(484)
(637)
(5)
كلمة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في جنازة المرحوم الحبيب عقيل بن حفيظ رحمه الله، في مدينة الغيضة، محافظة المهرة، ظهر الأربعاء 12 ربيع الثاني 1448هـ
تضمنت الكلمة: التذكير بحتمية الموت والاستعداد للقاء الله بأداء الفرائض واجتناب المحارم، وبيان انتفاع الأموات بدعاء الأحياء والصلاة عليهم وصدقاتهم وسائر أعمال البر، واختُتمت بالدعاء للمتوفى ولعموم موتى المسلمين بالمغفرة والرحمة ورفعة الدرجات.
(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، نُقَدِّمُ الفردَ بعد الفردِ منّا، والجماعاتِ بعد الجماعاتِ إلى مصيرهم، وإلى مآلهم، وإلى لقاءِ الرَّبِّ جلَّ جلاله.
وكلهم تذكرةٌ لكلِّ فردٍ منّا أنَّ مصيرهُ إلى هذا المصير، وأنَّ مرجعهُ إلى هذا المآل، قريباً أو بعيداً، شاء أم أبى. (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ)، (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)، نختبركم بالشَّرِّ ونختبركم بالخير، وما يَعرِض عليكم من الأحوال في الدنيا والمرجع إلينا.
ولذا يقول العلماء: إنَّ هذا النَّعش الذي نحمل عليه أمواتنا، يُنادي كلَّ واحدٍ منّا: انظرْ إليَّ بعقلك، انظرْ إليَّ بعقلك، أنا المُهَيَّأُ لنقلك، أنا سريرُ المنايا، كم سار مِثلي بمِثلك، كم سار مِثلي بمِثلك!
ومَن مصيرهُ هذا؛ يجب أن يتذكَّر، ويجب أن يخضع، ويجب أن يخشع، ويجب أن يُؤدّي فرائض الله كما أمره على وجهها؛ من صلاةٍ، أو زكاةٍ، أو صومٍ، أو حجٍّ للمستطيع، أو برٍّ للوالدين، أو صلةٍ للرَّحم، أو أمانةٍ، أو حُسْنِ ظنٍّ بالمسلمين، أو قولِ الصدق.
هذه فرائضُ فرضها الله، وينتهي عن محارمه؛ من تركِ الواجبات، ومن السرقة، ومن الكذب، ومن نظرِ الحرام، ومن سوءِ الظنِّ، ومن عقوق الوالدين، ومن كلِّ ما حرَّم الله جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.
فلا سبيلَ لحُسْنِ المصير إلّا بهذا الامتثال لأمر الله، والبُعد عمّا حرَّم الله جلَّ جلاله، وإذا مات المسلم على الإيمان وحُفِظ عليه الإسلام -بمعنى لم تأتِ ذنوبه وسيئاته فتأخذ نور الإيمان من قلبه والعياذ بالله تعالى- (بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
قالوا لبعض المُحتضرين وهو عند الموت: "لا إله إلّا الله"، سكت.. تكلَّموا كلاماً آخر، تكلَّم. أعادوا: "لا إله إلّا الله"، سكت.. صاح واحدٌ قال: "مالك ما تقول لا إله إلّا الله؟"، قال: "منعتني عنها نظرةُ حرامٍ"، نظرةُ حرامٍ منعتني أن أقول هذه الكلمة، وما صار من أهلها، والعياذ بالله تعالى، آخذه الله بها، (بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) والعياذ بالله تعالى.
ولكن إذا مات على الإسلام، فيتعرَّض لرحمة الله بأشياء كثيرة؛ ممّا فعل في حياته، وممّا يُصَلَّى عليه بعد موته، وممّا يُدعى له، وممّا يُدعى بإيصال ثوابه إليه؛ من قراءةٍ، أو من صلاةٍ، أو من صدقةٍ، إلى غير ذلك.
انتهت فرصةُ عمله هو، لكن بقي عملُ الأحياء للأموات، لأنَّ من الجهل بمكان أن يأتي واحدٌ لحديث النبي: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلّا من ثلاث"، ويُفسِّر معناه أنه لم يعد ينفع الميت شيءٌ بعد موته.. فلماذا نُصلّي عليه؟! ما دام انقطع عمله ادفنوه وما أحد يُصلّي على الأموات! لا لا لا لا لا، ما معنى انقطع عمله؟ معنى انقطع عمله أنه ما ناله رحمة ولا مغفرة ولا ثواب ولا شيء من الصالحات؟ مَن قال هذا المعنى؟! هذا كلامٌ جاهل، هذا كلامٌ غافل، هذا كلامٌ مُتجرِّئٌ على الدين.
"انقطع عمله" يعني أنَّ الفرصة التي أُعطيها لكسب الصالحات انتهت بالنسبة له.. ستقطع عملنا له نحن أيضاً؟ نحن لازلنا في الدنيا والحياة ستَقْطَع عملنا نحن؟! مَن قال هذه؟ بل صاحب الحديث بَيَّنَ أنه يجب أن نُضاعف عملنا نحن لهذا الميت.
أمرنا بالدعاء لأمواتنا، أمرنا بالصدقة عن أمواتنا، يقول له سيدنا سعد: إنَّ أمّي افتُلتت نفسها -ماتت- أفينفعها أن أتصدَّق عنها؟ قال: "نعم"، من هو؟ رسول الله! من هذا الذي يفسر "انقطع عمله" يعني لم يعد ينفعه؟ أن الميت لا ينفعه شيء؟! النبي قال ينفع! "أفينفعها أن أتصدَّق عنها؟ قال: نعم".
فحفر بئراً وسمَّاها بئر أم سعد؛ نسبةً إلى أمه الميتة من أجل أن يكون ثوابها لأمه، هذا دين النبي محمد، وهذا مسلك الصحابة.
يجيء واحد يتعلَّم مِن هنا ومِن هنا ويُبَطِّل علينا! وبعدُ، إذا كان معنى "انقطع عمله" أنه لم يعد يفيده شيء ولا ينفعه شيء، فأوَّلها الصلاة عليه.. لا فائدة منها، إذن ادفنوه بلا صلاة! أعوذ بالله! بل واجبٌ وفرضُ كفايةٍ على الناس أن يُصلّوا عليه؛ عملاً صالحاً يُرتجى به فوزهُ به ومغفرةُ الله له به ورحمةُ الله به.
بل السُّنَّة تبيِّن أنه ينتفع الميت، والأحياء ينتفعون.. كيف؟ "مَن صلَّى على جنازةٍ فله قيراطٌ من الأجر"، انتفعت أم ما انتفعت؟ أنت انتفعت، "مَن صلَّى عليه أربعون غفر الله له"، انتفع أم ما انتفع؟ الميت ينتفع، والأحياء ينتفعون، هؤلاء يريدون يقطعون منفعة الله على خلقه بفهمٍ باطل في حديث، تجرَّأوا على الدين، تجرَّأوا على الشريعة، تجرَّأوا على سلف الأمة، تجرَّأوا على الحق والهدى والعياذ بالله تبارك وتعالى، وادَّعوا ما ليس لهم.
إنَّ معنى الحديث واضحٌ في حديث رسول الله، في سُنّة رسول الله، في مسلك رسول الله.
رسول الله ليس فقط عمل المسلمين؛ حتى تسبيح الجريد، أثبت النبي أنه ينفع الميت في قبره.
ومرَّ بقبرين يُعَذَّبان،-في الحديث الصحيح- قال: "إنهما ليُعَذَّبان، وما يُعَذَّبان في كبير" -يعني أمرٌ ما تظنونه في نظركم كبير، هو كبير عند الله- ما هو؟ قال أحدهما لا يستتر من البول (ما يستبرئ)، إذا بال بسرعة يستنجي، ما ينتظر خروج القطرات كلها حتى لا يبقى عنده أثر.، قال: "أحدهما كان لا يستبرئ من البول، والثاني كان يسعى بالنميمة". يفتن بين الناس، ينقل كلام هذا لهذا، "فلا قال عليك".. يفتن بين الناس.
"فهما يُعَذَّبان"، أمر أن يأتوا بجريدة، جاؤوا بجريدتين خضراوين، حطّهما على القبر وقال: "لعلَّه يُخَفَّف عنهما ما لم يَيْبَسَا"، رأيت عقيدة النبي؟ تريد عقيدة لا أدري من؟ شيخ ما أدري من؟! هذه عقيدة النبي محمد؛ قال ينتفع الميت حتى بتسبيح الجريدة، ليس بقراءة القرآن! حتى بتسبيح الجريدة! فكيف بقراءة القرآن؟ فكيف بذكر الرحمن من المؤمن؟ ذكر الجريدة يُؤَثِّر على الميت ويُخَفَّف عنه، بسبب ذكر الجريدة التي تُوضَع على القبر؟!
هكذا علَّمنا رسول الله، وهكذا مشى الشافعي، وهكذا مشى أبو حنيفة، وهكذا مشى أحمد، وهكذا مشى الصالحون إلى وقتنا، حتى ظهر هؤلاء الذين…: انقطع عمله! تفهم المعنى أو ما تفهم المعنى؟ والنبي فَهِمَهُ أم هو ليس فهمان؟ والصحابة فهموه أو لا؟
الصحابة، كان أسيادنا الأنصار يتردَّدون على قبور موتاهم، يقرأون عندهم القرآن، والصحابة مَن علَّمهم؟ مَن شيخهم؟ محمد ﷺ، صلى الله وسَلَّم وبارك عليه وعلى آله.
فما أعظم ما رتَّب السلف من القراءة للميت، والصدقة عن الميت، وما يُتَقَرَّب به إلى الله، فالميت ينتظر ما يُدعى له به، وما يُهدى إليه من الخير والثواب.
رحم الله صاحب هذه الجنازة، السَيِّد عقيل، وجمعنا به في الظلِّ الظليل، وفي دار الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين.
اللهم اغفر له وارحمه وتجاوز عنه، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واجعل له من عذابك وقايةً وجُنَّة، واجعلها أبرك الأيام عليه، وأسعد الليالي لديه، ثَبِّتْهُ بالقول الثابت، واخلُفه فينا، وفي آل حفيظ، وفي آل المهرة، وفي الأمة بخيرِ خَلَفٍ يا رب.
اللهم اجعل مستقرَّ روحه في فردوسك الأعلى، اللهم أَظِلَّهُ بظلِّ عرشك يوم لا ظلَّ إلّا ظلك، وأظله بظل لواء الحمد المعقود، وأَوْرِدْهُ على الحوض المورود في أوائل أهل الورود، وأَلْحِقْهُ بسلفه الصالحين، وأَعْلِ درجاته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، يا أرحم الراحمين.
واغفر لأهل هذه المقبرة، واغفر لوالدينا ووالد الحاضرين، واغفر لنا يا خير الغافرين، وانظر إلينا برحمتك، وأدخلنا في دوائر أهل محبتك، وأصلح لنا وللأمة الشأن كله ظاهراً وباطناً، والحمد لله رب العالمين.
12 ربيع الثاني 1448