(368)
(479)
(636)
مذاكرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في منزل السيد محمد بن علي با عمر، بمدينة صلالة، سلطنة عمان، ليلة الأحد 10 ربيع الأول 1448هـ بعنوان:
الفضل الرباني والتفضُّل الامتناني وآثار ذلك في القاصي والداني
الحمد لله على فضله العظيم جلَّ جلاله، والفضل كلّه له، ويتفضَّل سبحانه وتعالى مِن فضله بما يشاء على مَن يشاء، فيكون لذلك المُتفضَّل عليه فضلٌ نِسبيٌّ مُعيَّن مِن قِبَل المُتفضِّل، على قدر ما تفضَّلَ به عليه.
فرجع الفضل كلّه إلى الرحمن جلَّ جلاله، إلّا أنه في العالَم الخَلقي كان له مصدر، وكان له أصل، وكان له أساس، لما أراد الحق تبارك وتعالى أن يتفضَّل، وأن يتطوَّل، وأن يجود، وأن يُكرِم، وأن يتعرَّف، وأن يُعرِّف، وأن يُشرِّف، وأن يمنح، وأن يفتح؛ خَلَق محمداً.
وكان قبل أن يخلق غيره، بروز عجائب الأسماء والصفات في الفتح، والمنح، والتفضُّل، والإحسان، والامتنان، والعطاء، والتعرُّف، والملاطفة، والتنوير، والترقية، والرفع، والعطايا الكبيرة الواسعة؛ حيث كان المُتجلِّي واحد، والمُتجلَّى عليه واحد.
ثم إن الله تبارك وتعالى بأسرار تجلِّيه عليه، خلق الكائنات، وأوجد الموجودات، فنور هذا الحبيب أول مخلوق برز في العالَم، ومنهُ تفرَّع الوجود خَلقاً بعد خَلق، فيما حدث وما تقادم.
فرجع الفضل بعد ذلك في هذه الكائنات لأصلها وهو محمد، وفضلهم كلّهم وفضله لأصل الأصول، وهو الرب الوصول جلَّ جلاله، الذي أنشأ هذا النور، وأوجد هذا النور، وقدَّم هذا النور، وكتب الأوَّلية لهذا النور، وكتب الأزليَّة لهذا النور.
كتب لهذا النور الأوَّلية والأزليَّة، فهو أول نور، وأول شيء خلقه الله تبارك وتعالى. صلوات ربي وسلامه عليه:
فلئن برزتَ إلى الشهادة آخراً ** فوجودُ روحكَ للورى قُدَّامُ
صلّى الله وسلّم وبارك عليه وعلى آله.
وفي هذا أيضاً يقول الحبيب علي الحبشي عليه رحمة الله تبارك وتعالى في معاني هذه الحقائق، يقول في صلاته عليه صلّى الله وسلّم وبارك عليه وعلى آله: "اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد، أول متلقٍّ لفيضك الأول، وأكرم حبيب تفضَّلتَ عليه فتفضَّل"، فتفضَّل؛ صار صاحب فضل، وتفضَّل؛ جاد على من سواه بالفضل بإذنك، ففضَّل بهم مَن فضَّل.
والفضل الذي خصَّ الله به حبيبه وَصَفَه ربنا في الكتاب بالعظيم وبالكبير، قال سبحانه وتعالى: (وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا)، وقال سبحانه وتعالى: (إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا).
وهذا الكِبَر وهذه العظمة بميزان الكبير العظيم جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، كانت لمحمد صلّى الله وسلّم وبارك عليه وعلى آله، وانتشرت هذه الفضائل في كل ذي فضل من العباد، إلّا أن مقياس هذا الفضل تفضُّل هذا الجواد، لذلك كل ما خرج عن مرضاته، وعن محبّته، وعن شريعته، وعن منهجه جلَّ جلاله؛ فلا فضل فيه.
فما يُدَّعى فيه الفضل إلّا من قِبَل الأهواء، والأنفُس، والضلال المبين، والظُّلُمات، والأوهام، والخيالات، والظنون التي لا حقيقة لها، فلا فضل فيما يخالف شرع الله، ولا فيما يخالف منهج الله، ولا فيما يُخالِف محبّة الله جلَّ جلاله، والفضل كله على الحقيقة هناك.
فلا فضل حقيقيّاً يُذكَر لمخلوق، إلّا ما كان مُتَّصلاً بما يُحِب وبما يرضى، وبما شرع، وبما جعل في المنهج سبحانه وتعالى، وبما أوحى، وبما بيَّن سبحانه وتعالى.
فكانت الفضائل على الحقيقة ليست لمن يدَّعيها مِن المخالفين، مِن إبليس وجُنده، ومَن تبعه وسار في دربه مِن الغافلين والمارقين، والذين لا يستطيع الدخول إليهم ولا تغيير محاور أفكارهم وتصوُّراتهم إلّا عند غفلتهم عن ذكر الله.
(وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ) أي يغفل، (نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ)، وهذا الحُسبان الباطل، والتوهُّم الكاذب، هو الذي يدَّعون به الادعاءات، ويقولون "نحن ونحن".
حتى ذكر الحق تعالى أنّ من أهل هذه الدعاوي على ظهر الأرض، مَن كان يُسمِّي نفسه العزيز الكريم، وليس بعزيز وليس بكريم، كان يكره النبوة والرسالة، وكان يُخالف محمداً وهو يوقِن أنهُ حبيب الله ورسوله وخاتم أنبيائه.
ولكن كما قال الله: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)، فكان يجحد النبوة ويجحد الرسالة، وكان يخالف، وكان بعد ذلك يدَّعي الفضائل ويقول إنه العزيز الكريم، قال الله سبحانه وتعالى: (ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ).
الكرامة والعزّة لك: حميم جهنم ولهبها وشدتها.. أهذه هي العزة؟! توبيخٌ له على أنه اخترع اسماً ليس من أسمائه، ووصفاً ليس من أوصافه. وليس العزيز إلّا من أعزَّه الله، وهي في دائرة واحدة يقول الله عنها: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ).
فكلّ مَن ظنَّ غير هذه الحقيقة فهو غير عالِم بحقيقة العِزّة، وغير العالِم بحقيقة العزّة؛ يقرُب من أهل النفاق والعياذ بالله تبارك وتعالى.
العزّة لله تعالى على الإطلاق بِكُلّ معنى، ثم هي بمعناها في العالَم التكويني والخَلقي والوجودي لمحمدٍ رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ثم لبقية المؤمنين من الأنبياء والملائكة وأتباع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم من هذه الأمة ومن الأمم السابقة، لهم عزّة على قدر إيمانهم، وعلى قدر الدرجة التي يموتون عليها في الإيمان؛ هذه العزّة الحقيقية الموهوبة لهم من قِبَل الله.
ثم لا يُستطاع كسب حقيقة من هذه العزة بمُلك الأرض مِن أقصاها إلى أقصاها، ولا يُستطاع كسب حقيقة مِن هذه العزة بشيء مِن القوى الماديّة، أو القوى العسكريّة، أو القوى الاقتصادية، أو القوى الهندسيّة، أو ما إلى ذلك، ما يمكن اكتساب شيء مِن حقيقة هذه العزة ولا ذرّة، بغير الإيمان بالله جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، فلا عزّة إلّا للمؤمنين، حقَّقنا الله بحقائق الإيمان.
والحق تعالى يُعزّ هؤلاء المؤمنين بتفضُّله عليهم، فينالون مراتب في الفضائل والفضل، والحق سبحانه وتعالى يشير إليها ويقول جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه: (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).. ماذا؟ تبعيَّة الرسل والتشرُّف بحقيقة التبعيَّة للمرسَلين لمن آمن بهم؛ فضل عظيم.
يقول الله عن الجنة -دار الكرامة- والتي هي من أعلى مظاهر الفضل الرباني، إنّها موهوبة لأهل الفضل، قال جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه في بيان هذه الحقيقة: (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.
وقال في شرف رأس هذه التبعيَّة من الإيمان بالرسل فيمن اتّبع سيدنا المصطفى ﷺ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ)، ومن المعلوم قد قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، وإن لم يؤمنوا بهذا الرسول ليسوا بمؤمنين أصلاً، لكن قال: (آمِنُوا بِرَسُولِهِ).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ)، قُلنا: نحن آمنا، وكيف نؤمن برسولك؟ ازدادوا معرفةً من قدره وفضله ومنزلته لديَّ، وتبصَّروا في خصائصه التي خصَّصته بها وميَّزته من بين سائر البريَّة، هذا معنى (آمِنُوا بِرَسُولِهِ).
وكيف آمنوا؟ نحن قد آمنّا، أوَلَم نؤمن برسولك؟ قد آمنا بالرسول بيقين، وإلّا ما قال لنا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)؛ لأن مَن كذَّب بالرسول ليس بمؤمن أصلاً.
أنتم الذين آمنتم بي وبرسولي، اتّقوني وآمنوا برسولي، نتَّقيك هيبةً لك وجلالاً وعبوديةً لك وأنت أهلٌ لذلك، ولا يتحقَّق الإيمان ويكمُل إلّا بذلك.
وكيف نؤمن برسولك؟ قد آمنا أنه رسولك، قال: (آمِنُوا بِرَسُولِهِ): آمنوا بخصائصه، آمنوا بمزاياه التي ميَّزته بها، آمنوا أنه مختاري وصفوتي ﷺ.
(وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) والنتيجة: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ) -أي ليعلم أهل الكتاب- (أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ)، ما يقدرون يُضيِّقونه، ولا يقدرون يُعطونه أحداً؛ الفضل بيد الله.
وأهل الكتاب من اليهود والنصارى ما يقدرون يتفضَّلون، الله فضَّل أتباع محمد ﷺ ومن اتّبع: (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.
(وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) وهكذا ذكر الحق سبحانه وتعالى هذا التفضُّل العظيم على عباده مرتبطاً بهذا الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنْ هذا هو الفضل العظيم، وليس بيد هؤلاء ولا بيد هؤلاء.
يقول لنا في الآية الأخرى: (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا).
ويقول جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ) -في قراءة يُنْزَلَ- (عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ)، ما يودّون ذلك، قال الله تعالى: أنا قد كتبت الخير والفضل لأتباع حبيبي محمد، وهل بيدهم الفضل حتى يمنعوه؟ (مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ) أصلاً هو في خزائني، ليس في خزينة أحد منهم.
(وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ)، فيُنزِل عليكم الفضل، ويُنزِل عليكم الخير، وتنزِل عليكم آيات الرحمن، ويُبلِّغكم محمد، وتكونون من خير الأمم، (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.
وهكذا يكون التفضُّل الإلهي على المتوجّهين إلى هذا الإله جلَّ جلاله، جعلنا الله وإياكم منهم.
فيخرج منهم الأفاضل، وكل فاضلٍ فَلهُ من سر الفضل محبّةٌ في التفضُّل والإفضال على من سواه؛ فبهذا جاء الميزان: "أحبُّ الخلق إلى الله أنفعهم لعياله".
فهو يُحِب أن ينفع، يُحِب أن يتفضَّل بما تفضَّل الله سبحانه وتعالى عليه، وبما أتى مهما وجد لذلك سبيلاً، مهما وجد لذلك سبيلاً!
حتى رأى بعضُ أكابرنا ﷺ في بعض طوائف شذّوا أو خالفوه، ورآه في النوم، قال: إني أنظر في أمرهم، من قُبِلَت فيهم شفاعة شفّعتُ فيهم، يقول ﷺ.. مَن قُبِلَت.
ولذلك قالوا، المنافقين الذين كانوا عنده، أنزل الله عليه: (إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)، وكان مقصود الآية المبالغة ليس المقصود العدد، قال: "لو علمتُ أني لو زدتِ على السبعين غَفر لهم لزدتُ عليها"، يقول ﷺ.. لو علمت أنه إذا زِدت على السبعين يغفر لهم أنا سأستغفر لهم، لكنَّ الرحمن أخبرني أنه لن يغفر لهم، كما قال له في الآية الأخرى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ).
يقول: هؤلاء الذين أبَوا فضلي ومركز الفضل الأكبر، قطعوا صِلَتهم به، وكذَّبوه وآذوه، يقول لا تُتعب نفسك معهم، هؤلاء قد حرمتهم من الفضل ولا أغفر لهم قط، أما هُم يكذبونك، وهم كما وصفهم سبحانه وتعالى في نفس الآيات في نفس السورة التي سمّاها باسمهم (سورة المنافقون).
يقول فيها سبحانه وتعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ * سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) يصدّون ولا يبالون باستغفارك ولا يرونه بخير، في المؤمنين يقول عنهم تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا).
في بعض البلدان عندنا من نواحي أفريقيا، لمّا جاء بعض الحجاج وجد بعض أهل الذين أصاب قلوبهم شيء من الزيغ والانتقاص من الجانب الكريم النبوي، يقول له أنت ذهبت المدينة؟ قال له: نعم، قال: تزور النبي؟ قال: نعم، قال أنت من أهل هذه الآية: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ…)؟ قال: نعم أنا من أهل هذه الآية، وأنت من تلك الآية: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ..) !؟ أنت من أهل الآية هذه؟ أنا من أهل الآية تلك، عسى هذه الآية أنا من أهلها إن شاء الله، (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا)، لكن أنت هات لي خبرك، أنت من أهل أي آية؟ لعلّك من أهل آية: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ * سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
ذكر سبب عدم الغفران لهم هذه الصفات، قال: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا)، في قلوبهم غيض، في قلوبهم حقد، في قلوبهم تكبُّر، في قلوبهم لا يريدون يستقر أمر هذه الرسالة ولا أن ينفعوا أصحابها.
وقال سبحانه وتعالى: (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ).
يقول الله لحبيبه: أهل هذه الأوصاف التي كَتبتُ عليهم الوقوع في أوساخها والموت عليها، ما يُقبَل فيهم استغفار! (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)، لكن الشاهد في هذا إرادة الله التي لا مُعقِّب لها، لكن به هو ﷺ قال: "لو علمت أني لو زدت على السبعين لغُفِر لهم لزدت عليها".
وجاءه مرة بعض المنافقين الذي تداركهُ الله بالإنابة والتوبة، ودخل الإيمان في قلبه، وجاء إلى عند الحبيب ﷺ، قال: يا رسول الله، الإيمان هاهنا -وأشار إلى لسانه وفمه- والكفر هاهنا -وأشار إلى صدره- وأني كنت ومعي قوم، ونتآمر عليك ونخطِّط عليك ونعمل كذا وكذا وكذا. قال: فاستغفر له صلّى الله عليه وسلّم وقرأ عليه وامتلأ إيماناً.
قال: يا رسول الله، تريد أُخبرك بالقوم؟ قال: لا، الجماعة الذين كنت تجلس أنا وإياهم ونتآمر عليك؟ قال: لا، "من جاءني منهم كما جئتني استغفرتُ له كما استغفرت لك، -إن جاء أحد منهم ليتوب وينوب- ومن أبى فالله حسيبه".. لن يحاسبهم هو، صلى عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.
ما أعجب عقله! وما أعجب خُلقه! وما أعجب قلبه! وما أعجب الطِّيبة التي في ضميره! ما أعجب الرحمة التي يحملها للخلق في عبوديته وأدبه مع الله! ما يجد الخلق خيراً من هذا في الخلائق كلهم، صلّى الله وسلّم وبارك عليه وعلى آله، والحمد لله الذي شرَّفنا به.
وما نجتمع في مثل هذه المجامع ونذكر فضائله وشمائله، إلّا ليسري الفضل من المتفضِّل إلينا بواسطته ﷺ.
يتفضَّل الله على أعيننا:
هذه الدموع الطيِّبة أنواعها التي تخرج من العيون؛ إما عن ألم، أو لمرض، أو لفوات حظ من الحظوظ، أو لفقد قريب من الأقارب، هذا أمر طَبعي وأمر فطري مع الناس.
لكن الدمع المحمود الذي يُحبه الله تعالى، هذا الدمع الذي يخرج إما من خشيته سبحانه وتعالى، وإما من معرفته: (تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ)، وإما من المحبة والشوق إلى لقائه؛ وهذا أعلى أنواع الدمع المحبوب لله تبارك وتعالى، ما يخرج محبة وشوقًا لله سبحانه وتعالى.
قالت أسماء بنت عميس عليها رحمة الله ورضوانُه، شرَّفها الله بسيدنا جعفر بن أبي طالب وهاجرت معه إلى الحبشة، وجاءت مع أهل السفينة الذين وردوا وقال لهم النبي ﷺ: إن للمهاجرين هجرة ولكم هجرتان؛ هاجرتم إلى الحبشة وهاجرتم إليَّ، قال: لكم هجرتان، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ثم قُتِل سيدنا جعفر واستُشهِد في غزوة مؤتة عليه رضوان الله تبارك وتعالى، ثم تزوجها سيدنا أبو بكر الصديق، وعاشت معه، ثم تزوجها سيدنا علي بن أبي طالب، عليه رضوان الله تعالى وكرم الله وجهه.
تقول في ليالي خلافة أبي بكر، قَدِمَ عليَّ في بعض الليالي، دخل البيت، قالت: قام تهجّد وجلس، ووضع رأسه بين رجليه يقول: واشوقاه إلى رسول الله! أخذ يبكي وتنهمر دموعه، وهذا ذِكر أبو بكر وهذا وِرده: واشوقاه إلى رسول الله، واشوقاه إلى رسول الله.
ما بينه وبينه وقت طويل ولا عهد بعيد عليه الرضوان، قالت: حتى رقَّ قلبي له وقُمت إليه، أقول له: يا خليفة رسول الله، إنك ستلقاه، قد آمنت به في أوائل من آمن، وكنت صاحبه مِن قبل البعثة، وهاجرت معه، وكنت صاحب الغار، وحضرت الغزوات معه، ومات وهو راضٍ عنك؛ وستلقاه بعد اليوم، خفِّف عنك.
وذا شوقه يزبد وتنهمل دموعه من الشوق والمحبة، حتى قال كثير من أهل السيرة من المحققين إن سبب وفاته مع السبب الظاهر من السم الذي أكله، أن احترق قلبه من الكمد والحزن على فراق الحبيب ومات شوق، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.
فكان ذلك مظهر أهل الإيمان بهذا الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الذي اجتمعتم في ذكر شمائله في هذه البلدة المباركة مع هؤلاء الأحباب، أطال الله أعمارهم في عافية وزادهم من إفضاله.
وكان في سابق عهدنا في البلدة هذه المباركة رأينا مثل والد صاحب المنزل عليه رحمة الله، حبيبنا علي بن عمر وأخوه عيدروس بن عمر، عرفنا معهم ثُلة، الفضل بادٍ عليهم والتفضُّل كبير عليهم من قِبل الحق سبحانه وتعالى، أثّرَ على مسارهم وعلى سرائرهم وعلى بصائرهم عليهم رضوان الله تعالى.
كان معهم مثل الحبيب سالم، والد الحبيب محمد بن سالم عليه رحمة الله تبارك وتعالى، الحبيب حفيظ بن محمد كان معهم، من هؤلاء الأحباب الذين لقيناهم الحبيب أحمد بن علي بن عمر الحداد ووالده وأخوه محمد، وغيرهم من الذين لقيناهم، والشيخ عوض عليه رحمة الله تبارك وتعالى.
وجماعة كان الفضل باديًا عليهم، كانوا عيونًا نواظر وأفاضل، أعيان أكابر، عليهم رحمة الله، مضوا على قصد السبيل إلى العُلى، ممتلئين بالمحبة، ممتلئين بالاستعداد للقاء، ممتلئين بالاقتداء والاهتداء عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، والبلد الطَّيب يخرج نباته بإذن ربه.
واجتمعتم الليلة وتُظلّنا سحائب هذا التفضُّل الإلهي لمن يقبل منا فضل الله سبحانه وتعالى، ولقد قال الله في الذين كفروا من أهل مكة وعندهم الحبيب الأعظم، قال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ).
وإذا أنشئت هذه السحائب وأمطرت، فخذ نصيبك من المجلس من تفضُّل ربك عليك، وعلامته: أن تزداد خضوعًا وخشوعًا ومحبة له وأدبًا، وشوقًا إلى لقائه وإلى لقاء حبيبه، وإلى لقاء هؤلاء الأحباب الأطياب عليهم الرضوان.
قال تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا * ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا).
يا صاحب الفضل تفضَّل علينا، وتطوَّل علينا، وجُد علينا بمن جمعت له الفضائل، وجعلته أفضل مخلوق، وأفضل محبوب، وأفضل مُقرَّب، وأفضل موهوب، وأفضل مودود من قِبَلك، وأفضل مُرسَل، وأفضل نبي، وأفضل إنسان، وأفضل الأكوان، صلوات ربي وسلامه عليه.
صَلِّ عليه، وتفضَّل علينا به يا كريم، تفضَّل على أعيننا، تفضَّل على آذاننا، تفضَّل على ألسنتنا، تفضَّل على قلوبنا، تفضَّل على جوارحنا، تفضَّل على نياتنا ومقاصدنا، تفضَّل على ديارنا ومن في ديارنا، تفضَّل على أهلينا، تفضَّل على كل صفة من صفاتنا، حتى لا تبقى فينا صفة لا تحبها ولا ترضاها؛ لا سيئة ولا شاذة ولا مخالفة لصفة من صفات حبيبك محمد، ولا يبقى لنا قول ولا فعل مخالف لقوله أو فعله ﷺ.
تفضَّل علينا في كل ذلك، واسلك بنا أشرف المسالك يا ملك الممالك، واجعلها ساعة إجابة واجعل الدعوات مستجابة، وأمطِر من صيِّب الإفضال على ساحات قلوبنا سحابة، بوابل من الغيث الهني، نرقى به مع خواص من رضيت عنهم ورضوا عنك من أهل ذلك المشرب الهاني، برحمتك يا كريم يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وأصلح ظفار وأصلح عمان وأهل عمان، وأصلح أهل بلداننا وبلدان الحاضرين، وأصلح بلاد المسلمين وما فيها ومن فيها، وأصلح ظواهرهم وخوافيهم، وحول أحوالهم إلى أحسن حال.
تفضَّل على أمة نبيك محمد بما تقر به عين نبيك محمد، ويفرح به قلب نبيك محمد، ويُسَرُّ به روح نبيك محمد، برحمتك يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.
12 ربيع الأول 1448