حكمة الخلق والإيجاد ومعالم مسلك الهدى في اتباع الأنبياء وخاتمهم خير العباد

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في جامع آل البيت، في مدينة صلالة، سلطنة عمان، ليلة السبت 9 ربيع الأول 1448هـ بعنوان:

حكمة الخلق والإيجاد ومعالم مسلك الهدى في اتباع الأنبياء وخاتمهم خير العباد

يوضح في المحاضرة حقيقة خلافة الإنسان في الأرض، وحكمة الخلق والتكوين، ومكانة الرسالة المحمدية في هداية البشرية، ومسؤولية الأمة في حمل الخير والرحمة للعالم، مع بيان طريق النجاة من الخسران

من أبرز ما جاء فيها:

  • ما سرّ خلافة الإنسان في الأرض، وما الحكمة من تسخير الكائنات له؟
  • حقيقة المصير الأبدي بين رضوان الله وعاقبة الإعراض والاستكبار
  • تحريم الكبائر والخبائث في الشرائع السماوية
  •  رسالة النبي محمد ﷺ للإنس والجن والعالمين
  •  معنى تعظيم النبي ﷺ ونصرته والنور الذي أُنزل معه
  •  مسؤولية الأمة المحمدية في حمل رسالة الهداية والنفع والرحمة للناس
  •  من صفات عباد الرحمن: ضبط اللسان وحسن الرد على الجاهلين
  • المنهج النبوي في الدعوة: «بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا»
  • خطورة اتباع الطغاة وأهل الباطل، ومصير الأتباع والمتبوعين يوم القيامة

لتحميل نسخة pdf

لمشاهدة المجلس كاملاً

نص المحاضرة:

مقدمة: أسرار الخلافة في الأرض وحكمة التكوين الإلهي

الحمد لله، الحمد لله مولانا العلي العظيم، خالق كل شيء، مَن بيده ملكوت كل شيء، وإليه مرجع كل شيء. 

خلق الخلائق سبحانه وتعالى بِقُدرته وإرادته، ولِحِكمة لا يحيط بها إلا هو، أبرزَ للعقلاء من الإنس والجن والملائكة مِن أسرار تلك الحكمة ما أبرز.

لينتهي الأمرُ أن يُذِلَّ مَن أذلّ، وأن يُعِزَّ مَن أعَزَّ ، في جانب المُكلفين من الإنس والجن أجمعين، لينتهي الأمرُ إلى خلودِ هؤلاء في جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، وخلود الآخرين في نار الجحيم خالدين فيها أبداً، لا يُخفَّف عنهم من عذابها، ولا هم ينصرون، ولا هم يستعتبون.

من الحِكَم الكبرى التي بيّنها الله للعقلاء في وجود هذا الخلق وتكوينه، وتسخير الكائنات لهذا الإنسان في هذه الحياة؛ ليُحسِن استخدامها بمنهاج الإله الذي خلق، وليمضي فيها غير مُغترٍّ ولا مُتكبر، وغير منحرف ولا خارج عن الحَدِّ، طَاغٍ في شيء من التعاملات مع أجناس الوجود ، ليسخّرها للمقصد الأسمى الذي خلقه الله من أجله على ظهر هذه الأرض، وهو أسرار الخلافة عن هذا الإله في تطبيق منهجه؛ بامتثال أوامره واجتناب ما حذّر منه ونهاه جلّ جلاله وتعالى في علاه.

وأسرار هذه الخلافة عُرِضَت على الملائكة قبل خلق آدم: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، وخلق آدم عليه السلام، وابتدأت الخلافة على ظهر الأرض بذكر وأنثى؛ آدم وحواء، أُخرِجا من الجنة إلى ظهر هذه الأرض ليقوما بأسرار هذه الخلافة.

الجزاء الأبدي بين رضوان الله ومصير المعاندين

ذلكُم من أعظم الحِكَم التي أبرزها الله لنا في إيجاده الوجود وتكوينه الأكوان، وليفوز كل من استجاب ولبّى نداءه من هؤلاء الإنس والجن على ممرّ القرون؛ ليفوزوا برضوانه وقربه، وبعطايا من بحر جوده وكرمه لا غاية لها ولا حد: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). 

وهو القائل في حديثه القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ».

وليُلاقي مَن عاند ومَن جحد ومَن استكبر، ومن آثر شهواته وأهواءه على أمر خالقه، ومنهاج بارئه -الذي سخر له الوجود والكون، وبسط له الأرض بساطاً، ومهّدها له تمهيداً، ورفع السماوات من فوقه بغير عمد، ويسّر له رزقه وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة- من تنكّر لهذا الإله، وآثر الشهوات والمحرمات ودعوة إبليس وجنده على دعوة الله جلّ جلاله؛ أن يذوقوا نتيجة ذلك هواناً أبدي، وذُلاً سرمدي، وعذاباً مُخلّد والعياذ بالله تبارك وتعالى: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)، نعوذ بالله من غضب الله.

كان هذا مِن أعظم ما أبرز الحقّ وأظهر لنا من حِكَم الخلق والوجود، من حِكَم التكوين والإنشاء لهذا الكون، وذكر لنا نهاياته.

تلاشي الدنيا ومشاهد يوم القيامة

أما ما نحن أمامه وبصدده من هذه الكائنات، فإن نهايتها أن تتلاشى وأن تضمحِلّ: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ).

(عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ) في ميزان: «يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ».

وقد نبّأ الله تعالى الأمم على أيدي أنبيائهم عن هذه الحقيقة مِن جملة الحِكَم في هذه الخليقة، وبلَّغوا أممهم يأمرونهم بالإيمان بالله، وأن لا يشركوا به شيئاً، وأن يعبدوه جلّ جلاله، وأن يخضعوا لجلاله، وأن يمتثلوا أوامره، وأن يجتنبوا نواهيه، وأن يجاهدوا أنفسهم على الاستقامة على منهاجه.

ووعدوهم بوعدهِ ووعده الحق والصدق، أنّ من فعل ذلك فإن له جزاءً من الحق تعالى يفوق الوصف ويتعدّى الوهم، مِن جوده الواسع ونعيم نعيمه المؤبّد جلّ جلاله وتعالى في علاه، وبلّغت الأنبياء أُممها كلهم بهذه الحقيقة.

تحريم الكبائر والخبائث في جميع الشرائع

وكان من جُملة التشريعات في حِكْمَة اختلاف الأوقات والأزمنة؛ منها ما نسخ بعضه بعضاً من بين أمة وأمة.

ومنها ما ثَبت من واجبات أُوجِبَت على الكل من عهد آدم إلى خاتم الرسل، ومن مُحرّمات حُرِّمَتْ على الكل من عهد آدم إلى خاتم الرسل ﷺ، وذلكم أمهات الكبائر والخبائث التي لا يمكن أن تكون في زمن من الأزمان، ولا لجنس من أجناس بني آدم والجن خيراً قط، ولا فائدة فيها لهم قط، ولا بركة لهم فيها، ولا يجنون من ورائها أي حقائق سعادة ولا أي حقائق فوز.

فتلك التي حرّمها على جميع الأمم في جميع الشرائع من آدم عليه السلام إلى أن برز خير الأنام محمد ﷺ؛ مِن مثل الشرك، ومثل الزنا، ومثل اللواط، ومثل السرقة، ومثل الظُّلم، وأمثال ذلك من الذنوب الكبائر التي هي مُحرّمة بتحريم الله على كل المكلفين منذ خلقهم إلى أن تقوم الساعة، تلكُمُ الخبائث.

رسالة النبي الخاتم ورحمته للعالمين

وقد اختار الله أن تكون نهاية التنظيم والترتيب لحركة الإنسان على ظهر هذه الأرض على يد خاتم الأنبياء، وخصَّصهُ برسالة تعم الشرق والغرب، والعرب والعجم، والإنس والجن إلى أن تقوم الساعة، وبُعِثَ إلى الجميع قائلاً له: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا).

وقائلاً: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) جلّ جلاله وتعالى في علاه، (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) جلّ جلاله. 

أيها المؤمنون بالله: وجاء النبي الخاتم، وأتمَّ الله به الدين، وأكمل به هذه الملّة وهذا المسلك الحق، وأوضح الأمر للعباد، وكان وصفهُ كما وصف الإله الخلاّق جلّ جلاله حين قال: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚفَسَأَكْتُبُهَا)، أي بجميع معانيها الواسعة في الدنيا والآخرة: (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ).

هم الذين ينالون من حقائق رحمة الله تعالى الحظ الوافر الكبير المستمر الدائم، وإن كان الكل ما خُلق إلا برحمته، والكل ما أُنعم عليه بأدنى نعمة ظاهرة أو باطنة إلا من رحمته، لكن الرحمة الكبرى التي بها النجاة من عذاب الأبد، والنجاة من خزي الأبد، والنجاة من ذلّ الأبد، والحلول في نعيم الأبد وفي الرضوان المؤبَّد، وفي مرافقة نبي الرحمة؛ مخصوصة بهؤلاء : (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ).

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ)، ارزقنا اللهم حُسن متابعته، ارزقنا اللهم حسن متابعته، ارزقنا اللهم حسن متابعته، واجعل هوانا تبعاً لما جاء به. 

وهو القائل في تحقيق الإيمان جلّ جلاله: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

عظمة الشريعة المحمدية في تحليل الطيبات وتحريم الخبائث

قال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ)؛ أي نشرنا أوصافه في الكُتب السالفة، ومنها التوراة والإنجيل، بل ما أنزل الله كتاباً من السماء إلا وذكر فيه مُحمداً، وأشار فيه إلى سيدنا محمد، ووصف فيه محمداً.

(يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ)، لمَّا لم يكن في هذه الأمة من المنتمين إلى الكتب السابقة والأديان إلا اليهود والنصارى قال: (يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ).

  • فما مِن طَيِّبٍ يستحقّ اسم الطَّيِّب، وينطلق عليه بالحقيقة وصف الطَّيِّب؛ إلا وهو في شرع محمد حلال: (يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ). 
  • وما من خبيث هو في الحقيقة خبيث، ومؤدّاهُ إلى الخبيث، وينطبق عليه صحيحاً اسم الخبيث؛ إلا حرَّمَهُ محمد.

فجميع مُحرّمات الله على يد محمد خبائث، خبائث لا خير فيها، ولا فائدة فيها، ولا منفعة فيها، تجلب للناس الشقاء المُعجَّل ثم المؤبد والعياذ بالله تعالى: (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)، في يُسرٍ من الله، في كرم من كرم الله خُصّت به الأمة: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ).

 التعزير والنصرة للنبي ﷺ

فالخلاصة: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، اللهم اجعلنا منهم، واجعل أهالينا منهم، اجعل أهل الجمع ومن يسمع منهم برحمتك يا أرحم الراحمين، واجعل جميع أهالينا وأولادنا من أولئك المفلحين الذين قُلتَ عنهم: (أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

(آمَنُوا بِهِ): آمنا به وصدقنا أنه رسول الله، الناطق بالحقّ والصدق، خاتم الأنبياء والمرسلين، أكرم الأولين والآخرين على الله، وأنّ جميع ما جاء به حقٌّ وصدق.

(وَعَزَّرُوهُ): عظّموه، أجلّوه، بجّلوه. 

(وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ): حتى لا يُفهم أنّ المراد بالتعزير مُجرَّد النصر، أفرد التعزير عن النصر، قال: هذا تعظيم وإجلال غير مُجرَّد النصرة الظاهرة؛ ينصرونه نعم، ولكن قبل ذلك في قلوبهم يجلونه، يُكْبرونه، يُعظّمونه، يعرفون منزلته لديّ، وأنّه العبد الذي خصصته من بين جميع العباد.

فلا يكون أول مُشَفَّعٍ إلا هو، ولا أوّل شَافِعٍ إلا هو، ولا أول من يجوز الصراط إلا هو، بل لا تُحاسب أمّة حتى تُحاسب أمته، ولا يمرّ على الصراط أمّة حتى تمرّ أمته، ولا تدخل الجنة أمة حتى تدخلها أمته. 

فيجب أن نُعظّمه ونعرف له هذا القدر عند الله جلّ جلاله: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، جعلنا الله منهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

قال له الله: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا)، الأمر أكبر من تجربة، الأمر أكبر من فكر، الأمر أكبر من عبقرية، الأمر أكبر من أن يجتمع عقلاء ويُقنِّنون، الأمر أجل وأكبر من كل ذلك. 

(إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ)، أنا جئت من عند الخالق الذي أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً؛ لأدلّكم على ما ينجيكم، وعلى ما يسعدكم، وعلى ما به تفوزون، وللخيرات تحوزون، وأنهاكم عما يضركم، وعما يبعدكم، وعما يوقعكم في البليّة.

(إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبَعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)، لعلّكم تهتدون؛ اللهم اهدنا بهُداك واجعلنا في خواص أهل اتّباع خاتم أنبياك، برحمتك يا أرحم الراحمين.

استقرار البشرية بالمنهج النبوي

وبلَّغَ ﷺ وأدّى الأمانة، وترك الأمة على محجّة بيضاء ليلها كنهارها، لا يمكن أن يكون فيما يأتي من الأزمنة ومن العصور ومن الدهور، وما يقوم به الناس مِن حركة في الحياة؛ لا يمكن أن يكون شيء أحسن لهم ولا أجمل مِن هديه وشريعته ومنهاجه، وما جاء به عن الله جّل جلاله.

بالنسبة لمن آمن؛ خيرٌ لهم ظاهراً وباطناً وفي الدنيا والآخرة، وبالنسبة لمن لم يؤمن؛ خيرٌ لهم في استقرارهم واستقرار حياتهم، وفي أمنهم في الدنيا، وفي طمأنينتهم، في شريعة ومنهج تحفظ العرض، وتحفظ المال، وتحفظ النفس، وتزجر عن الظلم وعن العدوان وعن السوء إلى كل أحد على ظهر هذه الأرض.

حتى يقول الرحمن في منهج سيد الأكوان عن الكفار ومن لم يؤمن ولم يتَّبِع: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) أنتم لستم بمُكْرِهين الناس على الدين، ولكنّكم حاملين الأمانة؛ ليسعد الناس في الدنيا الكُل إذا استجابوا، وفي الدنيا والآخرة مَن آمن وصدّق وأخلص، يسعد في الدنيا وفي الآخرة.

ولذا إنما يقوم الناس بالقسط بحسب الميزان الإلهي الذي جاء به الأنبياء: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) ليقوم الناس بالقسط. 

(إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ)، لا بين مجرد المسلمين، (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهو السيد المعصوم الذي يحكم بالحق والهدى صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه.

وترك الأمّة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، في هذا المبدأ العظيم والمسلك القويم "الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله"، و (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) ومسلككم: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ).

ولو آمن جميع الكفار لكان خيراً لهم، ولكن الأمر  أمر  الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء جلّ جلاله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)، كما يقول سبحانه وتعالى: (وَيَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ).

والحمد لله الذي جعلنا من أمة هذا النبي، وهدانا لنوره بما أوحى إليه، وما بلّغنا وبيَّن لنا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وما وفّقنا له من الاقتفاء والاقتداء والاتِّباع له. 

ثبّتَ الله قلوبنا وأقدامنا على ذلك، وسلك بنا أشرف المسالك؛ حتى نحيا ونموت على كمال الإيمان والمحبّة لله ورسوله، ونُحشَر في زمرة ذلك المصطفى والعباد المكرمين، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

النجاة من الخسران وأهمية التواصي بالحق

ولذلك كان التواصي بالحق والصبر دَيدن وسِمَة المؤمنين العاملين للصالحات، به تتمّ نجاتهم من الخسران: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).

ينجون من الخسران المؤبَّد، ومَن سواهم يخسر خسران الأبد؛ من كلّ من بلغته دعوة الله فرفضها وخالفها، وآثر شهواته وهوى نفسه عليها، واتّبع غير الله فيما يُخالف أمر الله جلّ جلاله وتعالى في علاه: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ).

أنت الذي تهدي من تشاء، اللهم اهدِنا فيمن هديت، وما أنعمتَ به علينا من الإيمان والإسلام فزِدنا منه، وما أنعمتَ به علينا من العافية فزِدنا منها، وما أنعمتَ علينا من العمر فبارك لنا في هذا العمر؛ حتى نغنم الأيام والليالي، ونغنم الساعات والأوقات، ونغنم اللحظات، ونغنم ما يمر بنا في هذه الحياة.

صفات عباد الرحمن

وقد أشرتَ بفائدة تعاقب الليل والنهار بقولك: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا). وكمال التذكُّر والشكور في أحد عشر وصفاً وصف الله بها عباده في هذه الآيات: (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا).

لا يصدر منهم استفزاز، ولا سبّ، ولا شتم، ولا أذى لأحد. والجاهلون إذا خاطبوا؛ خاطبوا باستفزاز، وخاطبوا ببذاءة، وخاطبوا بقبح، لكن هؤلاء مهما خُوطِبوا بجهلٍ جوابهم سلام: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا).

يعرفون أن الكلمة الطيبة صدقة، ويعلمون أن الكلام عمل يُجازى عليه الإنسان، وأنه ربما كلمة كَتَبَ الله بها رضوانه للمتكلم بها إلى أن يلقاه، وربما كلمة كَتَبَ الله بها غضبه وسخطه على قائلها حتى يلقاه والعياذ بالله تبارك وتعالى.

فأكثَروا من خير الكلام، وهو لا إله إلا الله، والقرآن الكريم، وسنة المصطفى وأخباره، أكثَروا من تلاوتها وأكثَروا من ذكرها وتعلَّقوا بها، ونطقوا بالخير: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا).

وحَرَصوا أن تقوم فيهم وفي أسرهم أخلاق هذا النبي، وشمائل هذا النبي، وسيرة هذا النبي، لأنهم يوقنون أن لا أشرف ولا أكرم منها، وأن فيها محبة رب السماء والأرض، وفيها الفوز والنجاة يوم العرض: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) جلّ جلاله وتعالى في علاه.

مسؤولية حمل رسالة الهداية للعالم

ولم يزل أخيار هذه الأمة وصلحاء هذه الأمة مصدر الخير ظاهراً وباطناً للناس على ظهر الأرض في كل زمان: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، لا يجد الناس أمة أحسن لهم منكم، ولا خيراً لهم منكم، ولا أفضل لهم منكم، (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ).

لا يجد الناس خيراً منكم لهم؛ يجد الناس الخير في جميع الأمم السابقة من أتباع الأنبياء، ولكن أنتم خير أمة أخرجت للناس. عطاؤكم جَم، ومُهمتكم كُبرى، ورسولكم أُرسل بالرسالة العالمية: (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) ﷺ، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ).

ومُيِّزتُم أن جُعِل ما يتعلَّق بالعمل بالدين وتطبيقه، ثم حمل أمانة تعليمه؛ سواء للأسرة والأهل، وللأصدقاء وللأقارب، بل وحمل هذه الأمانة لِكُلّ العالم؛ مُهِمّة لكم كبيرة، قال عنها الرحمن: (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي) -طريقي، مساري، منهجي - ( أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ميزة أخيار الأمة في الرحمة بالخلق

بذلك كانت مُهِمّتنا عظمى في زمننا وقرنِنَا، وإن كان كما ذكرنا، أخيار الأمة كانوا مصدر خلاص الأمة من آفات كثيرة، ومصدر تخفيف على الأمة من معاناة شديدة، ومصدر نور وهدى لمن اهتدى: (وَيَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ)، عليهم رضوان الله، فهم أهل ميزان، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.

لا يخاف أحدٌ من أحدٍ منهم مكراً ولا غشاً ولا خديعة ولا ضراً، بل هم الذين يحملون في قلوبهم من إرادة الخير للناس أكثر مما يظهر على ألسنتهم، وأكثر مما يظهر على صورة معاملاتهم، يريدون إنقاذ جميع الخلق من النار، يريدون قرب جميع العباد من ربهم جلّ جلاله. 

هذه أوصاف الأخيار فينا، أوصاف الصادقين من المؤمنين، أوصاف الذين أخذوا أسرار لا إله إلا الله محمد رسول الله بحقٍّ وصدق.

يمتلئون رحمة للعالمين، لأن معلمهم ومرشدهم أُرسل رحمة للعالمين ﷺ؛ بموازين صادقة ثابتة قويمة، ليس فيها تلاعب، وليس فيها مكر ولا خديعة، وليس فيها إهمال ولا تساهل، وليس فيها شدة وتنفير.

التيسير والتبشير وعدم التنفير

(وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، ولمّا بَعَثَ سيّدنا أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن قال: «بَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا»، فكان بيان المنهج لأتباعه ومن يقيم الشريعة من بعده، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

فكانوا هم السَّبّاقون والنماذج المثلى لهذه الأمة للاقتداء وللاهتداء، ولقد قال الرحمن: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، ذلك الفوز العظيم!

أيها المؤمنون: وهذه المجامع تجمع القلوب على الوجهة إلى الرب؛ لتتَّسِع الصدور لمعاني ما بُعِثَ به حبيبُ الرحمن البرّ الشكور، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

وليتَّسِع التطبيق لها والقيام بحقّها في نفع العباد والبلاد بِكُل ما استطاع الفرد منا، وما استطاعت الأسرة، وما استطاعت الجماعة، وما استطاعت الهيئات، وما استطاعت المؤسسات، وما استطاعت الشعوب، وما استطاعت الدول للمسلمين؛ أن يحملوا للخلائق خيراً وإنقاذاً وإرشاداً وإسعاداً، وذلك محلّهم الذي شرّفهم الله تبارك وتعالى به.

مصير الأتباع والمتبوعين يوم القيامة

وكلُّ من انحطَّ منهم وصار تابعاً لأراذل خلق الله أو للفُجار والبعيدين عن الله تعالى، استعجل على نفسه الذلّة والمهانة في الدنيا قبل يوم القيامة والعياذ بالله.

(يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)، ويوم يقْدم الأنبياء والمرسلون والصالحون بأتباعهم إلى جنة الله، ويقْدم الكفار والفجار من الذين كانوا متَّبعِين على ظهر الأرض بأقوامهم إلى نار الله الموقدة. 

قال جلّ جلاله وتعالى في علاه: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ..) كلُّ متبوع يقدم قومه، لكن إما إلى هنا أو إلى هنا: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ).

(فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ) والعياذ بالله تبارك وتعالى. وكذّبوا موسى وما جاء به من الحقّ عن الله، جاء بالإيمان بالله والتوحيد له والعدل والبر، فكّذبوا موسى واتّبعوا فرعون. 

قال: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ * ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ.. ).

يغترون بما يغترون، من أنظمة، من صور، من زخرف من القول، ولكن بعد ذلك العاقبة يجدونها غير نافعة وغير مفيدة لهم: (فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ * وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ).

وهناك الحُكم الأكبر، والمستقبل الأعظم الأخطر: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ) وهؤلاء إلى هنا وهؤلاء إلى هنا.

نتائج غرور الطغاة

قال سبحانه وتعالى: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا) -جاءت العاقبة وحل العذاب- (قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ).

والغرور هذا اللي كان فيكم، أنتم قادة العالم وأنتم أرباب الخطط وأنتم.. قالوا: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ). 

قال الله: (فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)، عند الغرغرة وفي البرزخ وفي القيامة الكل يؤمن، الكل يعلم أن محمداً صادق، الكل يعلم أن الله واحد أحد، لا يبقى ملحد ولا كافر بأي نوع من الأنواع إلا آمن، لكن: (فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا).

قال عن فرعون: (حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ)، أنتَ الذي كنت تستحيي نساءهم وتُذَبِّحُ أبناءهم وكنت تقول: (إِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ)، وكنت تقول: (لَنُعَذِّبَنَّهُمْ) ونفعل بهم ونُصَلِّبَنَّهم.. الآن هم إلههم الحق؟! وأين قولك: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ)؟ أين قولك: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي)؟ هذا الباطل الذي يضمحل ولا يبقى منه شيء.

(آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، قال الله : الآن! الآن ينفع الإيمان الآن؟! (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)، وفي كل يوم جبار، طاغٍ، متكبر، ملحد، مكذب؛ عند الغرغرة يؤمنون، لكن ما ينفع، في الآخرة يُصدِّقون، لكن ما ينفعهم ذلك: (فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ).

دعاء لإصلاح أحوال الأمة ودفع البلاء

فالذي أنعم عليكم بهذه النِّعَم، يجب أن تحسنوا شريف الصلة بينكم وبينه بأدب جَمّ، واتباع لحبيبه الأكرم، ومعرفة بقدره الأعظم لدى الإله جلّ جلاله، وتنشئة أبنائكم وبناتكم على ذلك.

اللهم أيقِظ المسلمين وأيقِظ قلوبهم، ونوّرها بنور الحق والهدى، وأحيِ فيهم سنن نبيك المصطفى فيما خفي وفيما بدا. 

واقبل منا جمعنا، واقبل منا توجّهنا إليك، واقبل منّا تعرضنا لنفحاتك، وزد هذه البلاد أمناً وطمأنينة وسكينة وخيراً، ووفِّق أهلها لما تحب وترضى، وخُذ بيد السلطان هيثم إلى ما تحب مع من تحب، و أعذه من الآفات والعاهات، ومن معه. واجزِ السيد يوسف خير الجزاء فيما سَنّ من هذا الجمع وما أقام من هذا المسجد، وتقبل منه وزده اللهم توفيقاً.

وانظر إلى المسلمين في المشارق والمغارب يا رب المشارق والمغارب، نظرة ترفع بها الظلم والعدوان والطغيان عن جميع الخلائق عامة وعن المسلمين خاصة، نشكو إليك ما حل بهم وما نازلهم، وأنت وحدك المغيث الناصر.

اللهم وإن أوجبَ ذلك ذنوبنا وسيئاتنا، فإنا نستغفرك لنا وللمؤمنين، وإنا نطلب منك العفو لنا وللمسلمين، فاعفُ عنا واغفر لنا يا خير الغافرين، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وأنقذنا وأهل لا إله إلا الله، وأصلح شؤونهم في المشارق والمغارب يا مغيث المستغيثين، يا دَرَكَ الهالكين، يا حيُّ يا قيوم.

اجعلنا في خواص أتباع نبيك المعصوم في جميع ما ننوي ونفعل ونعتقد ونقول، في سائر الأحوال في عرضها والطول، يا بَرُّ يا وَصُول، يا من يعطي ولا يبالي، أصلح الأحوال لنا وللأمة أجمع، وشَفِّعْ فينا نبيك المُشَفَّع، واسمع دعاءنا يا خير من يستجيب ويسمع.

(لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، (رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، (رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)، والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

13 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

25 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية