أسرار سرايات الاتصال بالجناب وآثارها في الاستقامة على منهجه السوي

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ، في ذكرى حولية الصحابي الجليل سيدنا عباد بن بشر الأنصاري في قرية اللسك بوادي حضرموت، ضحى يوم الاثنين 14 محرم 1448هـ بعنوان:

أسرار سرايات الاتصال بالجناب وآثارها في الاستقامة على منهجه السوي

 

نص المحاضرة:

بسط المعاملات الربانية وأسرار السيرة المحمدية

الحمد لله على شريف المُقابلات، وبَسْطِ بُسُط المعاملات باليسير من قِبلنا، بل من قِبل المُكلفين المُجتهدين المُشمّرين، فكيف بأمثالنا من المقصرين؟! يسيرٌ منهم، ولكن كبيرٌ في المعاملة من حضرة الرب، وشريفٌ وجليلٌ وجزيلٌ مِن معاملته سبحانه وتعالى، في قليل معاملاتهم ويسير معاملاتهم.

هذا يُوصَف باليُسر والقِلّة بالنسبة لمعاملة الرب وكرمه - أعمال المشمّرين المجتهدين - فكيف بأمثالنا من المقصرين؟! ولكن هذا الذي عاملوه جل جلاله وتعالى في علاه، والذي بَسط بساط فضله وإحسانه بواسطة حبيبه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

جعل خبايا لهذه الأمة المحمدية في أسرار بعثته، بل أسرار ولادته وتربيته، بل أسرار رضاعه ﷺ، وأسرار أيام طفولته، وأسرار شبابه وبلوغه، ثم أسرار إسرائه ومعراجه، ثم أسرار هجرته، ثم أسرار غزواته ﷺ، ثم أسرار صُحبته ومعناها، ثم أسرار قرابته ومَبناها، ثم أسرار وراثته ومَغناها.

كلّ هذه الإمدادات الربانيّة بهذه الأسرار لها سراياتٌ في قلوب المؤمنين، على قدر ما يتهيّأون، وعلى قدر ما يستلمون، وعلى قدر ما يتلقّون، وعلى قدر ما يأخذون بأيدِ الخضوع والإخبات، في مراتب التلقِّيات لتلكمُ العطايا الكبيرات.

شرف الأماكن وارتباطها بأنوار النبوة

والسابقة سبقت بأن يجعل الله بَدَنَ هذا الصحابي الجليل في ذا المكان، وأن يجعل من أكابر أئمة الوادي وأئمته مَن يأتي ويصعد هذا الصعود إلى هذا المكان، الذي يُذكِّر بجبل حراء وجبل ثور، وإن كان يقرُب في المسافة من جبل حراء وهو دونها، وأما جبل ثور أضعاف.. ساعتين يستغرق الطلوع إليه، المشهد، الوصول إلى محل غار ثور للحبيب ﷺ.

والجبلان الكريمان اللذان تشرّفا؛ وجبال مكة مهما شُرِّفت، ولكن هذين الجبلين اختُصَّا بخصوصيات في الشرف؛ بعبادته في هذا المكان، وإيوائه في الغار ثلاثة أيام في المكان الثاني، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

ومن تلك الجبال استمَدَّت جبال الشرف والكرامة في هذه الأمة على الخصوص، وسبق ما سبق مِما أمدّ الله تعالى به مِن تَقدَّم، حتى كان جبل الطور مُشرَّفاً بالكلام لموسى بواسطة.. سيدنا موسى مُكوَّن من نوره، وسيدنا موسى سمع بنور سمعه ﷺ، وخوطِب من رحمة الله بحبيبه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، وكان:

لدى الطور موسى نوديَ: اخلع ** وأحمد لدى العرش لم يُؤمَر بخلعِ نعالهِ

صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

أسرار الصحبة ومنازلات النور النبوي

سرت السرايات، وللطلوع وللوصول إلى هذا المكان سراية من حراء، وسراية من غار ثور، وغير ذلك من أسرار، لأن صاحب حراء وصاحب ثور هذا النور المشرق سيدنا عبّاد عليه رضوان الله تبارك وتعالى، اتصل به اتصالات وسُقي منه سقيات، ونازلته منه مُنازلات.

شُرِّفت عينه، شُرِّفت عينا سيدنا عبّاد بالنظر إلى طلعته، بالنظر إلى غُرّته، بالنظر إلى جبهته، بالنظر إلى ذاته الشريفة، وملابسه ويديه ورجليه، بل والنظر إلى عينيه. 

وأعلى وأسعد ما صادف نظر عينه، وقابلت عينه عينه، وسرى نظره ﷺ إلى عين هذا الصحابي في مرات وقع نظره على نظره، عيونٌ تشرّفت بنظر محمد، إن لم تكن هي الناضرة التي إلى ربها ناظرة، فأي العيون ناظرة؟!

وتشرَّفت أذنه الكريمة، أذنه الكريمة تشرَّفت بسماع كلام رسول الله! ولو سمع منه كلمة واحدة في عمره وهو به مؤمن ومُعَظَّم لكَفَتْهُ، ما هو كلمة ولا كلمتين، ولا ثلاث ولا أربع، ولا مائة ولا مائتين؟! بل سمع القرآن! القرآن من لسان محمد! تعطّرت به الأذن هذه، تعطرت به هذه الأذن وتشرفت، وهو يتلو عليه باللسان الأعذَب الأطيَب الأطهر، وبعضها سمعها حال نزولها؛ اللحظة التي نزلت فيها من السماء وقرأها ﷺ والأذن سمعتها، فأُذنه تشرّفت بسماع هذا الكلام من لسان الحبيب صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، وسمع خطابات الحق جل جلاله على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام.

وهكذا تشرّفت يده الكريمة، وصافحت اليد، وخدمت الذات، وقَرَّبَت وحرست، وحملت ذا ووضعت ذا في طاعته وفي متابعته ﷺ، والتصقت الكف بالكف! تشرفت أنفه وفمه وشفتاه بلثم اليد الكريمة، بل بلثم الركبتين والقدمين الشريفتين ﷺ، فالذات كلها من كل جانب.

أهل التعبيرات هذه يقولون: مُكهربة ومُغنطسة.. مِن أين؟ مِن كل جانب سرت إليها سرايات، في هذا الجناب الأشرَف؛ أكل معه، شرب معه، صلّى خلفه، مشى وراءه. 

وامتدّت شؤون هذا الشرف، فامتلأت الذات بمعاني عجائب تِلكُم الرحمات الربانيات، والتجلِّيات الإلهيات، والتفضُّلات الصَّمَديّات، والمِنَن العِنديّات من عند الرب جل جلاله وتعالى في عُلاه.

حمل أمانة الدين

وقام في مساره وفي بقية عمره على ذلك المسلك والمنهج القويم، وشاء الله أن يصل إلى هذه البقاع، وأن يَفِد إلى الوادي الميمون، وأن يقوم بِحَقّ الأمانة وحق الديانة، وأن يُقدِّم روحه ولا يخلّ بعمل من أعمال الشريعة المُطهّرة، ولا يكون كما قال سيدنا أبو بكر: "لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدّونه إلى رسول الله لقاتلتهُم عليه، ولو لم أجد إلا الشجر والحجر لقاتلتهُم، أما أن ينقُص الدين وأنا حي فلا"، أما أن ينقص الدين وأنا حي فلا!

في قلوبهم غيرة لدين الله وتعظيم لأمر الله تعالى، وهذه الأمانة التي حملوها عن الحبيب صلى الله وسلم وبارك وكرَّمَ عليه وعلى آله.

شرف الحضور في مواطن الأخيار

وكان من جُملة ما انطوى في ذلك التفضُّل والتجلّي أن ساقتكم الأقدار واحداً واحداً حتى وصلتم، وجئتم في هذه الساعة وفي هذا المكان والفضل ينسكب، والجود يَصُبّ من حضرة الرحمن جل جلاله، والوصلات والاتصالات للقلوب وللأسرار كذلك.

إذا تحدّثنا عمّا شرَّف الله به أعضاءه، إنما شُرِّفت هذه الأعضاء كلها لأن له قلباً آمن وصدَّق وأَحب، وعَظُمَت فيه المحبة، وكما قابلت العينُ العينَ، والوجهُ الوجهَ، القلبُ قابل القلب، واستقبل من القلب فائضات من ذلك القلب والصدر الشريف، والروح قابلت الروح، والسر منه قابلت السر، السر منه قابل ذاك السر المحمدي النبوي.

فالفائضات عليهم لا تُعَد ولا تُحَد ولا تُحصى، والوقوف في مثل هذا الموقف له معنى خاص في حركة أسرار المحبة وأسرار الولاء وأسرار الحنان من الروح الطاهر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

نداء سرايات المحبة والإيمان

سرايات تسري، ثم سُقي مِن كأسها مَن قَبلكم ومن ذريّته أعداد كثيرة، جاءتهم أمداد كبيرة بلا حصر محصور، رأيتم بعد ذلك في مناقبهم: ذاكم التواضع، وذاكم الزهد، وذاكم الإنابة، وذاكم الخشية، وذاكم الخشوع، وذاكم الخضوع، وذاكم الورع، وذاكم الانطواء في آل البيت، وذاكم الأدب الجم مع العلي الأكرم وحبيبه المُعظّم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والعلم الغزير والخير الكبير والشيء الكثير، وكانوا كما يقول العوام عندنا: من رَبِح من سوق مَدَحه، ربحوا! ربحوا من كل تِلكُم المعاملات وذاقوا ما فيها وترقّوا في مراقيها.

وكانت هذه السرايات المباركة مناديَة لنا الآن في مثل هذا المجمع؛ أن نرتفع فيمن يُرفع، وأن نطلع فيمن يطلع، وأن نرتقي فيمن يرتقي؛ بواسطة صدق إقبال على المولى جل جلاله، ومحبة في القلب له ولرسوله المصطفى ﷺ، يلزم منها محبة آل بيته ومحبة أصحابه، محبة المتصلين به، والمتصلين به: أنبياء الله ورسله، ثم من كان من أمته من الأُمَم، وأمّته ألصَق الأُمَم به، وألصَق أمته به من كان في عصره من آله وصحابته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهم على الدّرجات في ذلك.

كما سمعتم قول ربكم: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا).

وبما حصَّلوا ووصل إليه من سرّ المحبة والنُّصرة جاءت روابط الإيمان مربوطة بهم، ويقول ﷺ: "آية الإيمان حُب الأنصار، وآية النفاق بُغض الأنصار، ومن أحَبّهم يُحبه الله، ومن أبغضهم يبغضهُ الله". 

فنحن نذكر مثل هذا وإخوانه من الأوس والخزرج عليهم رضوان الله، الذين ناصروا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بأي دافع؟! وأي شيء بيننا وبينهم؟! لأنهم نصروا حبيب الله، بسر ِّذلك صار من لوازم الإيمان محبتهم وعلامة الإيمان محبتهم عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

وكانوا بمكانٍ الذي نشر الله به الثناء على أهله في كتابه العزيز: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ).

تأمَّل: مِن مَن جاء الكلام هذا؟ والثناء هذا مِن مَن؟ وما مقداره؟ وعلى هؤلاء القوم، ماذا حصّلوا من ورائه؟ وما هي النتيجة منه إذ يُثني عليهم رب العرش جل جلاله؟! (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

ثم رحِمنا بمَدِّ الحبال على حسب الاقتداء والاتصال، قال: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ)، يعني: الذين يعرفون قدرهم ويعرفون سَبْقهم، ويُوالونهم ويحبونهم من أجل ذلك، (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ). 

وهكذا يقول الإمام أحمد بن زين الحبشي في امتداد معنى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ)، قال: مِن أول مَن آمن، إلى مَن توفي قبل اللحظة التي تقرأ الآية فيها، وتقرأ هذا الدعاء، هذا (سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ)..

(وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا): قال: الباقين في الحياة الدنيا من المؤمنين في الشرق والغرب، لا يكون غِلٌّ في قلبك على أحد منهم، فالسابقين تدعو لهم بالمغفرة، والموجودين لا تغِلَّ على أحد منهم، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ)، فهنيئاً له ما آتاه الله تبارك وتعالى.

من أسرار القرب من الأخيار وقصدهم

والعَجَب في جود الله أنه مع عظمته له تجدُّد وله زيادة على ممرّ القرون! على ممر القرون، وسبحان الله، كان ذِكرنا الآن للحبيب في الساعة هذه.. بعد وفاته بكم؟ لها زيادة في أسرار صلته بالجناب الأشرف ونظرة الحبيب إليه على ما أوتي، فضل من فضل الله سبحانه وتعالى.

وهكذا، وإذا كان يقال في القوم: "هُمُ القوم لا يشقى بهم جليسهم"، فإذا حضرنا - فجزاهم الله عنا خير الجزاء - هُم سبب لزيادة الرحمة ولكريم النظر الرباني الإلهي.

وكان الحق - كما جاءنا في صحيح مسلم - يُعاتب بعض الناس الذين أهملوا الأدب والسنن وحُسن الظن والارتباط القلبي بالأخيار، يقول له في القيامة رب العالمين: "عبدي مَرِضْتُ فلم تَعُدْني"، ربِّ، كيف أعودك وأنت الله رب العالمين ولا تمرض؟! قال: "مَرِضَ عبدي فلان بن فلان - تعرف فلان ذاك الذي في وقتك، في بلادك؟ ما لك حسن ظن فيه؟ ما لك أدب معه؟ - مَرِضَ عبدي فلان بن فلان فلم تَعُدْهُ، أما تدري أنك لو عُدْتَهُ لوجدتني عنده؟!" لو عُدْتَهُ لوجدتني عنده.

يقول له الحق في القيامة، أي: ماذا ضيَّعت على نفسك بعدم زيارتك للرجل ذاك؟ وعدم مجيئك إلى عند البيت الرجل ذاك؟! لو جئتَ عندهُ ستجدني أنا!.. "لوجدتني"، ما قال ستُحصِّل رحمتي ولا مغفرتي، قال ستُحصِّلني: "لوجدتني عنده"، الله أكبر، الله أكبر.

كما قال على الذين يقصدونه ﷺ إذا وقعوا في الهفوَة والزَّلّة، (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ)، يستغفرون الله في أي محل؟ قال أولاً (جَاءُوكَ)، استغفار عندك! ليس مثل استغفار في محل آخر، ثم استغفروا عندك شيء شريف، لكن أيضاً تُوِّجْهُ من عندك أنت. 

(وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) واستغفر لهم! جاؤوا وقصدوه، قال بعدها أنت توِّج استغفارهم، تكلّم أنت معي، أنت اطلب مني المغفرة، إذا أنت تطلب.. ليس كما يطلبونه هم، مغفرتي تصدر بطلبك.. ليست مثل المغفرة التي تصدر بطلبهم! (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّه)، وفي أيّ الحُلَل يتجلّى عليهم؟ قال: (تَوَّابًا رَّحِيمًا)، بخِلع الجمال يتجلّى عليهم سبحانه وتعالى، (لَوَجَدُوا اللَّه تَوَّابًا رَّحِيمًا) فضلاً من فضل الله.

بركات الزيارة وامتداد فضل الله

وجئنا إليه سبحانه وتعالى، وما هذه المَشيات والخطوات إلا في طلبه سبحانه وتعالى، وفي المحبة فيه ومن أجله جل جلاله. 

وإذا كان: من زار أخاً له في الله شيَّعهُ سبعون ألف ملك؛ ويستغفرون له إن زار في الصباح إلى المساء، وإن زار في المساء إلى الصباح؛ فكيف بمن زار ولياً؟! فكيف بمن زار صحابياً؟! فكيف بمثل هذه وقد تقدَّم فيها من الأكابر الأكابر والعظماء عليهم رضوان الله تعالى؟!

فالحمد لله على هذا الحضور، والحمد لله على إشراق هذا النور. وإن شاء الله تمتدّ الخيرات إلى كُلّ قلب منا، وكل روح وكل سر، وإلى كل دار، وإلى كل ولد، وإلى كل ابن وإلى كل بنت، وإلى كل زوجة، وإلى كل أخ وإلى كل أخت، ويعمّهم الله بخير كثير كبير. 

ويمدّ المدد للذين جلسوا في المسجد تحت، والذين تعلَّقت قلوبهم من الشرق أو الغرب، والذين والَوْا في الله سبحانه وتعالى على وجه الخصوص، ويجود الله على العموم بما شاء كيف يشاء، لا إله إلا هو وَسِعت رحمته كل شيء، وجعل هذه الأسباب، وإذا صبَّ شيء على الخواصّ أصاب العوام منهُ ما أصابهم من فيض فضل الله تبارك وتعالى.

الحمد لله على هذه المِنن، الحمد لله على هذه النِّعم، يجعلها ساعة مِن أشرف الساعات، يا ربنا، تكتُب لنا فيها سعادة الأبد، وتكتب لنا فيها رابطة تَقْوَى في كل لمحة ونفس بالنبي محمد، وتكتب لنا بها صِلَة به تزداد على مدى الآباد، وتكتب لنا بها استقامة على منهاجه، ورُقِيّاً بمعراجه، واستضاءة بنورِ سراجه، وتسرّ بها روح سيدنا عبّاد بن بشر، ومن تَقدَّم من ذريته عليهم رضوان الله تعالى، كانوا كواكب، كواكب لشموس النور المحمدي والعترة الطاهرة، فكانوا كواكبها!

فإنهُ شمس فضلٍ هُم كواكبها ** يُظهِرنَ أنوارها للناسِ في الظُّلَمِ

طلب قوة الرابطة وسرايات الجناب الشريف

الحمد لله على هذه المِنن، اللهم أكرِمنا وجميع الحاضرين، وزِدنا زيادة تليق بجودك وكرمك في كل شأن وفي كل حين، واجعل عامنا هذا من أبرك الأعوام، علينا وعلى جميع أهل الإسلام، في كل خاصٍّ وعام، أهل الدنيا وأهل البرزخ، ومن في الأصلاب ومن يأتي من المسلمين إلى يوم القيامة. 

اللهم اجعله عاماً مباركاً، تمتدّ بركاته لتعُمّ الجميع، وتُشَفِّع فينا حبيبك الشفيع وجاهه الوسيع وأهل البقيع، وسادتنا المهاجرين وأهل الأوس والخزرج، وجميع من اتّصلَ بهم ومن والاهُم في الله وأحبَّهُم من أجل الله، وجميع من وارثهم واستمرت فيهم سراية المدد الرباني والجود الإحساني. 

المُشار إليه بقول صاحب المقام والشرف العدناني: "أفيكم من رأى رسول الله؟ أفيكم من رأى من رأى رسول الله؟ أفيكم من رأى من رأى من صحب رسول الله؟"، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكلها سرايات لهذه الأعيُن، والله يبارك في أعيننا، ويبارك في آذاننا، ويبارك في ألسنتنا. 

هذا لسانك كم مرة سَلَّم على النبي؟ وأحسن منها: كم سَلَّم النبي عليه؟ والنبي كان ما أحد يسبقه، إذا لقيته في الطريق يسبقك بالسلام، يبدأ من لقِيَه بالسلام، صلى الله عليه وسلم، مِن كَرَم خُلُقه ﷺ، ما أحد يسبقه، صغير كبير، ذكر أنثى، هو يُسلِّم عليهم، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، وسلام من لسان محمد ﷺ، وخطاب كم خاطبه.. وكم!

فالحمدلله على هذه المنن، أتِمَّ النعمة علينا يا رب، أتِمَّ النعمة علينا يا رب، أتِمَّ النعمة علينا يا رب، أتِمَّ النعمة علينا يا رب، بكَرمه وأخلاقه؛ كم من واحد ما يصل إلى هنا إلا وقد قابَله من الطريق! 

دعوات مباركة

الله يُعلي لهم الدرجات، ويجمعنا بهم في أعلى الجنات، ويُثبِّتنا أكمل الثبات، ويكفينا شرّ النفوس وشرّ الأهواء، وشرّ الشهوات وشرّ الحُجب، وشرّ القواطع عن الله في كل شأن من الشؤون، ويُثبِتنا فيمَن يهدون بالحق وبه يعدلون.

وتنهض في الوادي هِمّة التقوى والعِلم والعمل، والبر والإخلاص والورع والخوف منه عز وجل، ويدفع الله عنا شر الكفار والفجار والأشرار والمفسدين، والعائنين والساحرين والمؤذين من قريب ومن بعيد.

تحصَّنّا بك يا حيُّ يا قيوم، واستغثناكَ يا خير مُغيث، فعَجِّل بالغياث الحثيث، وادفع عنا شر كل خبيث، وتولّنا بما توليتَ به المحبوبين من أهل التمكين، وأنت راضٍ عنا يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

15 مُحرَّم 1448

تاريخ النشر الميلادي

30 يونيو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية