كلمة في اختتام الدورة الصيفية ال27 في منطقة الوجيب، الحوطة
كلمة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في ختم الدورة السابعة والعشرين في مسجد التقوى بمنطقة الوجيب، حوطة الإمام أحمد بن زين الحبشي، مديرية شبام حضرموت، ليلة الأحد 1 ربيع الثاني 1448هـ
نص الكلمة:
مقدمة: توفيق الله والاستجابة لندائه
الحمد لله رب العالمين، وليّ التوفيق، والهادي من يشاء إلى أقوم طريق، والمُلحق أهل السّوابق بخير فريق، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، بيده الأمر كلّه وإليه يرجع الأمر كلّه.
أرسل إلينا خاتم النبيّين، وسيد المرسلين بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
وجعل مخصوصين في السّوابق من هذه الأمّة في مختلف القرون مهما طالت، والقرآن بينهم موجود، مخصوصين بحُسن الاستجابة والتّلبية لنداء الحقّ الذي كان على لسان عبده ورسوله وحبيبه وصفوته محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فكان أولو اللّب منهم -العقل- أولو الألباب والفهوم والإدراك، يقولون في ندائهم للرّب: (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا)، وما ذاكُم المنادي إلا النّبي الهادي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فبقي مِن عهد الصّحابة إلى أيامنا ومَن بعد أيامنا؛ منازلهم عند الله ومراتبهم في السّعادة على قدر استجابتهم لنداء محمد بن عبد الله، في قلوبهم، في عقولهم، في أفكارهم، في معاملاتهم، في أسرهم، في مهمّاتهم في الحياة كلّها، ونِعمَ المنادي الذي نادى، وأحسن النّداء نبيّ الهدى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
بقي التّهيُّؤ للإصغاء للنّداء، والاستجابة له والتّلبية له، والحقّ يقول له فيما أوحى إليه: (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ)، ألحِقنا بهم واجعلنا منهم، يا ربّ العالمين ويا أكرم الأكرمين.
العزلة عن الأسرة والمجتمع بدعوى التواصل الاجتماعي
ولأنّ أسباب جميع الانحرافات والزّيغ والضّلال والشّرور، إصغاء واستماع أيضاً، لكن إلى باطل، إلى ظُلمة، إلى ضلال.
ولهذا تجدون في دعاة الشّر، يذكرون لكم في عام الثّمانين -شيء وثمانين- بعض المفكّرين من شياطين الشّرق والغرب، ويقولون عندهم مهمّة أن يُبعدوا القِيَم من أصلها، ويُبعدوا النّاس عن الأخلاق.
وقال بعض مفكّريهم أظن ما بين 15 - 20 سنة نقدر نصل إليها بخطوات: الأولى نُذهب الاعتبارات، وأولها الاعتبار الدّيني، حتى تذهب هيبة الدّين من النّفوس والقلوب، وحتى يتكلّم كلّ واحد باسم الدين، وحتى لا يعتبروا مرجعيّة ولا عالم ولا سند.
والثّانية: التّعليم، ولا نُقيمهم على علم صحيح، ونشغلهم من خلال التّعليم والمدارس بما يُشتِّت أذهانهم، وبما يفرّق عليهم تركيزهم على علم صحيح.
حتى يعيش الواحد منهم منفصل، منفصل عن أهله وجماعته بدعوى الاتصال الاجتماعي، حتى جلسته عند أبوه وأمه.. لا هو مع أبوه ولا مع أمه! مُشتِّت مع ذا ومع ذاك، ويرى نفسه متصل، متصل بمن؟! انحلّت صلته بأبيه، انحلّت صلته بأمه، انحلّت صلته حتى بزوجته، انحلّت صلته بأولاده.. وصار مع شُلل من المُخَبّطين من هنا وهناك، ومُتصل بهم ويقول: عندي تواصل اجتماعي! أو هو: تخاذل انهدامي؟! هذا الواقع!
وحتى فكَّروا في إبعاد هيبة حتّى المرجعيّة في القبائل، المرجعيّة حتّى في السّياسة، وليكون كلّ واحد يتحرّك ويتصرّف، وكلّ واحد يعمل ثورة، وكلّ واحد يعمل ما يعمل.. ومرّت السّنين وجاؤوا لكم بما سمّوه "ربيع" وبغيره وجاءوكم..
دواء الأمة في الاستماع للحق وتحكيم شرع الله
والآن الأشياء التي تشاهدونها أمامكم؛ نتائج إصغاء واستماع باطل لباطل.. وما دواؤه؟ هو الدواء الذي كان من أيام آدم إلى اليوم: إصغاء واستماع إلى فوق، إصغاء واستماع بحقّ إلى حقّ.
دعانا إلى حقٍّ بحقٍّ منزَّلٍ ** عليه من الرّحمن أفضل دعوةِ
خيار هذه المدرسة في الوادي الميمون قالوا: أجبنا سمعنا، قالوا:
أجبنا قَبِلنا مُذعنين لأمرهِ ** سمِعنا أطعنا عن هدى وبصيرةِ
يقول الحقّ عن هذا الهدى والبصيرة: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)، ثم يقول نبيّه: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواهُ تَبَعاً لما جئتُ به".
معنى "يكون هواهُ تَبَعاً لما جئتُ به": يُغَلِّق مداخل الشّر على ذهنه وعقله ووجهته، ويجعل هواه تبعاً لما جئت به.. يُغَلِّق هذه المداخل الشرية على ذهنه وعقله ووجهته، و "يكون هواهُ تَبَعاً لما جئتُ به"، ونعم المُرسَل.
أمثلة نبوية للمستجيبين والمعرضين عن دعوة النبي ﷺ
وهو الذي يقول ويضرب المثل لنا، يقول ﷺ: كمثل قوم جاءهم نذير، وهم في صحراء في مجرى السّيل، وقال: إنّ من ورائكم جيشاً مُصَبّحكم فخذوا حِذركم وانظروا وامضوا، فاستجاب قوم لدعوته وترفّعوا، وبقي قوم محلّهم وقالوا: من أين دليلك؟ أين هو؟ كيف علمت أنّه سيجيء شيء وأنّه سيكون؟ قال: فالذين مشوا نجوا، والذين في محلّهم صبّحهم العدو فاجتاحهم ولم يُبقِ منهم شيء.
وهذا المثل الذي يُعبِّر عن معناه في الحديث الآخر: "كلّكم يدخل الجنّة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنّة، ومن عصاني فقد أبى".
ثم يضرب المثل الثّالث ﷺ: كمثل مَلَك ابتنى داراً، وجعل فيها مأدبة، ثم أرسل رسولاً يدعو، فمن أجاب الرّسول دخل الدّار وأكل من المأدبة، ومن لم يُجب الرّسول لم يدخل الدّار ولم يأكل من المأدبة، قال: الملك الله، والرّسول أنا، والمأدبة الجنّة، من أجابني دخل الدّار ومن لا يجيبني..
ولهذا يقولون كلّهم: (يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا)، (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
رسالة المسجد وأثرها في توجيه المجتمع
بحمد الله، قائم عندكم في هذا المسجد نصيب وافٍ من رسالة المسجد، رسالة المسجد العظيمة الكبيرة التي يرتبط بها أهل المنطقة من صغيرهم وكبيرهم.
فالمهام التي سمعنا الكلام عنها فيما تقومون به، مهام يتشرّف بها منطقة الوجيب ويفتخر بها أهل الوجيب، فجزى الله أهل مسجد التّقوى خيراً.
والقصد أننا نُدرِك معاني هذا الإصغاء، ونرفع أنفسنا عن أن نستمع السّاقطين والمبطلين والمفسدين على ظهر الأرض، فننحرف في فكر، في خُلق، في معاملة، وذلك يوصل إلى كثير من المفاسد وكثير من الآفات في الدّنيا ثم في الآخر.
ثمار الدورات والتعاون على البر والتقوى
ونعم الإجابة لنداء الحقّ على لسان رسوله، بهذا التّعاون على البرّ والتّقوى.
شرح الله صدوركم، ونوَّر الله قلوبكم، بارك في هؤلاء الأولاد وما تلقّوا، وينبغي الحمد لله، هؤلاء الذين تخرّجوا سواء من كلية الشّريعة أو من كلية التّربية أو من غيرها، يوسّعوا آفاق أدائهم للرّسالة المسجديّة والرّسالة النّبويّة في مجتمعاتهم ومن حيث هم.
ولا شك أنّه عندكم السابعة والعشرين الذين حضروا الدّورة الأولى منكم الآن هم كم؟ وهم بأولادهم، ربّما أولادهم في الدّورة يحضرون الآن.
فإذا كُلٌّ انطلق في مساره الصّحيح كم يحصل في المجتمع؟ وفوق ذلك كلّه مع الإخلاص لوجه الله والصّدق، والارتباط بهذه السّلسلة والسّند، تحصل عنايات من الله، وتأييدات ورعايات تصلح بها شؤوناً كثيرة.
الدعاء والخاتمة
فالحمد لله على هذا الخير، وأنتم مجتمعون في خاتمة هذه الدّورة، بارك الله في القائمين عليها، وفي حضورها.
وبارك الله في أولادكم، وجعلهم قرّة أعين لكم في الدّنيا ويوم يقوم الأشهاد، حتّى تسمعون منهم أطيب النّداء يوم التّناد، وتكونوا بهم من أغبط الآباء بالأولاد.
فإنّ كُلاً من الأبناء والبنات إمّا يكونوا سبباً للفوز، أو سبباً للخسران، وإمّا يكونوا سبباً لرفع الدّرجات، أو السّقوط في الدّركات. و(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).
ومجتمعين وبعد هذا عندكم أيضاً مَجمع من مجامع الخير في منطقتكم في دعوة الشّيخ سعيد بن سلامة جزاه الله خيراً، وصِلَة بمحمد ﷺ، وآثاره وقراءة سيرته، وتعاون على ما بُعث به وما جاء به إلينا، في مسلك لا يعرف كما سمعتم في كلام أحبابنا؛ إلا الرّحمة والرّأفة وجمع القلوب، والتّعاون على مرضاة الرّبّ، وموجب السّعادة في الدّنيا والآخرة.
فالحمد لله على وجود هذه الخيرات، والله يرزقنا تمام النّعمة، ويرزقنا الارتقاء إلى القِمّة، ويبسط لنا بساط الجود والرّحمة، ويحفظ الوادي والنّادي من الآفات والعاهات، ويُحوّل الأحوال إلى أحسنها.
عجّل ربّنا بالفرج، وادفع الضّيق والحرج، وقوِّم كلّ معوجّ، واجعلنا من المتحابّين فيك، المجتمعين على ما يرضيك، ضاعِف الخير لنا والبركة في حضور مناصبنا، وأعياننا، وكبرائنا، وعُقّالنا، وأهل النّور والسّر فينا.
واجعل في هذا الاجتماع رضاً منك يا ربّ، وقُربة إليك، نحوز بها أن تقضي لنا بخير، وأن تكتب لنا الخير، وأن تعاملنا معاملتك لأهل الخير، وأن تحفظنا من كلّ بؤس وعاهة وبليّة وضير يا أرحم الرّاحمين، والحمد لله ربّ العالمين.
01 ربيع الثاني 1448