(639)
(489)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ، للنساء، في مدينة الغيضة، محافظة المهرة، عصر الأربعاء 12 ربيع الثاني 1448هـ
اقرأ: توجيهات إيمانية وتربوية للمرأة المسلمة
الله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خالق كل شيء، مَن بيده ملكوت كل شيء، وإليه يرجع كل شيء، هو الواحد الأحد القيوم الحي، لا إله إلا هو.
أرسل إلينا عبده المُنتَخَب من بني لؤي، المُجتبى المختار محمد بن عبد الله سيد بني قُصَي، مَن جعله الله في كائناته أجملَ كل شيء، وأفضلَ كل شيء، وأعظمَ كل شيء، وأكرمَ كل شيء.
اللهم أدم صلواتك على عبدك المختار سيدنا محمد، هادينا إليك ودالِّنا عليك، وعلى زوجاته أمهات المؤمنين: خديجة الكبرى ناصرة الحق والدين، وعائشة الرضا، وحفصة بنت عمر، وسودة بنت زمعة، وزينب بنت خزيمة، وزينب بنت جحش، وسيدتنا صفية بنت حُيَيّ، وأم حبيبة، وأم سلمة، وجميع أمهات المؤمنين، وبنات سيد المرسلين: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة الزهراء، وسيدتنا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وعلى جميع آل بيت نبينا وصحابته: ساداتنا أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأهل بيعة العقبة، وأهل بدر، وأهل أُحُد، وأهل بيعة الرضوان، ومن تبعهم بإحسان، وعلى جميع أنبيائك ورسلك وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أيتها المؤمنات بالله جل جلاله، المجتمعات في هذه الساعة لتذكُّر مهمات الصِّلات بالله، والاستعداد للقاه، والتعرض لنفحاته ورحماه، والاقتداء بنبيه ومصطفاه، وطلبِ أن تُحشرن في زمرة المقرَّبات، ومَن سمعتُنَّ أسماءهن في هذه الكلمات وهذه المقدمة مِمَّن اللَّاتي اختارهن الله جل جلاله وجعلهن مثلاً للذين آمنوا؛ كما نص القرآن على امرأة فرعون سيدتنا آسية بنت مزاحم، وعلى سيدتنا مريم بنت عمران، وكما أثبت الأمومة لأمهات المؤمنين، وكما حكم بالطهارة لآل بيت النبي الأمين ﷺ، وجعل بناته خير بنات العالمين، وجعلهن أُسوة وقدوة لكل مؤمنة، وأخبر في آخر لحظات عمره الشريف السيدةَ فاطمة أنها سيدة نساء العالمين وسيدة نساء الجنة، عليها وعليهن أجمعين رضوان الله تبارك وتعالى.
وإنما ذكرنا هذا ليتوَطّن في قلوبكن أن هؤلاء هنّ القدوة لكُنَّ، ولبناتكن، ولأخواتكن، ولصديقاتكن، وأنه لا يليق بمؤمنة قط أن تقتدي بفاجرة، ولا كافرة، ولا يهودية، ولا نصرانية، ولا ملحدة، ولا كاسية عارية، وهو الذي يدعو إليه إبليس عدو الله وجنده من شياطين الإنس والجن؛ يدعون نساءنا لِأن يتشبهن بالفاجرات والكافرات والفاسقات والكاسيات العاريات.
يا أيتها المؤمنات، إذا حلَّ الإيمان في القلب وثَبَت وقَوِي، انحلَّ عنه الالتفاتُ إلى من سقطن من عين الله، وإلى من بَعُدْنَ عن الله، وإلى من وقعن في سخط الله جل جلاله وتعالى في علاه، بل وَجَدت قلب المؤمنة منهن تبرؤ إلى الله من كفرهن وفسوقهن ورجسهن.
يا أيتها المؤمنات، ما أسرع انقضاء هذه الحياة وحضور ساعة الممات، المبهمة لكل واحد من بني آدم، لا يدري متى تأتي ولا بد أن تأتي! فمهما عقَل وأدرك الحقيقة اغتنم العمر القصير، واستعد للقاء الإله العلي الكبير جل جلاله وتعالى في علاه، وقام بحق الأدب مع الله والعمل بطاعته، ولم يرتضِ لنفسه منهجاً ولا مسلكاً ولا سُنَّة ولا طريقة غير ما أوحى الله إلى نبيه محمد ﷺ، ولم يسمح للنفس والهوى أن تتغلب عليه وتَتَّبع فكرةَ أو نظامَ أحدٍ من أهل الشرق والغرب مما خالف منهج الله ومنهج رسوله.
فليس عندهم هدى، وليس عندهم نور، ولا ائتمنهم خالقنا على أن ينصحونا ولا على أن يوصلوا إلينا خيراً، بل هم الفسقة الذين حذرنا الله من الاغترار بهم، وقال عن عامة أولئك: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)، وأخبرنا أنهم يقيمون أمورهم على خيالات وظنون وأمنيات يُمَنِّيهم بها الشيطان ليست على حقيقة، قال تبارك وتعالى: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)، وقال جل جلاله وتعالى في علاه في مسلك أولئك أرباب الأوهام والخيالات والظنون: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)، وهكذا، وقال لنبيه ﷺ منبِّهاً لنا في خطابه لنبيه: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ * هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).
ثم قال: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ)؛ لا والله، لا حياتهم سواء ولا مماتهم سواء. الذين اجترحوا السيئات: مَن تترك الصلوات، من تَعُقُّ الأب أو الأم، من تخالف الزوج، من تؤذي الجيران، من تغتاب وتَنِمُّ، من تنظر إلى المناظر الخبيثة المحرَّم النظرُ إليها في الجوالات وغيرها من الشاشات، من تتجرأ على سب المسلمين، وأمثال ذلك ممن يجترحن السيئات؛ لا تكن إحداهن كالمؤمنة العاملة بالصالحات أبداً. (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)؛ حكمٌ باطل، ولا يكونون سواء، كما قال في الآية الأخرى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ).
وقال تعالى عن فئة من الناس يختبرنا بهم على ظهر الأرض -وهم أتباع الشهوات- وأخبر أن لهم إرادة أن نضل وأن نميل عن سبيل الحق والهدى، قال: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا).
(أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) : يريد هؤلاء أن يميل نساؤنا وأن يميل رجالنا عن طريق الحق والهدى ميلاً عظيماً، والعياذ بالله تعالى، فيجب أن نحذر منهم ونُصغي إلى خطاب الله وخطاب رسوله المصطفى محمد ﷺ.
قال ربنا سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)؛ أي: حياة الكرامة والهناء، حياة القلب والروح، حياة القرب من الرب. (إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)؛ هذه الحياة الطيبة التي لا تعطينا إياها دول الشرق ولا دول الغرب، ولا يمكن أن تُؤخذ إلا من فضل الله بواسطة طاعته وطاعة رسوله محمد ﷺ. قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)، (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)؛ دعاكنَّ رسول الله ﷺ ألا تُظهرن الزينة على أحد من الرجال الأجانب، قال تبارك وتعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) يعني أزواجهن (أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ). فلا يبدين زينتهن لغير ذلك، بل قال: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ)؛ كان من عادة النساء يضعن في أرجلهن خلاخل، إذا حركت رجلها يظهر لها صوت، فحرَّم الله عليهن أن يُظهرن هذا الصوت للأجانب: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ). فإذا صوت الخلخال حرَّم الله على المرأة أن تُظهره حتى لا يفتتن الرجل الأجنبي، فكيف بالصوت في الجوال و"ألو ألو" و"كيف انت وكيف حالك" مع الرجل الأجنبي؟!
وقال الله لأمهات المؤمنين، فدعاهن ألا يخضعن بالقول -أي إذا كلَّمن الرجال الأجانب أن يُفخِّمن أصواتهن ولا يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض-: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا)؛ والبعيد عن إثارة الشهوة وعن إثارة العاطفة: (وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى). جعل سبحانه وتعالى أن التبرج كان وصف الجاهلية السابقة البعيدة عن الإيمان وإدراك الحقيقة: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى).
والمسلك القويم الذي فيه حياة قلوبهن ونيلُ حياة القرب والهناء والطمأنينة، قال: (وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، وهكذا، ثم قال لهن: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا). ثم قال جل جلاله في ذكر وصف أهل النجاة والفوز والسعادة من الرجال والنساء، قال: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).
الحمد لله، مثل هذا البيت يُعقد عندكن الذكر والحضرة في كل ثلاثاء وغيرها من الأذكار. والذكر مما حثَّنا الله على الإكثار منه في كتابه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)، وسمعتُنَّ في هذه الآية السابقة: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).
فاعمرن أعماركن وأوقاتكن بذكر الله وذكر رسوله المصطفى محمد ﷺ وبارك عليه وعلى آله، فيما يأتي في مثل "البردة"؛ أبيات وفصول قيلت في مدح النبي المصطفى ﷺ، فيها فصول في الشوق إليه، وفصول في نهي النفس عن الهوى والغفلة والذنوب التي تمنع من القرب من الله ورسوله ﷺ، وفيها مدحه، وفيها ذكر إسرائه ومعراجه، وفيها ذكر ميلاده، وفيها ذكر جهاده ﷺ، إلى غير ذلك مما حوته تلك البردة.
وكذلك مع هذا الذكر وَصف العلم النافع، وهو معرفة الأحكام، معرفة أحكام دين الله تبارك وتعالى، معرفة أحكام شريعته، علامة أن الله يريد بالإنسان الخير في قول رسوله ﷺ: «من يُرِدِ الله به خيراً يُفقِّهه في الدين». فقراءة مثل "التذكرة الحضرمية" وفيها فصول نافعة مفيدة مهمة للمرأة؛ فيما يتعلق بأسس الإيمان، وفيما يتعلق بأحكام الإسلام، وفيما يتعلق بشأنها مع الزوج ومع الوالدين، وفيما يتعلق بسترها وحجابها وحشمتها، وفيما يتعلق بزهدها في الدنيا واستعدادها للعقبى.
ومن القدوة كذلك، يقول في تلك أيضاً ينقل عن منظومة الحبيب أبي بكر بن شهاب عليه رحمة الله تبارك وتعالى:
والفخرُ ليس بالحريرِ والذهبْ ** ولا بلبسِ سندسٍ ولا قَصَبْ
ففي نساءِ الفرسِ - يعني من الكافرات- والنصارى ** من الحُلِيِّ ما غلا مقدارا
وكلُّهُ فانٍ وإن جاء الأجلْ ** أفضتْ إلى ما قدَّمتْ من العملْ
فالاقتداءُ بالبتولِ الزهرا ** وأمهاتِ المؤمنين أحرى
وقال:
وبعضُهنَّ تدَّعي وتزعمُ ** بأنها تغضُّ عمَّا يَحْرُمُ
وأنها في غايةِ العفافِ ** والبعدِ عن رذائلِ الأوصافِ
وهي تظلُّ في الطريقِ راتعهْ ** لا تستحي ذاهبةً وراجعهْ
أنَّى يصحُّ ما ادَّعتْهُ الجاهلهْ ** قولٌ بلا علمٍ ودعوى باطلهْ
ومَن تكُن بين الرجالِ ماشيهْ ** بالطيب فهي في الحديثِ زانيهْ
يشير إلى قوله ﷺ: «إذا استعطرت المرأة فخرجت على الرجال الأجانب ليجدوا ريحها فهي زانية»؛ أي عليها إثم الزنى والعياذ بالله، باستعمالها الطيب وهي تمر قريباً من الرجال الأجانب فيجدون منها الريح، ذلك مُحرّ؛ًم عليها في شريعة الله.
(اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)؛ هذه الأشياء امتثالها يحيي القلوب، وتنزل الطمأنينة والسكينة، ما يُحصِّلها الذي يأكل المأكولات، ولا يشرب المشروبات، ولا يلبس الملبوسات؛ إذا ما امتثل أمر الله، ما تكسبه طمأنينة ولا سكينة ولا هناء، ما يجدها مهما عمل! (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
فالحياة الطيبة في الاستجابة لما دعانا إليه الله والرسول محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).
بهذه المواصلة في الخيرات، وإذا أتممتُنَّ مثل كتاب "التذكرة الحضرمية"، ومعكن رسالة للشيخ محمد سعيد رمضان البوطي عليه رحمة الله اسمها "إلى كل فتاة تؤمن بالله"، ومعكنّ أيضاً "الرسالة الجامعة" للإمام أحمد بن زين الحبشي فيها مبادئ علوم الإسلام والإيمان والإحسان، وبعد ذلك معكنّ أيضاً "سفينة النجاة" فيما يتعلق بالفقه، و"المقدمة الحضرمية" أيضاً فيما يتعلق بالفقه، وأمامكنّ كثير من الكتب لتستفدن منها وتنتفعن بها وتنفعن أهل بيوتكن.
ومن أهمّ المهمات عليكن: المحافظة على أبنائكن وبناتكن من هذه التيارات التي تنتشر فتفسد الاعتقاد، أو تفسد الأخلاق، وتفسد المسار إلى الله تبارك وتعالى.
فواجبٌ أن نحافظ على أبنائنا وبناتنا، وصِرنَ يتعرضن لشيء باسم الدين وشيء في مضادة الدين إلى الانقطاع عن الله وعن رسوله، وعن هذا الدرب الطيب الذي شرَّفَ الله به منطقة المهرة من حين وصول الإسلام إليها وتوالي القرون، وهُم على قدم أهل السنة، شافعية، أشاعرة، لهم تعلُّق بالتصوف وأهل التصوف -أي تصفية القلب عما سوى الله، والتخلُّق بالأخلاق التي يرضاها الله سبحانه وتعالى-؛ مسلك قويم وصراط مستقيم، عليه صلحاء الشرق والغرب من المسلمين على مدى القرون، وعليه السواد الأعظم من هذه الأمة.
ويجب أن نحافظ على ذلك، ونحمي أبناءنا وبناتنا من هذه الأفكار الطارئة التي تحملهم على سوء الظن بآبائهم وأمهاتهم، وعلى سوء الظن بخيار الأمة وعلمائها في شرق الأرض وغربها على مدى القرون الماضية، والعياذ بالله تبارك وتعالى، فتفسد اعتقاداتهم.
بل يُدعى أبناؤنا وبناتنا إلى الكفر والإلحاد والعياذ بالله تعالى، كما يُدعَون أيضاً إلى الاستخفاف بسنن النبي محمد ﷺ، بل يُدعَون إلى ترك الفرائض، بل يُدعَون أيضاً إلى الاختلاط وإلى تتبُّع أسباب ووسائل الفساد والوقوع في المهالك والمُحرِّمات.
وهكذا يجب أن نثبِّت أقدامنا على منهج يرضاه الله، وقد وجَّه إلينا الخطاب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)؛ يعني احفظوا أنفسكم وأهليكم من النار، قوها هذه النار، أي اجعلوا وقاية لكم وحراسة وحماية من النار.
ولا يكون ذلك إلا بحُسن التربية والتعليم والانتباه للأبناء والبنات؛ قد تتضرر من مدرسة، وقد تتضرر من صديقة، وقد تتضرر من جوال، وقد يفسد بذلك فكرها أو خُلُقها أو اعتقادها، فوجب علينا أن لا نُغَفَّل ولا نُهمِل ولا نترك الأمور سائبة يدخل منها الشيطان من مداخل كثيرة، بل علينا أن ننتبه وننبِّه ونوجِّه ونتذاكر ونُذكِّر.
وطوبى لمن كان لها ابن أو بنت تفخر به في القيامة ويكون سبباً لرفع درجتها، كمثل من فرَّغت ابنها أو ابنتها لحفظ القرآن مع العمل به؛ "من حفظ القرآن وعمل به أُلبس والداه يوم القيامة تاجاً من نور، ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا".
ولكن قال حافظ القرآن الذي عمل به! من عمل به، ما خرج مِن حفظ القرآن يكفِّر آباءه، ولا يكفِّر أجداده، ولا يكفِّر المسلمين، ولا خرج من حفظ القرآن وهو يسيء الظن بأهل الله والمسلمين عامتهم وخاصتهم، ولا خرج من هذا الحفظ وهو مُتكبِّر يرى نفسه فوق الناس، ولكن حفظ القرآن وعمل به؛ خرج خاشعاً، خاضعاً، متواضعاً، أديباً، يعرف قدر الذين آمنوا من قبله ويتَّبعهم: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ).
فأمامكن مهمات وواجبات يجب عليكنّ أن تقُمنَ بها، وإن هناك تعلُّق بأحد من أجل الله، فرسلُ الله وأنبياؤه، ومَن ذكرنا من بنات المصطفى، وزوجاته أمهات المؤمنين، ومريم، وآسية.
وإذا كنتِ من أهل الجنة، فسيدة نساء أهل الجنة فاطمة؛ ما علاقتكِ بسيدتكِ إذا كنتِ من أهل الجنة؟ جعلنا الله وجميع نسائنا وأولادنا ورجالنا من أهل جنته.
فتشعر المرأة بسيادة فاطمة، وتهوى أن تتابعها وأن تقتدي بها، وهي القائلة: «خيرٌ للمرأة أن لا ترى رجلاً ولا يراها رجل» تعني أجنبياً، ولما نطقت بهذه الكلمة قام ﷺ فقبَّلها في جبهتها وقال: «بأبي ذرية بعضها من بعض»، وأيَّد هذه الفتوى من فاطمة الزهراء أن هذا خير للمرأة، هذا شرف المرأة وكرامة المرأة والبركة للمرأة: أن لا يراها رجل أجنبي ولا ترى رجلاً أجنبياً؛ أي: لا تتأمّل محاسنه ولا تُمكِّن أجنبياً أن يراها، فذلك مسلك (الصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ).
ويقول ﷺ -كما قرأتُنّ في "التذكرة الحضرمية"-: «إذا صلَّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة الثمانية شئتِ»، يوم القيامة تفتح لها أبواب الجنة الثمانية.
المحافظة على الصلاة: التي لا تُمكِّن أحداً من أبنائها وبناتها بلغ سبع سنين أن يؤخر الصلاة عن وقتها، وتُقيمهم، وإذا بلغوا العشر وتعمَّد أحدٌ تأخير الصلاة تضربه حتى لا يؤخِّر الصلاة؛ امتثالاً لأمر رسول الله: «مُروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم على تركها لعشر، وفرِّقوا بينهم في المضاجع».
إذا بلغوا العشر السنوات لا يبيتون في فراش واحد، (وفرِّقوا بينهم في المضاجع)؛ تربيةً على العفاف والحياء والحشمة بإرشادات نبي الرحمة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
الحمد لله الذي جمعكن، وينفعكن الله وتُقِمن بواجبكن؛ فإن المرأة ذات مكانة عند الله إذا صلحت واستقامت وأطاعت، ولها شرف الخلافة عن الله في الأرض التي أقامها الله بآدم وحواء، ثم بكل صالح وصالحة من أبناء آدم وحواء إلى يوم الدين: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، وما كان إلا بخروج آدم مع حواء إلى الأرض، وبدأت بَذرة الخلافة عن الله تعالى في عالم الحس والظاهر بآدم وحواء عليهما السلام، ثم أخرج الله منهما رجالاً كثيراً ونساءً، فاز المؤمنون منهم والصادقون المخلصون، وخاب أكثرهم، والعياذ بالله تبارك وتعالى؛ فإنّ أكثرهم كفروا وخالفوا أمر الله.
ولذا يقول الله لآدم يوم القيامة: «قم فأخرج بعث النار من ذريتك»، فيقول: «يا رب، كم أخرج؟»، يقول: «من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحداً إلى الجنة». فأنتَ واحد من ألف من بني آدم، وما أكثر بني آدم! ولكن كما قال ربنا: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)، وقليلٌ أهل الصدق في الإيمان، جعلنا الله وإياكن منهم، ونفعكن بهذا المجلس والحضور إليه، وشرح الله صدوركن، وضاعف الخير لكُنَّ في هذا المجلس وما يُعقد من بُردة وذِكر ومن تعليم.
فهذا مهم لكُنَّ، وهو مرقِّق للقلوب، ومنقٍّ ومصفٍّ، وهو يكسِب قوة الرابطة بالله والصلة به، ويحمل على حُسن النظر في طلب مرضاته والاستعداد للقائه جل جلاله؛ فالعَودُ إليه: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ)، يقول ربنا، (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ) أي رجوعهم (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ).
أصلح لأهلها شؤونهم ظاهرها وخافيها، وبارك في جميع الحاضرات ومن في بيوتهن، ورزقهنَّ الاستقامة والتعاون على البر والتقوى واتباع المصطفى محمد، ومَكَّن في قلوبهن إجلال وإكبار العارفات والمُقربات عند الله، كأمثال من ذكرنا ومن معهن من السابقات من المهاجريات والأنصاريات الأوليات، عليهن رضوان الله تبارك وتعالى، فنعم الأسوة ونعم القدوة.
شرح الله لكُنَّ الصدور، ويسَّر الأمور، وغفر لنا جميع الآثام والأوزار، وكفَّر عنا جميع السيئات وحوَّلها إلى حسنات تامات موصلات، وثبَّت أقدامنا فيما بقي من الأعمار، وختم عُمر كل واحد منا بأكمل الحسنى وهو راضٍ عنه، بسر الفاتحة إلى حضرة النبي محمد ﷺ.
17 ربيع الأول 1448