كلمة في المولد السنوي في مسجد الإمام عبدالرحمن السقاف 1448هـ

للاستماع إلى المحاضرة

كلمة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في المولد السنوي في مسجد الإمام عبدالرحمن بن محمد السقاف، بمدينة تريم، عصر الجمعة 29 ربيع الأول 1448هـ

 

نص الكلمة:

التوفيق للفوز الأكبر وإقبال القلوب

الحمد لله، بتوفيقه يحدو القلوب إلى الإقبال عليه، والتوجه إليه، والتذلل بين يديه جل جلاله وتعالى في علاه؛ فتكون أسباب الفوز الأكبر، والارتقاء إلى مراتب المعرفة الخاصة والمحبة الخالصة؛ حتى يكون المآل الاستقرار في دار الكرامة والنظر، ومرافقة حبيب الرحمن محمد خير البشر، والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

وإذا كان الإقبال في مواطن أهل القبول من خواص ورثة الرسول كان الأمر أعظم، والجود أوسع وأفخم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. 

جَمَعكم في ساعة الجمعة هذه، في عشية الجمعة هذه، في هذا المسجد، ومن اتصل بالمسجد صفًّا بعد صف، وصفًّا بعد صف إلى حيث ما وصلوا. ويُروى أنه قال: مسجدي مسجدي ولو امتد إلى صنعاء. والمجاور للشيء يُعطى حُكمه، والمتصلون بهذا حتى من بعيدٍ بواسطة القلوب المتعلقة، ما يتنزّل داخل المسجد ينزل على قلوبهم حيث ما كانوا؛ بفضل الرحمن جل جلاله وتعالى في علاه.

مكانة الصلاة وأهمية الفجر والعشاء

وعسى إجابة هذا الداعي الرباني الرحماني؛ لنخرج من جموعاتنا هذه بقلوبٍ على الله مجموعة، مُقبلةٍ بالكليات عليه، محافظةٍ على إقامة الفرائض وترك المحرّمات والنواهي.

وأعظم الفرائض بعد الشهادتين، فريضة الصلاة، قال سيدنا الإمام الحداد: 

وأوصيك بالخمس التي هُنَّ يا أخي ** عمادٌ لدين الله واسطة الأمرِ

وحافظ عليها في الجماعة دائمًا ** وواظِب عليها في العشاء وفي الفجرِ

لأنهما أثقل صلاةٍ على المنافقين: صلاة العشاء جماعة وصلاة الفجر جماعة. وشأنها عند الله أعظم الشؤون، وهي أول ما يُحاسَب عليه الإنسان في قبره وفي يوم القيامة؛ فإن وُجِدَت صالحةً تامةً قُبِلَت وسائر عمله، أي خُفّف عنه في المسألة عن بقية أعماله، وإن وُجِدت ناقصةً رُدَّت وسائر عمله، فلا يُقبَل له عمل والعياذ بالله تبارك وتعالى.

ولذا هَدّد الله تبارك وتعالى بالويل المُخلّفين لها عن أوقاتها، فكيف حال من يتركها من أصلها؟ قال جل جلاله: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ).

وجاء تفسير (عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) في الحديث النبوي قال: "يؤخّرونها عن أوقاتها". مُهدّدون بويلٍ، تهديدٌ من الجليل الكبير جل جلاله، وهو أيضًا اسم وادٍ في جهنم، لو سُيِّرت فيه جبال الدنيا لذابت من شِدّة حرّه! فإذا كان هذا مسكن المتهاونين بالصلاة، فكيف بمن يتركها من أصلها والعياذ بالله؟! 

مسؤولية التربية على الصلاة والأمر بالمعروف

وأنتم الذين أكرمكم الله بالمحافظة على هذه الصلاة؛ احمدوه واشكروه وقوموا بحقّها، وانظروا إلى مَن حواليكم، وانظروا إلى مَن جهاتكم فإنكم مسؤولون. 

بعض الناس يُحشَر يوم القيامة مع ترّاك الصلاة وكان يصلي في الدنيا؛ بترك أهله لها، بترك أولاده لها، وهو لا يأمرهم ولا ينتبه منهم ولا يتابعهم في ذلك، فيُحشَر مع ترّاك الصلاة.

يقول: أنا يا رب أصلي! فيُقال له: انظر ولدك فلان، انظر بنتك فلانة؛ وتدري بهم، ولا أمرتهم، ولا نهيتهم، وصاحب الرسالة ﷺ يقول لمن هم صغار قبل البلوغ: "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ". 

يتربون على العفاف من قبل ما يعرفون الشهوات، فَرِّقوا بينهم في المضاجع وهم أبناء عشر سنين، هذا إرشاد النبي الأمين محمد صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله. 

وهكذا من له صديقٌ يعلم به يترك الصلاة أو يؤخّرها ولا يأمره، ولا ينهاه، ولا يُذكّره؛ يشاركه في إثم ترك الصلاة والعياذ بالله تبارك وتعالى.

صديقك وزميلك ورفيقك ومن علمت به مُقصِّر، بَلِّغه أمر الله، وأعلمه أنه إذا أخّر العبد الفريضة عن وقتها كُتب اسمه على باب النار: فلان ابن فلانة لابد له من دخول النار، فإن مات ولم يتب فدخول النار لابد منه، وإن تاب مُحي اسمه من على باب النار بفضل الكبير الغفار سبحانه وتعالى. 

وبذلك وصف الله الذين انقطعوا عن الأنبياء وعن هُداهُم بقوله بعد ما ذكرهم: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ..). أول مصيبةٍ وصفهم بها، قال: (أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)، يحيدون عن سواء السبيل ويدخلون النار يوم القيامة، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

فوجب لذلك أن يتذاكر الناس هذه الفرائض العظيمة.

مواقف في الأدب مع الله

وكانت العِبرة في الإمام عبد الرحمن بن عبد الله بلفقيه، علاّمة الدنيا عليه رحمة الله تعالى؛ بعض أهل الجور من السلاطين أمر بحبسه، وجاء بِزِيرٍ كبير وضعه فوقه يكاد أن يختنق بلا هواء، ثم أمر برفعه وخرج، فلما خرج جاء بعض أهل البلد وأرادوا يتكلمون على السلطان، قال: اسكتوا، لا تتكلموا على السلطان، كيف يا حبيب؟ قال: أنا السبب في كل ما حصل، لماذا؟ قال: الخادمة التي جاءت عندنا أمس ما سألتها: صلت الظهر أو لا؟ والنبي ﷺ يقول: "لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ ليُسَلِّطَنَّ الله عليكم شراركم، فيدعو خياركم فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ"، فالسبب من عندي، لا تذكروا سلطانًا ولا غيره. 

ما هذا الأدب مع الله؟! ما هذه المعرفة بالله؟! ما هذه النفوس المطمئنة الراضية المَرضية الكاملة، والقلوب التي حَيِيَت بالصدق مع الله تبارك وتعالى؟!

ومع ذلك في مدةٍ من المُدَد، فرض السلطان عليه أن يُجهِّز له طعام الفرس حقه، قال مرحبًا، فكان يأتي من أحسن الطعام الذي عنده، يُنقّيه بيده ويقول: أعطوه إياه، قالوا له: عادك تُنقّيه وهذا ظالمٌ يأخذه منك من غير حق؟! قال: أريد أستلمه في القيامة نقي، قال أريد أستلم عملي في القيامة نقي، وإن أخذه بغير حق!

فحتى يوم في يوم جمعة، وكان يُبكِّر إلى الجامع، وإذا بالجندي يلاقيه في الطريق، قال: قد انتظرتك وما جئت، والآن بعد الجمعة إن شاء الله، قال: لا لا، لابد ترجع الآن.. وأخذ يتهجم هذا الجندي، قال له: لا، أما الآن لن أرجع عن صلاة الجمعة وأنا متوجّه، قال له: أحسن لك ارجع وأقول لك.. قال له: لا، إذا طوّلت الكلام إلا أنت أحسن قف محلك إلى أن أرجع أنا! فلصقت رجلاه بالأرض، يريد يعمل كذا ما عرف، يعمل كذا ما عرف..

ذهب الحبيب إلى الجمعة وأكمل الصلاة، جاء، وجده: ما لك؟ قال العفو.. أخرجنا، أخذ بيده، افتكّت رجله، مشى، قال خذ الطعام، أنا منتظرك من الصباح ما جئت، وستردنا من الجمعة؟! عليهم رضوان الله.

وفي أيديهم لو توجَّهوا إلى باريهم لكان ما كان، ولكنهم عباد الرحمن الصادقون المخلصون الصابرون عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

حقيقة التربية ومسلك الصالحين

وأنتم في بلدتهم، وأنتم في مساجدهم، عظِّموا أمر الله، وعظِّموا شرعه، كانت المكروهات في بيوت "تريم" كأنها مُحرمات، وكنا نعهدهم في الصغر يقولون لنا: "هذا ما هو زين"، ما هو زين تقول كذا، ما هو زين تفعل كذا.. على ماذا؟ على مكروه أو خلاف الأَولى، ولسنا حول الحرام.. العامي يقول لك، والأم تقول لك، والأخ يقول لك: ما هو زين تقول كذا، ما هو زين! هذا شيء سيء قبيح؛ على مكروهاتٍ، وعلى خلاف الأولى، عليهم رضوان الله.. أين ذهبت هذه التربية؟! وأين ذهب هذا القيام؟! 

سيدنا السقاف كان يقول: كل علمٍ بلا عملٍ باطل، وكل علمٍ وعملٍ من غير نيةٍ فمردود، وكل عِلمٍ وعملٍ ونيةٍ من دون موافقة للسنة فلا يُقبل، وكل علم وعمل وموافقة للسنة بلا ورع فهو خسرانٌ يُخشى على صاحبه عند المُقاصّة ذهابه.. وقاموا بالعلم، فوقها عمل، وفوق العمل بالعلم إخلاصٌ صدقٌ ونية، وموافقةٌ للسنة الكريمة، وورعٌ فوق ذلك حاجز، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

ومع ورعهم كما سمعتم، كانوا كثيري الإنفاق، كثيري الأموال التي لم تشغلهم لحظة عن ذِكر الله ولا عن الدار الآخرة، وسُخِّرت تسخيرًا للبذل والعطاء في سبيل الله جل جلاله وتعالى في علاه. 

وكان مناديه ينادي أيام زيارة النبي هود: من عجز عن النفقة، فمدة ذهابه وإيابه نفقته ونفقة أهله عليّ، وينفقها حتى لا يُحرموا هذا الجمع، وهذا الخير، وهذه الوجهة.

الدعاء وساعة الاستجابة

والحمد لله الذي جمعكم في هذه الساعة الفاطمية، آخر عشية في يوم الجمعة، كان يميل الحبيب جعفر العيدروس عليه رحمة الله إلى قول أكثر الصحابة أن ساعة الإجابة في عشية يوم الجمعة، وأنها تكون في أواخر عشية يوم الجمعة. 

كان سيدنا السقاف كل من أخذ العهد على يده في الطريقة خرج حب الدنيا من قلبه في اللحظة، يخرج وهو واحدٌ ثانٍ، هذا الذي هو رأس كل خطيئة؛ حب الدنيا، ينسلّ بمجرد ما يعاهد عبد الرحمن السقاف.

ويا ربنا، في مسجد عبد الرحمن وحواليه، ونرجوك يا رحمن نظرةً مِن نظراتك تصلح بها هذه القلوب، كما دعى الإمام الحداد: اللهم أخرج من قلوبنا كل قدرٍ للدنيا، وكل محلٍّ للخلق يميل بنا إلى معصيتك، أو يشغلنا عن طاعتك، أو يحول بيننا وبين التحقُّق بمعرفتك الخاصة ومحبتك الخالصة، وأخرج حب الرئاسة من رؤوسنا. 

وبارك في جموعنا بركةً نرقى بها مراقي أهل الوفاء بعهدك، والظفر بمحبتك وودّك، من (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، وألحقنا بأولئك المفلحين، واجمعنا معهم في مقعد الصدق، واغفر للمتقدمين في مساجدنا وأماكننا وبَلَدنا، واجمعنا بهم في أعلى درجات دار الكرامة. 

في مقعد الصدق الذي قد أشرقت أنواره بالعندِ يا لك من سنا

والمتقون رجاله وحضوره يا رب ألحقنا بهم يا ربنا

ونستغفرك ونتوب إليك لموتانا وأحيانا وللأمة، فاقبل التوبة، وعجِّل الأوبَة، وارزقنا الصدق معك في الإقبال والوجهة، وأقبِل يا ربِّ بوجهك الكريم على كُل منا، وعلى أهلينا ومن في ديارنا، وسِر بنا خير مسار، وأمتِعنا بعلمائنا وصلحائنا ومناصبنا وأئمتنا وأهل السر فينا؛ ظاهرهم وخاملهم، أطل أعمارهم في عافية، وادفع الشرور الظاهرة والخافية.

وأرِنا في الأمة يا ربنا، يا رب العالمين، قِرى لشهر ميلاد نبيك، فرجًا للأمة وصلاحًا للأمة وما تقر به عين نبيك محمد ﷺ. 

ولا تجعله أواخر العهد من ربيع الأول، أعِدنا إلى أمثاله في صلاحٍ وفلاحٍ ونجاحٍ وعافيةٍ وتقوى، واجعله شاهدًا لنا لا شاهدًا على أحدٍ منا يا أرحم الراحمين، وزدنا من فضلك ما أنت أهله، والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

03 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

14 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية