(488)
(637)
(369)
كلمة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في الزف السنوي بدار المصطفى في احتفالات أهل المحبة والوفاء بذكرى المولد النبوي في دار المصطفى، ليلة الثلاثاء 26 ربيع الأول 1448هـ
سُبْحانَ من جمعكم وله الحمد، ولم يكن في شيء مِن أعماله عبث ولا لعب ولا هُزُوٌ، كما خلق السماوات والأرض لا لَعِبًا ولا هُزُوًا، ولم يجمعكم كذلك لا لَعِبًا ولا هُزُوًا، ولكن جمع -سبحانه وتعالى- ألوفاً من أمة نبينا محمد ﷺ على وِجْهَةٍ إليه؛ على تذكُّرٍ لمُهِمّاتهم نحو شرعه وما أَنزل على هذا المصطفى ﷺ، وتواصيهم بالحقّ والصبر، فلِلّه الحمد أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً.
وكما سمعتم في هذه المجامع، مع واسعات من الإفضال والنَّوَال والجود من الكبير المتعال -سبحانه وتعالى- والعطاء المتوال، تتأسَّس عودة القيادة النبوية المحمدية لأفراد في قلوبهم وعقولهم، وتنتقل منهم وبهم إلى أسرهم، إلى أصحابهم، إلى جماعاتهم.
وعندما يكون القائد حبيب الرحمن ﷺ، فالشأن كله صالح، والحال كله جميل، والعطايا جزيلة، والعواقب عظيمة وسليمة!
بل بعد الانقياد بهذا القائد وما جاء به، تترتّب المِنَنُ الكبرى؛ من الورود على الحوض المورود، ومن القُرب منه تحت لواء الحمد وفي المقام المحمود، وعند المرور على الصراط، ثم المرافقة له في دار الكرامة في الجنة، جمعنا الله وإياكم فيها معه، آمين.
جمعكم لِتَحْتَكِم انقيادات كلّ فرد منا لهذا القائد ﷺ؛ في أقوالنا، وأفعالنا، ونياتنا، ومقاصدنا، وألبستنا، وأطعمتنا، وأشربتنا، وأفكارنا، وعلائقنا بالكبير وبالصغير، وبالذكر وبالأنثى، وبالأسرة، وبالأصدقاء، وبالأصحاب؛ مُتوجّهين إلى الرحمن بمن وجَّهه إلينا ليوصلنا إليه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأرسله إلينا ليدلّنا عليه -سبحانه وتعالى-.
وهذه مِنَّة مِن عظيم المِنَنِ بينكم وبين زمن بعثته وهجرته ووفاته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فوق الألف والأربعمائة من السنين؛ بينكم وبين الوفاة ألف وأربعمائة وثمانية وثلاثون سنة، وبينكم وبين الهجرة ألف وأربعمائة وثمانية وأربعون سنة، وما بينكم وبين البعثة الشريفة: فبينكم وبينه ألف وأربعمائة وواحد وستون من السنين.
ولكن هذه السنون كلها ما تُقَصِّر شيئاً من نظر الله لأتباعه، لِكُل من صدق في اتّباعه، وهو الذي وعده أن يقيم ويُديم قيادته في محبوبين ومخصوصين مِن أمته، هواهم تَبَعٌ لِمَا جاء به، حتى إذا نزل عيسى بن مريم وجد في الأمة مثل الحواريين الذين صدقوا في نصرة الله بواسطة النبي عيسى عليه السلام، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء الصادقين في اتّباع سيد المرسلين.
واجتمعتم بحمد الله تبارك وتعالى على حوض صفاته وبلاغه وإرشاده، وما جمعكم عليه من المحبة في الله، التي بقيادته تحملون ألْوِيتها لتنشروها بين الخلق، فالخلق محتاجون إلى الرحمة.
والرحمن -سبحانه وتعالى- يرحم الراحمين لعباده بقدر ما يرحمون عباده، ولا مجال إلا لبغض وكراهة الكفر والفسوق والعصيان، أما الكفار والفُسَّاق والعُصَاة، فمع أننا لا نودّ أحداً منهم في حال عصيانه وكفره، فإننا من خلال قيادة هذا الإمام مأمورون بأن نتمنّى لهم الهدايات والتوفيق والتوبات، ويقول ﷺ: "لَأن تأتوني بإسلامهم أحب إلي من أن تأتوني بأموالهم وسباياهم"، فكان هذا خُلُقه، وهذا هديه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
تحملون هذه الألْوِيَة في تبعية هذا القائد؛ لتقوم قيادته وسط الديار عندنا، ووسط الأسر بحقها، حتى لا يَفْلتَ أحد من صغارنا أو كبارنا بهواه، ولا بشيء مما يمليه عليه عدوه إبليس، أو شياطين الإنس والجن، وما يعرضونه بالأساليب المختلفة؛ لا يوقعه في اللَّي ولا في الغَي ولا في الانحراف عن حبيب الحق الحي، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وينتشر تحكيم هذه القيادة -بعد أُسَركم- في قراباتكم، في أهل جواركم، فيمن تجالسونه، وفيمن أراد الله تبارك وتعالى له الهداية، وقد وعده أن تحتكم قيادته في آخر الزمان لخيار هذه الأمة، فيَحِقُّ بهم ولهم من الله النصر المُؤَزَّر الذي وعد به الحبيب الأعظم ﷺ، حتى لا يبقى بيت إلا دخله هذا الدين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
فحرِّكوا عزائمكم ووجهتكم ونيّاتكم، في مَجمعِ اتصالٍ به، والله يجعل عَرض هذا المجمع مِن أَسَرِّ ما يُعرَض على قلب نبينا، ومن أرضى ما يرضى به نبينا من كل ما يُعرَض عليه في مجامع الأمة في الأولين والآخرين.
اللهم بارك في مجمعنا، وأحسِن عرضه على حبيبك المصطفى محمد ﷺ، بمِنَّتك علينا بقبولنا ورضاك عنا، حتى لا يبيت منا أحد إلا وأنت راضٍ عنه، وتزداد عنا رضاً حتى نلقاك يا الله، برحمتك يا أرحم الراحمين.
وندخل في الدائرة التي قلت فيها: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، اللهم اجعلنا من أهل الفوز العظيم.
تواصيكُم بالحق والصبر، انتباهكم من الأوامر، وبعدكم عن المنهيات والمُحرّمات، في القلوب وفي الأعضاء، في الأقوال وفي الأفعال، ومفتاح صِلَتكم الخاصة، وإقامة هذه القيادة العظيمة التي تقود الخلائق إلى الرضوان الأكبر من الخالق جل جلاله، وإلى الحلول في خير مستقر صلى الله على نبينا وآله وصحبه وسلم وعلى الأنبياء والمرسلين وتابعيهم بإحسان.
فخذوا هذه الإملاءات الربانية؛ فإنّ أكثر من في الأرض تُملى عليهم إملاءات نفسية، وشهوانية، وإبليسية، وشيطانية، مِن هنا ومن هناك، وتُضِلُّهم، وتضرّهم في كثير من أفكارهم وفي كثير من سلوكهم.. لكن حَمْلنا لهذه التعليمات والإملاءات الربانية هو الذي يكشِف الله به الضُّر، ويدفع به الشر، ويُحَوِّل به الأحوال إلى أحسنها.
فاصدقوا وتوجَّهوا إلى الرحمن، وحافظوا على الجماعة في الصلوات الخمس، وحضور القلوب فيها.
وفي خلال اليوم والليلة يجعل كُل منكم من وِرْدِهِ: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي)، فإنه الدعاء الذي دعا به الكليم عندما استلم الأمر العظيم لإنقاذ الناس من الظلم العظيم والجور العظيم والبلاء العظيم الذي كان في زمانه، صلوات الله على نبينا وعليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
قال: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي)، فلا يتركها الواحد منا مائة مرة كل يوم؛ تكون مفتاح وسبب انشراح، وعطاء واسع من الفتّاح، وتيسير للأمور في البطون والظهور، وكفاية لخطط إبليسية يشتغل فيها ألوف بل ربما ملايين من شياطين الإنس والجن، ومع ذلك كله، فإذا شرح الله الصدر ويَسَّر الأمر، كُفي شرهم أجمعين، ودُفِع ضرهم عن رجالنا ونسائنا وصغارنا وكبارنا.
بارك الله في المجمع ومن فيه وقَبِلنا وإياكم أجمعين، يا ربنا من بلاد شتى وقبائل شتى اجتمعنا نقصد وجهك الكريم، ونَتَّبِع حبيبك العظيم، ونُعلِن ولاءنا لك ولرسولك، ونستفتح أبواب خيرك لصغارنا وكبارنا والرعاة والرعية والقريب والبعيد.
اللهم فَحَوِّل الشقي إلى سعيد، وقَرِّب مِنّا كل بعيد، وثبِّتنا على المنهج الرشيد، واكسنا بحلة من حلل الرضوان والإيمان والإحسان والمعرفة والمحبة، ولا تنزعها عنا.
واجعلنا اللهم بها من أقرب المقربين إليك وإلى حبيبك الأمين، في الحياة وعند الوفاة وفي البرزخ ومواقف القيامة وفي دار الكرامة، اللهم آمين، اللهم آمين، اللهم آمين، وقولوا جميعاً: آمين، يستجيب رب العالمين جل جلاله وتعالى في علاه.
أكرِمنا اللهم وإياهم بهذه الخِلَع، واجعلنا اللهم فيمن لهم ترفع، واسمع دعانا يا خير من يسمع، وصَفِّ قلوبنا عن كل كدر، وتولّنا بما أنت أهله فيما بطن وفيما ظهر، واجعلها ليلة من أبرك الليالي، وتعود عوائدها علينا في بقية أيامنا وليالينا في الحياة، وعند الوفاة، والبرزخ، ويوم الموافاة، وفي دار الكرامة والمهاناة والمصافاة؛ يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.
27 ربيع الأول 1448