كلمة في بيت السيد أبوبكر بن حفيظ، في الغيضة 1448هـ

للاستماع إلى المحاضرة

كلمة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في بيت السيد أبوبكر بن حفيظ، في مدينة الغيضة، محافظة المهرة، ظهر الأربعاء 12 ربيع الثاني 1448هـ

 

نص الكلمة:

 

فضل الصلاة والسلام على النبي ﷺ

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، ﷺ، ثم قال ﷺ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرَ صَلَوَاتٍ»، وأما السلام عليه، مع الأمر أيضاً من الله بالصلاة والسلام عليه، قال عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

وقد أمرنا الله بالسلام عليه في كل صلاة، وجعله من أركان الصلاة، فلا تصح الصلاة إلا بالسلام على النبي محمد، ونخاطبه في كل صلاة ونقول: "السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ"، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ثم إنَّ ردَّ السلام من رسول الله رحمةٌ من الله علينا، ودعاء رسول الله مقبول عند الله جل جلاله، فإذا رد عليَّ السلام نِلْتُ الأمان من ربي بسلام النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وكثرت لدي الخيرات بسلام خير البريات عليه الصلاة والسلام، فكانت الصلاة والسلام عليه من أعظم خِصَال المؤمنين، ومن أكبر ما يَسْتَنْزِلون به رحمة الله، ويَسْتَدْفِعون به الشر والضُّر.

ولما قال له سيدنا كعب - عليه رحمة الله تبارك وتعالى -: إني أصلي عليك فأُكْثِر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: «مَا شِئْتَ»، قال: الثلث؟ قال: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكَ»، قال: فالنصف؟ قال: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكَ»، قال: فالثلثان؟ قال: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكَ»، قال: إذاً أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ ذَنْبُكَ». إذاً تُكْفَى همك ويُغْفَر ذنبك، ومن كُفِيَ الهم وغُفِرَ له الذنب؛؛ سعادة في الدنيا والآخرة! فماذا بقي من مشكلة عليه؟ مشاكل الدنيا راحت بكفاية الهم، ومشاكل الآخرة راحت بغفران الذنب، "تُكْفَى همك ويُغْفَر ذنبك"، فلم تعد مشكلة في الدنيا ولا في الآخرة بإكثاره الصلاة والسلام على النبي محمد ﷺ.

بركة مجالس الذكر وحضور الملائكة

ولذا كان من عادة خيار المؤمنين في اليمن، في الشام، في مصر، في المغرب، في إفريقيا، في شرق آسيا؛ يفتتحون بيوتهم بقراءة المولد الشريف، بالصلاة على النبي محمد، وللسلام على النبي محمد، ولذكر الله تعالى، ولاستنزال رحمة الله، وليكون حِصْناً للبيت وحِفْظاً من الآفات والعاهات والبَلِيَّات. 

وما يقرأون سيرته ﷺ ويُصَلُّون عليه إلا وقرأوا آيات من القرآن كما سمعتم؛ سمعنا آية: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا)، سمعنا آية: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ)، سمعنا آية: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، إلى غير ذلك.. وقرأنا الفاتحة، والفاتحة أعظم سور القرآن؛ أعظم سور القرآن فاتحة الكتاب، وهي الشافية، والراقية، والكافية، والسبع المثاني والقرآن العظيم.

الحمد لله على ذلك، بهذه المجالس المباركة تُسْتَنْزَل رحمة الله، وتُنَوَّر الديار، كما أنّها نور القلوب، فالقلب إذا تَنَوَّر بنور الإيمان، فلا يشبَع مِن ذكر مَن آمن به جل جلاله، ولا من تلاوة كتابه، ولا من التسبيح له والتحميد والتهليل، وجاء معنا في المجلس: سبّحنا، وحمّدنا، وهلّلنا، وكبّرنا. 

والحق يقول لملائكته كما جاء في صحيحي البخاري ومسلم، يقول الحق للملائكة إذا حضروا مجلس الذكر: «كَيْفَ وَجَدْتُمْ عِبَادِي؟»، يقولون: وجدناهم يُسبحونك ويحمدونك ويُكبرونك ويُهللونك - هذا الذي جرى في المجلس -. يقول: «هَلْ رَأَوْنِي؟»، يقولون: سبحانك ما رأوك. يقول: «كَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟»، يقولون: يا ربنا لو رأوك لكانوا أشد لك ذكراً، وأكثر تسبيحاً، وأعظم مخافة. يقول: «فَماذا يَسْأَلُونَنِي؟»، يقولون: يسألونك الجنة، يقول لهم الله: «وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟»، يقولون: يا ربنا ما رأوها، يقول: «كَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟»، يقول: لو رأوها لكانوا أشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة، «ومما يستعيذون بي؟»، يقولون: يا ربنا يستعيذون بك من النار. يقول: «هَلْ رَأَوْهَا؟»، يقولون: يا ربنا ما رأوها. يقول: «كَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟»، يقول: لو رأوها لكانوا أشد منها مخافة وأشد منها هرباً، قال: فيقول الله: «أُشْهِدُكُمْ يَا مَلَائِكَتِي أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ».

«أُشْهِدُكُمْ يَا مَلَائِكَتِي أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ»، فهذه شهادة النبي للمجتمعين على الذكر، فإذا جاء واحد ثاني وقال لنا: لا، هذا بدعة وما يصح، قلنا: النبي قال الله يقول غفرت لهم، وأنت تقول كذا! نحن نُصَدِّق واحداً، سنصدق النبي ﷺ! النبي وعدنا على مجالس الذكر أنه يغفر لنا، وأنت تقول: إنها بدعة وضلالة وو… ! النبي صادق، النبي صادق ﷺ، ومن خالفه كاذب يكون من كان ﷺ، بل قال لنا: «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الجَنَّةِ فَارْتَعُوا»، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: «حِلَقُ الذِّكْرِ». حِلَقُ الذكر سماها رياض الجنة، وفي رواية قال: «ما الرتع فِيهَا»، قالوا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ.

مشروعية الذكر الجماعي وأدلته

ولهذا الذين ما يدركون هذه السنة النبوية؛ وهي ذكر الله في الجهر وفي الملأ، التي جاء فيها الحديث الصحيح القُدسي عن الله، يقول الله: «مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَأَطْيَبَ»، هؤلاء لو رأوا سيدنا داود عليه السلام وقد أمر الله الطير والجبال يُسَبِّحْن معه: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) يعني رددي الذكر معه، إذا سَبَّحَ سَبَّحَتِ الجبال، وإذا كَبَّرَ كَبَّرَتِ الجبال، هذا لو رآهم سيقول بدعة كبيرة هذه! هذا النبي داود عليه السلام والجبال يُؤَوِّبْن معه: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)، يقول الله سبحانه وتعالى، ( إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ) الجبال يُسَبِّحْن معه، والطير يُسَبِّحْن معه.

وهكذا جاءنا في كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: كنا في عِصَابَة نذكر الله، فمر علينا النبي ﷺ، قال: فأقبل علينا، وسلّم علينا ورددنا عليه السلام وسكتنا، استحيينا منه. قال: «مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ؟»، قالوا: كنا نذكر الله. قال: «أَمَا إِنِّي رَأَيْتُ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ عَلَيْكُمْ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُشَارِكَكُمْ فِيهَا». وهذا سيد المرسلين محمد ﷺ، ما قال: أنتم ابتدعتم! قال: أنا أشارككم في هذه الرحمة التي تنزل عليكم.

وفي صحيح مسلم عن معاوية بن أبي سفيان، قال: كنا في جماعة نذكر الله تعالى ونحمده ونذكر ما مَنَّ الله علينا، قال: فأقبل النبي ﷺ، فلما أقبل علينا سكتنا، وسلم ورددنا عليه السلام، قال: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟» - ما الذي جلسكم هنا؟ -، قالوا: يا رسول الله، جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا بك، قال: «آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ؟» - استحلفهم بالله، ما جلستوا إلا لهذا؟ -، قالوا: يا رسول الله، آللَّهِ ما أجلسنا إلا ذلك، قال: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَّكُمْ - ما أنا متهمكم -، وَلَكِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَانِي آنِفًا فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِكُمُ المَلَائِكَةَ»، أخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة!

فجاء ﷺ وجلس معهم، والله أمره بذلك في القرآن: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) - لا تروح لعند غيرهم - (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)، قال تعالى: (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ) - يعني يغفل ويكون نصيبه من الذكر قليل، ما يحب ذكر الله ولا يكثر ذكر الله - (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)، فتُسلَّط الشياطين على قلوبنا بقدر ما نغفل عن ذكر الله تعالى، فإذا ذكرنا الله خَنَسَ الشيطان؛ (مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) يَخْنَس كلما ذُكِرَ الله سبحانه وتعالى.

أهمية الأخوة والأمن والاستقامة

فالحمد لله الذي جمعنا على ذكره، وبارك الله فيكم، وفي الغيظة وأهلها وفي المهرة كلها، وأعانهم على الاستقامة على المنهج القويم، والصراط المستقيم، وهو الذي بُعِثَ به النبي العظيم. 

وقد شرّف الله آباءكم وأجدادكم السابقين بالمشي على ذاك الصراط، غفر الله لهم ورحمهم، وجمع بهم ذريتهم في دار الكرامة. 

فيا رب واجمعنا وأحباباً لنا ** في دارك الفردوس أطيب موضعِ

وكانوا على محبة الله ورسوله، وأهل بيته وصحابته، ومحبة الصالحين خاصة والمسلمين عامة، وهكذا يجب أن يكون المؤمن، و "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً". و "المؤمن أخو المؤمن لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره"، "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم".

الله يبارك في هذا المنزل ونازليه، ويبارك في هذه البلدة والقائمين عليها، ومن يقوم مع الشباب أو الرياضة؛ وعليه مهمة ومسؤولية كبيرة في ربط قلوبهم بالله، وإقامة الصلوات، وأن يعلموا أن خيرهم ونصرهم في طاعة الله ورسوله ﷺ، وأن يتواصوا بالحق والصبر. 

ومن يقوم بالأمن؛ مسؤوليته كبيرة، فإنّ أمن المسلمين من مرضاة رب العالمين جل جلاله، وكَفّ شر بعضهم عن بعض، وأن يُؤْخَذ للمظلوم مِن الظالم، فذلك مِن أعظم المراتب عند الله تبارك وتعالى.

خطورة الظلم والحساب يوم القيامة

لأنًّ الظلم عاقبته وَخيمة وهو ظُلمات يوم القيامة، ولا شيء أحب إلى الله تعالى من إنصاف المظلوم من الظالم، وهكذا قال سبحانه حتى قال جل جلاله: «أَنَا الظَّالِمُ إِنْ لَمْ أَنْتَقِمْ مِنَ الظَّالِمِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، ويقول كما جاء؛ إذا اجتمع الخلق في موقف القيامة، يقول: «أَنَا اللَّهُ مَلِكُ المُلُوكِ، وَجَبَّارُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، الذي بيده الأمر كله، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَعِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى اللَّطْمَةَ فَمَا فَوْقَهَا حَتَّى آخُذَهَا مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَعِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى اللَّطْمَةَ فَمَا فَوْقَهَا حَتَّى آخُذَهَا مِنْهُ»، (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ).

فما أعظم ذاك اليوم! ويا ويل مَن لم يستعد له، ومَن لم ينتبه له، قال تعالى فيما أوحى للنبي داود نفسه، صاحب الذِّكر هذا، يقول: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)، بما نسوا يوم القيامة، وما تفكّروا فيه ولا استعدوا له! (بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)، فهم يضلون.

 فيجب أن يكون يوم الحساب على بالنا، ونتذكر أننا نجتمع، الآن اجتمعنا هنا، لابد نجتمع ذاك اليوم: (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ)، ثم "ما تجالس اثنان في ساعة من ليل أو نهار إلا سألهما الله عن صحبتهما؛ هل أقاما حق الله فيها"، فنُسأل عن الجلسة، وما دار فيها، ونياتنا فيها، ووجهتنا فيها. والله يكتب لنا القبول والتوفيق، والتعاون والتواصي بالحق والصبر، والتعاون على مرضاته، إنه أكرم الأكرمين، ويكتبنا الاستقامة على منهج نبيه وصحابته وأهل بيته والصالحين.

ظهور الخوارج وخطرهم على الأمة

الذين ما عرفوا لا سب ولا شتم ولا أذى ولا ضُر، ولا مفاهيم خاطئة في دين الله تبارك وتعالى، يُكَفِّرُون بها أحياءً، أو يُكَفِّرُون بها أمواتاً، ولكن سوءٌ أصاب الأمة؛ كان بدايته ناس بأهوائهم أرادوا أن يُفسروا كلام الله على غير تفسيره، وكلام النبي على غير مَحْمَله، وجاءوا بآيات نزلت في المشركين الذين يعبدون مع الله آلهة أخرى، ولا يرضون يقولون: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، ولا يصدقون أن محمداً رسول الله، وجاءوا بالآيات التي نزلت عليهم، وأرادوا يُطبّقونها ويُنزِّلونها على المؤمنين! بل على خيار المؤمنين! بل على أوائل المؤمنين! على الصحابة رضي الله عنهم، على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وحملوا سيوفهم يقاتلون السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.

سيدنا علي ومن معه يقاتلونهم بسيوفهم، ويقولون بآيات، ضحك مرة عليهم سيدنا علي، ذكروا له آية، قال: الآية هذه نزلت عند النبي وأنا عنده، وتلاها علينا، وأنا الذي كتبتها وأعرف معناها، ولا شيء فيها من هذا الكلام الذي تقولون! والجماعة يقولون: لا، معنا آية. قال: أنا عند النبي لما نزلت الآية عليه، وسمعتها من فمه وكتبتها ومعناها كذا وكذا! ليس كما تقولون! ولكن الجماعة وراء الهوى، يقاتلون الصحابة! 

وهذا بقي في الأمة والعياذ بالله، قالوا له في معركة لما حضرها وأخبره النبي بها من قبل، وقال يُقْتَل فيها رجل من كبارهم عضده مثل ثدي المرأة، وقالوا: ذُو الثُّنِيَّة. فلما انتهت المعركة، قال النبي: ابحثوا عن ذي الثنية. قال سيدنا علي: ابحثوا عن ذي الثنية. قالوا: ما جئنا عليه، قال: بلى، معي خبر مَن لا يكذب! قام بين القتلى، رفع بعضهم بعضاً فإذا به تحت، ويده كما وصف النبي، قال: هذا هو ذُو الثّنِيَّة الذي أخبرنا عنه النبي! ولولا أن تَبْطَرُوا لأخبرتكم بثواب مَن يقاتل هؤلاء، ومَن يقتُل هؤلاء.

فقال له بعضهم: يا أمير المؤمنين، انتهوا الجماعة! قال: لا، لا يزالون؛ كلما قُطِعَ منهم قَرْن ظهر قَرْن، حتى يُقاتل آخرهم مع الدجال.. حتى يقاتل آخرهم مع الدجال! يقاتلون مَن؟ يقاتلون الإمام المهدي، ويقاتلون خيار الأمة! يقولون هؤلاء مبتدعين مشركين، يروحون مع الدجال والعياذ بالله! الذي يدَّعي أنه ربهم والعياذ بالله، ويقاتلون خيار الأمة، آخرهم هؤلاء، فهم مستمرين في الأمة، والله يدفع شرهم عنا وعنكم وعن أهل بلداننا، وعن يمننا وعن شامنا وعن المسلمين، ونستقيم على المنهج في صفاء القلوب، في النقاء، في الصدق مع علام الغيوب جل جلاله، في إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والتواصي بالحق والصبر.

الدعاء

الله يُبارك لنا ولكم في جمعنا وفي لقائنا، ويبارك في مجيء منصب آل الشيخ أبو بكر بن سالم، إلى المهرة، وإلى زيارتكم، والمنصب الحبيب أحمد بن حسن بن حامد بن مصطفى بن أحمد المحضار، منصب آل المحضار في قوَيْرَة المحاضير في دُوعَن عندنا، أطال الله عمره في عافية، وشارك في الزيارة وجاء ومن معه، ومن حضر من أصحابنا، ومن أحبابنا، الله ينظر إليهم أجمعين ولا يُخَيِّب أحد، ويجمع الكل في ظل العرش، وتحت لواء الحمد وعلى الحوض المورود. 

فيا رب اجمعنا وأحباباً لنا ** في دارك الفردوس أطيب موضعِ

ويبارك الله في هذه المنازل وأهليها، جزى الله إخواننا آل حفيظ ودعوتهم وما أحضروا لنا من هؤلاء الأعيان والأكابر أهل البلد، الله يأخذ بيد الجميع، ونرى إن شاء الله في المهرة نصرة الحق، والهدى، وأمن، وطمأنينة، وسكينة، واستقامة، ويدفع البلاء عنهم والشرور والآفات، وتنزل الرحمات الظاهرة والباطنة، للقلوب وللجدوب، يا أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

12 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

23 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية