كلمة في مجلس الاستقبال في سيحوت، المهرة

للاستماع إلى المحاضرة

كلمة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في بيت المنصب السيد محمد علي سالم الحامد، في مدينة سيحوت، محافظة المهرة، ظهر الخميس 13 ربيع الثاني 1448هـ

 

لمشاهدة المجلس كاملا

 

نص المحاضرة:

يوم الجمع الأكبر وميزان الأعمال

الحمد لله، يوم الجمع الأكبر تظهر فيه الآثار للمجامع، وللقاءات، وللأقوال، وللأفعال، (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا) قال ربنا: (وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ) جل جلاله.

فضل الأمة المحمدية

وهو المُوَفِّقُ الذي بعث أنبياءه، وختمهم بسيدهم ومُجتباهم وأصفاهُم ومُقدَّمهم محمدٍ ﷺ، وجعلنا به خير أمةٍ، ووعده أن يُتِمَّ عليه النعمة، وأن يُبقي في أمته حقائق المعرفة، وحقائق الاستقامة، وحقائق الإدراك لمعاني الكتاب والسنة إلى آخر الزمان؛ حتى يخرج عيسى بن مريم ويجد أمامه قلوبًا عرفت، وَوَعَت، واتصلت، ويجد في الأمة قومًا مثل حوارييه وخيرًا منهم بفضل الله تعالى على هذه الأمة.

مسلك السلف الصالح والسواد الأعظم

ثم إنّ هذا المسلك الذي اجتمعنا في ظلاله، وتحت أنواره، وتحت راياته؛ مسلكُ مَنْ مضى من أخيار الأمة في المهرة، في حضرموت، في اليمن، في الشام، في مصر، في المغرب، في شرق إفريقيا، في شرق آسيا، في المشارق والمغارب.

أخيار الأمة مضوا على هذا المسلك، مضوا على هذا السبيل، عامة الأمة والسواد الأعظم من الأمة أتباع المذاهب الأربعة في فقه الشريعة، أتباع الأشعري والماتريدي في فقه الإيمان، ومعرفة الاعتقاد الذي كان عليه محمد وأصحابه وآل بيته صلى الله عليه وسلم. 

أتباع أهل التزكية الذين أبرز الله منهم: علي زين العابدين، والحَسن البصري، وسعيد بن المُسيب في التابعين، ثم في تابع التابعين، وتابعِ تابعِ التابعين؛ حتى برز الجنيد بن محمد، والإمام الغزالي، ومن قبلهم ومن بعدهم. 

هذا المسلك موروثٌ ومأخوذٌ من الأصل عليه أكثر الأمة: قُرّاء، وأصوليين، ومحدثين، وفقهاء، ونحويين، وأرباب النسبة لأنواع العلوم والفهوم.

امتداد السند المتصل ومدرسة أهل السنة

هذا المسلك الذي جزءٌ عظيمٌ منه مَنتحاهُ الشيخ أبو بكر بن سالم، في عصابة آل أبي علوي؛ من ذرية المهاجر إلى الله أحمد بن عيسى، مِن نسل علي العريضي بن جعفر الصادق، على مسلك محمد الباقر، وعلي زين العابدين، والحسين بن علي، وأخيه الحَسن، ومسلك أبيهما علي بن أبي طالب، ومُربيّهما وموصل الأمانة إليهما من قلب المدينة وداخل المدينة، وهو بابها، إلى قلبَيهما، وعن أمهما الزهراء البتول، التي أحاط بها من كل جانبٍ نظر سيدنا الرسول؛ مُترجمًا لنظر الإله البَرِّ الوَصُول، حتى صحَّ في حديثه أنه قال: "إن الله يرضى لرضا فاطمة، ويغضب لغضبها"، إن الله يرضى لرضا فاطمة، ويغضب لغضبها!

كيف وقد بيّنَ ذلك في حديثه الصحيح الآخر: "فاطمة بضعة مني، يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها". 

هذا الجزء من مدرسة أهل السنة في شرق الأرض وغربها تميَّزَ بحمل راية الإسلام ونشرها بالمعاني والأرواح والوجدان والذوق والحقائق، فيما بين الخلائق، وأضاف إلى العالم الإسلامي أكثر من نصف المكان والمساحة، وأكثر من نصف المكان والمساحة، وأكثر من نصف الأعداد المؤمنين بالله جل جلاله وتعالى في علاه: مدرسة حضرموت، ومدرسة الفقيه المقدم، ومدرسة أحمد بن عيسى المهاجر إلى الله عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

التمسك براية الإسلام ونشر الدعوة إلى الله

انطوى تحت رايات هذه المدرسة المشايخ الأكابر الأولياء، في حضرموت، في المهرة، في بقية اليمن، في أقطارٍ من أقطار الأرض شرقها وغربها، انطووا تحت هذه الراية المحمدية الأحمدية المصطفوية؛ راية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

التي تقيم الأمر لا لغرضٍ دنيوي، ولا لمرادٍ فاني، ولا لشهرةٍ بين الخلق هي عندهم أحقر من أن يُلتفت إليها، ولكن للمنزلة عند الحق، والعبودية للإله الحق، والوفاء بعهد الخالق جل جلاله. 

ومن مقاصدهم في مختلف أعمالهم وشؤونهم: أن يفوا بعهدِ قصدِ أن تكون كلمة الله هي العليا، هذه مقاصدهم من حضراتهم، ومن جَلَساتهم، ومن زياراتهم، ومن دعواتهم، ومن راياتهم؛ لتكون كلمة الله هي العليا. 

فهم القوم الذين هُدوا ** وبفضل الله قد سعدوا

ولغير الله ما قصدوا ** ومع القرآن في قَرَنِ

التحذير من الفتن والثبات على مسلك السلف

ثم إنّ هذا المسلك وهذه الطريقة في خصوص هذه المدرسة، وفي عموم مسلك السنة في الشرق والغرب عُودِيَ وأُوذي أهلُه مُددًا بعد مُدد، وأوقاتًا بعد أوقات، واستُخدم لها عناصر من المسلمين، والكثير منهم كان تحت إشارة وتسيير طوائف من الكافرين؛ ليؤذوا المسلمين، وليطفئوا نور هذه الطريقة. 

وقرنًا بعد قرن، كل الذين عادوا تشتَّتوا وذهبوا، وما قدروا أن يصيبوا هذا الأساس، ولا أن يهدموا هذا البناء، بل كلما ظنوا أنهم غيَّبوه في مكان أو أضعفوه؛ زادت قوته، وأشرق نوره، وظهر بأمر الله جل جلاله. 

ليس في قرننا وحدنا الذي عايشناه، ونحن شاهدنا من هذا تجربات، وشاهدنا من هذا مُددًا وفترات، وشاهدنا من هذا أوضاعًا بعد أوضاع مرت علينا في حضرموتنا، وفي يمننا خاصة، وفي بقية أقطار الأرض؛ شاهدناها بأعيننا، وهي مكررة من القرن الماضي والذي قبله والذي قبله، هي مكررة! (كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ). 

يُعادونها أحيانًا باسم التقدم، وأحيانًا باسم التطور.. ويعادونها ويتكلمون عليها.. والذي حصل لهم عبرة للمعتبرين، فقل للموجودين في زماننا: معاداتكم لمثل هذا الطريق يوقعكم في مهوى وبحر سوء غريق، غرق فيه الألوف قبلكم، ولن يكون مآلكم غير مآلهم، ولا مصيركم غير مصيرهم، (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا).

الشكر لله على نعمة الاجتماع والترابط

فالحمد لله الذي استخدمنا في مسلك هذه الطريقة، وهذه المدرسة، وهذا المسلك لأهل السنة والجماعة عليهم رضوان الله تبارك وتعالى, وجمعنا اليوم تحت راية من راياتهم لسيدنا الشيخ أبي بكر بن سالم عليه رضوان الله تعالى.

قدمنا من الغيضة إلى قشن، إلى سيحوت، وهذا الاجتماع الذي كان بترتيب واستقبال المنصب محمد بن علي الحامد، أعلى الله له المرتبة والشأن، وتولّاه بما هو أهله، مع قبائل هذه المنطقة، والسلطة المحلية، مجتمعةً مَظهر قبائلها والسلطة فيها، بوجود هذا الإنسان الطَّيِّب الخيّر بينكم الشيخ علي بن محمد الزويدي، أطال الله عمره في نفعٍ وانتفاعٍ واتباع، وخيراتٍ وِسَاع. 

تجتمعون في هذه المنازل وتجتمعون في هذا الرباط الذي بُني للارتباط، ولتكون كلمة الله هي العليا، ويسمع الرجال منكم والنساء موعظةً وتذكرةً وتبصرةً؛ لنلحق بالركب، ونمشي على خير درب، ونسلمَ من كربٍ وموجبات الكرب في الدنيا وفي يومٍ تُقلَّب فيه القلوب والأبصار.

دعاء للمجتمعين وسؤال الله الفرج والمغفرة

أيها الأحباب، مِنّة من منن الله ونعمة من نِعَم الله، جمعتكم على منصب مقام الشيخ أبي بكر بن سالم، الذي تحته عدد من المناصب ينتمون إلى هذا الأصل وإلى هذا الأساس. 

ومنهم الوافد معنا الحبيب أحمد بن حسن بن حامد بن أحمد بن محمد المحضار ابن الشيخ أبي بكر بن سالم، منصب آل المحضار بالقويرة بدوعن، ومن معنا من أهل العلم، وأهل الصلاح، وأهل المحبة، من اليمن ومن خارج اليمن، وفدوا تحت هذه الرايات، في تطلُّباتٍ لأذواق القرب من رب الأرض والسماوات، والصِّلة بالذات المحمدية النبوية، الرفيعة القدر الوسيعة الجاهات، ما وجدوا أبوابًا للدخول إلى تلك الرحاب أصفى ولا أوسع مِن هذه الأبواب، فضلًا من الكريم الوهاب جل جلاله.

معية الصادقين والاعتصام بحبل الله

فالحمد لله الذي جمعنا، ومِن حق الله علينا وشكره وتوحيده؛ أن نُخلِص في الوجهة إليه في مجالسنا هذه، وأن نريد وجهه؛ لندخُل في دوائر قومٍ أِمِرَت حضرة النبوة أن تنظر إليهم وأن تجلس معهم في قول الله وندائه لحبيبه: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا). 

ووصفُهُم الأعزّ الأغلى قوله: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، يُرِيدُونَ وَجْهَهُ! جل جلاله وتعالى في علاه، (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ). قال الله لحضرة النبوة: (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ). غيرهم ليسوا محل النظر، ليسوا محل الرعاية، ليسوا محل الرضا مني، وحدهم هؤلاء لا تعدو عيناك عنهم، لا تُجاوزهم إلى غيرهم، لا تلتفت إلى من سواهم، (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا). 

والصنف الثاني قال له: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا)، القلوب التي ما تطمئن بذكري وترتاح بتحميدي وتسبيحي واستحضار عظمتي.. لا تطعهم، ولا تشاورهم، ولا تمشي وراهم، (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)؛ ضائعًا سُدًى مهملًا، وهذا جزاء من أعرض عن ذكر الله جل جلاله.

الختام والدعاء بكشف الغمة عن الأمة

فالحمد لله الذي أقام الذِّكر بينكم، وأقام التذكير بينكم، وأبقى هذه الحبال المُتصلة القوية الوثيقة، المُمتدة من حبل الله الذي أمرنا بالاعتصام به: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)، كما قال جل جلاله وتعالى في علاه. 

وإن كان حبل الله هو القرآن، فمُبَلِّغه محمد، وإن كان حبل الله هو الإسلام، فالذي جاء به وسيد أهله محمد، وإن كان حبل الله تبارك وتعالى هو الذات المحمدية، فهي الجامعة للمعاني كلها.

 أنت حبل الله من أمسكه ** فاز بالخير وبالعهد وفى

أنت باب الله نال المرتجى ** والأماني مَن عليه وقفا

صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.. 

الحمد لله جامعكم على هذه الخيرات، وهذه الوجهات، وهذه الامتدادات، وهذه الاتصالات. 

يا ربِّ بارك لنا فيها، واجعل ذلك بركة واسعة لأهل سيحوت، والمهرة، واليمن، والشام، والشرق، والغرب، وأنزل لنا الأمطار الحسية والمعنوية؛ فإنا فقراء مستغيثون يا ربنا.

وأنت الذي تُجيب المضطر إذا دعاك، وقلت في كتابك على لسان سيد أحبابك: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ) لا إله إلا الله، لا إله معه. 

يا رب نحن المضطرون وندعوك فأجِب يا من يجيب دعوة المضطر إذا دعاه. اسقِ القلوب، واسقِ الجدوب، وعجل بالرحمات الظاهرة والباطنة، وادفع البلاء عنا، واجعلها لقاءات منظورة بعين العناية والرحمة والقبول منك والرضا، مذكورة في العالم الأعلى بخير ما تذكُر به مجامع الصالحين من عبادك على ظهر هذه الأرض، حتى تُعزّنا بذلك يوم اللقاء والعرض، يا حي يا قيوم، يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

14 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

25 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية