كلمة في مجلس الاستقبال في الحامي، ساحل حضرموت

للاستماع إلى المحاضرة

كلمة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في مجلس الاستقبال في بيت المنصب الحبيب عبدالقادر بن محمد ابن الشيخ أبي بكر بن سالم، في مدينة الحامي، ساحل حضرموت، ضحى الجمعة 14 ربيع الثاني 1448هـ

 

نص الكلمة:

مقدمة: عظمة يوم الحساب ووزن الأعمال

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، جامعِ الأوَّلين والآخرين ليومِ الدِّين، ويومِ التَّبيين، ويومِ التَّعيين، ويومِ الحُكمِ بين الخلائقِ فيما كانوا فيه يختلفون. 

وتظهرُ النَّتائجُ لمختلفِ الأعمالِ والاعتقاداتِ والوُجهاتِ والنِّيَّاتِ والمقابلاتِ والاتِّصالاتِ والاجتماعاتِ، وما كان من نسيجِ المجتمعاتِ أيَّامَ الحياةِ، وما كانت من علائقَ بين الخلقِ يُقصدُ بها الخالقُ أو غيرُ الخالقِ جَلَّ جلالُه. 

وكلُّ ما يجري لهم من فكرٍ واعتقادٍ ومعاملةٍ في هذه الحياةِ؛ في يومِ الجمعِ الأكبرِ يحصلُ الفصلُ من قِبَلِ الخالقِ جَلَّ جلالُه، ويحكمُ بين عبادِهِ فيما كانوا فيه يختلفون.

وفي ذلك اليومِ يظهرُ فضلُ المُقرَّبين والعبادِ الصَّالحين لدى الرَّبِّ، وأعاظمُهم أنبياءُ اللهِ ورسلُه، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم، وإمامُهم وسيِّدُهم مَن به شُرِّفنا وجُعلنا خيرَ أُمَّةٍ، ذاكم مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ في دربِهِ، وعلى آبائِهِ وإخوانِهِ من الأنبياءِ والمرسلين وآلِهم وصحبِهم وتابعيهم. 

ولقد قال الرَّحمنُ عن ذاك اليومِ: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ * وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) - جعلنا الله وإياكم منهم - (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ).

ولقد جعلَ اللهُ دارَ الجنَّةِ مُهيَّأً ومُعَدَّاً للرُّسلِ وأتباعِهم، قال جَلَّ جلالُه: (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)، (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)، جعلنا الله وإياكم من خواص المؤمنين به وبرسله (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).

الاجتماع في وقادة منصب الشيخ أبي بكر بن سالم

 أيُّها الجمعُ الكريمُ المباركُ، ساعة غرّاء، في اليومِ الأغَرِّ الأزهرِ؛ يومِ الجمعةِ وفي بُكرتِهِ، جمعتْنا في هذه البلدةِ المباركةِ في وفادةِ مَنصِبِ الشَّيخِ الإمامِ أبي بكر بن سالم، عليه رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى. 

وهو مَنصبُ إرثٍ نبويٍّ، وإمامةُ منهجٍ سويٍّ، ومعاني حراسةٍ للدِّينِ، ومحافظةٍ على الوصايا النَّبويَّةِ والموروثاتِ عن خيرِ البريَّةِ، وقيامٌ بإصلاحٍ، ونشرٌ للخيرِ في النَّواح، وآدابٌ وأخلاق، ومعانٍ في طلبِ مرضاةِ الخلَّاق، قامت على أساسٍ متينٍ وقدمٍ وساقٍ؛ من العلمِ الواسعِ المُسنَدِ، ومن الفهمِ الواعي الأرشدِ، ومن الاتِّباعِ والاقتداءِ والاهتداءِ. 

كحالِ مظاهرِ الدِّينِ في الأُمَّةِ المُحمَّديَّةِ، من عهدِ الصَّحابةِ فالتَّابعين فتابعيهم بإحسانٍ، يُبرزُ اللهُ تعالى من بينهم، ويُظهرُ من يكونُ قُدوةً من العبادِ الصَّادقين، الَّذين أمرَ اللهُ المؤمنين أن يتَّقوهُ وأن يكونوا مع الصَّادقين، فيما أوحى إلى حبيبِهِ الأمينِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).

علامات الصادقين مع الله

ولو لم يكن للصَّادقين علاماتٌ ومظاهرُ يظهرون بها، لكان الأمرُ عبثًا، ولكان الأمرُ مُعطَّلًا، وحاشا أن يكونَ أمرُ اللهِ مُعطَّلًا أو عبثًا! 

ولكنَّهُ تعالى يجعلُ للصَّادقين في كلِّ زمانٍ وفي مختلفِ بلادِ المسلمين علاماتٍ يُعرَفُ بها صِدقُهم، ويُعرَفُ أنَّهم الَّذين دعانا الرَّبُّ لأن نكونَ معهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ). 

أُولئكَ الَّذين لا يحملون للنَّاسِ حِقدًا ولا حسدًا ولا بغضاءَ، ولا ضيقَ خُلقٍ ولا ضيقَ فكرٍ في النَّظرِ إلى النَّاسِ، يرحمون حتَّى مَن آذاهم، وحتَّى مَن سبَّهم، وحتَّى مَن اعتدى عليهم؛ فضلًا عن بقيَّةِ أجناسِ الخلقِ، متأدِّبين بأدبِ اللهِ وأدبِ رسولِهِ في نظرِهم إلى القريبِ والبعيدِ، وإلى عمومِ النَّاسِ على ظهرِ الأرضِ.

حرمة دماء المسلمين والتحذير من الغلو والاعتداء

في منهاجِ قرآنٍ بيَّنَ كيف تكونُ العلائقُ والصِّلاتُ، وبيَّنَ أنَّهُ لا سبيلَ إلى مقاتلةِ إلَّا مُعتدٍ مُقاتلٍ صادٍّ عن سبيلِ اللهِ. 

وقال عن فئاتِ الكفَّارِ -وهم كفَّارٌ-: فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقَوْا إليكم السَّلمَ فما جعلَ اللهُ لكم عليهم سبيلًا، لا تؤذوا أحدًا منهم، لا تأخذوا مالَ أحدٍ منهم، هم في حِرزٍ، أموالُهم وأعراضُهم ودماؤهم بنظامِ اللهِ، وبشرعِ اللهِ، وبنورِ هذا القرآنِ.

فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ  وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ) - اعتدوا وعاندوا وصدوا - (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا * وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً..) ، إلى آخرِ ما ذكرَ، ثُمَّ قال: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) جَلَّ جلالُهُ وتعالى في عُلاه.

ثُمَّ وجَّهَ الخطابَ، وقالوا: شأنُ الإيمانِ وإن كان غيبًا أنا أطَّلعُ عليه من القلوبِ، ولكن إذا ظهرت علامةُ الإيمانِ على مَن شَهِدَ أن لا إلهَ إلَّا أنا وأنَّ مُحمَّدًا رسولي، فكُفُّوا عنه، ومَن ألقى إليكم السَّلامَ لا تتَّهموه بعدمِ الإيمانِ. فقال تعالى في تلوِ هذه الآياتِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)، لا تقولوا لمَن لم يظهرْ عليه من علاماتِ الإيمانِ إلَّا السَّلامُ، قال: السَّلامُ عليكم. فإذا قال ذلك فهو علامةٌ أنَّهُ مؤمنٌ، فإذا ألقى إليكم السَّلامَ فلا تقولوا لستَ بمؤمنٍ.

وذلك في الحادثةِ المعروفةِ الَّتي حدثت لسريَّةٍ بعثَها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وإذا براعي غنمٍ ألقى السَّلامَ عليهم، فقال الأميرُ: كُفُّوا عنه فهو مسلمٌ. فقال مُحلِّمُ بنُ جثَّامةَ: إنَّما قالها خوفًا على غنمِهِ حتَّى لا نستاقَها عنه، وتجرَّأ عليه فقتلَهُ، فنزلت الآيةُ: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).

وكان من شأنِهِ أن غضبَ ﷺ على فِعلتِهِ، وأن قدَّم الدِّيَةَ بنفسِهِ إلى أولياءِ ذلك المقتولِ، وأن أعرضَ عن الرَّجُلِ هذا وغضبَ عليه، حتَّى لمَّا طلبَ منه الاستغفارَ قال: "اذهبْ لا غفرَ اللهُ لك". أقتلتَهُ بعدما ألقى السَّلامَ عليكم؟ حتَّى اغتمَّ بأمرِهِ، ومات الرَّجلُ، ثُمَّ إنَّهم جهَّزوه وصلَّوْا عليه وقبروه فلفظتْهُ الأرضُ! فقبروا له قبرًا ثانيًا فلفظتْهُ الأرضُ! وثالثًا فلفظتْهُ الأرضُ! وجاءوا بالقضيَّةِ إلى رسولِ اللهِ، فقال: "إنَّ الأرضَ تقبلُ مَن هو شرٌّ منه، ولكنَّ اللهَ يريدُ أن يُريَكم حُرمةَ الرَّجلِ المسلمِ"، لمَّا تجرَّأ على المسلمِ وقتلَهُ، الأرضُ لم تقبلْهُ في بطنِها، وأمرَهم أن يذهبوا به بين جبلين ويضعوا عليه الحجارةَ، وليكونَ عِبرةً للمعتبرين. 

مسلك الرحمة ومهمات الخلافة في الصادقين

كان هذا المسلكُ القويمُ الَّذي مضى عليه صُلحاءُ الأُمَّةِ؛ يمنًا وشامًا، ومصرًا وغربًا وشرقًا، في مختلفِ أقطارِ الأرضِ.

وعلى هذه المفاهيمِ الصَّحيحةِ، قام الوعيُ للإسلامِ والإيمانِ في مثلِ بلدانِكم هذه، وأخذوا مفاهيمَ الكتابِ والسُّنَّةِ مُسندةً عن أكابرِ الأُمَّةِ وخيارِها عليهم رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى. 

لا يعرفون ذلك الضِّيقَ في الأُفقِ، ولا الضِّيقَ في العلمِ، ولا الضِّيقَ في الأخلاقِ، ولا الضِّيقَ في المعاملةِ، ويعاملون هذه المعاملةَ حتَّى لمَّا قيل لسيِّدنا الشَّيخِ أبي بكر بن سالم: إنَّه مَن تعدَّى لكم أو تجرَّأ عليكم نازلتْهُ العقوبةُ، قال: واللهِ ما دعوتُ على مسلمٍ قط، ولا أرضى بالعذابِ ينزلُ على مسلمٍ، ومَن عرفتُ أنَّهُ تجرَّأ علينا بادرتُ بالاستغفارِ له وطلبِ الشَّفاعةِ خشيةَ من أن يصيبَهُ شيءٌ، ولكنَّ اللهَ تعالى ينتقمُ لمَن شاء من عبادِهِ، ولأوليائِهِ ممَّن اعتدى عليهم.. لا يكونُ ذلك بطلبٍ منَّا، ولا بدعاءٍ منَّا على أحد!

فذلك مسلكُ الرَّحمةِ الَّذي بُعِثَ به صاحبُ المقامِ المحمودِ، المُرسَلُ رحمةً للعالمين، إذا طُلِب منه الدُّعاءُ على قومٍ، عَدَلَ من الدُّعاءِ عليهم إلى الدُّعاءِ لهم. 

ولمَّا قيل: أَدمَوْكَ وآذَوْكَ وآذَوْا أصحابَك فادعُ عليهم، فرفعَ يديهِ يقولُ: "اللَّهمَّ اهدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون، اللَّهمَّ اهدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون" صلى الله عليه وسلم.

فكانت خلافتُهُ في الصَّادقين في هذه المظاهرِ المباركةِ، جاءكم مَنصب الشَّيخِ أبي بكر بن سالم، ومعه من فروعِ هذه المنصبةِ، المنصب أحمدَ بنِ حسنِ بنِ حامدِ بنِ مصطفى بنِ أحمدَ المحضارِ، على أُولئكَ رضوانُ اللهِ تباركَ وتعالى. 

ولقد تفرَّعت هذه المنصبةُ بفروعٍ تقومُ في مختلفِ الأراضي لأداءِ المُهمَّاتِ؛ مُهمَّاتِ الاستقامةِ، ومُهمَّاتِ الرَّحمةِ، ومُهمَّاتِ الإكرامِ، ومُهمَّاتِ المحافظةِ على الأخلاقِ وعلى النُّورِ المأخوذِ عن حبيبِ الخلَّاقِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. 

فكان منها هذه وهذه وعندكم، ومررنا على فرعٍ في الغيضةِ من آلِ سالمِ بنِ أحمدَ بنِ الحسينِ بنِ الشَّيخِ أبي بكرٍ، ومررنا على فرعٍ أيضًا في قشن من آلِ الحامدِ قائمًا في المنصبةِ، ومررنا على فرعٍ في سيحوت وعندهم المنصبُ قائمٌ.

سلسلة السند والوفود المباركة

وجئنا اليومَ إلى هذه البلدةِ، وعندكم المنصبُ السَّيِّدُ عبدُ القادرِ، أطالَ اللهُ عُمرَهُ في عافيةٍ. ووجدنا هذا الاستقبالَ من هؤلاءِ وأهلِ المنطقةِ، بما فيهم مَن يمثِّلُ السُّلطةَ المحليَّةَ. 

فباركَ اللهُ فيكم وفيما ورِثتُم من أخلاقٍ ومكارمَ وشِيَمٍ، وحفِظَ علينا وعليكم حقائقَ الإسلامِ وحقائقَ الإيمانِ، وحقائقَ الإحسانِ وحقائقَ الدِّينِ المتينِ القويمِ الَّذي لا تشوبُهُ شائبةٌ؛ من كِبرٍ ولا عُجبٍ، ولا حقدٍ ولا حسدٍ ولا بغضاءَ، ولا ضيقِ أُفقٍ في فهمٍ ولا في معرفةٍ ولا في معاملةٍ، ذلك الدِّينُ الَّذي أبقاهُ لنا سيِّدُنا المصطفى مُحمَّدٌ ﷺ، واضحًا وضوحَ الشَّمسِ رابعةَ النَّهارِ.

فباركَ اللهُ فيما قمتُم به، وفي استقبالِكم وفيما رتَّبتُم، وهو حلقةٌ من سلسلةِ الاتِّصالِ بالوحيِ والإنزالِ، وخاتمِ الإنباء والإرسالِ، فيما ورِثَتِ الأُمَّةُ من هذا الدِّينِ، وهذا الهُدى الَّذي بُعِثَ به الأمينُ صلى الله وسلم وباركَ وكرَّمَ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومَن سارَ في دربِهِ، وعلينا معهم وفيهم. 

مفهوم التوسل الحق وشفاعة النبي ﷺ يوم القيامة

فالحمدُ للهِ الَّذي مَنَّ بهذه الخيراتِ، وحفِظَ اللهُ على هذه البلادِ؛ الحامي والمقد والدِّيس وما حواليها، أنوارَ الصِّدقِ مع اللهِ، وأنوارَ الفهمِ الواعي لوحيِ اللهِ ولكتابِ اللهِ تعالى ولسُنَّةِ رسولِهِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

الَّتي لا تُقبِلُ بجهلٍ مُركَّبٍ؛ فتخلطُ بين توسُّلٍ أو تبرُّكٍ وبينها وبين الاعتقادِ أنَّ مع اللهِ شريكًا آخرَ، فكم بين المسألتين من فرقٍ أبعدَ ممَّا بين السَّماءِ والأرضِ! 

إنَّ التَّوسُّلَ مشروعٌ بنصِّ الكتابِ، وما جاءت به السُّنَّةُ، وهو من صُلبِ التَّوحيدِ للهِ تباركَ وتعالى؛ أن يُتوسَّلَ إليه بأسمائِهِ أو صفاتِهِ أو بالعملِ الصَّالحِ، أو بأهلِ العملِ الصَّالحِ، أو بأنبيائِهِ أو بأوليائِهِ. 

وهو الحيلةُ الَّتي ينتهي إليها في القيامةِ جميعُ مَن في القيامةِ بمَن فيهم المجاهدون والعاملون والصِّدِّيقون، ولا أحدَ منهم في ذاك اليومِ يرى أنَّ هناك مجالًا للتَّوسُّلِ بعملِهِ، ولا للتَّوسُّلِ بمكانتِهِ، ولا للتَّوسُّلِ بجاهِهِ، ولا بالتَّوسُّلِ بشيءٍ من كسبِهِ!

ولكن يرجعون إلى أكابرِ أهلِ الوجاهةِ عند اللهِ، ويلجؤون إلى الأنبياءِ، ويستغيثون بآدمَ ويعتذرُ، ويطلبون الشَّفاعةَ من نوحٍ ويعتذرُ، ويطلبون الشَّفاعةَ من إبراهيمَ ويعتذرُ، ويطلبون الشَّفاعةَ من موسى ويعتذرُ. 

وإذا اعتذرَ الواحدُ منهم ولا واحدٌ من الأنبياءِ يقولُ لهم: ما تحتاجون وسيلةً، اللهِ ما يحتاجُ وسيلةً، اذهبوا أنتم اسألوا ربَّكم وادعوا.. ولا واحدٌ من الأنبياءِ يقولُ هكذا! لأنَّ هذا كلامٌ مخبوطٌ مغلوطٌ، ما جيء به على وجهٍ صحيحٍ في الفهمِ عن اللهِ ولا عن رُسلِهِ صلواتُ اللهِ عليهم.

بل كلُّ واحدٍ منهم يُحوِّلُ أهل الموقفَ في هذا الكربِ الشَّديدِ لأجلِ التَّوسُّلِ إلى اللهِ بالثَّاني، ويقولُ: "اذهبوا إلى نوحٍ"، وما ما يعرفُ آدمَ يقولُ لهم: اسألوا اللهَ، وما تحتاجون وسيلةً؟ اسألوا ربَّكم أنتم ونحن نسأله وهو يسمعُ! اذهبوا إلى نوح... فهل آدم مشرك بعض الشيء؟ أستغفر الله العظيم! ويحوِّل الناس على مخلوق؟

ونوح مثله، عقيدته مثل عقيدة آدم: "اذهبوا إلى إبراهيم"، والأنبياءُ ما عندهم توحيدٌ أو كيف؟! أستغفرُ اللهَ العظيمَ، هم سادتُنا في التَّوحيدِ وأئمَّتُنا في التَّوحيدِ. "اذهبوا إلى إبراهيمَ... اذهبوا إلى إبراهيمَ"، إبراهيمُ مثلهم في العقيدةِ! إبراهيمُ: "اذهبوا إلى موسى"، ويأتون إلى عند موسى، يعتذر والعقيدة مثل الذي قبله! "اذهبوا إلى عيسى"، وعيسى يعتذرُ عن الشَّفاعةِ في شدَّةِ الموقفِ، ولكنَّ العقيدةَ مثل الَّذي قبلَهُ: "اذهبوا إلى مُحمَّدٍ". 

وإذا جاؤوا إلى مُحمَّدٍ، العقيدةُ مثلهم، كيف؟ لا يقولُ تجيئون إلى عندي وأنا مخلوقٌ مثلَكم؟ ما أنفعُ ولا أضرُّ ولا أُقرِّبُ ولا أُبعِدُ؟ اسألوا ربَّكم! واللهِ ما يقولُ كذا! واللهِ مُحمَّدٌ يقولُ: "أنا لها... أنا لها"! 

يعني هذا يومُ شفاعتي ووجاهتي، أنا المُوافقُ لكم في هذا الكربِ والشدَّةِ، أنا بابُكم إلى الرَّبِّ.. أنا لها! يا ربِّ صلِّ عليه، يا ربِّ صلِّ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ، وأدخلنا في شفاعتِهِ برحمتِك يا أرحمَ الرَّاحمين. 

وإذا سجدَ، وإذا الرَّبُّ تعالى يُقِرُّ عقيدةَ الأنبياءِ هؤلاء كلِّهم وسيِّدِهم، يقولُ: "مُحمَّد، ارفعْ رأسَك، قُلْ يُسمعْ لقولِك، وسَلْ تُعطَ، واشفعْ تُشفَّعْ"، والحقُّ تعالى برحمتِهِ يقدرُ أن يرحمَ الخلقَ من دونِ شفاعةِ مُحمَّدٍ وغيرِهِ، ولكنَّهُ يوقفُها حتَّى يشفعَ! ليعلمَ النَّاسُ قدرَهُ المُرفَّعَ، وجاهَهُ الأوسعَ، وبذلك يتمنَّى أهلُ القيامةِ كلُّهم القُربَ من مُحمَّدٍ ﷺ في ذلك اليومِ، حتَّى الظَّلَمَةُ: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا)، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

أساس نسيج المجتمع المسلم

فالحمدُ للهِ على هذه الخيراتِ، وهذا اللِّقاءُ الَّذي هو حلقةٌ من سلسلةِ الاتِّصالاتِ باللهِ وبرسولِهِ. 

باركَ اللهُ في هذا المجتمعِ، ومَن يحيى فيه، وحفِظَ علينا وعليهم حقائقَ الصِّدقِ الَّذي به النَّجاةُ يومَ القيامةِ، قال اللهُ: (هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ). 

باركَ اللهُ في استقبالِكم وفي حضورِكم وفي إقبالِكم، ونسيجُ المجتمعِ في هذه البلدانِ كما هو منسوجٌ بيدِ العنايةِ الإسلاميَّةِ والإيمانيَّةِ؛ نسيجُ محبَّةٍ وتراحمٍ وتعاطفٍ، يعيشُ فيه القبائلُ وأهلُ الحِرَفِ المختلفةِ في قالبِ: "المؤمنُ للمؤمنِ كالبنيانِ" - أو: كالبَنان - "يَشُدُّ بعضُهُ بعضًا".

 (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، فلا صِحَّةَ لنسيجِ مجتمعٍ مسلمٍ إلَّا على هذا الأساسِ، وعلى هذه الصِّفاتِ المذكوراتِ في الآياتِ.

دعاء الختام وصلاح الأمة

اللَّهمَّ اجعلْ جمعَنا مرحومًا، منظورًا بعينِ العنايةِ، وأحيي ما ماتَ ورُدَّ ما فاتَ من حقائقِ الوعيِ والفهمِ والاستقامةِ، على ما تحبُّهُ منَّا وترضى به عنَّا، يا كريمُ، يا أرحمَ الرَّاحمين. 

واشكرْ سعيَ القائمين والمُنظِّمين والخادمين والمرتِّبين والسُّلطةِ المحليَّةِ وقبائلِ المنطقةِ، اشكرْ سعيَهم وتولَّهم في سِرِّهم وجهرِهم، وارزقنا وإيَّاهم الإخلاصَ لوجهِك الكريمِ، والتَّحابُبَ فيك والتَّجالُسَ فيك والاجتماعَ على ما يُرضيك. 

وفرِّجْ كُروبَ هذه الأُمَّةِ، وادفعِ البلاءَ عن هذه الأُمَّةِ، وأصلحْ شؤون هذه الأُمَّةِ، واجعلنا فيمَن ترعاهم عينُ عنايتِك في جميعِ الأطوارِ، يا كريمُ يا غفَّارُ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

15 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

26 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية