ضرورة القدوة وصفات المقتدى ووظيفة المقتدي

للاستماع إلى المحاضرة

كلمة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في نهاية المحور الثاني الذي قدمه الشيخ محمود بن محمد توفيق البوطي، ضمن الجلسات العلمية البحثية في ملتقى الدعاة السنوي (الثامن عشر) بعنوان: ضرورة القدوة وصفات المقتدى ووظيفة المقتدي. 

. في دار المصطفى بتريم

ليلة الأحد 1 محرم 1446هـ

نص الكلمة:

الحمد لله على نعمة الاجتماع والاستماع والانتفاع والارتفاع فهي مترابطة ببعضها، الكلام مُتّصل بما كنا سمعناه في العصرية في شؤون المصادر الآمنة، ومن أعظم المصادر الآمنة: وجود القدوة الذي يُقتدى به في أقواله وأفعاله وأحواله، ومرجع الكل -كما سمعتم في العصرية وبعد المغرب- إلى الأصل الذي جعله وأرسله المُكوِّن الخالق البارئ الفاطر المحيط علماً بكل شيء وهو الله جل جلاله، وجعل لنا قدوات الأنبياء والمرسلين وجعل الغاية فيهم سيد المرسلين ﷺ، الذي عبَّر عن الميزة والخصوصية والمَزِيَّة وقال: "لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي" ﷺ.

والمرجع بعد ذلك في يوم الحكم ويوم الحشر ويوم القضاء، يجتمع جميع أهل الجنة بجميع أئمتهم تحت إمام واحد، وهم زُمَر كما قال: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا)، الزُّمَر تُبيِّن تفرّع القدوة فيما بينهم من الأصل الواحد، ولهذا هم زُمَر لكن زُمرة تحت زمرة وكلهم ينطوون تحت لواء الحمد، لا يبقى نبي ولا صدِّيق ولا مُقرّب إلا وهو تحت ذاك اللواء، وأتباع كل نبي وأتباع كل صدِّيق وأتباع كل مُقرب معه وراء ذاك اللواء.

كما أن الذين خرجوا عن هذه القدوة، وهم جميع من كفر وكذب، وجميع من فسق بإيثار القدوة بالمخالف لمنهج الله ورسوله، وهذا الصنف الذين ترجع جميع زُمَرهم إلى أصل واحد وهو عدو الله وعدوهم إبليس، يجتمعون تحت رايته كلهم، هذا الصنف من الناس هم الذين ينازعوننا اليوم في الدنيا على القيادة، هم الذين ينازعوننا اليوم على القدوة، هم الذين يقولون "نحن القدوة"، ومرجعيتكم أين؟ رأس إبليس من غير هذا لا شيء! يجب أن نبدأ نهضتنا الصحيحة نراجع إيماننا ويقيننا، لا يصلح للقدوة من كفر بالله، ولو ملك ما ملك ولو حوى من الجيش ما حوى، ولو نظم ما نظم وأصدر ما أصدر من الدساتير والقوانين، لا يصلحون قدوة قط! 

ونحن في تبعية القدوة الصحيحة الشريفة العظيمة التي مرجعها إلى الله عبر رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، نتعامل مع هؤلاء وجميع ما يقولون ويفعلون بهذا الميزان، لا عصبية ممقوتة، ولا تذبذب في التمسك بالحق والعض بالنواجذ عليه، فالعضّ بالنواجذ على الحق ليس معناه العصبية الممقوتة، ولكنه معنى الثبات على الوسط الذي لا أصلح للعباد ولو أفسق فاسقهم منه، لا أصلح لهم من هذا حتى لإبليس، لو كان الله سيهديه، لا شيء أصلح له من هذا، ولكنه حقّت عليه اللعنة (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ).

رفض القيادة الفاسدة:

فكيف نُحوِّل مدارسه وجنده إلى قادة؟ يجب أن يخرج من قلوبنا، لا يصلح للقيادة للناس في هندسة ولا في طيران ولا في مجتمع، فضلاً عن الأخلاق والقيم من كفر بالله وكفر برسوله صلى الله عليه وسلم، مع ذلك هذه القدوة تعلمنا ما كان من سنة الله تعالى في المرجعية إليه إلى شيء من التجارب والترتيبات الفكرية العقلية المجردة يمكن أخذه، لكن يمكن أخذه بالأسلوب والطريقة والضوابط التي علمتنا القدوة ننضبط بها ونتّخذها.

أمر أن يتعلم بعض اللغات، سيدنا عمر الذي تلقى من الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم، نقل الديوان من فارس لكيفية توزيع المال وسط دولة الإسلام، لكن والله ما حام حول قلبه ذرة أنهم قدوة في خُلق ولا في كلمة ولا أنهم أحسن ولا أنهم أجمل إلا بتبعيته لقدوته أخذ ما يرتضيه قدوته، وما علّمه قدوته أن يأخذه ورفض ما علمه قدوته أن يرفضه.

ميزان التعامل مع الخلق:

على هذا المنوال نتعامل مع القريب والبعيد، نتعامل مع المؤمن والكافر، نتعامل مع المصلح والمفسد، موازين عندنا في بلاغ نبينا كافية كاملة نتوقى بها الشرور والمحذور، ولا نضيّع بها الأوقات والأعمار فيما يقطعنا عن الخير فضلاً عما يوقعنا في أنواع الشرور وما لا فائدة فيه وما لا خير فيه، في ميزان يقول لنا فيه: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، يقول: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، تمسك بالحبل المتين الذي أنت عليه واتركهم إلى أن يهديهم أو يرضيهم جل جلاله وتعالى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.

هذا منهج نبوة: ما يعتدي على أحد ولا يظلم أحداً ولا يُقصِّر في حُسن البيان حتى ولو كان لأفسق الفُسّاق، قال الله لرسوليه موسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾.

في هذا كله عظمة القدوة العظمى، وكما سمعتم في الحديث أن الشأن المُتعلق حتى بالفطرة، إلا أنهم نازعونا في هذه الفطرة أحياناً ما بين كالذي يريد أن يجحد هذه الفطرة يقول كل إنسان حر وكل إنسان بعقله، وكما سمعتم من مقالاتهم لا قدسية للأشخاص وما إلى ذلك، وهل المعنى لا قدسية للأشخاص أن تصير صلاحيات رئيس دولتهم كصلاحية العامل في البلدية عندهم؟ لأنه لا قدسية للأشخاص؟ الرئيس سيصدر قرار؟ وهذا سيصدر قرار! وأنا في بلد الحرية قراري غير قرارك.. ممكن هذا؟ هذا ما يقبله عقل، ما تقبله الفطرة أصلاً.

احياناً يتنكرون للفطرة من أصلها وما يقدرون، فماذا يعملون؟ يحاولون أن يحرّفوا الفكرة من القدوة الصالحة إلى القدوة السيئة، هذا الذي يريدون، هذا الذي يتوصّلون إليه، المهم أنه لابد لك تقتدي فلا تقتدي بمحمد فقط، لا تقتدي بمن ارتضى الله لك، لا تقتدي بالصالحين! وهم أيضاً صرّحوا بذلك، يأتون لنا بقدوات: حد ملحد وحد كافر وحد ميت، ويرسمونهم لنا وينشرون قدوات: اقتد بهؤلاء! والمصيبة أن الخلل الذي عندنا في داخلنا مَن ينساق وراء هذه القدوة حتى وصل إلى وسط ديارنا، إلى وسط ألبستنا، إلى وسط أطفالنا مساكين، وصلهم الغش من قِبَل أُم فيها خبل النظر وخلل إدراك الأمومة والمسؤولية، أو أب كذلك بهذه الصورة.

فعبرهم وصل تحريف القدوة من الصلاح إلى الفساد، من الخير إلى الشر، من الهدى إلى الضلال، ولذا لابد أن نعيش في الأرض عيشة الفريقين: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾.

لكن صاحب النور المعطى هذه الكرامة يغبط صاحب الظلمة؟ كيف يغبط صاحب الظلمة؟ يخضع لصاحب الظلمة؟ الذي يُخرَج من النور إلى الظلمات ترى أن فيه قدوة لك؟ ترى أن فيه خير لك؟ تتناقض مع أصلك! فيجب أن نعرف هذه القدوات، وكما سمعتم في كلام أحبابنا لا يقصدون بالطعن في القدوات الصالحة مُجرد أئمة المذاهب الأربعة ولا حاملي النور من بعدهم ولا الأخيار الموجودين في زماننا، هذا هو الطريق للوصول إلى هدم القدوة الكبرى والإيصال إلى الإلحاد والعياذ بالله تبارك وتعالى وتكذيب الحق.

إذن في إدراكنا لهذه المهام الكبيرة يجب أن نُحيي من جديد حقائق هذه القدوة في قدوتنا بالنبي محمد عبر سند، عبر وراثة، عبر خلافة، وكما أشرنا -في الحديث السابق وفي الكلام في العصر- أنّ هناك أصول وثوابت، وما يُذكَر من التجديد في الدين والتوسّع واستحداث الأساليب ما يتناقض مع الأصل، ولا يُقبَل إلا من صاحب اتصال وثيق بالأصل.

المُشار إليه بقوله: فَرُبَّ مُبلّغ أوعى من سامع"، لكن وعيه في ماذا؟ ما هو في حديث نفسه ولا في فكر غيره، وعيه فيما بُلِّغ، فيما وصل إليه بالسند، وعى من هذا بواسطة الشيخ والفضل كله راجع للشيخ الذي بلغه هذا الحديث، فاستنبط منه ما لم يستنبطه الشيخ والفضل للشيخ، ولم يكن في وعيه مُقلِّداً لغير السند ولا لغير الشيخ ولا مُتَنصِّل عن الشيخ أصلاً.

الترابط بين العلماء والصالحين:

هذا الذي سمعنا الحديث عنه ونتحدث عنه دائماً، أن الله جعل الأنبياء أصولهم واحدة وكل مُصدِّق لما قبله، وجعل أهل الحق في كل أمة أصولهم واحدة وكل ثاني منهم مُصدِّق للأول وكل ثالث مُصدِّق للثاني وكل رابع مُصدِّق للثالث، مصدق لما بين يديه ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ الأنبياء كثير جاؤوا ﴿وقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ هو والكتاب الذي نزل عليه كله مُصدِّق لما بين يديه.

ولخّص في الآية الأخرى بالنسبة لما بين يديه وبالنسبة لما يأتي خلفه، قال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ﷺ.

هذا الترابط الذي وجدناه بين خيار أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فقهائهم ومن مُربِّيهم ومُسلِّكيهم ومن صُلحائهم، الذي أيضاً لا يُعكِّر عليه وجود البشريات وما سمعتم من حصول أيضاً الانتقادات لبعضهم البعض، حتى بعض أهل الدقة في المسلك الأصفى في التصوّف يخافوا إن ذهب قوة الصدق أن تميل بهم مائلة المُداهنة لبعضهم البعض، ويقول: لا زال أهل هذا المسلك على خير ما تنافروا، ليس المراد تنافر حسد ولا تنافر حقد ولا تنافر اعتداء، أراد بهذا التنافر انتباه لكل واحد منهم للآخر ونصحه وصِدقه مع الله تبارك وتعالى، حتى لا يحوِّلها إلى مجاملة تؤدي إلى مُداهنة فيضيع الأصل، فكان من حكمة الله تبارك وتعالى أن يوجد شيء من هذا وهو أيضاً محمول على أحسن المحامل.

 أنواع المشايخ وأهميتهم:

ومنه ما جاء في السؤال من شأن تعدُّد القدوة وسمعتم الحديث عنه، وسواء في مختلف الطرق لأن الطرق الصوفية الصحيحة نوقن ونعتقد أن أصلها واحد ومرجعها واحد.

ما يتحدث عنه ويزيد الحديث في بعض الطرق أنه لا يمكن أن تلتفت إلى قدوة آخر ولا شيخ آخر، لا يمكن أن يحمله على معناه الظاهر المُطلق إلا من لم يعرف الطريق، إلا من لم يعرف الطريق! أما من عرف الطريق فالمراد به الشيوخ عندنا ثلاثة:

1. شيخ تعليم

2. وشيخ تهذيب وتزكية

3. وشيخ فتح

شيخ التعليم الذي تأخذ عنه معرفتك وعلمك، وهذا شرطه في الطريق الآمن أن يكون راسخاً صحيح المعلومات ذا سند فيها، وأشرنا في الكلام البارحة مع صحته ووجود صحة معلوماته ووجود سنده يكمُل الأمن في الأخذ عنه بأن لا يغلبهُ غرض لمال أو سياسة أو أي هوى من هذه الأغراض، فإذا لُمِح عليه شيء من ذلك فالأخذ عنه غير آمن، وإن كان صحيح المعلومات وإن كان عنده إسناد لكن ما يُؤمن الأخذ عنه، وهذا معنى: "فانظروا عمن تأخذون دينكم".

فنحتاج إلى من صحّت معارفه وعلومه ورسخ فيها وله السند فيها، وهو لا يريد من وراء ذلك غرضاً يجعله يلعب بعقل الذي يأخذ عنه، ويخلط المعلومات الصحيحة بميولات وإمالات لذهن الطالب لأنه سيذهب هنا أو كذا.

شيخ التهذيب والتزكية والتربية هذا لابد في البداية يكون واحد، مع الاستفادة حتى في التربية من بقية المشايخ لكن تحت نظر هذا الشيخ، تحت رعاية هذا الشيخ، مثال: المعالجة للأمراض الجسدية عند الطبيب، لا بأس تستشير الأطباء وتأخذ رأي أطباء وترجع إلى الطبيب المُخوّل الذي قام بالعملية والذي ألقيت مريضك بين يديه تحت نظره، أما إذا كان كل يوم عند واحد من عند ذا لعند ذا لعند ذا، وتقع مشكلة وهذا يعطيه دواء والثاني كذا ويذهب المسكين في داهية.

فهذا في البداية يحتاجه المريد، لكن شرط هذا الشيخ مع ما ذكرنا من العلم الصحيح والسند يحتاج إلى قوة أنه مشهود له من قبل شيوخه أنه أهل للتربية وللتزكية، ثم مشهود له من قِبل ما يُشاهَد منه في واقعه أنه قدوة.

هذا إذا اجتمع قلبك عليه كائناً من كان وهو بهذا الوصف، في بلدك، في خارج بلدك، إذا اجتمع قلبك عليه فهو باب سيرك إلى الله تبارك وتعالى، تُلقي زمامك إليه ولا تُتصل بغيره إلا عبر إشارته وعبر إذنه حتى يندمل جرحك وتبرأ تماماً. 

هناك مشايخ يُحبون انتفاعك بالعلوم، وكان نشهد أرباب الصلاح فيهم في العلم الظاهر والباطن إذا رأى تلميذه ينتفع بشيخ آخر يقول له: اذهب إلى هناك الذي تحصله من جهتي سابر لك وكامل وزد وخذ من عند هذا الشيخ وخذ من هذا الشيخ.. وهذا شهدناهم بهذه الصورة.

كان الإمام النووي ينقل ايضاً في كتبه في آداب المعلم أن الذي يتشوّش من ذهاب تلميذه إلى عند شيخ آخر قال أدل الدليل على عدم إخلاصهم وصدقهم مع الله أنهم تشوشوا، فذكر في آداب المعلم أن لا يتشوش من تلميذه إذا جلس عند من ينتفع به، نعم ينهاه عن الجلوس مع من يضره، مع من يسيء فهمه، مع من يقطعه، هنا واجب على الشيخ أن ينصحه. 

وعند ذلك هذا هو الشيخ الذي يجب تسليم الزمام إليه وهذا ما يكون إلا واحداً، لا يمنعك من أن تستفيد من غيره وتأخذ فوائد وتحت نظره وأمرك الخاص راجع له، حتى تقطع المسافة وتبعد عنك الآفة وتصل. 

بقي بعد ذلك قال أنه عنده قدوتين وبعد ذلك اختلفوا، أما فيما ذكرنا في خصوص سلوكك الخاص سيرك إلى الله فهذا على يد الشيخ الذي اجتمع قلبك عليه، أما في عموم المسائل وكما ذكر الشيخ محمود هناك مُرَجِّحات، وهناك علامة على أن المسألة إذا كان كل من القدوتين والشيخين راسخ القدم، دليل على أن المسألة في حد ذاتها واسعة كاختلاف أرباب المذاهب عندنا، فاختلافهم في الفرعيات في الفروع ما هو معناه واحد منهم مصيب وواحد مخطئ، لا لا.. هؤلاء كلهم على هدى وصواب، بل والأغرب من ذلك أن هدى كل واحد منهم يكون أليَق وأوفق بطوائف من المسلمين والثاني أليَق وأوفق إلى طوائف أخرى من المسلمين، وكأن سعة الشريعة توزعت على أيديهم ليشملوا الجميع بما عندهم، أو بأصل هذه الشريعة التي جاءت إليهم.

فبحمد الله تبارك وتعالى يرجع مسألة هذه القدوة إلى أصل أصيل متعلق بالشهادتين نفسها: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولولا وجود هذه القدوة الإنسان نفسه ما ينتقل من مرحلة المهد إلى مرحلة القدرة على الحركة وإلى أن يحبو ثم إلى أن يمشي إلا بالقدوة، وبمحبة الاقتداء والتشبه، ولولا هذه الغريزة عنده لبقي محله ولا قام مثله قائماً.

وبهذا يتعلم حتى الحيوان، ما يصل إلى القيام بالمهمة المُناطة بخلقه في الحياة إلا من خلال قدوته، من خلال قدوته بأبيه وأمه ومن خلال تربية الأب والأم، حتى يتعلم على أيديهم الطير الطيران ويتعلم كيف يتصرّف وكيف يأكل وكيف يشرب، كله من خلال هذه القدوة.

فهذا تكوينه في هذا الوجود كوّنها الموجد جل جلاله، والوصول إليه جعل عليه الأنبياء والمرسلين وخلفاءهم من الهداة المهتدين، فلا سبيل للوصول إليه إلا بذلك، وهذه سنة الله تبارك وتعالى في هذا الوجود.

فتحتاج الأمة إلى حسن رجعتها إلى هذا المسلك الذي كان عليه أنبياء الله، وكمّل البيان فيه خاتمهم النبي محمد بن عبد الله، وأشار إلى ما يحصل من هذه الآثار التي سمعتم الحديث عنها.

 أهمية القدوة في تاريخ الإسلام:

وكما نقرأ في صحيح البخاري يقول: "يغزو فئام من الناس فيبطئ الفتح عليهم فيقال: هل فيكم من رأى رسول الله؟" يستفتحون بهم، يقدمونهم، يفتح عليهم، إيش زاد من عدد في الجيش؟ ولا شي عدد زاد! إيش زاد من عُدة؟ ولا عدة زادت! إيش الذي زاد؟ زاد: عرفوا قدر أهل الفضل وقدموهم في محلهم وسرت سراية النظرة فانحلت المشكلة، نظرهم إلى وجه رسول الله ﷺ.

فهو يرسم لنا أن مشاكل من مشاكل الأمة تُحل بهذه الطريقة ويقرها عليه الصلاة والسلام، قال: ثم يغزو فئام من الناس فيقال: "هل فيكم من رأى من رأى رسول الله؟" ما عاد أحد من الصحابة، الصحابة قد انقطعوا، بقي عدد قليل من التابعين.

هذا يبين لنا بيان ثاني، البيان الثاني: أنه في حالة وجود الأرفع فمن دونهم هم وسيلته، فإذا غاب هذا فالذي بعده يصبح وسيلة للذي بعده والثاني هكذا، ولهذا حتى قال صلى الله عليه وسلم فيما يذكر شفاعته: "وإني لأشفع حتى تبلغ شفاعتي" ذكر قبائل في اليمن ونحوها وقال: "وإن من شفعتُ فيه يُشفِّعه الله"، قال حتى لأني أشفع فيه يتحول هو إلى شفيع" يشفع الله به.

وهو بشفاعة الحبيب ﷺ، والأمر أيضاً واضح فجميع الشفعاء ما تبدأ شفاعتهم إلا بعد ما يشفع هو، "وأنا أول شافع، وأول مُشفع" والشفعاء كلهم يدخلون في شفاعته الأولى صلى الله عليه وسلم ثم يشفعون بإذن الله على قدر وجاهتهم عند الله. وهكذا، ثم يغزو فئام من الناس فيقال: "هل فيكم من رأى من رأى من صحب رسول الله؟" وهكذا التسلسل.

 أهمية أهل البيت في كتب السنة:

يتعلق ايضاً بجواب كان سأله بعض الطلاب في العصر، أجاب الشيخ ناجي في الحديث وتكلمنا أيضاً عنه بعده في حديث: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله"، كان أيضاً في باله لما سأل أنه يقال له: أنتم كتبكم في السنة يا أهل السنة ما فيها مرجعية لأهل البيت، يقول له لا، ما من كتاب من كتب السنة عندنا سواء الأمهات الست ثم ما تعلق بها سواء من مسند أو موطأ أو المعاجم وبقية المسانيد عندنا ولا واحد منها إلا وفيه روايات عن أهل البيت، احضر لي واحداً ما فيه رواية عن أهل البيت، كل واحد منها فيه روايات عن أهل البيت، وكل واحد منها فيه فضائل أهل البيت، فيه ذكر فضائل أهل البيت، انت ما تعرف كتبنا هذا فيها! 

والروايات عن الصحابة أقلها عن أبي بكر، قليل روايات عنه بالنسبة لبقية الخلفاء الراشدين، وكل هذه الكتب المشهورة عندنا في الحديث فيها روايات عن الخلفاء الراشدين، ولكن الروايات عن سيدنا علي في الغالب تكون أكثر، في بعض الكتب تكون مع سيدنا عمر وبعض الكتب سيدنا علي، والمجموع في الأمهات الست وحدها النصيب الأكبر لسيدنا علي، في مجموعه، المرويات عن سيدنا علي من أبي طالب، قل له طمئنهم، قل لهم تعالوا إلى كتبه وستجدون الخير كله، وقل لهم هؤلاء الذين يكلمونك إنه نشأ في أهل السنة من امتلأ بصفاء محبة آل البيت بما لا نجد له مثيلاً عندكم، وما تأثّروا إلا من خلال هذه الكتب التي تقولون ما فيها كلام أهل البيت، من خلال ما في هذه الكتب ومن خلال ما رووا عن رسول الله ﷺ في مكانة أهل بيته ومحبة أهل بيته ومودة أهل بيته شربوا ذلك، وكانوا أمثلة ما رأينا لهم مثيلاً فيمن يدعي محبة أهل البيت ببُغض الصحابة أو بالتطاول على بقية الصحب الأكرمين.

فكُتُبنا هذه هي التي استقت بها القلوب محبة أهل البيت ووالتهم من كل صادق من أهل السنة، وليس قطُّ من السنة من قريب أو بعيد انتقاص أهل البيت ولا بغضهم، ولا الشر أو الضرر أو الخطأ في أي بدعة، ليس الشر محبتهم لأهل البيت ولا محبتهم للصحابة الأكرمين، ليس هذا الشر، الشر بغضهم إما لأهل البيت أو للصحابة، الشر ادعاؤهم على كتاب الله ما ليس فيه، الشر حطُّهم مِن قدر من رفعهُ الله، ليس الشر محبة أحد لأهل البيت لا من أهل السنة ولا من غيرهم، وليس شراً محبة الصحابة لا من أهل السنة ولا من غيرهم، ليس هذا بِشر.

ولكن المصيبة بغض الصحابة، المصيبة بغض أهل البيت، المصيبة الخروج عن أمر الله تبارك وتعالى، وإلا فمُرتكز مسار أهل السنة من عند أبي بكر الصديق -عليه الرضوان- على أن يقول: "لقرابة رسول الله أحب إليّ أن أصِل من قرابتي" هذا مسلك السنة، ويقول: "ارقبوا محمداً في آل بيته".

الخاتمة:

فالحمد لله على هذا الخير وتواصل الشرع المُطهر، بعلوم الإسلام والإيمان والإحسان متكاملة، وتواردها من قرن بعد قرن، ولا يزال الأمر كذلك حتى يجد عيسى بن مريم فينا مثل حوارييه وخيراً منهم كما أخبر ﷺ.

والله يلحقنا بالصالحين ويقبلنا وإياكم أجمعين ويجعلنا في الهداة المهتدين، ويبارك في اجتماعاتنا هذه ولقاءاتنا ويفتح بها أبواب الفرج للمسلمين. 

والعودة إذن الصحيحة كما ذكرنا وسمعنا من بعض المداخلين إلى الاعتناء بالمدارس وكيفية قيامنا بالتدريس ومناهجه وشؤونه، من خلال ما يوحي إلينا الكتاب والسنة وهدي السلف الصالحين، مُحرَّرين عن التبعية للغير، هذه الأُسُس التي بها تقوم الحصون لِرَدِّ أنواع الفتن عن الأمة، رزقنا الله التعاون على ذلك والقيام به على ما يحب كما يحب في خير ولطف وعافية.

العربية