُ المقاصد التي تعلو وتكبُر على جميع مقاصد المنقطعين عن شَغَف الإرادة لرؤية وجه الرب في دار الكرامة، وأن يسمعوا: "أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً".
رزقنا الله صدق الرغبة في نيل ذلك، وسلك بنا أشرف المسالك، وبارك في جميع الوافدين والحاضرين، وهيّأنا للقيام بالمهمة في أنفسنا، في أسرنا، في قبائلنا.
والحمد لله على ما يسَّر، والحمد لله على ما دبَّر. وكلما سُدّ باب انفتحت أبواب في خدمة هذا الدين وخدمة هذه الشريعة، ويُهيّئ الله ذا وذاك.
وما يجني الذين يعادون الدين بمختلف أصنافهم إلا آثاماً؛ بإيذاء أو سب أو شتم أو عرقلة أو إغواء أو إضلال، ثم يَنْدَحِرُون ويصيرون إلى سوء المآل والعياذ بالله تبارك وتعالى. ولن يضروا أهل الحق شيئاً، (إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا)، كما قال الله سبحانه وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام:(وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ) وقال سبحانه وتعالى: (وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا)، قال هم عاجزين عن الإضرار بي، وأنت حبيبي وعبدي، بماذا سيضرونك؟ أنا الذي أتولاك، وأنا الذي أرفع قدرك في الدنيا والآخرة، بماذا يقدرون يضرونك به؟ (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ)، حُكمٌ حَكَم به جل جلاله وتعالى في علاه، لا إله إلا هو.
فالحمد لله على ما جمعنا، وكما جمعتنا يا رب هاهنا، فاجمعنا في البرازخ في زمرة الحبيب، واجمعنا في مواقف القيامة في زمرة الحبيب، تحت ظل العرش، وتحت لواء الحمد، وعلى الحوض المورود، وعند المرور على الصراط يا رب، ثبِّت أقدامنا ومُرَّ بنا أسرع من لمح البصر، إلى دار الكرامة والنظر، في زُمرة حبيبك الأطهر وعبدك الأنوَر، خير الخلائق صفوة مُضَر، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، أحيِنا على محبته، وتوفنا على مِلّته، واحشرنا في زُمرته، وارزقنا في العمر القصير خدمة شريعته، وإحياء سنته، ونشر ما جاء به على خير الوجوه، يا أكرم الأكرمين، والحمد لله رب العالمين.
14 ربيع الثاني 1448